الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{الفصل الأول}
1433-
(1) عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: ((غزوت مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قبل نجد، فوازينا العدو، فصاففنا لهم، فقام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصلي لنا، فقامت طائفة معه،
ــ
بسلام واحد وللقوم ركعتان ركعتان فقط، وقد أوله الحنفية والمالكية والحنابلة بما هو غني عن الرد وارجع إلى المغني، والثالث: الاقتصار على ركعة، أنكره الشافعي ومالك وأبوحنيفة وأصحاب أحمد، وأولوه بما تقدم مع الجواب. والثامن: أن صلاة الخوف تجوز بشرائط، منها: أن يكون العدو مباح القتال، وأن لا يؤمن هجومه، ومنها: أن يكون هجوم من يريد صلاة الخوف مباحاً، فلو كانوا عصاة كالبغاة مثلاً لا يجوز لهم صلاة الخوف. ومنها: أن يكون في المصلين كثرة يمكن تفريقهم طائفتين، كل طائفة ثلاثة فأكثر قاله أبوالخطاب، وقال القاضي: إن كانت كل فرقة أقل من ثلاثة كرهناه، وحكاه الحافظ عن الشافعي وعلل بأنه أعاد عليهم ضمير الجمع بقوله {أسلحتهم} ، قال ابن قدامة: والأولى أن لا يشترط هذا؛ لأن ما دون الثلاثة عدد تصح به الجماعة، فجاز أن يكون طائفة كالثلاثة، ومنها: أن لا يقاتل في الصلاة، وهذا عند الحنفية.
1433-
قوله (قال) أي ابن عمر (غزوت) أي الكفار، في القاموس: غزا العدو سار إلى قتالهم وأصل الغزو القصد (مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم) حال (قبل نجد) بكسر القاف وفتح الموحدة، نصباً على الظرف أي جهة نجد، والنجد كل ما ارتفع من بلاد العرب من تهامة إلى العراق، وقال الأبهري: المراد هنا نجد الحجاز لا نجد اليمن، قال العيني والقسطلاني: وهذه الغزوة غزوة ذات الرقاع (فوازينا) بالزاي أي قابلنا بالموحدة وحاذينا من الموازاة، وهي المقابلة والمواجهة، وأصله من الإزاء بهمزة في أوله، قال الجوهري: يقال هو بإزائه أي بحذائه، وقد آزيته إذا حاذيته، ولا تقل: وازيته بالواو – انتهى. فعلى هذا أصل وازينا آزينا قلبت الهمزة واو. وقال القارئ بعد نقل كلام الجوهري: لكن رواية المحدثين مقدمة على نقل اللغويين مع أن المثبت مقدم على النافي، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، لا سيما ووافقهم صاحب النهاية، أو هما لغتان كالمواكلة والمؤاخذة – انتهى. (فصاففنا) أي قمنا صفين، كما سيأتي (لهم) أي لحربهم، أو جعلنا نفوسنا صفين في مقابلتهم (يصلي لنا) أي لأجلنا أو يصلي بنا بالموحدة، وقال القارئ: أي يصلي بالجماعة إماماً لنا، والحديث من أقوى الحجج على وجوب الجماعة حيث ما ترك في تلك الحالة – انتهى. وكانت هذه الصلاة رباعية، قال الحافظ: وسيأتي في المغازي - من صحيح البخاري - ما يدل على أنها كانت صلاة العصر (فقامت طائفة معه) تصلي أي
وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بمن معه، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاؤا، فركع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد منهم، فركع لنفسه ركعة، وسجد سجدتين.
ــ
حيث لا تبلغهم سهام العدو (وركع) وفي رواية فركع (رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بمن معه) أي مع الذين قاموا معه (وسجد سجدتين) أي بمن معه ثم ثبت قائماً (ثم انصرفوا) أي الطائفة التي صلت تلك الركعة (مكان الطائفة التي لم تصل) أي فقاموا في مكانهم في وجه العدو (فجاؤا) أي الطائفة الأخرى التي كانت تحرس، وهو – عليه الصلاة والسلام – قائم في الثانية منتظر لها (ثم سلم) أي النبي – صلى الله عليه وسلم – وحده (فقام كل واحد منهم) أي من المأمومين من الطائفتين (فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين) قال الحافظ: ظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب، وهو الراجح من حيث المعنى، وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده، ويرجحه ما رواه أبوداود من حديث ابن مسعود، ولفظه:((ثم سلم فقام هؤلاء أي الطائفة فقضوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا، ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا)) – انتهى. وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، ووقع في الرافعي تبعاً لغيره من كتب الفقه أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت وجاءت الطائفة الأولى فأتموا ركعة ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية فأتموا ولم نقف على ذلك في شيء من الطرق، وبهذه الكيفية أخذ الحنفية واختار الكيفية التي في حديث ابن مسعود أشهب من المالكية والأوزاعي، ورجح ابن عبد البر الكيفية الواردة في حديث ابن عمر على غيرها لقوة الإسناد ولموافقة الأصول في أن المأموم لا يتم صلاته قبل سلام إمامه – انتهى مختصراً. وقال القرطبي في شرح مسلم: والفرق بين حديث ابن عمر وحديث ابن مسعود أن في حديث ابن عمر كان قضاءهم في حالة واحدة ويبقى الإمام كالحارس وحده، وفي حديث ابن مسعود كان قضاءهم متفرقاً على صفة صلاتهم، وقد تأول بعضهم حديث ابن عمر على ما في حديث ابن مسعود، وبه أخذ أبوحنيفة وأصحابه غير أبي يوسف، وهو نص أشهب من أصحابنا خلاف ما تأوله ابن حبيب، والله أعلم – انتهى. قلت: حديث ابن مسعود ظاهر في أن الطائفة التي صلت مع الإمام آخراً هي بدأت بالقضاء قبل الطائفة الأولى، أي والت بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، وليس هذا في قول أبي حنيفة، وقال القارئ في شرح قوله:((فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين)) ، تفصيله أن الطائفة الثانية ذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الأولى إلى مكانهم وأتموا صلاتهم منفردين وسلموا وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الثانية وأتموا منفردين وسلموا، كما ذكره بعض الشراح من علماءنا، قال ابن الملك: كذا قيل، وبهذا أخذ أبوحنيفة
وروى نافع نحوه، وزاد: فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالاً،
ــ
لكن الحديث لم يشعر بذلك – انتهى. قال القاري: وهو كذلك، لكن قال ابن الهمام: ولا يخفى أن هذا الحديث إنما يدل على بعض ما ذهب إليه أبوحنيفة، وهو مشي الطائفة الأولى وإتمام الطائفة الثانية في مكانها من خلف الإمام، وهو أقل تغييراً، وقد دل على تمام ما ذهب إليه ما هو موقوف على ابن عباس من رواية أبي حنيفة، ذكره محمد في كتاب الآثار، وساق إسناد الإمام، ولا يخفى أن ذلك مما لا مجال للرأي فيه، فالموقوف فيه كالمرفوع – انتهى. قلت: ومذهب أبي حنيفة كما سيأتي أن الطائفة الأولى تتم الركعة التي بقيت عليها بلا قراءة كاللاحق، الطائفة الثانية تقضيها بالقراءة كالمسبوق، وهذا شيء لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلاً ولا عن أحد من أصحابه، بل ولا يعرف عن أحد من الأمة قبل أبي حنيفة، وأما أثر ابن عباس فليس فيه أدنى إشارة إلى ذلك فضلاً أن يكون نصاً في ذلك، قال محمد في كتاب الآثار (ص35) : أخبرنا أبوحنيفة عن حماد عن إبراهم في صلاة الخوف قال: إذا صلى الإمام بأصحابه فلتقم طائفة منهم مع الإمام، وطائفة بإزاء العدو، فيصلي الإمام بالطائفة الذين معه ركعة ثم تنصرف الطائفة الذين صلوا مع الإمام من غير أن يتكلموا حتى يقوموا في مقام أصحابهم، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلون مع الإمام الركعة الأخرى، ثم ينصرفون من غير أن يتكلموا حتى يقوموا في مقام أصحابهم، وتأتي الطائفة الأولى حتى يصلوا ركعة وحداناً ثم ينصرفون فيقومون مقام أصحابهم، وتأتي الطائفة الأخرى حتى يقضوا الركعة التي بقيت عليهم وحداناً، قال محمد: أخبرنا أبوحنيفة حدثنا الحارث بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهم – مثل ذلك قال: وبهذا كله نأخذ، وأما الطائفة الأولى فيقضون ركعتهم بغير قراءة؛ لأنهم أدركوا أول الصلاة مع الإمام فقراءة الإمام لهم قراءة، وأما الطائفة الأخرى فإنهم يقضون ركعتهم بقراءة؛ لأنهم فاتتهم مع الإمام، وهذا كله قول أبي حنيفة – انتهى.
(وروى نافع) أي عن ابن عمر أيضاً (نحوه) أي معنى ما رواه سالم عنه، ولفظ حديث نافع عند البخاري في تفسير سورة البقرة من طريق مالك عن نافع: أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم الإمام وطائفة من الناس فيصلي بهم الإمام ركعة، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإمام وقد صلى ركعتين، فيقوم كل واحد من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين فإن كان خوف....الخ (وزاد) أي نافع عن ابن عمر (فإن كان خوف) أي هناك أو وقع خوف شديد والتنوين للتعظيم (هو أشد من ذلك) الذي تقدم بأن لا يمكن معه الانقسام والاصطفاف وغير ذلك (صلوا) حينئذٍ بحسب الإمكان (رجالاً) بكسر الراء وتخفيف الجيم جمع راجل.
قياماً على أقدامهم، أو ركباناً مستقبلي القبلة، أو غير مستقبلها، قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ــ
قال الرازي في تفسيره: الراجل الكائن على رجله ماشياً كان أو واقفاً – انتهى. (قياماً) بكسر القاف جمع قائم، وقيل: إنه مصدر بمعنى اسم الفاعل أي قائمين، وهما حالان من فاعل صلوا، أي صلوا حال كونهم راجلين قائمين (على أقدامهم) زاد مسلم:((يومئ إيماء)) ، وقوله ((قياماً على أقدامهم)) تفسير لقوله رجالاً، قال ابن حجر: فيه إشارة إلى ترك الركوع والسجود، والإيماء إليهما عند العجز عنهما لقوله ((قياماً على أقدامهم)) ، ويكون المراد قيامهم على أقدامهم في كل حالاتهم من صلاتهم (أو ركباناً) أي راكبين على دوابهم بضم الراء جمع راكب، وأو للتخيير أو الإباحة أو التنويع (مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها) أي بحسب ما يتسهل لهم، والحاصل أنه إذا اشتد الخوف ركباناً إلى القبلة وإلى غيرها يومئون بالركوع والسجود على قدر الطاقة ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها، وبه قالت الحنابلة، فيجوز عندهم الصلاة في شدة الخوف وحالة المسايفة والتحام القتال ماشياً وراكباً وطالباً ومطلوباً، وكذا عند الشافعية إلا لطالب عدو لا يخشى كرهم عليه أو انقطاعاً من رفقته، وكذا عند المالكية، لكنهم قالوا: لا يصنعون ذلك حتى يخشوا فوت الوقت، وأيضاً اختلفوا في الطالب فقال ابن عبد الحكم: لا يصلي - أي الطالب - إلا بالأرض صلاة الأمن، وقال ابن حبيب: هو في سعة من ذلك وإن كان طالباً، وحكي ذلك عن مالك، وقال القسطلاني: قال مالك: يصلي - أي الطالب – راكباً حيث توجهت دابته إذا خاف فوت العدو إن نزل – انتهى. وقالت الحنفية: لا يجوز الصلاة في حالة المسايفة والقتال ولا في حالة المشي مطلقاً أي لا طالباً ولا مطلوباً، ويجوز الصلاة راكباً للمطلوب، ولو كانت الدابة سائرة لا للطالب، وقيل: قول ابن عمر في هذا الحديث ((قياماً على أقدامهم)) يؤيد الحنفية في نفي الصلاة في حالة المشي، وإليه يظهر ميل البخاري حيث قال: باب صلاة الخوف رجالاً وركباناً راجل قائم، قال الحافظ: يريد به أن المراد به ههنا القائم، ويطلق على الماشي أيضاً، وهو المراد في سورة الحج: {يأتوك رجالاً
…
} الآية – انتهى. وفرق الحنفية بين المشي في الصلاة وبين الصلاة ماشياً، فجوزوا الأول قالوا: وهو المذكور في حديث ابن عمر دون الثاني، ولا يخفى ما فيه (قال نافع: لا أرى) بضم الهمزة أي لا أظن (ذكر ذلك) أي قوله (فإن كان خوف
…
) الخ (إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) هكذا أخرجه مالك عن نافع في موطئه بالشك، وكذا أخرجه البخاري في صحيحه من طريق مالك، قال ابن عبد البر: رواه عن نافع جماعة لم يشكوا في رفعه، منهم ابن أبي ذئب وموسى بن عقبة وأيوب بن موسى، وكذا رواه الزهري عن سالم عن ابن عمر مرفوعاً، ورواه خالد بن معدان عن ابن عمر مرفوعاً – انتهى. وقال الحافظ: قد أخرج مسلم حديث ابن عمر من طريق الثوري
رواه البخاري.
1434-
(2) وعن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
ــ
عن موسى بن عقبة فذكر صلاة الخوف نحو سياق الزهري عن سالم، وقال في آخره: قال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك فليصل راكباً أو قائماً يومئ إيماءً، ورواه ابن المنذر من طريق داود بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة موقوفاً كله، لكن قال في آخره: وأخبرنا نافع أن عبد الله بن عمر كان يخبر بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فاقتضى ذلك رفعه كله، ثم ذكر الحافظ رواية الموطأ والبخاري ثم قال: ورواه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً كله بغير شك. أخرجه ابن ماجه ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف أن يكون الإمام يصلي بطائفة، فذكر نحو سياق سالم عن أبيه، وقال في آخره: فإن كان خوف أشد من ذلك فرجالاً أو ركباناً، وإسناده جيد، والحاصل أنه اختلف في قوله ((فإن كان خوف أشد من ذلك)) هل هو مرفوع أو موقوف على ابن عمر، والراجح وقفه، والله أعلم – انتهى. (رواه البخاري) حديث سالم عن أبيه أخرجه الجماعة والبيهقي (ج3 ص260)، وحديث نافع عن ابن عمر أخرجه مالك في موطئه والبخاري في تفسير قوله تعالى:{فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} [البقرة: 292] ، والبيهقي (ج3 ص256، 260-261) .
1434-
قوله (وعن يزيد بن رومان) - بضم الراء المهملة - المدني، مولى آل الزبير بن العوام، ثقة من صغار التابعين، مات سنة (130) ، (عن صالح بن خوات) بفتح المعجمة وتشديد الواو، وآخره تاء مثناة من فوق أي ابن جبير - بضم الجيم - ابن النعمان الأنصاري، المدني، تابعي مشهور، عزيز الحديث، ثقة، روى له الجماعة هذا الحديث، وأبوه خوات بن جبير، صحابي جليل، أول مشاهده أحد، وقيل: شهد بدراً، مات بالمدينة سنة (40) أو بعدها، وله (74) وقيل (71) سنة. (عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) ولفظ البخاري (عمن شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)، قيل: إن اسم هذا المبهم سهل بن أبي حثمة؛ لأن القاسم بن محمد روى حديث صلاة الخوف عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة، وهذا هو الظاهر من رواية البخاري، ولكن الراجح أنه أبوه خوات بن جبير؛ لأن أبا أويس رواه عن يزيد بن رومان شيخ مالك فيه فقال: عن صالح بن خوات عن أبيه، أخرجه ابن منده في معرفة الصحابة من طريقه، وكذلك أخرجه البيهقي من طريق عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن أبيه، وجزم النووي في تهذيبه بأنه خوات بن جبير، وقال: إنه محقق من رواية مسلم وغيره، وسبقه لذلك الغزالي، ويؤيده أيضاً تعيين كونها ذات الرقاع، فإنه إنما يصح ذلك في روايته عن أبيه، إذ ليس في رواية صالح عن سهل أنه صلاها مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أيضاً أن سهلاً لم يكن في سن من يخرج تلك الغزوة لصغره، لكن لا يلزم منه أن سهلاً لا يرويها، فيحتمل أن
يوم الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم)) .
ــ
صالحاً سمعه منهما، ورواية سهل تكون مرسل صحابي (يوم ذات الرقاع) بكسر الراء – جمع الرقعة بمعنى الخرقة، وهي القطعة من الثوب، وسميت هذه الغزوة ذات الرقاع لأن الظهر كان قليلاً وأقدام المسلمين نقبت من الحفاء فلفوا عليها الخرق، وهي الرقاع، رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري، وهو الصحيح في تسميتها، وقيل: سميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل: بشجر ذلك الموضع، يقال له ذات الرقاع، وقيل: بل الأرض التي كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، قاله ابن حبان، وقال الواقدي: سميت بحبل هناك فيه بقع، وهذا لعله مستند ابن حبان، ويكون قد تصحف جبل بخيل، وقد رجح السهيلي والنووي السبب الذي ذكره أبوموسى، ثم قال النووي: ويحتمل أن تكون سميت بالمجموع، وأغرب الداودي فقال: سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة الخوف فيها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها، كذا في الفتح، وسبب وقوعها أن أعرابياً جاء بجلب إلى المدينة فقال: إني رأيت ناساً من بني ثعلبة وبني أنمار قد جمعوا لكم جموعاً وأنتم في غفلة عنهم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم واستعمل على المدينة أباذر الغفاري، وقيل: عثمان بن عفان، وخرج في أربعمائة، وقيل: في سبعمائة، فلقي جمعاً من بني ثعلبة، فتوافقوا ولم يكن بينهم قتال، وقيل: لم يلق كيداً؛ لأن العدو تفرق في الجبال، إلا أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف؛ لأنه كان يخاف أن يجتمعوا فيحملوا على المسلمين، وقد تقدم اختلاف أهل العلم في تاريخ هذه الغزوة، وأن الراجح عند أهل السير أنها كانت في جمادى الأولى سنة أربع، وعند البخاري أنها بعد خيبر سنة سبع (صلاة الخوف) مفعول صلى (أن طائفة) قال الطيبي: متعلق بما يتعلق به عمن أي عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طائفة (صفت معه) أي للصلاة (وطائفة) بالنصب للعطف، وقيل: بالرفع على الابتداء أي وطائفة أخرى (وجاه العدو) بكسر الواو وبضم، أي محاذيهم ومواجههم، ونصبه على الظرفية بفعل مقدر (فصلى بالتي معه) أي بالطائفة التي معه صلى الله عليه وسلم (ثم) أي لما قام إلى الركعة الثانية (ثبت) حال كونه (قائماً وأتموا) أي الطائفة التي صلى بها الركعة الأولى (لأنفسهم) الركعة الأخرى (ثم) أي بعد سلامهم (انصرفوا) إلى وجه العدو (فصفوا وجاه العدو) أي في غير حالة الصلاة (وجاءت الطائفة الأخرى) التي كانت وجاه العدو إلى مكان الطائفة الأولى فاقتدوا به (فصلى بهم الركعة) الثانية (التي بقيت من صلاته) صلى الله عليه وسلم (ثم ثبت جالساً) في التشهد ولم يخرج من صلاته بالسلام (وأتموا) أي الطائفة التي جاءت بعد (لأنفسهم) الركعة الأخرى، وجلسوا معه في التشهد (ثم سلم بهم) أي بالطائفة
متفق عليه.
ــ
الأخيرة، أي معهم ليحصل لهم فضيلة التسليم معه صلى الله عليه وسلم، كما حصل للطائفة الأولى فضيلة التحريم معه صلى الله عليه وسلم، وقد صلى كل طائفة ركعة مع النبي صلى الله عليه وسلم وركعة لأنفسهم وحداناً، وهذه الكيفية اختارها الشافعي وأحمد، وقال مالك: يتشهد الطائفة الثانية مع الإمام، فإذا سلم الإمام قاموا فقضوا ما فاتهم كالمسبوق، واستدل بحديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة، قال ابن قدامة: والأول أولى لقول الله تعالى: {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} [النساء: 102] ، وهذا يدل على أن صلاتهم كلها معه، ولأنه روي أنه صلى الله عليه وسلم سلم بالطائفة الثانية، ولأن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام، فينبغي أن يسلم بالثانية ليسوي بينهم، ثم ذكر مذهب أبي حنيفة، ثم قال: ولنا ما روى صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف، فذكر الحديث وقال: العمل بهذا أولى؛ لأنه أشبه بكتاب الله تعالى وأحوط للصلاة والحرب، أما موافقة الكتاب فإن قول الله تعالى:{ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} يقتضي أن جميع صلاتها معه، وعند أبي حنيفة تصلى معه ركعة فقط، وعندنا جميع صلاتها معه، إحدى الركعتين توافقه في أفعاله وقيامه، والثانية تأتي بها قبل سلامه ثم تسلم معه ومن مفهوم قوله: لم يصلوا، أن الطائفة الأولى قد صلت جميع صلاتها، وعلى قولهم لم تصل إلا بعضها – انتهى. قلت: الظاهر أن الله تعالى ذكر في الآية صفة الركعة الأولى وسكت عن حال الركعة الثانية، وكانت هي موضع الفصل، وفعل ذلك للتوسع والمتبادر من تعبير صلاة الطائفة الأولى بالسجدة في قوله:{فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم} أنهم بعد أداء الركعة ينصرفون إلى وجه العدو ولا يتمون لأنفسهم الركعة الأخرى، ولو أتموها لأطلق عليها الصلاة، فذكر لفظ السجدة يؤيد الحنفية في أن الطائفة الأولى تنصرف إلى وجه العدو بعد الركعة؛ لأنه يدل على عدم تمام صلاتها، وعلى مذهب الشافعية ومن وافقهم كان الأولى أن يقال: فإذا صلوا، والمتبادر من ذكر لفظ الصلاة في ذكر الطائفة الثانية في قوله:{ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} أنهم يتمون لأنفسهم في ذلك المكان، وهذا أوفق للشافعية، فحملوا قوله: فإذا سجدوا، على معنى: فإذا فعلوا، بقرينة قوله: فليصلوا، وحملت الحنفية قوله: فليصلوا، على معنى فليسجدوا، لقوله: فإذا سجدوا، وقد ظهر من هذا أن الآية لا توافق واحداً من المذهبين بتمامه للإجمال في حال الركعة الثانية، نعم تنطبق على الصفة المذكورة في حديث ابن مسعود، فإن حاصلها أن الطائفة الأولى تذهب إلى وجه العدو بعد ركعة، وتجيء الطائفة الأخرى فتصلي مع الإمام ركعة ثم تتم لنفسها ركعة أخرى هناك ثم ترجع إلى وجه العدو، وهذه الصفة هي ظاهر الآية كذا ذكر بعد الحنفية، وقد بسط ابن قدامة الكلام في كون الصفة المختارة عند الأئمة الثلاثة أحوط للصلاة والحرب، فعليك أن ترجع إلى المغني. (متفق عليه) أخرجه البخاري في المغازي من طريق قتيبة عن مالك، ومسلم في الصلاة من طريق يحيى بن يحيى عن مالك عن يزيد بن رومان، وأخرجه أيضاً مالك وأبوداود والنسائي والبيهقي (ج3 ص252) .
1435-
(3) وأخرج البخاري بطريق آخر عن القاسم، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ــ
1435-
قوله (وأخرج البخاري بطريق آخر) أي من طريق مسدد عن يحيى القطان عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم (عن القاسم) أي ابن محمد بن أبي بكر الصديق (عن سهل بن أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم) أي نحوه، وهذه الرواية مرسل صحابي؛ لأن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أن سهلاً كان صغيراً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فمات النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين، فلم يكن إذ ذاك في سن من يخرج في تلك الغزوة، وعلى هذا فتكون روايته لقصة صلاة الخوف مرسلة، ويتعين أن يكون مراد صالح بن خوات ممن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف غيره، والذي يظهر أنه أبوه كما تقدم، واعلم أن البخاري روى أولاً حديث سهل بن أبي حثمة موقوفاً عليه قوله من طريق مسدد عن يحيى القطان عن يحيى الأنصاري عن القاسم عن صالح عن سهل بن أبي حثمة قال: يقوم الإمام مستقبل القبلة وطائفة منهم معه وطائفة من قبل العدو وجوههم إلى العدو فيصلي بالذين معه ركعة، ثم يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة ويسجدون سجدتين في مكانهم، ثم رواه مرفوعاً قال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، أي مثل المتن الموقوف من رواية يحيى عن يحيى، وقد أورده مسلم وأبوداود والنسائي من هذا الطريق بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في الخوف فصفهم خلفه صفين، فذكر الحديث، وهو مما يقوي أن سهل بن أبي حثمة لم يشهد ذلك، وأن المراد بقول صالح بن خوات ممن شهد أبوه لا سهل، والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي موقوفاً ومرفوعاً، وأخرجه مالك موقوفاً، قال ابن عبد البر: هذا الحديث موقوف عند رواة الموطأ، ومثله لا يقال بالرأي، وقد جاء مرفوعاً مسنداً – انتهى. قال الزرقاني: وتابع مالكاً على وقفه يحيى القطان وعبد العزيز بن أبي حازم، كلاهما عن يحيى الأنصاري، ورفعه يحيى القطان في روايته عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح عن سهل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة الخوف
…
الحديث، قال ابن عبد البر: وعبد الرحمن بن القاسم أسنّ من يحيى بن سعيد وأجل – انتهى. هذا ورواية البخاري والنسائي والترمذي وابن ماجه ساكتة عن بيان سلام الإمام، ورواية أحمد ومسلم وأبي داود صريحة في أنه يسلم الإمام بالطائفة الثانية بعد أدائهم الركعة الثانية، كما هو منطوق رواية يزيد بن رومان عن صالح، وهو مختار الشافعي وأحمد كما تقدم، ورواية مالك صريحة في أن الإمام يسلم منفرداً قبل أن تأتي الطائفة الثانية بالركعة الأخرى، وقال الدارقطني بعد ما روى حديث
1436-
(4) وعن جابر قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع، قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بشجرة، فأخذ سيف نبي الله صلى الله عليه وسلم فاخترطه، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك،
ــ
يزيد بن رومان: قال ابن وهب: قال مالك: أحب إلي هذا ثم رجع، وقال: قضاؤهم يكون بعد السلام أحب إلي – انتهى. وقال ابن عبد البر: وهذا الذي رجع إليه مالك بعد أن قال بحديث يزيد بن رومان، وإنما اختاره ورجع إليه للقياس على سائر الصلوات أن الإمام لا ينتظر المأموم، وأن المأموم إنما يقضي بعد سلام الإمام – انتهى. والراجح عندي: مختار الشافعية والحنابلة للوجوه التي تقدمت في كلام ابن قدامة، ولم تفرق المالكية والحنفية بين أن يكون العدو في جهة القبلة أم لا، وفرق الشافعي والجمهور، فحملوا حديث سهل على أن العدو كان في غير جهة القبلة، فلذلك صلى بكل طائفة وحدها جميع الركعة، وأما إذا كان العدو في جهة القبلة فعلى ما في حديث ابن عباس أن الإمام يحرم بالجميع ويركع بهم، فإذا سجد سجد معه صف وحرس صف
…
إلى آخره، ويأتي حديث جابر: صفنا صفين والعدو بيننا وبين القبلة.
1436-
قوله (حتى إذا كنا بذات الرقاع) أي بالمكان الذي كانت به غزوة ذات الرقاع، فسميت البقعة باسم الوقعة (قال) أي جابر (كنا) أي معشر الصحابة عند إرادة نزول المنزل (إذا أتينا) أي مررنا (على شجرة ظليلة) أي مظللة أي ذات ظل كثيف، يعني كثيرة الظل (تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم) لينزل تحتها ويستظل بها، يعني فكذا فعلنا بذات الرقاع، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة للاستراحة، فيه تفريق الناس عن الإمام في الغزو عند القائلة والاستظلال بالشجر، وهذا محله إذا لم يكن هناك ما يخافون منه. (قال) أي جابر (فجاء رجل من المشركين) اسمه غورث – وزن جعفر – بن الحارث، وقيل: اسمه دعثور، وقيل: غويرث (وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بشجرة) أي بشجرة كان النبي صلى الله عليه وسلم تحت ظلها. فيه تعليق السيف بالشجرة في السفر عند النوم وقت القائلة (فأخذ) أي المشرك (سيف نبي الله صلى الله عليه وسلم) لكونه نائماً (فاخترطه) بالخاء المعجمة والمثناة الفوقية والراء آخره طاء مهملة – أي سله من غمده، وهو غلافه (قال) أي المشرك (فمن يمنعك مني) بضم العين، و"من" استفهام يتضمن معنى النفي، كأنه قال: لا مانع لك مني، وكرر ذلك في رواية للبخاري ثلاث مرات. (قال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (الله) أي هو الذي سلطك علي (يمنعني منك) أي يخلصني منك
قال: فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغمد السيف وعلقه، قال: فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، وللقوم ركعتان)) .
ــ
إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، قال الطيبي: كان يكفي في الجواب أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله، فبسط اعتماداً على الله واعتضاداً بحفظه وكلاءته، قال الله تعالى:{والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] انتهى. وهذا من أعظم الخوارق للعادة، فإنه عدو متمكن بيده سيف مشهور فلم يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم روع ولا جزع، قال الحافظ: فيه فرط شجاعته صلى الله عليه وسلم وقوة يقينه وصبره على الأذى وحلمه عن الجهال (قال) أي جابر (فتهدده) أي هدده وخوفه (أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) ظاهره يشعر بأنهم حضروا القصة، وأنه إنما رجع عما كان عزم عليه بالتهديد، وليس كذلك، فإنه وقع في رواية للبخاري بعد قوله (فعلق بها سيفه) : قال جابر فنمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فجئناه، فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتاً، فقال لي: من يمنعك؟ قلت: الله، فها هو ذا جالس ثم لم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ، فقد بينت هذه الرواية أن هذا القدر لم يحضره الصحابة، وإنما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن دعاهم واستيقظوا، ووقع في رواية أخرى للبخاري بعد قوله: قلت الله فشام السيف، والمراد أغمده وكان الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم وعرف أنه حيل بينه وبين تحقق صدقه وعلم أنه لا يصل إليه فألقى السلاح، وأمكن من نفسه (فغمد السيف) بفتح الميم المخففة وتشدد أي أدخله في غلافه، وفي صحيح مسلم: فأغمد أي من الإغماد (وعلقه) أي في مكانه، ووقع في رواية ابن إسحاق بعد قوله: قال الله فدفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يمنعك أنت مني؟ قال: لا أحد، قال: قم فاذهب لشأنك، فلما ولى قال: أنت خير مني، فقال صلى الله عليه وسلم: أنا أحق بذلك، ثم أسلم بعد، وفي لفظ: قال: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام، ويجمع بين قوله:((فها هو ذا جالس ثم لم يعاقبه)) وبين رواية ابن إسحاق بأن قوله: ((فاذهب لشأنك)) كان بعد أن أخبر الصحابة بقصته، فمن عليه لشدة رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في استئلاف الكفار ليدخلوا في الإسلام ولم يؤاخذه بما صنع بل عفا عنه، وقد تقدم أنه أسلم بعد ذلك وأنه رجع إلى قومه واهتدى به خلق كثير. (قال) أي جابر (فنودي) أي أذن وأقيم للظهر (فصلى بطائفة ركعتين) ثم سلم وسلموا (ثم تأخروا) أي إلى جهة العدو (وصلى) وفي مسلم: فصلى أي النبي صلى الله عليه وسلم متنفلاً (بالطائفة الأخرى) التي كانت في جهة العدو بعد مجيئها إليه – عليه الصلاة والسلام – (ركعتين) ثم سلم وسلموا (قال) أي جابر (فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات) أي بتسليمتين فرضاً ونفلاً (وللقوم ركعتان) فرضاً، واستدل به على جواز صلاة المفترض
متفق عليه.
ــ
خلف المتنفل، كذا قرره النووي في شرح مسلم جمعاً بينه وبين حديث جابر الآتي في الفصل الثاني، وحديث أبي بكرة قال: ((صلى النبي صلى الله عليه وسلم في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو، فصلى ركعتين ثم سلم، وانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه، فصلى بهم ركعتين ثم سلم
…
)) الحديث، أخرجه أبوداود والنسائي وابن حبان وغيرهم بإسناد صحيح، قال الزيلعي في نصب الراية (ج2 ص246) حديث أبي بكرة صريح في أنه – عليه الصلاة والسلام – سلم من الركعتين، وحديث جابر ليس صريحاً، فلذلك حمله بعضهم على حديث أبي بكرة، ومنهم النووي، ومنهم من لم يحمله عليه، ومنهم القرطبي، وقال في (ج2 ص56) لفظ الصحيحين من حديث جابر قد يفهم منه أنه لم يسلم من الركعتين، وهو الأقرب، كما فهمه القرطبي في شرح مسلم. وقد يفهم منه أنه سلم من الركعتين ويفسره حديث أبي بكرة كما فهمه النووي، بل قد جاء مفسراً من رواية جابر أنه سلم من الركعتين، كما رواه البيهقي في المعرفة من طريق الشافعي. قلت: الأقرب عندي هو ما فهمه النووي، بل هو المتعين لحديث أبي بكرة، وهو حديث صحيح، ولرواية جابر المفسرة عند النسائي وابن خزيمة والدارقطني والبيهقي، والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، قال الزيلعي: وعلى كل حال فالاستدلال على الحنفية بحديث جابر صحيح وإن لم يسلم من الركعتين؛ لأن فرض المسافر عندهم ركعتان والقصر عزيمة، فإن صلى المسافر أربعاً وقعد في الأولى صحت صلاته وكانت الأخريان له نافلة، وقد ذهل عن هذا جماعة من شراح الحديث، ومنهم النووي، وقالوا: لا يحسن الاستدلال عليهم إلا بحديث أبي بكرة أو بحديث جابر على تقدير أنه سلم في الركعتين – انتهى. وقد رد بمثل ذلك ابن حزم في المحلى (ج4 ص228) ، فارجع إليه إن شئت، ويأتي بقية الكلام في شرح حديث جابر في الفصل الثاني، ثم الكيفية المذكورة في حديث جابر مخالفة للكيفية التي في حديث يزيد بن رومان، مع أن الموضع واحد، وذلك لاختلاف الزمان، فيحمل على أنه – عليه الصلاة والسلام – صلى في هذا الموضع مرتين، مرة كما رواه يزيد بن رومان، ومرة كما رواه جابر، أو يحمل على تعدد غزوة ذات الرقاع، فقد قيل: إنها وقعت مرتين: مرة في السنة الخامسة، ومرة في السنة السابعة، والله أعلم. (متفق عليه) فيه نظر، فإن البخاري لم يسنده في صحيحه أصلاً، بل ذكره معلقاً في المغازي في غزوة ذات الرقاع، فقال: وقال أبان: حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال: ((أقبلنا
…
)) الحديث، ورواه أيضاً متصلاً بإسناده لكن لم يذكر فيه قصة الصلاة، ووهم مجد الدين ابن تيمية في المنتفى حيث قال بعد ذكره باللفظ المذكور: متفق عليه. قال الزيلعي (ج2 ص246) : لم يصل البخاري سنده به، ووهم شيخنا علاء الدين مقلداً لغيره فقال: أخرجاه، وقد نص على ذلك الحميدي، وعبد الحق في كتابيهما الجمع بين الصحيحين، مع أن البخاري وصل سنده به في مواضع لكن ليس فيه قصة الصلاة، قال: ووهم
1437-
(5) وعنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فصففنا خلفه صفين، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعاً، ثم ركع وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود،
ــ
النووي في الخلاصة، فذكره باللفظ المذكور وقال: متفق عليه – انتهى. والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج3 ص364) ، والبيهقي (ج3 ص259) .
1437-
قوله (وعنه) أي عن جابر (قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف) في صحيح مسلم قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف (فصففنا) وفي بعض النسخ من صحيح مسلم ((فصفنا)) (خلفه) أي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم (صفين والعدو بيننا وبين القبلة) قد ورد في رواية لمسلم عن جابر تعيين القوم الذين حاربوهم، ولفظها: ((غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً من جهينة، فقاتلونا قتالاً شديداً، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليه ميلة لاقتطعناهم، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وقالوا: إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد، فلما حضرت العصر قال: صفنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة
…
)) الحديث، وروى أحمد وأبوداود والنسائي والبيهقي وابن حبان وصححه من حديث أبي عياش الزرقي مثل حديث جابر، وزاد تعيين محل الصلاة أنها كانت بعسفان، فالظاهر أن جابراً روى القصتين معاً، أي قصة صلاة الخوف بغزوة ذات الرقاع وكان العدو فيها في غير جهة القبلة، وقصة الخوف بغزوة عسفان، وكان العدو فيها وجاه القبلة، والله تعالى أعلم. (فكبر النبي صلى الله عليه وسلم) أي للتحريم (وكبرنا جميعاً) أراد به الصفين (ثم ركع) أي بعد القراءة (ثم انحدر بالسجود) أي انهبط إليه وانخفض له، وقال القاري: أي نزل متلبساً بالسجود أو بسببه (والصف الذي يليه) أي وانحدر الصف الذي يقرب منه، وهو عطف على الضمير المتصل من دون تأكيد؛ لأنه قد وقع الفصل، والإفراد باعتبار لفظ الصف المراد به القوم (وقام) أي بقي قائماً (الصف المؤخر) أي الذين تأخروا للحراسة لمن أمامهم في سجودهم (في نحر العدو) أي في مقابلتهم، ونحر كل شيء أوله (فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود) أي أداه، والمعنى: فلما فرغ من السجدتين (وقام الصف الذي يليه) يعني رفعوا رؤوسهم من السجود، وقاموا معه – عليه الصلاة والسلام – (انحدر الصف المؤخر بالسجود) أي سجد الآخرون الذين كانوا خلف الصف
ثم قاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر المقدم، ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود، والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعاً)) .
ــ
الأول (ثم) أي لما فرغوا من سجدتهم (قاموا) وفي مسلم: وقاموا (ثم تقدم الصف المؤخر) ووقفوا مكان الصف الأول، أي بعد أن استووا مع الأولين في القيام خلفه صلى الله عليه وسلم في الركعة الثانية (وتأخر المقدم) قيل: الحكمة في التقدم والتأخر حيازة فضيلة المعية في الركعة الثانية جبراً لما فاتهم من المعية في الركعة الأولى (ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم) أي قام وقرأ الفاتحة والسورة ثم ركع، قاله الطيبي. (الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى) صفة ثانية للصف، وقدر ابن حجر لفظ "وهو" قبل هذا الموصول الثاني (وقام الصف المؤخر) هو الذي كان مقدماً في الركعة الأولى (في نحر العدو) وفي بعض النسخ من صحيح مسلم: في نحور العدو أي بلفظ الجمع (انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعاً) وفي رواية لمسلم: فلما سجد الصف الثاني، ثم جلسوا جميعاً سلم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحديث دليل على أنه إذا كان العدو في جهة القبلة فإنه يخالف ما إذا لم يكن كذلك، فإنها تمكن الحراسة مع دخولهم جميعاً في الصلاة، وذلك أن الحاجة إلى الحراسة إنما تكون في حال السجود فقط؛ لأن حال الركوع لا يمتنع معه إدراك أحوال العدو، فيتابعون الإمام جميعاً في القيام والركوع، ويحرس الصف المؤخر في حال السجدتين بأن يتركوا المتابعة للإمام، ثم يسجدون عند قيام الصف الأول، ويتقدم الصف المؤخر إلى محل الصف المقدم، ويتأخر المقدم ليتابع المؤخر الإمام في السجدتين الأخيرتين، فيصح مع كل من الطائفين المتابعة في سجدتين، قال النووي: وحديث ابن عباس – عند البخاري وغيره – نحو حديث جابر، لكن ليس فيه تقدم الصف وتأخر الآخر، وبهذا الحديث قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبويوسف إذا كان العدو في جهة القبلة، ويجوز عند الشافعي تقدم الصف الثاني وتأخر الأول كما في رواية جابر، ويجوز بقاءهما على حالهما، كما هو ظاهر حديث ابن عباس – انتهى. والصفة المذكورة في حديث جابر لا توافق ظاهر الآية، ولا توافق الرواية الأولى عن ابن عمر، ولا رواية يزيد بن رومان، ولا رواية جابر في غزوة ذات الرقاع إلا أنه قد يقال: إنها تختلف الصفات باختلاف الأحوال، وقال الطحاوي: ليس هذا