المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌{الفصل الأول} 1031- (1) عن ابن عباس، قال: ((سجد النبي صلى - مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٣

[عبيد الله الرحماني المباركفوري]

فهرس الكتاب

- ‌(10) باب صفة الصلاة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(11) باب ما يقرأ بعد التكبير

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(12) باب القراءة في الصلاة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(13) باب الركوع

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(14) باب السجود وفضله

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(15) باب التشهد

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(16) باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفضلها

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(17) باب الدعاء في التشهد

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(18) باب الذكر بعد الصلاة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(19) باب مالا يجوز من العمل في الصلاة وما يباح منه

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(20) باب السهو

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(21) باب سجود القرآن

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(22) باب أوقات النهي

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(23) باب الجماعة وفضلها

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

الفصل: ‌ ‌{الفصل الأول} 1031- (1) عن ابن عباس، قال: ((سجد النبي صلى

{الفصل الأول}

1031-

(1) عن ابن عباس، قال: ((سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم، وسجد معه المسلمون، والمشركون،

والجن،

ــ

ويقول اللهم: لك سجدت. ذكره ابن قدامة. قال الأمير اليماني الأصل أنه لا يشترط الطهارة إلا بدليل. وأدلة وجوب الطهارة وردت للصلاة والسجدة فيها، فلا تشمل السجدة الفردة- انتهى. وقال الشوكاني ما ملخصه: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئاً، وهكذا ليس في الأحاديث ما يدل على اعتبار طهارة الثياب والمكان. وأما ستر العورة واستقبال القبلة مع الإمكان، فقيل إنه معتبر اتفاقاً- انتهى. وقال ابن حزم في المحلى (ج1 ص80) : السجود في القرآن ليس ركعة، أو ركعتين، فليس صلاة، وإذا كان ليس صلاة فهو جائز بلا وضوء، وللجنب والحائض وإلى غير القبلة كسائر الذكر. ولا فرق إذ لا يلزم الوضوء إلا للصلاة، ولم يأت بإيجابه لغير الصلاة قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، فإن قيل: السجود من الصلاة وبعض الصلاة صلاة. قلنا: والتكبير بعض الصلاة. والجلوس والقيام والسلام بعض الصلاة، فهل يلتزمون أن لا يفعل أحد شيئاً من هذه الأقوال والأفعال إلا وهو على وضوء؟ لا يقولونه ولا يقوله أحد- انتهى. قلت: عدم الاشتراط هو الأرجح والأقوى عندي، لكن الأحوط في العمل هو ما روي عن ابن عمر أنه لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر.

1031-

قوله: (عن ابن عباس قال: سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم) أي بسورتها. زاد الطبراني في الأوسط: بمكة. فأفاد أن قصة ابن مسعود الآتية في الفصل الثالث. وقصة ابن عباس هذه متحدة، وإنما سجد النبي صلى الله عليه وسلم هذه السجدة امتثالاً لأمر الله سبحانه بالسجود، وشكراً للنعم العظيمة المعدودة في أول السورة من أنه لا ينطق عن الهوى، وقربه من الله تعالى، وأراءته إياه من آياته الكبرى. وفيه دليل على مشروعية السجدة في المفصل، خلافاً لمالك في ظاهر الرواية عنه. (وسجد معه المسلمون) متابعة له صلى الله عليه وسلم في امتثال الأمر وإتيان الشكر. (والمشركون) أي الذين كانوا عنده. قال النووي: إنه محمول على من كان حاضراً قراءته. وفيه مشروعية السجود لمن حضر عند القاري للآية التي فيها السجدة. وإنما سجد المشركون لاستماع أسماء آلهتهم من اللات والعزى ومنات. أو لما ظهر من سطوة سلطان العز والجبروت وسطوع الأنوار والكبرياء من توحيد الله عزوجل، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق لهم شك ولا اختيار ولا أثر جحود واستكبار إلا من أشقى القوم وأطغاهم وأعتاهم، وهو الذي أخذ كفاً من الحصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا. وسيأتي مزيد الكلام فيه. (والجن) كان ابن عباس استند في ذلك إلى أخبار النبي صلى الله عليه وسلم إما مشافهة له وإما بواسطة؛ لأنه لم يحضر القصة لصغره. وأيضاً

ص: 431

والإنس)) .

ــ

فهو من الأمور التي لا يطلع الإنسان عليها إلا بتوقيف، وتجويز أنه كشف له عن ذلك بعيد؛ لأنه لم يحضرها قطعاً، قاله الحافظ. وقال شيخه العراقي: الظاهر أن الحديث من مراسيل ابن عباس عن الصحابة، وإنه لم يشهد تلك القصة، خصوصاً إن كانت قبل فرض الصلاة، ومراسيل الصحابة مقبولة على الصحيح. والظاهر أن ابن عباس سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم يحدث به. (والإنس) إجمال بعد تفصيل نحو قوله تعالى:{تلك عشرة كاملة} [2: 196] قاله الكرماني. وزاد صاحب اللامع الصبيح: أو تفصيل بعد إجمال؛ لأن كلاً من المسلمين والمشركين شامل للإنس والجن. قال الكرماني: سجد المشركون مع المسلمين؛ لأنها أول سجدة نزلت، فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا قصد، أو خافوا في ذلك المجلس من مخالفتهم- انتهى. وفي هذا الأخير نظر؛ لأن المسلمين حينئذٍ هم الذين كانوا خائفين من المشركين لا العكس، وقد ذكر المفسرون في هذه القصة. في تفسير قوله تعالى:{وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} الآية [22: 52] . أنه جرى على لسانه صلى الله عليه وسلم من قبل الشيطان الكلمات المشهورة، وهي: تلك الغرانيق (1) العلى. وإن شفاعتهن لترتجى، فلذلك سجد المشركون معه حيث زعموا أنه لا اختلاف بعد ذلك بيننا وبينه؛ لأنه يثني على آلهتنا، لكن لا أصل لهذه القصة عند المحدثين، بل الحق أن هذه الكلمات ما جرت على لسانه عليه السلام، والقصة موضوعة كما قال الذهبي وغيره من المحدثين. وكيف يظن مثل هذا بأكرم الرسل خير المخلوقات أنه تسلط عليه الشيطان. حاشا جنابه عن نسبة أمثال هذه الواهيات، ثم حاشا هذا، وقد قال تعالى في حق عامة الصلحاء:{إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [15: 42] . فأفاد نفيه بكل الوجوه، فما ظنك بسيد البشر والشفيع المشفع في المحشر، بل الحق أن المشركين إنما سجدوا لغلبة جلاله وجبروته عليه السلام، وسماع المواعظ البليغة في القرآن، فاضطروا إلى السجود ولم يبق اختيارهم في أيديهم. وكيف يستبعد ذلك، وقد قال الله تعالى:{كلما أضاء لهم مشوا فيه} [2: 20] وقال: {وجحدوا واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً} [27: 14] . كذا في شرح تراجم أبواب صحيح البخاري للشاه ولي الله الدهلوي. قلت: جميع ما يذكر من الروايات في قصة الغرانيق إما مرسلة أو منقطعة لا تقوم الحجة بشيء منها، كما قال البزار والبيهقي وابن خزيمة وابن كثير وغيرهم. فالحق أن هذه القصة مكذوبة باطلة لا يصح فيها شيء من جهة النقل، لأنه لم يروها أحد من أهل الصحة، ولا أسندها ثقة بسند صحيح أو سليم متصل، وإنما رواها المفسرون والمؤرخون والمولعون بكل غريب الملفقون من الصحف كل صحيح وسقيم. وقد دل على عدم ثبوت لهذه القصة اضطراب رواتها، وانقطاع سندها، واختلاف ألفاظها. والذي جاء في الصحيح من حديث ابن مسعود عند الشيخين، وحديث ابن

(1) الغرانيق - بفتح الغين المعجمة - طيور الماء، شبهت الأصنام المعتقدون فيها أنه تشفع لهم بالطيور تعلو في السماء وترفع.

ص: 432

عباس هذا لم يذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر تلك الألفاظ ولا قرأها. والذي ذكره المفسرون عن ابن عباس في هذه القصة فقد رواه عنه الكلبي، وهو ضعيف جداً، بل متروك لا يعتمد عليه. وكذا أخرجه النحاس بسند آخر، فيه الواقدي. ولا يصح من جهة العقل أيضاً؛ لأن مدح إله غير الله تعالى كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن جوّز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان، ولو جوز ذلك لارتفع الأمان عن شرعه، وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك، أي مما ألقاه الشيطان على لسانه. ويبطل قوله:{بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} [5: 67] ، فإنه لا فرق عند العقل بين النقصان من الوحي وبين الزيادة فيه، هذا وقد حاول الحافظ في الفتح: أن يدعي أن للقصة أصلاً حيث قال بعد ذكر طرق عديدة لها أن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلاً، قال وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، قال وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى. وإن شفاعتهن لترتجى، فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه صلى الله عليه وسلم أن يزيد في القرآن عمداً ما ليس منه، وكذا سهواً إذا كان مغايراً لما جاءته من التوحيد لمكان عصمته، ثم ذكر تأويلات للعلماء، ورد على كل واحد منها إلا تأويلاً واحداً، فأقره وجعله أحسن الوجوه، وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان يرتل القرآن، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات، ونطق بتلك الكلمات محاكياً نغمته، بحيث سمعه من دنا إليه، فظنها من قوله وأشاعها. قلت. في هذا التأويل أيضاً نظر، فإن جواز ذلك أيضاً يخل بالوثوق بالقرآن، ويرفع الاعتماد على قوله عليه السلام والأمان من شرعه؛ لاحتمال أن يكون ذلك مما نطق به الشيطان في سكتة من سكتاته عليه السلام، محاكياً نغمته وصوته بحيث سمعه من دنا إليه، فظنه من قوله وأشاعه. وأما قوله: إن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها الخ. ففيه أن هذا ليس قاعدة كلية. قال الزيلعي في نصب الراية (ج ص) : وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه، وهو حديث ضعيف، كحديث الطير، وحديث الحاجم والمحجوم، وحديث: من كنت مولاه فعليّ مولاه، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفاً- انتهى كلام الزيلعي. واختلفوا في تفسير قوله تعالى في سورة الحج:{وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم آياته والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد} ، ومن أحسن ما قيل فيه: هو أن الله تعالى ما أرسل رسولاً ولا نبياً من الأنبياء إلى أمة من الأمم إلا وذلك الرسول يتمنى الإيمان لأمته، ويحبه لهم

ــ

ص: 433

رواه البخاري.

1032-

(2) وعن أبي هريرة، قال: ((سجدنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في: {إذا السماء انشقت} و. {اقرأ باسم ربك}

ــ

ويرغب فيه ويحرص عليه غاية الحرص، ويعالجهم أشد المعالجة في ذلك. ومن جملتهم نبينا صلى الله عليه وسلم الذي خاطبه الله تعالى بقوله:{فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً} [18: 6] وبقوله: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [12: 103]، وبقوله:{أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [10: 99]، ثم الأمة تختلف كما قال تعالى:{ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر} [2: 253] ، فمن كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة في الرسالة والنبوة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضاً لا يخلو عن وساوس؛ لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب، وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة، وبحسب التعلقات. إذا تقرر هذا فمعنى تمنى أنه يتمنى الإيمان لأمته ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه هي أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم، ثم يرحمهم الله فينسخ ذلك من قلوب المؤمنين، ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقى ذلك في قلوب المنافقين والكافرين، فيفتتنوا به، فخرج من هذا أن الوساوس تلقى أولاً في قلوب الفريقين معاً، غير أنها لا تستمر في قلوب المؤمنين ولا تبقى بل تزول وتنمحى بخلاف المنافقين والكافرين، فإنها تدوم وترسخ في قلوبهم. والله أعلم. وقد بسط العلامة الآلوسي الكلام في تفسير هذه الآية في روح المعاني (ج17 ص172-186) وأجاد فعليك أن تراجعه. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي والبيهقي (ج2 ص314) .

1032-

قوله: (سجدنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في {إذا السماء انشقت} ، و {إقرا باسم ربك} ) هما من المفصل فهو دليل صريح في ثبوت السجود في المفصل مثل الحديث السابق. وشرح الموطأ للزرقاني قال بالسجود في المفصل الخلفاء الأربعة والأئمة الثلاثة وجماعة. ورواه ابن وهب عن مالك وروى عنه ابن القاسم. والجمهور أن لا سجود فيها؛ لأن أبا سلمة قال لأبي هريرة لقد سجدت في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها، فدل هذا على أن الناس تركوه وجرى العمل بتركه. ورده ابن عبد البر. بأن أي عمل يدعى مع مخالفة المصطفى والخلفاء الراشدين بعده وسيأتي مزيد الكلام في ذلك. وروى البخاري وغيره عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ. {إذا السماء انشقت} [84: 1] فسجد فقلت ما هذه؟ قال سجدت فيها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. ورواه ابن خزيمة بلفظ: صليت خلف أبي القاسم فسجد بها، وكذلك أخرجه الجوزقي واستدل به

ــ

(1)

وفي نسخة "رسول الله "

ص: 434

رواه مسلم.

1033-

(3) وعن ابن عمر، قال:((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ "السجدة" ونحن عنده فيسجد، ونسجد معه، فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعاً يسجد عليه))

ــ

البخاري على قراءة السجدة في الصلاة المفروضة الجهرية. وإليه ذهب الشافعي، ولم يفرق بين الفريضة والنافلة والسرية والجهرية، وهو الحق لحديث أبي هريرة السابق، ولما روى أحمد وأبوداود والطحاوي والبيهقي والحاكم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في صلاة الظهر ثم قام فركع فرأينا أنه قرأ تنزيل السجدة. وروي عن عمر أنه صلى الصبح فقرأ "والنجم" فسجد فيها. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الزبير أنه صلى الظهر أو العصر فقال له رجل: صليت خمساً، فقال: إني قرأت بسورة فيها سجدة. وهذا كله حجة على من كره ذلك في الصلاة المفروضة مطلقاً، وهو منقول عن مالك، وعنه كراهته في السرية دون الجهرية، وهو قول بعض الحنفية والحنابلة أيضاً لما أن فيه إيهاماً وتخليطاً على المأموم إن سجد. قال ابن قدامة في المغني: واتباع النبي صلى الله عليه وسلم أولى - انتهى. وأما القول بأن المنع لعارض وهو شيوع الجهل فلا يشكل عليه بما ورد في الأحاديث من قراءة آية السجدة في الصلاة المفروضة الجهرية والسرية، ففيه أن الواجب حينئذٍ تعليم الناس السنة، ورفع جهلهم بالعمل بالسنة الثابتة لا تركها لجهلهم. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي.

1033-

قوله: (يقرأ السجدة) أي آية سجدة متصلة بما قبلها أو بما بعدها أو منفردة لبيان الجواز. وقيل: التقدير يقرأ سورة السجدة، أي سورة فيها آية السجدة. ويؤيده ما في رواية للبخاري: يقرأ علينا السورة التي فيها السجدة. زاد في رواية لأبي داود في غير الصلاة. واحتج به بعضهم على أنه لا يسجد في الفرض. وهذا تمسك بالمفهوم، وهو لا يصلح للاحتجاج به؛ لأن القائل بذلك ذكر صفة الواقعة التي وقع فيها السجود المذكور. وذلك لا ينافي ما ثبت من سجوده صلى الله عليه وسلم في الصلاة، كما تقدم. (ونحن عنده) جملة حالية. (فيسجد) صلى الله عليه وسلم. (ونسجد) نحن. (معه فنزدحم) لضيق المكان، وكثرة الساجدين. وقال القاري: أي نجتمع حيث ضاق المكان بنا. (حتى ما يجد) بالرفع: وقيل: بالنصب. (أحدنا) أي بعضنا، وليس المراد كل واحد، ولا واحد معين، بل البعض غير المعين. (لجبهته موضعاً يسجد عليه) أي معهم لضيق الموضع، وشدة الزحام. واختلاط الناس. وقوله: يسجد عليه في محل النصب؛ لأنه وقع صفة لموضعاً المنصوب على المفعولية "ليجد". وقد اختلف فيمن لم يجد مكاناً يسجد عليه، فقال عمر يسجد على ظهر أخيه أخرجه البيهقي بسند صحيح. وبه قال الكوفيون وأحمد وإسحاق. وقال عطاء والزهري: يؤخر حتى يرفعوا. وبه قال مالك والجمهور. وهذا الخلاف في سجود الفريضة. قال

ص: 435

الحافظ: وإذا كان هذا في سجود الفريضة فيجري مثله في سجود التلاوة. ولم يذكر ابن عمر في هذا الحديث ما كانوا يصنعون حينئذٍ، ولذلك وقع الخلاف المذكور. ووقع في الطبراني من طريق مصعب بن ثابت عن نافع في هذا الحديث أن ذلك كان بمكة لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم "النجم"، وزاد فيه: "حتى سجد الرجل على ظهر الرجل. قال الحافظ: الذي يظهر أن هذا الكلام وقع من ابن عمر على سبيل المبالغة في أنه لم يبق أحد إلا سجد، قال وسياق حديث الباب مشعر بأن ذلك وقع مراراً، فيحتمل أن تكون رواية الطبراني بينت مبدأ ذلك. ويؤيده ما رواه الطبراني أيضاً من رواية المسور بن مخرمة عن أبيه، قال: أظهر أهل مكة الإسلام، يعني في أول الأمر حتى إن كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ السجدة فيسجد، وما يستطيع بعضهم أن يسجد من الزحام، حتى قدم رؤساء مكة، وكانوا في الطائف، فرجعوهم عن الإسلام. والحديث يدل على مشروعية السجود لمن سمع الآية التي يشرع فيها السجود إذا سجد القاريء لها. واستدل به البخاري على السجود لسجود القاريء حيث بوب عليه باب من سجد لسجود القاريء، وقال ابن مسعود لتميم بن حذلم وهو غلام فقرأ عليه سجدة، فقال: اسجد، فإنك إمامنا فيها. قال الحافظ: في الترجمة. إشارة إلى أن القاريء إذا لم يسجد لم يسجد السامع. ويتأيد بما أخرجه ابن أبي شيبة مرفوعاً من رواية ابن عجلان عن زيد بن أسلم أن غلاماً قرأ عند النبي صلى الله عليه وسلم السجدة، فانتظر الغلام النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد، فلما لم يسجد قال يا رسول الله! أليس في هذه السجدة سجود؟ قال: بلى. ولكنك كنت إمامنا فيها، ولو سجدت لسجدنا، رجاله ثقات إلا أنه مرسل. وقد روي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلاً مرفوعاً نحوه أخرجه الشافعي والبيهقي (ج2: ص324) وقال القسطلاني: معنى قوله: أنت إمامنا أي متبوعناً لتعلق السجدة بنا من جهتك، وليس معناه إن لم تسجد لم نسجد؛ لأن السجدة كما تتعلق بالقاري تتعلق بالسامع غير القاصد السماع والمستمع القاصد، لكنها في المستمع والسامع عند سجود القاريء، آكد منها عند عدم سجوده لما قيل: إن سجودهما يتوقف على سجوده، وإذا سجدا معه فلا يرتبطان به، ولا ينويان الاقتداء به، ولهما الرفع من السجود قبله - انتهى. وقال ابن قدامة: إذ لم يسجد التالي لم يسجد المستمع. (عند الحنابلة، وبه قالت المالكية) وقال الشافعي: يسجد - انتهى. وبه قالت الحنفية. والظاهر عندي ما ذهب إليه الحنابلة والمالكية من أنه إذا لم يسجد القاري لم يسجد السامع لحديث زيد بن أسلم وعطاء، ولأثر ابن مسعود. واختلفوا أيضاً في اشتراط قصد السماع قال ابن قدامة في المغني: يسن سجود للتالي والمستمع لا نعلم في هذا خلافاً. وقد دلت عليه الأحاديث، فأما السامع غير القاصد فلا يستحب له. روى ذلك عن عثمان وابن عباس وعمران، وبه قال مالك. وقال أصحاب الرأي عليه السجود، وروى نحو ذلك عن ابن عمر والنخعي وسعيد بن جبير ونافع وإسحاق؛ لأنه سامع للسجدة، فكان

ص: 436

متفق عليه.

1034-

(4) وعن زيد بن ثابت، قال:((قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم و"النجم" فلم يسجد فيها))

ــ

عليه السجدة كالمستمع. وقال الشافعي: لا أؤكد عليه السجود، وإن سجد فحسن. ولنا ما روى عن عثمان أنه قال: إنما السجدة على من استمع. وقال ابن مسعود وعمران: ما جلسنا لها، وقال سلمان: ما غدونا لها. ونحوه عن ابن عباس، ولا مخالف لهم في عصرهم، إلا قول ابن عمر: إنما السجدة على من سمعها، فيحتمل أنه أراد من سمع عن قصد جمعاً بين أقوالهم - انتهى. واختلفوا أيضاً في اشتراط ذكورة التالي، وكونه مكلفاً لسجود السامع. فذهب الشافعية والحنفية إلى عدم اشتراط ذلك لعموم ما ورد من السجود على السامع، وقالت الحنابلة والمالكية: يشترط لسجود المستمع أن يكون التالي ممن يصلح أن يكون إماماً يصح أن يقتدى به. واستدلوا بما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم لتالٍ عنده لم يسجد: كنت أمامنا. وأجاب عنه في البرهان بأن المراد منه كنت حقيقا أن تسجد قبلنا لا حقيقة الإمامة. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والبيهقي.

1034-

قوله: (قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم والنجم) أي سورتها إلى آخرها. (فلم يسجد فيها) لبيان الجواز؛ لأنه لو كان واجباً لأمره بالسجود. واستدل بالحديث من لا يرى السجود في المفصل كمالك، أو أن النجم بخصوصها لا سجود فيها كأبي ثور، وحمل ما جاء في سجود النجم على النسخ لكونه كان بمكة، ولأنه لو كان باقياً من غير نسخ ما عدل أهل المدينة عن العمل به. وأجيب بأن ترك السجود فيها في هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقاً لاحتمال أن يكون السبب في الترك إذ ذاك إما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت وقت كراهة فأخره، فظن زيد أنه ترك مطلقاً، أو لكون القارئ إماماً للسامع، فترك السجود إتباعاً لزيد؛ لأنه القارئ فهو إمام، وترك زيد لأجل صغره، أو لعل معنى كلام زيد أنه لم يسجد في الحال، أي على الفور بل أخره، ذكره العيني وغيره من الحنفية، أو ترك حينئذٍ لبيان الجواز. قال الحافظ: وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي؛ لأنه لو كان واجباً لأمره بالسجود ولو بعد ذلك. وقد تقدم حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة، وهما صريحان في السجود في المفصل: وكذا حديث ابن مسعود الآتي. وروى البزار والدارقطني عن أبي هريرة أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في سورة النجم وسجدنا معه. قال الحافظ في الفتح: رجاله ثقات. وروى ابن مردويه في تفسيره بإسناد حسنه الحافظ عن أبي هريرة أنه سجد في خاتمة النجم، فسئل عن ذلك، فقال: إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها. وقد تقدم أن أبا هريرة إنما أسلم بالمدينة سنة سبع من الهجرة. قال الحافظ: وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن الأسود بن يزيد عن عمر أنه سجد في "إذ السماء انشقت"، ومن طريق نافع عن ابن عمر: إنه

ص: 437

متفق عليه.

1035-

(5) وعن ابن عباس، قال: ((سجدة "ص" ليس من عزائم السجود، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم

يسجد فيها. وفي رواية: قال مجاهد: قلت لابن عباس: أأسجد في "ص" فقرأ: {ومن

ذريته داود وسليمان} حتى أتى. {فبهداهم اقتده}

ــ

سجد فيها. وروى الطبراني بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمر: إنه قرأ النجم في الصلاة فسجد فيها، ثم قام فقرأ "إذا زلزلت". وفي هذا رد على من زعم أن عمل أهل المدينة استمر على ترك السجود في المفصل مطلقاً، أو في الصلاة خاصة. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي والبيهقي.

1035-

قوله: (سجدة ص) بسكون أو فتح أو كسر، بتنوين وبدونه. وقد تكتب ثلاثة أحرف باعتبار اسمها، ذكره ابن حجر. قال القاري: والأول أولى لما عليه الجمهور من القراء. (ليس) تذكيره؛ لأنها بمعنى السجود. وقال ابن حجر: أي ليس فعلها. (من عزائم السجود) أي ليست مما ورد في السجود فيها أمر ولا تحريض ولا تحضيض ولا حث، وإنما ورد بصيغة الإخبار عن داود عليه السلام بأنه فعلها، وسجد نبينا صلى الله عليه وسلم فيها اقتداء به لقوله تعالى. {فبهداهم اقتده} [6: 90] . وفيه دلالة على أن المسنونات قد يكون بعضها آكد من بعض. قال الحافظ: المراد بالعزائم ما وردت العزيمة على فعله كصيغة الأمر مثلاً، بناء على أن بعض المندوبات آكد من بعض عند من لا يقول بالوجوب. وقد روى ابن المنذر وغيره عن علي بإسناد حسن أن العزائم "حم" و"النجم" وإقرأ" و"الم تنزيل". وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأخر. وقيل:"الإعراف" و"سبحان" و"حم" و"الم" أخرجه ابن أبي شيبة - انتهى. (وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها) أي في سجدة "ص" في الصلاة وغيرها. وفي البخاري في تفسير "ص" من طريق مجاهد، وكذا لابن خزيمة أنه سأل عن ابن عباس: من أين سجدت في "ص"، ولفظ ابن خزيمة من أين أخذت سجدة "ص" فقال من قوله تعالى. {ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله فبهداهم اقتده} ، ففي هذا أنه استنبط مشروعية السجود فيها من الآية. وفي رواية الباب أنه أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تعارض بينهما لاحتمال أن يكون استفادة من الطريقين. قال الشوكاني: وإنما لم تكن السجدة في "ص" من العزائم؛ لأنها وردت بلفظ الركوع، فلولا التوقيف ما ظهر أن فيها سجدة. (وفي رواية) أي للبخاري في أحاديث الأنبياء. (فقرأ ومن ذريته) أي من ذرية نوح. {حتى أتي} أي وصل قوله تعالى أو حتى أتى على قوله تعالى. {أولئك الذين هدى الله} . (فبهداهم اقتده) بها السكت

ص: 438

فقال نبيكم صلى الله عليه وسلم ممن أمر أن يقتدى بهم)) رواه البخاري.

ــ

للجمهور، وبها الضمير للشامي قصرا ومدا، أي افعل كما فعلوا من تبليغ الرسالة، وتحمل الأذى في سبيلي، قاله ابن الملك. والظاهر أن معناه اقتد بسيرهم السنية وأخلاقهم البيهية، كذا في المرقاة. (فقال) أي ابن عباس للإستدلال على إتيان السجدة، ولإستنباط وجه سجود النبي صلى الله عليه وسلم فيها، من الآية. (نبيكم صلى الله عليه وسلم) مبتدأ، خبره. (ممن أمر أن يقتدى) بصيغة المعلوم. (بهم) أي بهؤلاء الأنبياء. ومن جملتهم داود، وهو قد سجد لله تعالى، فأنت أولى بالإقتداء بهم، أو به عليه السلام، فإنه اقتدى بداود، وسجد فيها. وهذا بإطلاقه أيضاً يشمل الصلاة وغيرها. قال الطيبي: الجواب من أسلوب الحكيم، أي إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مأموراً بالإقتداء بهم فأنت أولى، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإقتداء بهم ليستكمل بجميع فضائلهم الجميلة، وخصائلهم الحميدة، وهي نعمة ليس وراءها نعمة، فيجب عليه الشكر لذلك. قال الرازي: الآية دالة على فضل نبينا صلى الله عليه وسلم على الأنبياء؛ لأنه تعالى أمره بالإقتداء بهداهم، ولا بد من امتثاله بذلك، فوجب أن يجتمع فيه جميع خصائلهم وخلائقهم المتفرقة - انتهى هذا. وروي النسائي عن ابن عباس مرفوعاً "سجدها داود توبة، ونسجدها شكراً، وقد ذكره المصنف في الفصل الثالث. واستدل الشافعي: بقوله: شكراً على أنه لا يسجد فيها في الصلاة، لأن سجود الشاكر، لا يشرع داخل الصلاة. قال العيني: لا خلاف بين الحنفية والشافعية، في أن "ص" فيها سجدة تفعل، وهو أيضاً مذهب سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق. غير أن الخلاف في كونها من العزائم، أم لا، فعند الشافعي، ليست من العزائم. وإنما هي سجدة شكر. تستحب في غير الصلاة، وتحرم فيها في الصحيح. وهذا هو المنصوص عنده، وبه قطع جمهور الشافعية. وعند أبي حنيفة وأصحابه، هي من العزائم. وهو قول مالك أيضاً. وعن أحمد كالمذهبين، والمشهور منهما، كقول الشافعي - انتهى. قلت: سجدة "ص" سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكراً، لما أنعم الله على داود من قبول التوبة. ومع ذلك فهي سجدة تلاوة أيضاً. لأن سجدة التلاوة ليس سبب مشروعيتها إلا التلاوة. وسبب مشروعية هذه السجدة، تلاوة هذه الآية، التي فيها الأخبار عن هذه النعم على داود. وإطماعنا في قيل مثله. فالحق عندي، أن يسجد في "ص" إتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وخارج الصلاة، لإطلاق الأحاديث، ويرى أن هذه السجدة، ليست من عزائم السجود. كما قال ابن عباس. ولا منافاة بين فعله صلى الله عليه وسلم وبين قول ابن عباس. لأن ابن عباس لم ينف السجود في "ص" بل نفي كونه عزيمة، وفعله صلى الله عليه وسلم لا يدل على كونه من عزائم السجود. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والبيهقي وفي الباب عن أبي سعيد عند أبي داود والحاكم وابن خزيمة وأبي هريرة عند الدارقطني والطبراني في الأوسط.

ص: 439