المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌{الفصل الأول} 1059- (1) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٣

[عبيد الله الرحماني المباركفوري]

فهرس الكتاب

- ‌(10) باب صفة الصلاة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(11) باب ما يقرأ بعد التكبير

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(12) باب القراءة في الصلاة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(13) باب الركوع

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(14) باب السجود وفضله

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(15) باب التشهد

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(16) باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفضلها

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(17) باب الدعاء في التشهد

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(18) باب الذكر بعد الصلاة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(19) باب مالا يجوز من العمل في الصلاة وما يباح منه

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(20) باب السهو

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(21) باب سجود القرآن

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(22) باب أوقات النهي

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(23) باب الجماعة وفضلها

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

الفصل: ‌ ‌{الفصل الأول} 1059- (1) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله

{الفصل الأول}

1059-

(1) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين

ــ

1059-

قوله: (صلاة الجماعة) الإضافة لأدنى ملابسة أي صلاة أحدكم مع الجماعة، أو بحذف المضاف أي صلاة آحاد الجماعة، وإلا فليس المطلوب تفضيل صلاة الجماعة كلها على صلاة الواحد، بل تفضيل صلاة الواحد على صلاته باعتبار الحالين؛ لأنه لا فائدة في كون صلاة الجماعة كلها فاضلة هذا الفضل. (تفضل) بفتح التاء والسكون الفاء وضم الضاد المعجمة، أي تزيد في الأجر والثواب (صلاة الفذ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة، أي الفرد بمعنى المنفرد، وفي رواية لمسلم: صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده. (بسبع وعشرين)، قال الترمذي: عامة من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قالوا: خمس وعشرين إلا ابن عمر، فإنه قال بسبع وعشرين، قال الحافظ: لم يختلف عليه في ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق عن عبد الله العمري عن نافع فقال فيه خمس وعشرين، لكن العمري ضعيف، ووقع عند أبي عوانة في مستخرجه من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع فإنه قال بخمس وعشرين، وهي شاذة مخالفة لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله وأصحاب نافع، وإن كان راويها ثقة، وأما ما وقع عند مسلم من رواية الضحاك بن عثمان عن نافع بلفظ: بضع وعشرين. فليست مغايرة لرواية الحفاظ، لصدق البضع على السبع، وأما غير ابن عمر فصح عن أبي سعيد وأبي هريرة كما في هذا الباب. (أى باب فضل الجماعة عند البخاري بلفظ خمس وعشرين) وعن ابن مسعود عند أحمد وابن خزيمة وعن أبي بن كعب عند ابن ماجه والحاكم وعن عائشة وأنس عند السراج، وورد أيضاً من طرق ضعيفة عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت، وكلها عند الطبراني، واتفق الجميع على خمس وعشرين، سوى رواية أبي فقال: ربع أو خمس على الشك، أو سوى رواية أبي هريرة عند أحمد قال فيها: سبع وعشرون، وفي إسنادها شريك القاضي، وفي حفظه ضعف، وفي رواية لأبي عوانة بضعا وعشرين، وليست مغائرة أيضاً لصدق البضع على الخمس، فرجعت الروايات كلها إلى الخمس والسبع، إذ لا أثر للشك - انتهى. واختلف في توجيه هذا الاختلاف، فمنهم من حاول الترجيح فقيل: رواية الخمس أرجح لكثرة رواتها، وإليه مال الترمذي كما يشير إليه كلامه المتقدم، وقيل: رواية السبع؛ لأن فيها زيادة من عدل حافظ، ومنهم ما مال إلى الجمع بين هذين العددين، وذلك بوجوه: منها: أن ذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد غير مراد، فرواية الخمس داخلة تحت رواية السبع. ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم لعله أخبر بالخمس أولاً ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، فالزائد متأخر عن

ص: 480

درجة))

ــ

الناقص؛ لأن الله تعالى يزيد عباده من فضله ولا ينقصهم من الموعود شيئاً. ومنها: الفرق بقرب المسجد وبُعده. ومنها: الفرق بحال المصلى كأن يكون أعلم أو أخشع. ومنها: الفرق بالمنتظر للصلاة وغيره. ومنها: الفرق بإدراك كلها أو بعضها. ومنها: الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم. ومنها: أن السبع مختصة بالفجر والعشاء، وقيل: بالفجر والعصر لاجتماع الملائكة، والخمس بما عدا ذلك. ومنها: أن السبع مختصة بالجهرية، والخمس بالسرية، ورجحه الحافظ في الفتح، ورجح الشوكاني الأول. واعلم أن التخصيص بهذا العدد من أسرار النبوة التي تقصر العقول عن إدراكها. قال التوربشتي: أما وجه قصر الفضيلة على خمس وعشرين تارة، وعلى سبع وعشرين أخرى، فمرجعه إلى العلوم النبوية التي لا يدركها العقلاء إجمالاً فضلاً عن التفصيل، ولعل الفائدة فيما كشف به حضرة النبوة هي اجتماع المسلمين على إظهار شعار الإسلام - انتهى. وقد تعرض جماعة منهم الكرماني والبلقيني للكلام على وجه الحكمة في هذا العدد الخاص، وذكروا مناسبات وتعليلات، وهي أقوال تخمينية ليس عليها نص، وقد طول الكلام في ذلك الحافظ في الفتح، من أحب الوقوف على ذلك رجع إليه. (درجة) هو مميز العدد المذكور، وفي الروايات كلها التعبير بقوله درجة، أو حذف المميز إلا طرق حديث أبي هريرة، ففي بعضها ضعاً، وفي بعضها جزء، وفي بعضها درجة، وفي بعضها صلاة، ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس، والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة. قال ابن سيد الناس: هل هذه الدرجات والأجزاء بمعنى الصلوات، فيكون صلاة الجماعة بمثابة خمس وعشرين أو سبع وعشرين صلاة؟ أو يقال إن لفظ الدرجة والجزء لا يلزم منهما أن يكون بمقدار الصلاة، الظاهر الأول، ففي حديث لأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الجماعة تعدل خمساً وعشرين صلاة من صلاة الفذ، رواه السرج. وفي لفظ له: صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده، إسنادهما صحيح، وفي حديث ابن مسعود بخمس وعشرين صلاة - انتهى. قلت: حديث أبي هريرة أخرجه أيضاً مسلم بكلا اللفظين، وحديث ابن مسعود أخرجه أحمد بإسناد رجاله ثقات. قال الحافظ: معنى الدرجة أو الجزء حصول مقدار صلاة المنفرد بالعدد المذكور للجمع، وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن بعضهم زعم خلاف ذلك، قال: والأول أظهر؛ لأنه قد ورد مبيناً في بعض الروايات - انتهى. وكأنه يشير إلى ما ذكرنا من الروايات. ثم ظاهر قوله: تفضل، وكذا قوله: تزيد في رواية لمسلم، وكذا قوله: تضعف في حديث أبي هريرة عند البخاري أن صلاة الجماعة تساوي صلاة المنفرد وتزيد عليها العدد المذكور، فيكون لمصلي الجماعة ثواب ست أو ثمان وعشرين من صلاة الفذ. قال الباجي: يقتضي هذا أن صلاة المأموم تعدل ثمانية وعشرين درجة من صلاة الفذ؛ لأنه تزيد سبعاً وعشرين درجة - انتهى. وهل هذا التضعيف يختص بالتجمع في المسجد أو لا يختص به؟ الظاهر الأول، قال الحافظ: وهو الراجح في نظري.

ص: 481

متفق عليه.

ــ

والحديث حث على الجماعة، وفيه دليل على عدم وجوبها وأنها ليست شرطاً لصحة الصلاة. قال الباجي: والاستدلال منه بمعنيين: الأول بلفظ: تفضل، فلو لم تكن صلاة الفذ مجزئة لما وصفت بأنها تفضل؛ لأنه لا تفاضل بين صلاة الجماعة وبين ما ليس بصلاة. والثاني بالدرجات، فلو لم تكن لصلاة الفذ درجة لما جاز أن يقال إن صلاة الجماعة تزيد عليها سبعاً وعشرين درجة- انتهى. ويدل عليه أيضاً ما ورد في رواية لمسلم من حديث ابن عمر بلفظ: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، لاقتضاء صيغة أفعل الاشتراك في أصل الفضل، فإن ذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة المنفرد، وما لا يصح لا فضيلة فيه. وقال الشوكاني: والمشترك ههنا لابد أن يكون هو الإجزاء والصحة، وإلا فلا صلاة فضلاً عن الفضل. وقال السندي: استدلوا بهذا الحديث وأمثاله على عدم وجوب الجماعة؛ لأن تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بتلك الدرجات فرع صحة صلاة الفذ، وهذا ليس بشيء؛ لأن معنى وجوب الجماعة عند غالب من يقول به من العلماء هو أنها واجبة على المصلي حالة الصلاة يأتم المصلي بتركها بلا عذر، لا أنها من واجبات الصلاة، بمعنى أنها شرط في صحتها، تبطل الصلاة بانتفائها، فإنه ما قال بالمعنى الثاني إلا شرذمة قليلون- انتهى. وأجيب أيضاً بأن المراد من الحديث إنما هو الترغيب في الجماعة ببيان زيادة ثوابها على صلاة المنفرد لا غير، وأما الوجوب فله دليل آخر، والحاصل أن الحديث إنما سيق لبيان فضل الجماعة والترغيب فيها، لا لبيان السنية أو الوجوب، وإنما ذكر صلاة الفذ وقابل بها ليظهر فضل صلاة الجماعة، فهو لتعقل صورة الحساب فقط كما في حديث الزكاة عند أبي داود: في كل أربعين درهماً درهم، فإنه لم يرد به بيان النصاب ليجب درهم على من كان عنده أربعون درهماً، إنما أراد به بيان الحساب بأن الخمسة في المأتين كالدرهم في الأربعين. هكذا حديث ابن عمر هذا وما شابهه إنما سيق لبيان الحساب لا لصحة صلاة المنفرد بمعنى عدم نقصان فيها، فتأمل. وقال بعضهم: إن صيغة أفعل قد ترد لإثبات صفة الفضل في إحدى الجهتين، كقوله تعالى:{وأحسن مقيلاً} [25: 24] . وتعقب بأنه إنما يقال ذلك على قلة حيث ترد صيغة أفعل مطلقة غير مقيدة بعدد معين، فإذا قلنا هذا العدد أزيد من هذا بكذا فلابد من وجود أصل العدد. وقال بعضهم: يحمل الفذ في الحديث على المعذور أي المنفرد لعذر. وتعقب بأن قوله: صلاة الفذ، صيغة عموم، فيشمل من صلى منفردا بعذر وبغير عذر فحمله على المعذور يحتاج إلى دليل. وأيضاً ففضل الجماعة حاصل للمعذور؛ لأن الأحاديث قد دلت على أن أجره لا ينقص عما يفعله لولا العذر، فروى أبوموسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً. رواه أحمد والبخاري وأبوداود، وعن أبي هريرة مرفوعاً: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي.

ص: 482

1060-

(2) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب، فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال. وفي رواية: لا يشهدون الصلاة،

ــ

1060-

قوله: (والذي نفسي) أي ذاتي أو روحي. (بيده) هو قسم كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقسم به، والمعنى أن أمر نفوس العباد بيد الله، أو بتقديره وتدبيره أو في ملكه وتحت تصرفه، وفيه جواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه، تنبيهاً على عظم شأنه. (لقد هممت) هو جواب القسم أكده باللام وقد، والهم العزم، وقيل دونه، والمعنى: لقد قصدت. وزاد مسلم في أوله أنه صلى الله عليه وسلم فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: لقد هممت، فأفاد ذكر سبب الحديث. (أن آمر) بالمد وضم الميم، أي خدمي لما في رواية فتيتي. (بحطب) بفتحتين، ما أعد من الشجر وقوداً للنار. قال القاري: أي يجمع حطب عظيم. (فيحطب) بالفاء وضم المثناه التحتية مبنياً للمفعول منصوباً عطفاً على المنصوب المتقدم، وكذا الأفعال الواقعة بعده، أي فيجمع الحطب. قال الطيبي: يقال حطبت الحطب واحتطبته أي جمعته. قال المؤلف: فيحطب كذا وجدناه في صحيح البخاري والجمع للحميدى وجامع الأصول وشعب الإيمان. وفي المصابيح فيحتطب أي من الاحتطاب. قلت: وكذا وقع لأبي الوقت في رواية البخاري وللبيهقي (ج3 ص55) . وحطب واحتطب بمعنى واحد. (ثم آمر) بالمد وضم الميم. (بالصلاة) العشاء أو الفجر أو الجمعة أو مطلقاً، كلها روايات ولا تضاد لجواز تعدد الواقعة، قاله القسطلاني. قلت: عامة الروايات عن أبي هريرة على الإبهام، نعم يومئ آخر هذه الرواية أنها العشاء لقوله: لشهد العشاء. وفي رواية مسلم: لشهدها، يعني صلاة العشاء ولذلك فسرها القاري بالعشاء، قال: ويحتمل بقاءه على عمومه إن تعددت القصة. وقال النووي: جاء في رواية أن هذه الصلاة التي همّ بتحريقهم للتخلف عنها هي العشاء، وفي رواية أنها الجمعة، وفي رواية يتخلفون عن الصلاة مطلقاً، وكله صحيح، ولا منافاة بين ذلك أي لحمله على تعدد القضية. (فيؤذن) بفتح الذال المشددة. (لها) أي لأجلها. (ثم آمر رجلا فيؤم الناس) فيد دليل لجواز استخلاف الإمام وانصرافه لعذر. (ثم) أخالف إلى رجال أي آتيهم من خلفهم. وقال الجوهري: خالف إلى فلان أي أتاه إذا غاب عنه، أو المعنى أخالف المشتغلين بالصلاة قاصداً إلى بيوت الذين لم يخرجوا عنها إلى الصلاة فأحرقها عليهم، وقيل: معناه: أذهب إليهم، وقيل: المعنى أخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة فأتركه وأسير إليهم، أو أخالف ظنهم في أنى مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم. والتقييد بالرجال يخرج النساء والصبيان، وهو منصوص في رواية لأحمد بلفظ: لولا ما في البيوت من النساء والذرية- الحديث. (وفي رواية) أي أخرى. (لا يشهدون الصلاة) أي لا يحضرون

ص: 483

فأحرق عليهم بيوتهم

ــ

الجماعة من غير عذر. قال المؤلف: وليس في الصحيح في هذه الرواية لا يشهدون الصلاة بل في رواية أخرى، نقله الطيبي. قلت: هذا اعتراض من صاحب المشكاة على البغوي حيث ذكر سياق الحديث في المصابيح بلفظ: ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة الخ، فإن الظاهر منه أن قوله: لا يشهدون الصلاة، موجود في الرواية التي ساق البغوي لفظها، مع أن هذا اللفظ ليس في هذه الرواية بل في رواية أخرى، فكان عليه أن ينبه على ذلك، ويقول بعد قوله إلى رجال. وفي رواية. لا يشهدون الصلاة، كما قال المؤلف. وهذا الاعتراض متجه عندي كما لا يخفى، وفي رواية لأي داود: ثم آتى قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة، فيكون الوعيد على ترك الجماعة بغير عذر لا على ترك الصلاة، وفيه دلالة على أن الأعذار تبيح التخلف عن الجماعة، ولو قلنا إنها فرض، وكذا الجمعة. (فأحرق) بتشديد الراء وفتح القاف وضمها كسابقه، وهو مشعر بالتكثير والمبالغة في التحريق. (عليهم) أي على المتخلفين عن الجماعة. (بيوتهم) بالنار عقوبة لهم، وفيه إشعار بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين وبيوتهم، وفي رواية لمسلم: ثم تحرق بيوتاً على من فيها. والحديث قد استدل به لأحمد ومن وافقه على أن الجماعة واجبة وجوب عين، وهو من أوضح أدلة القائلين بالوجوب. قال الحافظ في الفتح: الحديث ظاهر في كون الجماعة فرض عين؛ لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ومن معه. وأجاب الجمهور عنه بأجوبة: الأول أن نفس الحديث يدل على خلاف المدعى وهو عدم الوجوب، لكونه صلى الله عليه وسلم هم بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها إذا توجه. وتعقب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه، وبأن تركها لحال التحريق لا يستلزم الترك مطلقاً؛ لإمكان أن يتداركها في جماعة آخرين قبل التحريق أو بعده. والثاني أن الخبر ورد مورد الزجر، وحقيقة غير مرادة، وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك. وأجيب بأن ذلك وقع قبل تحريم التعذيب بالنار، فحمل التحديد على حقيقته غير ممتنع، على أنه لو فرض أن هذا التواعد وقع بعد التحريم لكان مخصصاً له، فيجوز التحريق في عقوبة تارك الصلاة بالجماعة. والثالث كونه صلى الله عليه وسلم ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان واجباً ما عفا عنهم. وتعقب بأنه لا يهمّ إلا بما يجوز له فعله لو فعله، والترك لا يدل على عدم الوجوب لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه جاء في رواية لأحمد بيان سبب الترك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: لولا ما في البيوت من النساء والذرية أقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار، وسيأتي هذا الحديث. والرابع أن التهديد لقوم تركوا الصلاة رأساً لا مجرد الجماعة. وتعقب بما تقدم من رواية أبي داود بلفظ:

ص: 484

ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة، وبقوله: لا يشهدون الصلاة بمعنى لا يحضرون الجماعة، وفي رواية عند أحمد: لا يشهدون العشاء في الجميع أي في الجماعة، وفي حديث أسامة بن زيد عند ابن ماجه مرفوعاً: لينتهين رجال عن تركهم الجماعات أو لأحرقن بيوتهم. والخامس أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعل أهل النفاق والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل، وهو قريب من الوجه الثاني. والسادس أن الحديث ورد في حق المنافقين خاصة، فليس التهدد على ترك الجماعة بخصوصه، فلا يتم الدليل. وتعقب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة، مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه صلى الله عليه وسلم كان معرضاً عنهم وعن عقوبتهم مع علمه بطويتهم، وقال: لا يحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه. وتعقب هذا التعقب بأنه لا يتم إلا أن ادعى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجباً عليه ولا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان مخيراً فليس في إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين، لقوله في رواية من حديث أبي هريرة هذا عند الشيخين: ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر- الحديث. لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر، يدل على ذلك ما في رواية أبي داود: ويصلون في بيوتهم ليست بهم علة، ففيه دليل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، وأيضاً قوله في رواية أحمد: لولا ما في البيوت من النساء والذرية، يدل على أنهم لم يكونوا كفاراً؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقاً إلى الغلبة عليه لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته، وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر فلا يدل على عدم الوجوب؛ لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على عدم الوجوب من جهة المبالغة في ذم من تخلف عنها. قال الطيبي: خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جاز لهم التخلف عن الجماعة، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم وعادتهم، وأنه مناف لأحوالهم؛ لأنه من صفات المنافقين، ولو دخلوا في هذا الوعيد ابتداء لم يكن بهذه المثابة. ويعضده ما روي عن ابن مسعود من قوله: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق قد علم نفاقه، رواه مسلم- انتهى كلامه. لا يقال: فهذا يدل على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه. (السادس) لأنتفاء أن يكون المؤمن قد تخلف، وإنما ورد الوعيد في حق م تخلف؛ لأني أقول: بل هذا يقوي ما ظهر لي أولاً أن المراد بالنفاق نفاق المعصية لا نفاق الكفر، فعلى هذا الذي خرج هو المؤمن الكامل لا العاصي الذي يجوز إطلاق النفاق عليه مجازاً لما دل عليه مجموع الأحاديث- انتهى كلام الحافظ. والسابع أن فريضة الجماعة كانت في أول

ص: 485

والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء))

ــ

الإسلام لأجل سد باب التخلف عن الصلاة على المنافقين ثم نسخ، حكاه عياض. قال الحافظ: ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم، وهو التحريق بالنار، وكذا ثبوت نسخ ما يتضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال- انتهى. قال النووي: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغال في الغنيمة، واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع تحريق متاعهما- انتهى. هذا، وههنا وجوه أخرى للجواب عن هذا الحديث تركناها للاختصار، وأقرب الأجوبة عندي هو الوجه الثاني، يني أن الحديث خرج مخرج الزجر لا الحقيقة، وإنما المراد المبالغة بدليل أنه لم يفعله صلى الله عليه وسلم، ولا دليل على أنهم انزجروا وتركوا التخلف، وكان يمكن له صلى الله عليه وسلم أن يحرق ما في بيوتهم بعد إخراج النساء والذرية منها. (والذي نفسي بيده) أعاد القسم للمبالغة في التأكيد. (لو يعلم أحدهم) أي الذين لا يشهدون الصلاة. (أنه يجد) أي في المسجد. (عرقاً) بفتح العين المهملة وسكون الراء وبالقاف، العظم الذي عليه بقية لحم. قال الطيبي: العرق بالسكون العظم الذي أخذ منه اللحم أي معظمه وبقي عليه لحم رقيق، يقال: عرقت العظم إذا أخذت أكثر ما عليه من الحم نهشاً. وفي المحكم عن الأصمعي: العرق بسكون الراء قطعة لحم، قيل هو اللائق هنا، وقيل: الأول لأنه أشد مبالغة في إظهار الخساسة المقصودة. ولفظ الموطأ والنسائي عظماً قيل هو أنسب للوصف بقوله: (سميناً) قال ابن حجر قيد به؛ لأن العظم السمين فيه دسومة قد يرغب في مضغه لأجلها. (أو مرماتين) تثنية مرماة بكسر الميم وقد تفتح، ظلف الشاة أو ما بين ظلفيها من اللحم، قاله الخليل. وكذا قال البخاري فيما نقله المستملي في روايته في كتاب الأحكام عن الفربري. قال عياض: فالميم على هذا أصلية، وقال الأخفش: المرماة لعبة كانوا يلعبونها بنضال محددة يرمونها في كوم من تراب، فأيهم أثبتها في الكوم غلب، وهي المرماة والمدحاة، قيل: ويبعد أن تكون هذه مراداً لحديث لأجل التثنية. وحكى الحربي عن الأصمعي: أن المرماة سهم الهدف، وقال ويؤيده ما روى عن أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ: لو أن أحدهم إذا شهد الصلاة معي كان له عظم من شاة سمينة أو سهمان لفعل. وقيل: المرماة سهم يتعلم عليه الرمي، وهو سهم دقيق مستو غير محدد، وهو أحقر السهام وأرذلها. قال الزين بن المنير: ويدل على ذلك التثنية فإنها مشعرة بتكرر الرمي، بخلاف السهام المحددة الحربية فإنها لا يتكرر رميها. وقال الزمخشري: تفسير المرماة بالسهم ليس بوجيه، ويدفعه ذكر العرق معه، ووجهه ابن الأثير بأنه لما ذكر العظم السمين وكان مما يؤكل أتبعه بالسهمين؛ لأنهما مما يتلهى به- انتهى. (حسنتين) بفتحتين أي جيدتين. قال الحافظ: إنما وصف العرق بالسمن والمرماة بالحسن ليكون ثم باعث نفساني على تحصيلهما. (لشهد العشاء) أي صلاتها، فالمضاف محذوف، والمعنى لو علم أنه لو حضر الصلاة يجد نفعاً دنيوياً وإن كان خسيساً

ص: 486

رواه البخاري. ولمسلم نحوه.

1061-

(3) وعنه، قال: ((أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى، فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن

ــ

حقيراً لحضرها لقصور همته على الدنيا، ولا يحضرها لما لها من مثوبات الآخرة ونعيمها، ففيه توبيخ وإشارة إلى ذم المتخلفين بوصفهم بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم أو ملعوب به مع التفريط فيما يحصل به رفيع الدرجات ومنازل الكرامات. وفي الحديث من الفوائد تقديم التهديد والوعيد على العقوبة، وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزواجر اكتفى به عن الأعلى من العقوبة، فهو من باب الدفع بالأخف. وفيه جواز العقوبة بالمال، كذا استدل به كثير من القائلين بذلك من المالكية وغيرهم. وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هم بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بالصلاة الجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد، وفي السياق إشعار بأنه تقدم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل، وترجم عليه البخاري في كتاب الأشخاص وفي كتاب الأحكام: باب أخراج أهل المعاصي والريب من البيوت بعد المعرفة، يريد أن من طلب منهم بحق فاختفى أو امتنع في بيته لدداً ومطلاً أخرج منه بكل طريق يتوصل إليه بها، كما أراد النبي صلى الله عليه وسلم إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم. وفيه الرخصة للإمام أو نائبة في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفى في بيته ويتركها، ولا بعد أن يلحق بذلك الجمعة فقد ذكروا من الأعذار في التخلف عنها خوف فوات الغريم وأصحاب الجرائم في حق الإمام كالغرماء. واستدل به ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية، كما هو مذهب مالك. قال العيني: وكذلك روي عن بعض أصحابنا، وادعى الجمهور النسخ. (رواه البخاري) في الصلاة وفي كتاب الأشخاص وكتاب الأحكام، وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والنسائي والبيهقي. (ولمسلم نحوه) وكذا للترمذي وأبي داود وابن ماجه.

1061-

قوله: (رجل أعمى) قال النووي وغيره: هو ابن أم مكتوم كما جاء مفسراً في سنن أبي داود وغيره، يعني بذلك رواية أبي داود والنسائي الآتية في الفصل الثالث. (ليس لي قائد) القائد هو الذي يمسك يد الأعمى ويأخذها ويذهب به حيث شاء ويجرة، من القود وهو ضد السوق فهو من أمام، وذاك من خلف، والمراد نفي القائد الملائم أي الموافق المساعد، لا نفي القائد مطلقاً، جمعاً بينه وبين ما وقع في الرواية الآتية عند أبي داود: ولى قائد لا يلائمني، إذا كان الأعمى المذكور في حديث أبي هريرة هذا هو ابن أم مكتوم، وقيل: هما واقعتان. (يقودني) أي يمسكني ويأتي معي. (إلى المسجد) لصلاة الجماعة وفي رواية النسائي إلى الصلاة. (أن

ص: 487

يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال نعم. قال: فأجب)) رواه مسلم.

1062-

(4) وعن ابن عمر: ((أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح،

ــ

يرخص له) أي في ترك الجماعة في المسجد. (فيصلي في بيته) إما جماعة أو منفرداً. (فرخص له) أولا. (فلما ولى) أي رجع وأدبر (هل تسمع النداء بالصلاة) أي التأذين بها. (فأجب) أمر من الإجابة أي أجب النداء واتبعه بالفعل، يعني فأت الجماعة، قيل: الترخيص في أول الأمر اجتهاد منه صلى الله عليه وسلم، والأمر بالإجابة بوحي جديد من الله تعالى نزل في الحال، أو أنه تغير اجتهاده صلى الله عليه وسلم إذا قلنا بالصحيح، وقول الأكثرين أنه يجوز له الاجتهاد. وقيل: أطلق له الجواب أي رخص له أولاً مطلقاً ثم قيده بقيد عدم سماع النداء، ومفهومه أنه إذا لم يسمع النداء كان ذلك عذراً له، وإذا سمعه لم يكن له عذر من الحضور. وقيل الترخيص أولاً باعتبار العذر، والأمر بالإجابة للندب، فكأنه قال: الأفضل لك والأعظم لأجرك أن تجيب وتحضر فأجب، ويدل لكون الأمر للندب مع العذر حديث ابن عباس الآتي في الفصل الثاني، والحديث ظاهر في وجوب الجماعة وجوب عين، فيأثم المصلي بتركها. وأجاب الجمهور عن ذلك بأنه سأل هل له رخصة في أن يصلي في بيته وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره، فقيل لا. ويؤيد ها أن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين، ومن جملة العذر العمى إذا لم يجد قائداً، كما في حديث عتبان بن مالك في الصحيحين أنه رخص له حيث شكا بصره أن يصلي في بيته. وتعقب بأن هذا التأويل ضعيف، لما تقدم أن المعذور لا ينقص أجره عما يفعله لولا العذر، كما يدل عليه حديث أبي موسى. وما ادعى أحد أن الجماعة فرض عين مع وجود العذر أيضاً، فتدبر. وحمل بعضهم حديث العمى على أن النبي صلى الله عليه وسلم علم منه أنه يمشي بلا قائد لحذقه وذكائه كما هو مشاهد في بعض العميان يمشي بلا قائد، لاسيما إذا كان يعرف المكان قبل العمي أو بتكرر المشي إليه يستغنى عن القائد. وأجاب بعضهم بأن الدعوى وجوب الجماعة في المسجد عيناً سمع النداء أو لم يسمع، والحديث إنما يدل على وجوب الجماعة عيناً على من سمع النداء فقط لا مطلقاً، وهو أخص من الدعوى، فلا يتم التقريب. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً النسائي والبيهقي وغيرهما.

1062-

قوله: (وعن ابن عمر أنه أذن) عبارة البخاري هنا عن نافع أن ابن عمر أذن، وفي باب الأذان للبخاري أيضاً قال:(أي نافع) أذن ابن عمر، وهذا صريح في أن أذن على صيغة المعروف. (في ليلة ذات برد) بسكون الراء. (وريح) وكان ابن عمر إذ ذاك مسافراً فأذن في ليلة باردة بضجنان كما في رواية للبخاري، وهو

ص: 488

ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول:

ــ

بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم وبينونين بينهما ألف على وزن فعلان، غير منصرف. قال الزمخشري في الفائق: جبل بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلاً. (ثم قال) أي ابن عمر بعد فراغ الأذان. (ألا) بتخفيف اللام التنبيه (صلوا) بصيغة الأمر. (في الرحال) بكسر الراء بعدها حاء مهملة جمع رحل، وهو مسكن الرجل وما فيه من أثاثه، أي صلوا في منازلكم. (كان يأمر المؤذن إذا كانت) أي وقعت. (ليلة) بالرفع. (ذات برد) صفتها والمراد البرد الشديد. (ومطر) أي كثير، وفي رواية للبخاري: في الليلة الباردة أو المطيرة أي الماطرة. وفي صحيح أبي عوانة: ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات ريح. وقوله أو ليس للشك، بل للتنويع، وفيه رد على من قال إن ابن عمر قاس الريح على المطر بجامع المشقة العامة؛ لأنه نص فيه على الريح، وفيه أيضاً أن كل واحد من البرد والمطر والريح عذر بانفراده في التأخر عن الجماعة، وبه قال الجمهور. ونقل ابن بطال فيه الإجماع، لكن المعروف عند الشافعية والمالكية والحنفية أن الريح عذر في الليل فقط، وأما المطر والبرد فقالوا إن كلا منهما عذر في الليل والنهار كليهما. وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، لكن في سنن أبي داود من طريق ابن إسحاق عن نافع في هذا الحديث: في الليلة والغداة القرة، وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه أنهم مطروا يوماً (أي يوم حنين) فرخص لهم، وكذا في حديث ابن عباس عند الشيخين أنه قال لمؤذنه في يوم مطير

الحديث، قال الحافظ: ولم أر في شيء من الأحاديث الترخص بعذر الريح في النهار صريحاً لكن القياس يقتضى إلحاقه- انتهى. (يقول) أي بعد الفراغ من الأذان، ففي رواية للبخاري: كان يأمر مؤذناً يؤذن ثم يقول على أثره يعني أثر الأذان، فإنه صريح في أن قوله: ألا صلوا في الرحال. كان بعد فراغ الأذان. فإن قلت: في حديث ابن عباس عند الشيخين: فلما بلغ المؤذن حي على الصلاة فأمره أن ينادي الصلاة في الرحال. وقال: فعل هذا من هو خير منه، وهو يقتضي أن ذلك يقال بدلاً عن الحيعلتين، وظاهر الحديث أنه يقال بعد الفراغ من الأذان، فما الجمع بينهما. أجيب بأن الأمرين جائزان، لأمره صلى الله عليه وسلم بكل منهما لكن بعده أحسن لئلا ينخرم نظام الأذان، وقد ورد الجمع بينهما في حديث آخر أخرجه عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح، عن نعيم بن النحام قال: أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم للصبح في ليلة باردة، فتمنيت لو قال: ومن قعد فلا حرج، فلما قال: الصلاة خير من النوم قالها، ولا منافاة بين الجمع بينهما، سواء زيد في أثناء الأذان بعد الحيعلتين أو زيد بعد فراغه؛ لأنه يمكن أن يقال أن المراد من قوله: الصلاة في الرحال الرخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى حي على صلاة أي هلموا إليها الندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة ولو بحمل المشقة. وفي حديث جابر عند مسلم ما يؤيد

ص: 489

ألا صلوا في الرحال)) متفق عليه.

1063-

(5) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة

ــ

ذلك ولفظه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فمطرنا فقال ليصل من شاء منكم في رحله، وقد تبين بقوله: من شاء أن أمره عليه السلام بقوله: ألا صلوا في الرحال، ليس أمر عزيمة، حتى لا يشرع له الخروج إلى الجماعة، وإنما هو راجع إلى مشيتهم، فمن شاء صلى في رحله، ومن شاء خرج إلى الجماعة. (ألا صلوا) أمر إباحة كما تقدم آنفاً. (في الرحال) العذر، والصلاة في الرحال أعم من أن تكون جماعة أو منفردة، لكنها مظنة الانفراد، والمقصود الأصلي في الجماعة إيقاعها في المسجد، وزاد البخاري في رواية: في السفر، قال الحافظ: ظاهره اختصاص ذلك بالسفر، ورواية مالك عن نافع الآتية يعني رواية الباب مطلقة، وبها أخذ الجمهور، لكن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضي أن يختص ذلك بالمسافر مطلقاً، ويلحق به من تلحقه بذلك مشقة في الحضر دون من لا تلحقه- انتهى. قلت: في سنن أبي داود من طريق محمد بن إسحاق عن نافع في هذا الحديث: في المدينة في الليلة المطيرة والغداة القرة، فصرح بأن ذلك في المدينة ليس في سفر، لكن ابن إسحاق رواه عن نافع بالعنعنة، وهو مدلس، وقد خالفه الثقات، فإنهم قالوا فيه: في السفر. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي، وفي الباب عن ابن عباس، وقد تقدم لفظه، وعن سمرة أخرجه أحمد وعن أبي المليح عن أبيه، وعن جابر وتقدم لفظهما، وعن عبد الرحمن بن سمرة أخرجه الحاكم وعبد الله بن أحمد، قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده وأكبر علمي أنى قد سمعته منه ثنا على بن عبد الله الخ (ج5 ص62) وعن نعيم بن النحام، وعن عمرو بن أوس عن صحابي لم يسم أخرج حديثهما أحمد.

1063-

قوله: (إذا وضع) بصيغة المجهول. (عشاء أحدكم) بفتح العين في الموضعين، طعام آخر النهار، ويفهم منه أن تقديم الطعام إذا وضع بين يدي الآكل، لا إذا وجده مطبوخاً أو مغروفاً في الأوعية، ويدل عليه أيضاً ما في حديث أنس عند البخاري: إذا قدم العشاء، ولمسلم: إذا قرب العشاء، وعلى هذا فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء، ولكنه لم يقرب للأكل كما لو لم يقرب. (وأقيمت الصلاة) قيل: الألف واللام للعهد، والمراد بالصلاة المغرب، لقوله: فابدؤوا بالعشاء، ولقوله في حديث أنس عند البخاري: فابدوؤا به قبل أن تصلوا المغرب. وفي رواية ابن حبان والطبراني: إذا وضع العشاء وأحدكم صائم. وقيل: اللام لتعريف الماهية، والمراد حقيقة الصلاة. قال الفاكهاني: ينبغي حمله على العموم نظراً إلى العلة، وهي التشويش المفضي إلى ترك الخشوع، وذكر المغرب لا يقتضي الحصر فيها؛ لأن الجائع غير الصائم قد يكون أشوق إلى الأكل من الصائم- انتهى. قال الحافظ بعد ذكر

ص: 490

فابدؤوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه، وكان ابن عمر يوضع له الطعام، وتقام الصلاة،

ــ

هذين القولين: وحمله على العموم نظراً إلى العلة، إلحاقاً للجائع بالصائم وللغداء بالعشاء، لا بالنظر إلى اللفظ الوارد- انتهى. قلت: حديث عائشة الآتي يؤيد العموم. (فابدؤوا بالعشاء) أي بأكله، واختلفوا في هذا الأمر، فالجمهور على أنه للندب. وقيل: للوجوب، وبه قالت الظاهرية. واستدل الجمهور بفعله عليه السلام من كونه ألقى الكتف أثناء أكله منها حين دعي إلى الصلاة. أخرجه البخاري من حديث عمرو بن أمية؛ لأنه لو كان تقديم الأكل واجباً لما قام إلى الصلاة. وتعقب بأنه يحتمل أن يكون اتفق في تلك الحالة أنه قضى حاجته من الأكل فلا تتم الدلالة به، ثم اختلف الجمهور، فمنهم من قيده بمن إذا كان محتاجاً إلى الأكل شديد التوقان إليه، وهو المشهور عن الشافعية، وزاد الغزالي ما إذا خشي فساد المأكول. ومنهم من قيده بما إذا كان الطعام خفيفاً أو مما يؤتى عليه مرة واحدة كالسويق واللبن، وإلا يبدأ بالصلاة، نقله ابن المنذر عن مالك. ومنهم من لم يقيده، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق، وعليه يدل فعل ابن عمر الآتي. وأفرط ابن حزم وقال: تبطل الصلاة. والراجح عندي ما قاله أحمد ومن وافقه، فيستحب تقديم العشاء مطلقاً أي سواء كان محتاجاً إليه أم لا، وسواء كان خفيفاً أم لا، وسواء خشي فساد المأكول أم لا. واستدل بعض الشافعية والحنابلة بقوله: فابدؤوا، على تخصيص ذلك بمن لم يشرع في الأكل، وأما من شرع فيه ثم أقيمت الصلاة فلا يتمادى بل يقوم إلى الصلاة، لكن صنيع ابن عمر يبطل ذلك. قال النووي: وهو الصواب. وتعقب بأن صنيع ابن عمر اختيار له، وإلا فالنظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه؛ لأنه يكون قد أخذ من الطعام ما يدفع به شغل البال، ويؤيد ذلك حديث عمرو بن أمية الذي أشرنا إليه، نعم ينبغي أن يدار الحكم مع العلة وجوداً أو عدماً، ولا يتقيد بكل ولا بعض. (ولا يعجل) أي أحدكم إلى الصلاة. (حتى يفرغ منه) أي من أكل العشاء. قال الطيبي: أفرد قوله: "يعجل" نظراً إلى لفظ "أحد" وجمع قوله "فابدؤوا" نظراً إلى لفظ "كم". قال: والمعنى إذا وضع عشاء أحدكم فابدؤوا أنتم بالعشاء، ولا يعجل هو حتى يفرغ معكم منه- انتهى. وأجاب البرماوي بأن النكرة في الشرط تعم فيحتمل أن الجمع لأجل عموم أحد- انتهى. وقال القاري: الظاهر أن الخطاب بالجمع لإفادة عموم الحكم، وأنه غير مختص بأحد دون أحد، أو المراد به الموافقة معه، ثم أداء الصلاة جماعة، لينال الفضيلة. والحديث دليل على أن تقريب الطعام ووضعه بين يدي الآكل من أعذار ترك الجماعة. (وكان ابن عمر) هو موصول عطفاً على المرفوع السابق، مقولة نافع. (يوضع له الطعام) هو أعم من العشاء. (وتقام الصلاة) أي جماعة مغرباً أو غيرها، لكن رواه البيهقي والسراج بسندهما عن نافع بلفظ: وكان ابن عمر إذا حضر عشاءه. ورواه ابن حبان بسنده عن نافع أن ابن عمر كان يصلي المغرب إذا غابت الشمس، وكان أحياناً يلقاه وهو صائم، فيقدم له عشاءه وقد نودي للصلاة، ثم تقام وهو يسمع، فلا يترك عشاءه ولا يعجل

ص: 491

فلا يأتيها حتى يفرغ منه، وإنه ليسمع قراءة الإمام)) متفق عليه.

1064-

(6) وعن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا صلاة بحضرة الطعام، ولا

ــ

حتى يقضي عشاءه ثم يخرج فيصلي. (فلا يأتيها) أي الصلاة في المسجد. (حتى يفرغ منه) أي من أكله. وليس في صحيح البخاري لفظ "منه". (وأنه) الواو للحال. (ليسمع) بلام التأكيد. (قراءة الإمام) أي من قربه من المسجد. واستنبط من الحديث كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله لما فيه من ذهاب كمال الخشوع. قال النووي: ويلتحق به ما في معناه مما يشغل القلب، وهذا إذا كان في الوقت سعة، فإن ضاق صلى على حاله محافظة على حرمة الوقت، ولا يجوز التأخير. وحكى المتولي وجهاً أنه يبدأ بالأكل وإن خرج الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا يفوته - انتهى. وهذا إنما يجيء على قول من يوجب الخشوع، ثم فيه نظر؛ لأن المفسدتين إذا تعارضتا اختصر على أخفها، وخروج الوقت أشد من ترك الخشوع، بدليل صلاة الخوف وغير ذلك، وإذا صلى لمحافظة الوقت صحت مع الكراهة، وتستحب الإعادة عند الجمهور. واستدل به القرطبي على أن شهود صلاة الجماعة ليس بواجب؛ لأن ظاهره أنه يشتغل بالأكل وإن فاتته الصلاة بالجماعة. وفيه نظر؛ لأن بعض من ذهب إلى الوجوب كابن حبان جعل حضور الطعام عذراً في ترك الجماعة، فلا دليل فيه حينئذٍ على إسقاط الوجوب مطلقاً. وفيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت، فإنهما لما تزاحما قدم الشارع الوسيلة إلى حضور القلب على أداء الصلاة في أول الوقت. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والترمذي وابن ماجه والبيهقي، وليس في حديث مسلم القسم الموقوف على ابن عمر من فعله، بل هو عند البخاري فقط، وأخرج نحوه الترمذي وأبوداود وابن ماجه، وفي الباب عن عائشة وأنس عند الشيخين وعن أم سلمة عند أحمد وأبي يعلي والطبراني وعن سلمة بن الأكوع وابن عباس وأنس عند الطبراني.

1064-

قوله: (لا صلاة) أي كاملة، وقيل: هو نفي بمعنى نهي، ويؤيده رواية أبي داود: لا يصلي الرجل بحضرة الطعام. (بحضرة الطعام) وفي بعض النسخ "بحضرة طعام" كما في صحيح مسلم، أي بحضور طعام بين يدي من يريد أكله، وفيه دليل على أن حمل الصلاة في قوله: أقيمت الصلاة، في الحديث السابق على العموم أولى؛ لأن لفظ صلاة في هذا الحديث نكرة في سياق النفي، ولا شك أنها من صيغ العموم، ولأن لفظ الطعام مطلق غير مقيد بالعشاء، فالظاهر أن ذكر المغرب في حديث أنس من التنصيص على بعض أفراد العام وليس بتخصيص. (ولا) أي ولا

ص: 492

هو يدافعه الأخبثان)) رواه مسلم.

1065-

(7) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة

ــ

صلاة كاملة حاصلة. (هو يدافعه) ضمير "هو" مبتدأ خبره "يدافعه" والجملة وقعت حالاً بلا واو، وفي بعض النسخ: ولا وهو يدافعه، بالواو، كما في صحيح مسلم. (الأخبثان) وفي رواية أحمد والبيهقي: ولا وهو يدافع الأخبثين أي البول والغائط، ويلحق بهما ما كان في معناهما مما يشغل القلب، ويذهب كمال الخشوع، كالريح والقيء. قال الطيبي: أي ولا صلاة حاصلة للمصلي في حال يدافعه الأخبثان عنها، فاسم "لا" الثانية وخبرها محذوفان، وقوله: هو يدافعه الأخبثان، حال، ويؤيده رواية ابن حبان بلفظ: لا يصلي أحدكم وهو يدافع الأخبثين، وقيل في رواية الكتاب حذف تقديره: ولا صلاة حين هو يدافعه الأخبثان فيها، والمدافعة إما على حقيقتها، يعني الرجل يدفع الأخبثين حتى يؤدي الصلاة، والأخبثان يدفعانه عن الصلاة، وإما بمعنى الدفع مبالغة، وهذا مع المدافعة، وأما إذا كان يجد في نفسه ثقل ذلك، وليس هناك مدافعة فلا نهي عن الصلاة معه ومع المدافعة فهي مكروهة، قيل: تنزيهاً لنقصان الخشوع، فلو خشي خروج الوقت إن قدم التبرز وإخراج الأخبثين قدم الصلاة، وهي صحيحة مكروهة، ويستحب إعادتها. ولا تجب عند الجمهور، كما قال النووي: وعن الظاهرية أنها باطلة. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والبيهقي.

1065-

قوله: (إذا أقيمت الصلاة) المراد بإقامة الصلاة الإقامة التي يقولها المؤذن عند إرادة الصلاة، وهو المعنى المتعارف. قال العراقي: وهو المتبادر إلى الأذهان من هذا الحديث، والأحاديث التي نذكرها في شرح الحديث تعين ذلك المعنى كما سيأتي. ثم المراد بإقامة المؤذن هو شروعه في الإقامة ليتهيأ المأمومون لإدراك التحريم مع الإمام. ومما يدل على ذلك رواية ابن حبان بلفظ: إذا أخذ المؤذن في الإقامة، وحديث أبي موسى عند الطبراني في الكبير والأوسط أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي ركعتي الغداة حين أخذ المؤذن يقيم، فغمز النبي صلى الله عليه وسلم منكبه وقال: إلا كان هذا قبل هذا. قال: العراقي: إسناده جيد. وقال الهيثمي: رجاله موثقون. ويدل عليه أيضاً حديث ابن عباس قال: كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أتصلي الصبح أربعاً. أخرجه أبوداود الطيالسي والبيهقي والبزار وأبويعلي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، والطبراني في الكبير قال الهيثمي: رجاله ثقات. (فلا صلاة) يحتمل أن يتوجه النفي إلى الصحة أو إلى الكمال، والظاهر توجيهه إلى الصحة؛ لأنها أقرب المجازين إلى الحقيقة، ويحتمل أن يكون النفي بمعنى النهي، مثل قوله تعالى:{فلا رفث ولا فسوق ولا جداًل في الحج} [2: 197] أي فلا تصلوا حينئذٍ،

ص: 493

إلا المكتوبة)) .

ــ

ويؤيده ما رواه البخاري في تاريخه والبزار وغيرهما عن أنس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقيمت الصلاة فرأى ناساً يصلون ركعتي الفجر فقال: صلاتان معاً؟ ونهى أن تصليا إذا أقيمت الصلاة، وهو من رواية شريك ابن عبد الله بن أبي نمر عنه، واختلف عليه في وصله وإرساله، والنهي المذكور للتحريم؛ لأنه أصل فيه. (إلا المكتوبة) أي تلك الصلاة المفروضة، فالألف واللام ليست لعموم المكتوبات وإنما هي راجعة إلى الصلاة التي أقيمت، وقد ورد التصريح بذلك في رواية لأحمد والطحاوي بلفظ: فلا صلاة إلا التي أقيمت، والمعنى: إذا شرع المؤذن في الإقامة للصلاة التي لم تؤدوها فلا تصلوا حينئذٍ إلا التي أقيمت لها، فالنهي متوجه إلى الاشتغال بصلاة غير تلك المكتوبة لمن عليه تلك المكتوبة، وأما الشروع خلف الإمام في النافلة لمن أدى المكتوبة قبل ذلك فلا يشمله النهي؛ لأن المأمور بهذا الحكم ليس إلا من عليه تلك المكتوبة، كما هو ظاهر السياق. والحديث فيه دليل على أن الاشتغال بالرواتب وغيرها وقت إقامة الصلاة أو بعد الإقامة والإمام في الصلاة التي أقيمت لها ممنوع، سواء كانت الراتبة سنة الصبح أو غيرها، وسواء كان في المسجد في زاوية منه أو إلى أسطوانة أو في الصف أو خلفه أو كان خارج المسجد في مكان عند بابه. قال الخطابي في المعالم (ج1: ص274) : في هذا بيان أنه ممنوع من ركعتي الفجر ومن غيرها من الصلوات إلا المكتوبة. وقال النووي في شرح مسلم (ج1: ص247) : فيه النهي الصريح عن افتتاح نافلة بعد إقامة الصلاة، سواء كانت راتبة كسنة الصبح والظهر والعصر، أو غيرها - انتهى. وقال الحافظ في الفتح (ج3: ص368) : فيه منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة، سواء كانت راتبة أم لا؛ لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة. وزاد مسلم بن خالد عن عمرو بن دينار في هذا الحديث "قيل يا رسول الله، ولا ركعتي الفجر، قال ولا ركعتي الفجر" أخرجه ابن عدي في ترجمة يحي بن نصر ابن حاجب، وإسناده حسن - انتهى. قلت: وأخرجه أيضاً البيهقي (ج2: ص483) وأما ما يذكر من زيادة الاستثناء في آخر الحديث بلفظ: إلا ركعتي الفجر فلا أصل لها، كما صرح به البيهقي. وقال الشوكاني في النيل (ج2: ص330) : الحديث يدل على أنه لا يجوز الشروع في النافلة عند إقامة الصلاة. من غير فرق بين ركعتي الفجر وغيرهما - انتهى. قال النووي: والحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقيب شروع الإمام، وإذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام، وفاته بعض مكملات الفريضة، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها. واختلف العلماء فيمن لم يصل ركعتي الفجر، وقد أقيمت الصلاة: فذهب أهل الظاهر إلى أنه إذا سمع الإقامة لم يحل له الدخول في ركعتي الفجر ولا غيرهما من النوافل سواء كان في المسجد أو خارجه، فإن فعل فقد عصي. قال الشوكاني: وهو قول أهل الظاهر ونقله ابن حزم عن الشافعي وعن جمهور السلف. وحكى القرطبي في المفهم عن أبي هريرة

ص: 494

وأهل الظاهر أنها لا تنعقد صلاة تطوع في وقت إقامة الفريضة. قال الخطابي: روي عن عمر بن الخطاب أنه كان يضرب الرجل إذا رأه يصلي الركعتين والإمام في الصلاة. وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود: قال أبوهريرة بظاهره، وروي عن عمر أنه كان يضرب على صلاة الركعتين بعد الإقامة، وذهب إليه بعض الظاهرية، ورأوا أنه يقطع صلاته إذا أقيمت عليه الصلاة، وكلهم يقولون: لا يبتدىء نافلة بعد الإقامة لنهيه صلى الله عليه وسلم. قال الشوكاني بعد ذكر ما ذهب إليه أهل الظاهر من عدم جواز الدخول في النافلة بعد سماع الإقامة سواء كان في المسجد أو خارجه هذا القول هو الظاهر. وقال شيخنا في شرح الترمذي: هو القول الراجح المعول عليه، وذهب الشافعي وأحمد إلى أن ذلك مكروه. قال الخطابي في المعالم (ج1: ص247) : روي الكراهية في ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة، وكره ذلك سعيد بن جبير وابن سيرين وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وعطاء، وإليه ذهب الشافعي وأحمد - انتهى. وقال ابن رشد في البداية: وقال الشافعي إذا أقيمت الصلاة فلا يركعهما أصلاً لا داخل المسجد ولا خارجه. وقال ابن قدامة في المغني: إذا أقيمت الصلاة فلا يشغل بالنافلة، سواء خاف فوت الركعة أو لم يخف، وبه قال الشافعي - انتهى. قلت: الظاهر أن الشافعي وأحمد وافقا أهل الظاهر في عدم الجواز، هذا وقد ظهر من أقوالهم المذكورة أنهم متفقون على حمل الحديث على عمومه، وأنه غير مقصور على المسجد. فعلة النهي ومناط الكراهة ومثار المنع عندهم هو أداء السنة حال إقامة الصلاة، والاشتغال بالنافلة عن الفريضة، وقد تقدم ذلك في كلام النووي. وهذا هو الحق عندي، فإن هذه العلة قد جاءت منصوصة في بعض الروايات كحديث أنس عند البزار وغيره قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقيمت الصلاة، فرأى ناساً يصلون ركعتي الفجر، فقال صلاتان معاً؟ نهى أن تصليا إذا أقيمت الصلاة، وكحديث أبي موسى الأشعري عند الطبراني في الكبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي ركعتي الغداة حين أخذ المؤذن يقيم، فغمز النبي صلى الله عليه وسلم منكبه، وقال: ألا كان هذا قبل هذا، وكحديث ابن عباس عند أبي داود الطيالسي وغيره قال: كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتصلي أربعا؟ ويدل عليه أيضاً تصديره بقوله: إذا أقيمت الصلاة، وقوله في رواية لأحمد: لا صلاة بعد الإقامة إلا المكتوبة، فهذه الروايات كلها نصوص صريحة في أن مناط النهي هو الاشتغال بالنافلة بعد الإقامة لا غير، وهي تدفع التأويلات الواهية الفاسدة الآتية التي تكلف لها الطحاوي وغيره من الحنفية، وذهب مالك إلى أنه إذا كان قد دخل المسجد ليصليهما فأقيمت الصلاة فليدخل مع الإمام في الصلاة ولا يركعهما في المسجد، وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم يخف أن يفوته الإمام بركعة فليركعهما خارج المسجد، وإن خاف فوات الركعة الأولى فليدخل مع الإمام وقال أبوحنيفة: إن خشي فوت الركعتين معاً، وأنه

ص: 495

لا يدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإلا فليركعهما يعني ركعتي الفجر خارج المسجد ثم يدخل مع الإمام، فوافق أبوحنيفة مالكاً في الفرق بين أن يدخل المسجد أو لا يدخله، وخالفه في الحد في ذلك، فقال: يركعهما خارج المسجد ما ظن أنه يدرك ركعة من الصبح مع الإمام، قال صاحب فيض الباري: هذا أي صلاتهما خارج المسجد بشرط إدراك ركعة هو المذهب. (أي مذهب أبي حنيفة) عندي، كما في الجامع الصغير والبدائع، واختاره صاحب الهداية، وصرحوا به في باب إدراك الفريضة، وصرح به علماء المذاهب الأخرى كالقسطلاني. (والخطابي) من الشافعية وابن رشد والباجي من المالكية، ولا رواية عنه في داخل المسجد - انتهى. قال ابن رشد: وإنما اختلف مالك وأبوحنيفة في القدر الذي يراعى من فوات صلاة الفريضة لاختلافهم في القدر الذي يفوت به فضل الجماعة، إذ فضل الجماعة عندهم أفضل من ركعتي الفجر، فمن رأى أنه يفوت بفوات ركعة قال يتشاغل بهما ما لم تفته ركعة من المفروضة، ومن رأى أنه يدرك الفضل بإدراك ركعة من الصلاة لقوله عليه الصلاة والسلام: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، قال: يتشاغل بهما ما ظن أنه يدرك ركعة منهما، ومالك وإنما يحمل هذا على من فاتته الصلاة دون قصد منه - انتهى. وقد ظهر من مذهبهما أنهما قصرا حكم الحديث على المسجد ولم يحملاه على عمومه. وهذا يدل على أن مناط النهي عندهما هو كونه مصلياً في المسجد غير المكتوبة التي أقيمت لها؛ لأن فيه المخالفة على الإمام. قال في الهداية: التقييد بالأداء عند باب المسجد يدل على الكراهة في المسجد إذا كان الإمام في الصلاة. قال ابن الهمام:؛ لأنه يشبه المخالفة للجماعة والانتباذ عنهم، فينبغي أن لا يصلي في المسجد إذا لم يكن عند باب المسجد مكان؛ لأن ترك المكروه مقدم على فعل السنة - انتهى. وقال ابن رشد: من قصر ذلك على المسجد فالعلة عنده أنما هو أن تكون صلاتان معاً في موضع واحد لمكان الاختلاف على الإمام - انتهى. واختصاص الحكم بالمسجد هو الذي فهمه ابن عمر، فقد قال الحافظ في الفتح: قد فهم ابن عمر اختصاص المنع بمن يكون في المسجد لا خارجاً عنه فصح عنه أنه كان يحصب من ينتفل في المسجد بعد الشروع في الإقامة، وصح عنه أنه قصد المسجد فسمع الإقامة فصلى ركعتي الفجر في بيت حفصة ثم دخل المسجد فصلى مع الإمام. ويؤيده ما روى عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا صلاة لمن دخل المسجد والإمام قائم يصلي فلا ينفرد وحده بصلاة ولكن يدخل مع الإمام في الصلاة. رواه الطبراني في الكبير. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج2: ص75) : وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي وهو ضعيف - انتهى. قلت: يحيى البابلتي هذا ابن امرأة الأوزاعي، ضعفه أبوزرعة وغيره. وقال ابن أبي حاتم: يأتي عن الثقات بأشياء معضلة بهم فيها فهو ساقط الاحتجاج فيما انفرد به. وقال أبوحاتم: لا يعتد به. وقال ابن عدي له أحاديث صالحة تفرد ببعضها، وأثر الضعف على حديثه بين، وقد أكثر عن الأوزاعي ولم يسمع منه شيئاً. وقال

ص: 496

في التقريب في ترجمته: ضعيف، فحديث ابن عمر هذا ضعيف لا يصلح للاستدلال والتخصيص، والظاهر عندي أن الحديث موقوف من قول ابن عمر وفتياه، كما يدل عليه فعله، فوهم فيه يحيى البابلتي وجعله مرفوعاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: إذا أقيمت الصلاة الخ مطلق غير مقيد بالمسجد بل هو عام للمسجد وغيره، فيجب حمله على عمومه ولا يجوز قصره على المسجد؛ لأن تخصيص النص بالرأي غير جائز ابتداء، فلا يخص إلا بدليل من الكتاب والسنة الصحيحة، ولا يجوز تخصيصه بقول أحد كائناً من كان، والحجة هي السنة دون فهم الصحابي وفعله أو قوله، وعلة النهي أنما هو الاشتغال بالنافلة عن الفريضة عند الإقامة أو بعدها وقد جاء ذلك مصرحاً في بعض الروايات، كما تقدم، ولا دخل للمسجد في العلية وأما ما قال ابن رشد في ذكر وجه الاختلاف بين مالك وأبي حنيفة في القدر الذي يراعي من فوات الفضيلة من أن أبا حنيفة قيد بإدراك الركعة؛ لأن فضل الجماعة إنما يحصل عنده بإدراك ركعة ففيه أن إدراك الفضل لا يتوقف عندهم على إدراك الركعة بل يحصل ذلك بإدراك التشهد أيضاً. قال الشامي (ج1: ص671) : المداد هنا على إدراك فضل الجماعة، وقد اتفقوا على إدراكه بإدراك التشهد، فيأتي بالسنة اتفاقاً أي لو رجا إدراك التشهد، كما أوضحه في الشرنبلالية أيضاً، وأقره في شرح المنية وشرح نظم الكنز وحاشية الدرر لنوح آفندي وشرحها للشيخ إسماعيل ونحوه في القهستاني، وجزم به الشارح في المواقيت - انتهى. قال صاحب الفيض: ثم وسع محمد (رح) في إدراك ركعة، وأجاز بهما عند إدراك القعدة أيضاً. ثم مشائخنا وسعوا بهما في المسجد أيضاً. (وحكاه النووي في شرح مسلم عن أبي حنيفة وأصحابه) ، وأظن أن أول من وسع بهما في المسجد هو الطحاوي فذهب إلى جوازهما في ناحية المسجد بشرط الفصل بينهما وبين المكتوبة حتى لا يعد واصلاً بينهما وبين المكتوبة، وهو مثار النهي عنده. ولعلك علمت أن القيدين الذين كان صاحب المذهب ذكرهما ارتفع أحدهما بتوسيع محمد، والآخر بتوسيع الطحاوي. أما أنا فأعمل بمذهب الإمام أبي حنيفة، وقد أفتى به الناس - انتهى. قلت: مناط النهي وعلته عند الطحاوي هو اختلاط الفرض والنفل، ومخالطة الصف، وعدم الفصل بين النافلة والفريضة في المكان، فقد قال في تأويل حديث أبي هريرة أنه قد يجوز أن يكون أراد بهذا النهي عن أن يصلى غيرها في موطنها الذي فيه، فيكون مصليها قد وصلها بتطوع فيكون النهي من أجل ذلك لا من أجل أن يصلى في آخر المسجد، ثم يتنحى الذي يصليها من ذلك المكان، فيخالط الصفوف ويدخل في الفريضة - انتهى. واستدل لذلك بما رواه هو وأحمد (ج5: ص345) عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن عبد الله بن مالك بن بحينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعبد الله بن مالك بن بحينة وهو منتصب يصلي ثمة بين يدي نداء الصبح فقال: لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل الظهر وبعدها، واجعلوا بينهما

ص: 497

فصلاً. قال الطحاوي: فبيّن هذا الحديث أن الذي كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن بحينة هو وصله إياها بالفريضة في مكان واحد لم يفصل بينهما بشيء، وليس لأنه كره له أن يصليهما في المسجد إذا كان فرغ منها تقدم إلى لصفوف فصلى الفريضة مع الناس - انتهى. قلت: تأويل الطحاوي هذا ضعيف جداً بل باطل والاستدلال له بحديث محمد بن عبد الرحمن أبطل، فإنه لو كان المراد بالفصل فيه الفصل بالمكان أي بالتقدم أو التأخر للزم أن يكون ذلك الفصل مطلوباً في الظهر، ويجوز أداء سنة الظهر متصلاً بالفرض مخالطاً للصف من غير فصل بالتقدم، ولا يقول به أحد على أنه لا دليل على ما ذكر في حد الفصل بالمكان بأن يصلي في مؤخر المسجد ثم يمشي إلى أول المسجد ومقدمه ويخالط الصف فيدخل في الفريضة، فإن الفصل بين النفل والفرض بالمكان قد يحصل بالتقدم بخطوة بل بالكلام أيضاً، فلو صلى أحد ركعتي الفجر قريباً من الصف أو مخالطاً له ودخل في الفريضة بعد أن مشى خطوة فقد صدق عليه أنه جعل الفصل بين النفل والفرض بالمكان، فيلزم أن يكون هذا جائزاً عند من يقول بالفصل بالمكان. والحاصل أن جعل الصلاة في مؤخر المسجد ثم مشيه إلى مقدم المسجد والصف حدا للفصل بالمكان لا أثارة عليه من علم، وكذا لا دليل على كون علة النهي اختلاط الصلاتين ومخالطة الصفوف بل علة النهي هو أداء السنة حال إقامة الصلاة كما تقدم، وإذا عرفت هذا فاعلم أن المراد بالفصل في حديث محمد بن عبد الرحمن هو الفصل بالزمان لا غير، والمعنى: اجعلوا بين سنة الفجر وفرضه فصلاً أي بالزمان بأن تصلوها قبل الإقامة لا عندها ليحصل الفصل بين السنة والفرض، وهذا الفصل مطلوب في جميع المكتوبات، وإنما خص الفجر بالذكر؛ لأن هذه القصة وقعت عند الفجر، فإن ابن بحينة صلى ركعتي الفجر، حال إقامة الصلاة فأمره بالفصل ليجتنب فيما بعد عن التنفل حال الإقامة وبعدها، وهذا مشترك بين الفجر وغيره من المكتوبات، وليؤدي بعض المستحبات التابعة لسنة الفجر، كالاضطجاع على الشق الأيمن، فكأنه أمره بالفصل ليمكن له الاضطجاع بعد سنة الفجر قبل الإقامة، فإن حال الإقامة لا يمكنه الإتيان بهذا المستحب؛ لأن بعد إتمام السنة يدخل في الفريضة ولا يشتغل بأداء المستحب، وهذا مختص بصلاة الفجر. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل الظهر وبعدها أي فإن سنة الظهر قد تؤدي في المسجد بخلاف سنة الفجر، أو فإنها لا يشرع الاضطجاع بعدها بخلاف ركعتي الفجر، ولا يحصل هذا إلا إذا فصل بين ركعتي الفجر وفرضه بالزمان، وبذلك تنتفي المشابهة بين سنة الظهر وسنة الفجر، أو فإنه يجوز أداء سنة الظهر بحيث يفرغ منها متصلاً بالإقامة لفرضه من غير فصل أي بدون تقدم بالزمان والدليل على أن المراد بالفصل الفصل بالزمان ما ورد في بعض الأحاديث من علة النهي منصوصاً، وهي أداء السنة وقت إقامة الصلاة أو بعدها كما تقدم من حديث أبي موسى الأشعري وابن عباس وأنس بن مالك. ويدل على ذلك أيضاً ما روى مسلم وأبوداود والنسائي

ص: 498

وابن ماجه، واللفظ لمسلم من حديث عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس قال: دخل رجل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الغداة فصلى ركعتين في جانب المسجد ثم دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا فلان! بأي الصلاتين اعتددت أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟ وأخرجه الطحاوي عنه بلفظ: أن رجلاً جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، فركع ركعتين خلف الناس، ثم دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة- الحديث. قال البيهقي في المعرفة بعد روايته: ما لفظه رواه مسلم في الصحيح عن زهير بن حرب عن مروان بن معاوية، ورواه عبد الواحد بن زياد عن عاصم، وقال: يصلي ركعتين قبل أن يصل إلى الصف. وهذا يرد قول من زعم أنه إنما أنكره لإيصاله بالصفوف في حال اشتغاله بالركعتين، أو لأنه لم يجعل بين النفل والفرض فصلاً بتقدم أو تكلم؛ لأن هذا قد أخبر بأنه صلاهما في جانب المسجد قبل أن يصل إلى الصف، ثم دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. وقال الخطابي في المعالم (ج1 ص274) : في هذا دليل على أنه إذا صادف الإمام في الفريضة لم يشتغل بركعتي الفجر وتركهما إلى أن يقضيهما بعد الصلاة. وقوله: أيتهما صلاتك. (في رواية أبي داود) مسألة إنكار يريد بذلك تبكيته على فعله وفيه دلالة على أنه يجوز له أن يفعل ذلك وإن كان الوقت يتسع للفراغ منهما قبل خروج الإمام من صلاته؛ لأن قوله: أو التي صليت معنا يدل على أنه قد أدرك الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من الركعتين- انتهى. وقال النووي في شرح مسلم (ج1 ص247) : فيه دليل على أنه لا يصلي بعد الإقامة نافلة وإن كان يدرك الصلاة مع الإمام، ورد على من قال: إن علم أنه يدرك الركعة الأولى والثانية يصلي النافلة، وقال ابن عبد البر كل هذا إنكار منه لذلك الفعل، فلا يجوز لأحد أن يصلي في المسجد شيئاً من النوافل إذا قامت المكتوبة، كذا في شرح الموطأ للزرقاني، وأما ما قال الطحاوي تحت ما رواه من حديث ابن سرجس أنه قد يجوز أن يكون قوله: كان خلف الناس أي كان خلف صفوفهم لا فصل بينه وبينهم فكان شبيه المخالط، وهذا مكروه عندنا، وإنما يجب أن يصليهما في مؤخر المسجد، ثم يمشي من ذلك المكان إلى أول المسجد، فأما أن يصليهما مخالطاً لمن يصلي الفريضة فلا، فهو مردود عليه؛ لأن المراد من خلف الناس هو جانب المسجد، كما جاء مصرحاً في رواية مسلم: فصلى ركعتين في جانب المسجد، فإنه صريح في أنه صلى في جانب من جوانب المسجد وزاوية من زواياه، والروايات يفسر بعضها بعضاً، ومع ذلك نهاه النبي صلى الله عليه وسلم، فعلم أن أداء السنة حال إقامة الصلاة والاشتغال بالنافلة عن الفرض، سواء كان في مقدم المسجد أو مؤخره ممنوع. قال شيخ سلام الله الدهلوي في المحلى شرح الموطأ وهو من العلماء الحنفية من أولاد الشيخ عبد الحق الدهلوي صاحب اللمعات: ومن الحنفية من قال إنما أنكر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن

ص: 499

الرجل صلاها في المسجد بلا حائل فشوش على المصلين، ويرده ما في مسلم عن ابن سرجس دخل رجل المسجد وهو صلى الله عليه وسلم في صلاة الغداة فصلى ركعتين في جانب المسجد- الحديث. فإنه يدل على أن أداء الرجل كان في جانب لا مخالطاً للصف بلا حائل- انتهى ملخصاً. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في التعليق الممجد (ص86) : وحمل الطحاوي هذه الأخبار. (أي أحاديث ابن سرجس وابن بحينة وغيرهما) على أنهم صلوا في الصفوف لا فصل بينهم وبين المصلين بالجماعة، فلذلك زجرهم النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه حمل من غير دليل معتد به، بل سياق بعض الروايات يخالفه، وقال فيه أيضاً ذكر الطحاوي أن معنى قوله: فلا صلاة إلا المكتوبة النهي عن أداء التطوع في موضع الفرض، فإنه يلزم حينئذٍ الوصل، وبسط الكلام فيه، لكن لا يخفى على الماهر أن الظاهر الأخبار المرفوعة هو المنع- انتهى. فإن قلت قال ابن الملك والعيني وغيرهما من الحنفية: إن قوله عليه السلام: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ليس على عمومه، بل خصت منه سنة الفجر لقوله عليه السلام: لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل، أخرجه أبوداود، فيكره أداء السنن عند الإقامة إلا سنة الفجر فيجوز أداؤها، ويجمع بين الفضيلتين، يعني فضيلة ركعتي الفجر وفضيلة الجماعة. قلت: لا يجوز تخصيصها من عموم قوله: إذا أقيمت الصلاة الخ؛ لأنه ورد النهي الصريح في أداء سنة الفجر عند الإقامة من غير احتمال ولا تأويل كحديث عبد الله بن سرجس وأبي موسى الأشعري وابن عباس وأنس بن مالك، وقد ذكرنا ألفاظهم، وكحديث عبد الله مالك بن بحينة قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لاث به الناس فقال: أالصبح أربعا؟ أالصبح أربعا؟ أخرجه البخاري ونسلم وابن ماجه والدارمي والطحاوي. ولفظ مسلم في رواية: أتصلي الصبح أربعا؟ قال النووي: هو استفهام إنكار ومعناه أنه لا يشرع بعد الإقامة للصبح إلا الفريضة، فإذا صلى ركعتين نافلة بعد الإقامة ثم صلى معهم الفريضة صار في معنى من صلى الصبح أربعاً؛ لأنه صلى بعد الإقامة أربعاً. وقال العيني: والمراد أن الصلاة الواجبة إذا أقيم لها لم يصل في زمانها غيرها من الصلاة فإنه إذا صلى ركعتين مثلاً بعد الإقامة نافلة لها ثم صلى معهم الفريضة صار في معنى من صلى الصبح أربعاً؛ لأنه صلى بعد الإقامة أربعاً- انتهى. فأحاديث هؤلاء الصحابة كما ترى صريحة في أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ركعتي الفجر عند الإقامة، فلا يصح تخصيصهما من عموم حديث أبي هريرة، ومن يخصصهما بعد هذا النهي الصريح فهو معاند للسنة ومتعصب مفرط، وأما الجمع بين الفضيلتين يعني فضيلة ركعتي الفجر وفضيلة الجماعة فهو ممكن بأن يدخل في الجماعة وبعد الفراغ من الفجر يؤدي الركعتين، فإن تلك الساعة وقت لها في حقه. وأما ما يذكر عن ابن مسعود أنه صلى ركعتي الفجر إلى أسطوانة من المسجد ثم دخل في الصلاة، وعن أبي الدرداء أنه كان يصلي الركعتين في ناحية المسجد ثم يدخل

ص: 500

رواه مسلم.

ــ

مع القوم في الصلاة، وعن ابن عباس أنه صلى ركعتين في المسجد ثم دخل مع الإمام، وعن مسروق وأبي عثمان النهدي والحسن البصري مثل ذلك. ففيه ما قال العلامة العظيم آبادي في أعلام أهل العصر: إن في طبقة الصحابة إن كان ابن مسعود وأبوالدرداء يريان جواز فعلمها فعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وأبوهريرة وأبوموسى الأشعري وحذيفة لا يرون ذلك، أما عمر فيضرب الناس لأجلها، وابنه عبد الله يحصب على من يصلي، وأبوهريرة ينكر على ذلك، وأبوموسى وحذيفة دخلا في الصف ولم يركعا كما ركع ابن مسعود. وأما ابن عباس فقد تعارض بين روايته وفعله، والحجة في روايته دون فعله. وأما في طبقة التابعين ومن بعدهم من الأئمة فإن كان مسروق والحسن ومجاهد ومكحول وحماد بن أبي سليمان وأبوحنيفة النعمان يرون ذلك. فسعيد ابن جبير وابن سيرين وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وعطاء والشافعي وأحمد وابن المبارك وإسحاق وجمهور المحدثين لا يرون ذلك. ولنعم ما قال ابن عبد البر: والحجة عند التنازع السنة، فمن أدلى بها فقد أفلح. وترك التنفل عند إقامة الصلاة وتداركها بعد قضاء الفرض أقرب إلى إتباع السنة. فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره. وأما ما أخرجه ابن ماجه من حديث أبي إسحاق عن الحارث عن على قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين عند الإقامة، فهو حديث ضعيف جداً لا تقوم بمثله الحجة، فيه الحارث الأعور وهو ضعيف، بل قد رمى بالكذب. واختلف فيمن شرع في النافلة قبل الإقامة هل يقطع الصلاة أم يتمها. قال المنذري: ذهب بعض الظاهرية إلى أنه يقطع صلاته إذا أقيمت عليه الصلاة. وقال الحافظ في الفتح: واستدل بعموم قوله: "فلا صلاة إلا المكتوبة" لمن قال يقطع النافلة إذا أقيمت الفريضة، وبه قال أبوحامد وغيره من الشافعية، وخص آخرون النهي بمن ينشأ النافلة عملاً بعموم قوله تعالى:{لا تبطلوا أعمالكم} [47: 33] . وقال العراقي: قال الشيخ أبوحامد من الشافعية: إن الأفضل خروجه من النافلة إذا أداه إتمامها إلى فوت فضيلة التحريم. وهذا واضح- انتهى. قلت: الراجح عندي أن يقطع صلاته عند الإقامة. إن بقيت عليه ركعة، فإن أقل الصلاة ركعة، وقد قال صلى الله عليه وسلم لا صلاة بعد الإقامة إلا المكتوبة، فلا يجوز له أن يصلي ركعة بعد الإقامة. وأما إذا أقيمت الصلاة وهو في السجدة أو في التشهد فلا بأس لو لم يقطعها وأتمها؛ لأنه لا يصدق عليه أنه صلى صلاة أي ركعة بعد الإقامة. وأما قوله تعالى:{لا تبطلوا أعمالكم} فقد سبق في توجيهه ما لا يخدش هذا الاستدلال، فتذكر. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والدارمي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والطحاوي والبيهقي كلهم من رواية عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. واختلف على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه. وقيل: إن ذلك هو السبب في كون البخاري لم يخرجه، والمرفوع أصح؛ لأن الرفع زيادة ثقة، ولا يقدح عدم إخراج البخاري في صحيحه في رفعه وصحته، كما لا يخفى على المنصف غير

ص: 501

1066-

(8) وعن ابن عمر، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا استأذنت إمرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها))

ــ

المتعسف قال الطحاوي: أصل الحديث عن أبي هريرة أي من قوله لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا رواه الحفاظ عن عمرو بن دينار حدثنا أبوبكرة ثنا أبوعمر الضرير أنا حماد بن سلمة وحماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة بذلك ولم يرفعه، فصار أصل هذا الحديث عن أبي هريرة لا عن النبي صلى الله عليه وسلم. قلت كلام الطحاوي هذا مبني على فرط تعصبه، جعل المرفوع موقوفاً حمية لمذهبه. والحديث رواه جمع من الحفاظ مثل ورقاء بن عمر وزكريا بن إسحاق وابن جريج وأيوب وزياد بن سعد وإسماعيل بن مسلم ومحمد بن جحادة وإسماعيل بن إبراهيم بن مجمع، كلهم عن عمرو بن دينار مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه بعض الحفاظ كحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة عن عمرو بن دينار موقوفاً على أبي هريرة، لكن ذكر البيهقي في المعرفة بعد روايته من طريق سعيد بن منصور عن سفيان موقوفاً إلا أنه (أي سعيد بن منصور) قال في آخره قلت لسفيان مرفوعاً؟ قال نعم. وأما حماد بن سلمة فاختلف عليه: فروى مسلم بن إبراهيم عند أبي داود والدارمي، وموسى بن إسماعيل عند البيهقي عن حماد بن سلمة مرفوعاً، وروى أبوعمر الضرير عنه عند الطحاوي موقوفاً. فقد ظهر من هذا أن أكثر الرواة رفعوه، ومن المعلوم أن الرفع مقدم على الوقف، وإن كان عدد الرافعين أقل، فكيف إذا كان أكثر، فالحديث لا يشك من له أدنى عقل وخبرة في أن أصله من النبي صلى الله عليه وسلم لا عن أبي هريرة، ولذا اتفق الحفاظ كالترمذي والبيهقي والنووي وغيرهم على أن الحديث المرفوع أصح. وأما ما وقع في صحيح مسلم من أنه قال حماد بن زيد (الراوي عن أيوب عن عمرو بن دينار مرفوعاً) : ثم لقيت عمراً فحدثني به ولم يرفعه، فلا يقدح في صحة الحديث ورفعه؛ لأن غاية ما فيه أنه يدل على أن عمرو بن دينار كان لا يرفعه تارة ووقفه مرة أو مرتين، لا يخرج الحديث من أن يكون مرفوعاً في الأصل؛ لأن أكثر الرواة رفعوه، والرفع مقدم، وإن كان عدد الرفع أقل فكيف إذا كان أكثر.

1066-

قوله: (إذا استأذنت إمرأة أحدكم) أي زوجها في الذهاب. (إلى المسجد) أو ما في معناه كشهود العيد وعيادة المريض. (فلا يمنعها) بالجزم والرفع. وفي بعض النسخ: فلا يمنعنّها بالنون الثقيلة المؤكدة. وفي الصحيحين: فلا يمنعها بغير النون كما في الكتاب، وهو عام يشمل الليل والنهار، فما وقع في بعض طرق حديث ابن عمر عند الشيخين قوله: بالليل من ذكر فرد من أفراد العام فلا يخصص على الأصح في الأصول كحديث: دباغها طهورها في شاة ميمونة مع حديث: أيما إهاب دبغ فقد طهر. وقيل: خص الليل بالذكر لما فيه من الستر بالظلمة. وقيل: التقييد بالليل من مفهوم الموافقة؛ لأنه إذا أذن لهن بالليل مع أنه مظنة الريبة فالإذن بالنهار بطريق الأولى. ثم مقتضى هذا النهي أن منع المرأة من الخروج إلى المسجد إما مطلقاً في الأزمان كما في هذه الرواية

ص: 502

أو مقيداً بالليل كما في بعض الروايات من حديث ابن عمر يكون محرماً على الزوج. وقال النووي: النهي محمول على كراهة التنزيه. قال البيهقي: وبه قال كافة العلماء. ومقتضى الحديث أن جواز الخروج يحتاج إلى إذن الزوج. وقال السندي: الحديث مقيد بما علم من الأحاديث الأخر من عدم استعمال طيب وزينة، فينبغي أن لا يأذن لها إلا إذا خرجت على الوجه الجائز، وينبغي للمرأة أن لا تخرج بذلك الوجه للصلاة في المسجد إلا على قلة لما علم أن صلاتها في البيت أفضل، نعم إذا أرادت الخروج بذلك الوجه فينبغي أن لا يمنعها الزوج. وقول الفقهاء بالمنع مبني على النظر في حال الزمان، لكن المقصود يحصل بما ذكرنا من التقييد المعلوم من الأحاديث، فلا حاجة إلى القول بالمنع- انتهى. وقال النووي: الحديث ظاهر في أنها لا تمنع المسجد لكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث وهي أن لا تكون متطيبة ولا متزينة ولا ذات خلاخل يسمع صوتها ولا ثياب فاخرة ولا مختلطة بالرجال ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها. وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة ونحوها- انتهى. وقال ابن دقيق العيد: هذا الحديث عام في النساء، إلا أن الفقهاء خصوه بشروط وحالات: منها أن لا تتطيب، قال ويلحق بالطيب ما في معناه، فإن الطيب إنما منع لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم، وربما يكون سبباً لتحريك شهوة المرأة أيضاً، فما أوجب هذا المعنى التحق به كحسن الملبس ولبس الحلي الذي يظهر أثره في الزينة، وكذا الاختلاط بالرجال. قال الحافظ: وفرّق كثير من الفقهاء المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها. وفيه نظر إلا أن أخذ الخوف عليها من جهتها؛ لأنها إذا عريت مما ذكر وكانت مستترة حصل الأمن عليها، ولاسيما إذا كان ذلك بالليل. وقد ورد في بعض الأحاديث ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد. ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة- ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة، ومن ثم قالت عائشة ما قالت. (يشير بذلك إلى ما رواه الشيخان عن عمرة عن عائشة قالت: لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى من النساء ما أحدثن لمنعهن من المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل

الحديث) . وتمسك بعضهم بقول عائشة في منع النساء مطلقاً. وفيه نظر إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم؛ لأنها علقته على شرط لم يوجد بناء على ظن ظنته فقالت: لو رأى لمنع، فيقال عليه لم يرد ولم يمنع، فاستمر الحكم حتى أن عائشة لم تصرح بالمنع وإن كان كلامها يشعر بأنها ترى المنع وأيضاً فقد علم الله سبحانه تعالى ما سيحدثن فما أوحى إلى نبيه بمنعهن. ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق أولى. وأيضاً فالأحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن، فإن تعين المنع فليكن لمن أحدثت. والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب لإسارته صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بمنع التطيب

ص: 503

متفق عليه.

1067-

(9) وعن زينب إمرأة عبد الله بن مسعود، قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً))

ــ

والزينة، وكذلك التقييد بالليل- انتهى كلام الحافظ مختصراً. قلت: حمل الحنفية الأحاديث الدالة على جواز خروج النساء إلى المساجد للجماعة على العجائز الغير المشتهاة، وقيدوها بالليل أي بصلاة الفجر والمغرب والعشاء، وأفتى المتأخرون منهم بمنع العجائز أيضاً كالشواب، وقالوا: خروج النساء للجماعة في زماننا مكروه لفساده، واحتجوا لذلك بأثر عائشة المذكور. وفيه أنه لا دليل على حمل أحاديث الباب على العجائز، بل يرده ويبطله عموم هذه الأحاديث وإطلاقها، وتعامل الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم. والقول بكراهة الخروج ومنعه مطلقاً أبطل وأبطل، وليس في أثر عائشة حجة لجواز منعهن المساجد كما سلف في كلام الحافظ أخذاً من المحلى لابن حزم. قال الشيخ أحمد محمد شاكر: الشريعة استقرت بموته صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد أن يحدث بعده حكما يخالف ما ورد عنه أو علة استحسنها. وكما قال الشافعي في الرسالة: ومن وجب عليه إتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن خلافها، ولم يقم مقام أن ينسخ شيئاً منه- انتهى. والله سبحانه أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم شريعة كاملة بينة، وهو سبحانه يعلم ما يكون فلو شاء أن يمنع النساء المساجد لما قالت عائشة لأوحى بذلك إلى رسوله، ولكنه أذن بخروجهن إلى المساجد، وحرم منعهن شهود الجماعة، ونهاهن عن التبرج وإظهار زينتهن، وكلا الأمرين واجب إتباعه لا يعارض أحدهما الآخر وعلى الناس الطاعة. (متفق عليه) للحديث عند الشيخين وغيرهما طرق وألفاظ، واللفظ المذكور "أحدها" لكن ليس في البخاري في الطريق الذي ذكر المصنف لفظه التقييد بالمسجد، وأخرجه باللفظ المذكور أحمد والنسائي والبيهقي أيضاً.

1067-

قوله: (وعن زينب إمرأة عبد الله بن مسعود) هي زينب بنت معاوية. وقيل: بنت أبي معاوية. وقيل: بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب بن الأسود الثقفية زوج ابن مسعود، صحابية، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن زوجها عبد الله بن مسعود وعن عمر بن الخطاب، لها أحاديث اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث بحديث ومسلم بآخر، وروى عنها ابنها أبوعبيدة بن عبد الله بن مسعود وابن أخيها ولم يسم وعمرو بن الحارث بن ضرار وغيرهم. (إذا شهدت إحداكن المسجد) أي إذا أرادت شهود المسجد وحضوره. (فلا يمس) بالفتح بغير النون. (طيباً) بكسر الطاء أي لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم، ولذلك ورد في حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود: وليخرجن تفلات، وهو بفتح التاء وكسر الفاء أي غير متطيبات، ويقال: إمرأة تفلة إذا كانت متغيرة الريح، ولحديث زينب هذا طرق وألفاظ عند أحمد ومسلم والنسائي. وقد بسط السيوطي طرقه في تنوير الحوالك ولفظه

ص: 504