الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رواه البخاري.
{الفصل الثاني}
1476-
(9) عن جابر قال: ذبح النبي صلى الله عليه وسلم يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوئين،
ــ
العشر أو مساوياً له، قال القسطلاني: في هذا الحديث أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره (رواه البخاري) في العيدين، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود وابن ماجه في الصيام، واللفظ المذكور للترمذي، ولفظ البخاري في رواية أبي ذر عن الكشمهيني:((ما العمل في أيام أفضل منها في هذا العشر، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء)) .
1476-
قوله (ذبح النبي صلى الله عليه وسلم) أي أراد أن يذبح، بدليل قوله: "فلما
…
"الخ (يوم الذبح) أي يوم الأضحى، ويسمى يوم النحر أيضاً، وفي رواية أحمد (ج3 ص375) : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح يوم العيد، وكذا في رواية ابن ماجه والدارمي (موجوئين) بفتح ميم وسكون واو فضم جيم وسكون واو فهمز مفتوح، تثنية موجوء، اسم مفعول من وجأ – مهموز اللام، وروي بالإثبات للهمزة وقلبها ياءً ثم قلب الواو ياءً وإدغامها فيها كمرمى أي منزوعي الأنثيين، قاله أبوموسى الأصفهاني. وقال الجوهري وغيره: الوجاء - بالكسر والمد – رض عرق الأنثيين. قال الهروي: والأنثيان بحالهما، وقال الجزري في النهاية: الوجاء أن ترض أي تدق أنثيا الفحل رضاً شديداً يذهب شهوة الجماع. وقيل: هو أن يوجأ العروق والخصيتان بحالهما، قال: ومنه الحديث "أنه ضحى بكبشين موجوئين" أي خصيين. ومنهم من يرويه موجئين بوزن مكرمين، وهو خطأ، ومنهم من يرويه موجيين بغير همز على التخفيف، ويكون من وجيته وجياً فهو موجي – انتهى. وقال في جامع الأصول (ج4 ص393) : الوجاء نحو الخصاء، وهو أن يؤخذ الكبش فترض خصيتاه ولا تقطعا، وقيل: هو أن يقطع عروقهما وتتركا بحالهما. وفي القاموس وجيء هو بالضم فهو موجوء ووجئ دق عروق خصيتيه بين حجرين ولم يخرجهما أو هو رضاضهما حتى ينفضخا أي ينكسرا. قال الخطابي: في هذا دليل على أن الخصي في الضحايا غير مكروه، وقد كرهه بعض أهل العلم لنقص العضو، وهذا نقص ليس بعيب؛ لأن الخصاء يزيد اللحم طيباً وينفي فيه الزهومة وسوء الرائحة – انتهى. وقال ابن قدامة: يجزئ الخصي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين موجوئين؛ ولأن الخصاء ذهاب عضو غير مستطاب يطيب اللحم بذهابه ويكثر ويسمن، قال الشعبي: ما زاد في لحمه وشحمه أكثر مما ذهب منه، وبهذا قال
فلما وجههما قال: ((إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك، عن محمد وأمته، بسم الله، والله أكبر)) ، ثم ذبح، رواه أحمد، وأبوداود، وابن ماجه، والدارمي، وفي رواية لأحمد:
ــ
الحسن وعطاء والشعبي والنخعي ومالك والشافعي وأبوثور وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفاً – انتهى. (فلما وجههما) أي جعل وجه كل واحد منهما نحو القبلة (إني وجهت وجهي) أي جعلت ذاتي متوجهاً (للذي فطر السماوات والأرض) أي إلى خالقهما ومبدعهما (على ملة إبراهيم) حال من ضمير المتكلم في وجهت، أي أنا على ملة إبراهيم، يعني في الأصول وبعض الفروع (حنيفاً) حال من إبراهيم، أي مائلاً عن الأديان الباطلة إلى الملة القويمة التي هي التوحيد الحقيقي، وقيل: حال من ضمير المتكلم في وجهت متداخلة أو مترادفة (إن صلاتي ونسكي) أي سائر عباداتي أو تقربي بالذبح. قال الطيبي: أي وما آتيه في حياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح – انتهى. (لله) أي خالصة لوجهه (وأنا من المسلمين) هذا لفظ أبي داود، وعند أحمد وابن ماجه والدارمي:((وأنا أول المسلمين)) أي أول مسلمي هذه الأمة، وفي الحديث استحباب تلاوة هذه الآية عند توجيه الأضحية للذبح، وقد تقدم ذكرها في دعاء الاستفتاح في الصلاة (اللهم منك) أي هذه الأضحية عطية ومنحة واصلة إلي منك (ولك) أي مذبوحة وخالصة لك، وفي المصابيح "إليك" مكان "لك" أي واصلة وراجعة إليك، أو أتقرب به إليك (عن محمد) أي صادرة عنه (وأمته) أي قال في أحدهما عن محمد، وفي الآخر عن أمته، كما في حديث أبي سلمة عن عائشة وأبي هريرة عند ابن ماجه في أوائل الأضاحي (بسم الله، والله أكبر) بالواو، وعند أحمد (ج3 ص375)((بسم الله الله أكبر)) بغير الواو. (رواه أحمد)(ج3 ص375) ، (وأبوداود) وسكت عنه (وابن ماجه والدارمي) ، وأخرجه أيضاً البيهقي (ج9 ص268، 287) ، وفي إسناده عندهم محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث في روايته عن يزيد بن أبي حبيب عند أحمد، وفيه أيضاً أبوعياش المعافري المصري، قال الحافظ في التقريب: مقبول، وفي التضحية بالخصي أحاديث عن جماعة من الصحابة عائشة وأبي هريرة وأبي رافع وأبي الدرداء ذكرها الزيلعي في نصب الراية (ج4 ص215-216) ، والحافظ في الدراية (ص326) ، والتلخيص (ص385) ، والشوكاني في النيل، ولجابر حديث آخر رواه أبويعلى، قال الهيثمي بعد ذكره: إسناده حسن. (وفي رواية لأحمد)
وأبي داود، والترمذي ذبح بيده وقال:((بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي)) .
1477-
(10) وعن حنش قال: رأيت علياً يضحي بكبشين، فقلت له: ما هذا؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاني أن أضحي عنه، فأنا أضحي عنه.
ــ
(ج3 ص356، 362)(وأبي داود والترمذي ذبح بيده) أول الحديث قال جابر: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم الأضحى بالمصلى، فلما قضى خطبته نزل عن منبره فأتي بكبش فذبحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده
…
الخ. (اللهم هذا) أي الكبش (عني) أي اجعله أضحية عني (وعمن لم يضح من أمتي) قد استدل بهذا الحديث على عدم وجوب الأضحية؛ لأن الظاهر أن تضحيته صلى الله عليه وسلم عن أمته تجزئ كل من لم يضح سواء كان متمكناً من الأضحية أو غير متمكن، وهذه الرواية عند أحمد وأبي داود والترمذي من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر بن عبد الله، وقد سكت عليه أبوداود، وقال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه، وقال المطلب بن عبد الله بن حنطب يقال إنه لم يسمع من جابر – انتهى. قال المنذري: وقال أبوحاتم الرازي: يشبه أن يكون أدركه – انتهى. وقال في التهذيب (ج10 ص179) : قال ابن أبي حاتم في المراسيل عن أبيه: لم يسمع من جابر
…
الخ.
1477-
قوله (وعن حنش) بفتح الحاء المهملة وبالنون الخفيفة المفتوحة بعدها معجمة، هو حنش بن المعتمر، ويقال: ابن ربيعة الكناني أبوالمعتمر الكوفي، من أوساط التابعين، قال الحافظ في التهذيب (ج3 ص58-59) : قال أبوداود والعجلي: ثقة، وقال البخاري: يتكلمون في حديثه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: كان كثير الوهم في الأخبار ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات حتى صار ممن لا يحتج بحديثه، وذكره العقيلي والساجي وابن الجارود وأبوالعرب الصقلي في الضعفاء، وقال ابن حزم في المحلى: ساقط مطرح – انتهى. وقال في التقريب: صدوق له أوهام. (يضحي بكبشين) أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم والآخر عن نفسه، كما في رواية الترمذي وأحمد والحاكم (ج4 ص229-230) . (ما هذا) أي ما الذي بعثك على فعلك هذا؟ (أوصاني) أي عهد إلي وأمرني (أن أضحي عنه) بعد موته بكبشين؛ كبش عنه وكبش عن نفسي (فأنا أضحي عنه) وفي رواية الترمذي، فقال: أمرني به يعني النبي صلى الله عليه وسلم فلا أدعه أبداً، والحديث يدل على أن التضحية تجوز عمن مات، قال الترمذي: قد رخص بعض أهل العلم أن يضحى عن الميت ولم ير بعضهم أن يضحى عنه، وقال عبد الله بن المبارك: أحب إلي أن يتصدق عنه ولا يضحى، وإن ضحى فلا يأكل منها شيئاً ويتصدق بها كلها – انتهى. قال في غنية الألمعي ما محصله: إن قول من رخص في التضحية عن الميت مطابق للأدلة، ولا دليل لمن منعها، وقد
رواه أبوداود، وروى الترمذي نحوه.
ــ
ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يضحي بكبشين؛ أحدهما عن نفسه وأهل بيته والآخر عن أمته ممن شهد له بالتوحيد وشهد له البلاغ، ومعلوم أن كثيراً من أمته قد كانوا ماتوا في عهده صلى الله عليه وسلم، فدخل في أضحيته صلى الله عليه وسلم الأحياء والأموات كلهم، ولكبش الواحد الذي يضحي به عن أمته كما كان للأحياء من أمته كذلك كان للأموات من أمته بلا تفرقة، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتصدق بذلك الكبش كله، ولا يأكل منه شيئاً، أو كان يتصدق بجزء معين بقدر حصة الأموات، بل قال أبورافع: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعمهما جميعاً المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، رواه أحمد، وكان دأبه صلى الله عليه وسلم أنه يأكل من الأضحية هو وأهله، ويطعم منها المساكين، وأمر بذلك أمته، ولم يحفظ عنه خلافه، فإذا ضحى الرجل عن نفسه وعن بعض أمواته، أو عن نفسه وعن أهله وعن بعض أمواته فيجوز أن يأكل هو وأهله من تلك الأضحية، وليس عليه أن يتصدق بها كلها، نعم إن تخص الأضحية للأموات من دون شركة الأحياء فيها فهي حق للمساكين كما قال عبد الله بن المبارك – انتهى ما في غنية الألمعي محصلاً. قال شيخنا في شرح الترمذي: لم أجد في التضحية عن الميت منفرداً حديثاً مرفوعاً صحيحاً. وأما حديث علي هذا فضعيف، فإذا ضحى الرجل عن الميت منفرداً فالاحتياط أن يتصدق بها كلها – انتهى. (رواه أبوداود، وروى الترمذي نحوه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج1 ص107، 149) ، والحاكم (ج4 ص229-230) ، والبيهقي (ج9 ص288) كلهم من طريق شريك بن عبد الله النخعي عن أبي الحسناء عن الحكم عن حنش، وقد سكت عليه أبوداود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك، وقال المنذري بعد نقل كلام الترمذي: وحنش قد تكلم فيه غير واحد، ثم نقل كلام ابن حبان، ثم قال: وشريك بن عبد الله فيه مقال، وقد أخرج له مسلم في المتابعات – انتهى. قال شيخنا: وأبوالحسناء شيخ شريك به عبد الله مجهول كما قال الحافظ في التقريب، فالحديث ضعيف – انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند (ج2 ص152) : إسناده صحيح، وقال بعد نقل كلام الترمذي: وفي طبعة بولاق (ج1 ص282-283) زيادة نصها "قال محمد: قال علي بن المديني: وقد رواه غير شريك. قلت له: أبوالحسناء ما اسمه فلم يعرفه. قال مسلم: اسمه الحسن"، وهذه الزيادة ثابتة في مخطوطتنا الصحيحة من الترمذي، وأبوالحسناء هذا مترجم له في التهذيب، فلم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وقال: اسمه الحسن، ويقال: الحسين، وترجمه الذهبي في الميزان فقال: لا يعرف، ولكن الحديث رواه الحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبوالحسناء هذا هو الحسن بن الحكم النخعي، ووافقه الذهبي، والراجح عندي ما قاله الحاكم، والحسن بن الحكم النخعي الكوفي يكنى أباالحسن. ورجح الحافظ في التهذيب (ج2 ص271) أنه يكنى أباالحكم، فقد اختلف في كنيته، فالظاهر أن بعضهم كناه أيضاً أباالحسناء، وهو من شيوخ شريك
1478-
(11) وعن علي قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة، ولا شرقاء ولا خرقاء.
ــ
أيضاً، وقد وثقه أحمد وابن معين، وترجمه البخاري في الكبير فلم يذكر فيه جرحاً – انتهى. قلت: في كون هذا الحديث صحيحاً عندي نظر قوي، وهذا لا يخفى على من تأمل في ترجمة شريك وأبي الحسناء وحنش.
1478-
قوله (أن نستشرف العين والأذن) أي نبحث عنهما ونتأمل في حالهما لئلا يكون فيهما عيب ونقصان يمنع عن جواز التضحية بها ، قيل: والاستشراف إمعان النظر، والأصل فيه وضع يدك على حاجبك كيلا تمنعك الشمس من النظر، مأخوذ من الشَرَف، وهو المكان المرتفع، فإن من أراد أن يطلع على شيء أشرف عليه – أي اطلع عليه من فوق -. وقال ابن الملك: الاستشراف الاستكشاف. قال الطيبي: وقيل: هو من الشرفة – بضم الشين وسكون الراء -، وهي خيار المال، أي أمرنا أن نتخيرهما أن نختار ذات الأذن والعين الكاملتين، كذا في المرقاة. وقال السيوطي في حاشية الترمذي: اختلف في المراد به، هل هو من التأمل والنظر من قولهم: استشرف إذا نظر من مكان مرتفع، فإنه أمكن في النظر والتأمل، أو هو تحري الإشراف بأن لا يكون في عينه أو أذنه نقص؟ وقيل: المراد به كبر العضوين المذكورين؛ لأنه يدل على كونه أصيلاً في جنسه، قال الشافعي: معناه أن نضحي بواسع العينين، طويل الأذنين، وقال الجوهري: أذن شرفاء أي طويلة، والقول الأول هو المشهور، ذكره السندي. وقال الجزري في جامع الأصول (ج4 ص389) الاستشراف هو أن تضع يدك على حاجبك كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء، والمعنى في الحديث: أمرنا أن نختبر العين والأذن، فتأمل سلامتهما من آفة تكون بهما (وأن لا نضحي) بتشديد الحاء (بمقابلة) بفتح الباء هي التي قطع من قبل أذنها شيء ثم ترك معلقاً من مقدمها، قال في القاموس: هي شاة قطعت أذنها من قدام وتركت معلقة، ومثله في النهاية إلا أنه لم يقيد بقدام، وقال في جامع الأصول: شاة مقابلة إذا قطع من مقدم أذنها قطعة وتركت معلقة كأنها زئمة. (ولا مدابرة) بفتح الباء أيضاً، وهي التي قطع من دبر أذنها وترك معلقاً من مؤخرها، قال في النهاية: المدابرة أن يقطع من مؤخر أذن الشاة شيء ثم يترك معلقاً كأنه زَئَمة. (ولا شرقا) بالمد، أي مشقوقة الأذن بإثنين أي نصفين، شَرَّق أذنَها يَشْرُق شرقاً إذا شقها، كذا في النهاية. وقال في القاموس: شَرَّقَ الشاة شَرْقاً: شق أذنها، وشَرِقَت الشاة كفرح: انشقت أذنها طولاً فهي شرقا – انتهى. (ولا خرقا) بالمد أي مثقوبة الأذن ثقباً مستديراً، وقيل: الشرقاء ما قطع أذنها طولاً والخرقاء ما قطع أذنها عرضاً، زاد في رواية لأحمد والنسائي وابن ماجه "جدعاء" من الجدع، وهو قطع الأنف أو الأذن أو الشفة، وهو بالأنف أخص، فإذا أطلق غلب عليه، والحديث يدل على النهي عن التضحية بالتي قطع بعض أذنها من قبلها أو دبرها وترك معلقاً، وبمشقوقة
رواه الترمذي، وأبوداو، والنسائي، والدارمي، وابن ماجه، وانتهت روايته إلى قوله "والأذن".
ــ
الأذن طولاً بنصفين، وبمثقوبة الأذن ثقباً مستديراً، وحمله الجمهور على الكراهة والتنزيه، قال ابن قدامة في المغني (ج8 ص626) : هذا نهي تنزيه، ويحصل الإجزاء بها، ولا نعلم يه خلافاً، ولأن اشتراط السلامة من ذلك يشق، إذ لا يكاد يوجد سالم من هذا كله – انتهى. وقال القاري: يجوز التي شقت أذنها طولاً أو من قبل وجهها، وهي متدلية أو من خلفها، فالحديث محمول على التنزيه، وقال ابن جماعة: ذهب الأربعة إلى أن تجزئ الشرقاء وهي التي شقت أذنها، والخرقاء وهي المثقوبة الأذن من كيّ أو غيره – انتهى. قلت: وإليه يشير تبويب الترمذي حيث بوب على حديث البراء الآتي "باب ما لا يجوز من الأضاحي"، ثم بوب على حديث علي هذا "باب ما يكره من الأضاحي"، ولم أقف على دليل قوي يصرف النهي عن معناه الحقيقي، وهو التحريم المستلزم لعدم الإجزاء، ومن يدعي أنها تجزئ مع الكراهة يحتاج إلى إقامة دليل قوي على ذلك، ولا مخالفة بينه وبين حديث علي في النهي عن عضباء الأذن حتى يحتاج إلى الجمع بينهما، فيحمل الحديث الذي نحن بصدد شرحه على التنزيه، كما زعم الطحاوي، فإنه مبني على اتحاد مفهوم عضباء الأذن ومفهوم ما ذكر في هذا الحديث من المقابلة وغيرها، والظاهر أنهما مختلفان، فالراجح أنه لا تجوز التضحية بشاة قطع بعض أذنها أو شقت طولاً أو ثقبت كما لا يجوز أعضب الأذن، والله تعالى أعلم. (رواه الترمذي) الخ، وأخرجه أيضاً أحمد (ج1 ص128، 148) ، والبزار وابن حبان والحاكم (ج4 ص224) ، والبيهقي (ج9 ص275) ، وسكت عنه أبوداود، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، ونقل المنذري كلام الترمذي وأقره، وصححه ابن حبان والحاكم، ووافق الذهبي الحاكم، وسكت عليه الحافظ في الدراية (ص325)، وقال في التلخيص: وأعله الدارقطني – انتهى. ولم يذكر وجه التعليل، ولعله أعله بالوقف، وهذا ليس بشيء فإنه في حكم المرفوع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي (وانتهت روايته) أي رواية ابن ماجه (إلى قوله: والأذن) بالنصب على الحكاية، وهي الأولى، واعلم أن لحديث علي هذا طريقين: طريق أبي إسحاق السبيعي عن شريح بن النعمان الصائدي عن علي، وطريق سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي عن علي، فرواه أحمد (ج1 ص128، 149) ، والترمذي وأبوداود والنسائي والدارمي والحاكم والبيهقي من الطريق الأول مطولاً بكلا الجزئين، وروى أحمد (ج1 ص80) ، والنسائي والحاكم أيضاً وابن ماجه من هذا الطريق مختصراً أي الجزء الثاني فقط، يعني النهي عن التضحية بمقابلة
…
الخ، وروى أحمد (ج1 ص95، 105، 152) والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي والدارمي من الطريق الثاني الجزء الأول فقط، أي الأمر باستشراف العين والأذن، فالحديث رواه ابن ماجه بكلا الجزئين لكن من طريقين، وقد روى أحمد (ج1 ص132) الجزء الأول من طريق أخرى أيضاً، وهي طريق أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم عن علي، وهذه الطرق كلها صحيحة.
1479-
(12) وعنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضحي بأعضب القرن والأذن. رواه ابن ماجه.
ــ
1479-
قوله (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضحي) كذا في جميع نسخ المشكاة الموجودة عندنا أي بصيغة جمع المتكلم، وفي المصابيح "يضحي" بالياء، وكذا في ابن ماجه، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (بأعضب القرن والأذن) أي مكسور القرن ومقطوع الأذن، قاله ابن الملك، فيكون من باب علفتها تبناً وماءً بارداً، وقيل: مقطوع القرن والأذن، والعضب القطع، كذا في المرقاة. وذكر في رواية غير ابن ماجه قال قتادة – راوي هذا الحديث -: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب – يعني قلت له ما الأعضب؟ - فقال: العضب ما بلغ النصف فما فوق ذلك، قال الشوكاني في النيل: في الحديث دليل على أنها لا تجزئ التضحية بأعضب القرن والأذن، وهو ما ذهب نصب قرنه أو أذنه، وذهب أبوحنيفة والشافعي والجمهور إلى أنها تجوز التضحية بمكسورة القرن مطلقاً، وكرهه مالك إذا كان يدمي وجعله عيباً، وقال في القاموس: إن العضباء الشاة المكسورة القرن الداخل، فالظاهر أن مكسورة القرن لا تجوز التضحية بها إلا أن يكون الذاهب من القرن مقداراً يسيراً بحيث لا يقال لها عضباء لأجله، أو يكون دون النصف إن صح أن التقدير بالنصف المروي عن سعيد بن المسيب لغوي أو شرعي، وكذلك لا تجزي التضحية بأعضب الأذن، وهو ما صدق عليه اسم العضب لغة أو شرعاً – انتهى. قال شيخنا: قال في الفائق: العضب في القرن داخل الانكسار، ويقال: للانكسار في الخارج القصم، وكذلك في القاموس كما عرفت، وقال فيه: القصماء المعز المكسورة القرن الخارج – انتهى. فالظاهر عندي أن المكسورة القرن الخارج تجوز التضحية بها، وأما المكسورة القرن الداخل فكما قال الشوكاني من أنها لا تجوز التضحية بها إلا أن يكون الذاهب من القرن الداخل مقداراً يسيراً
…
الخ، والله تعالى أعلم. (رواه ابن ماجه) وأخرجه أيضاً الشافعي وأحمد والترمذي وأبوداود والنسائي والحاكم والبيهقي، وصححه الترمذي، وسكت عنه أبوداود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره كما يظهر مما نقله صاحب العون، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقيل: في تصحيح هذا الحديث نظر، فإن جري بن كليب السدوسي البصري هو الذي روى هذا الحديث عن علي، وقد سئل عنه أبوحاتم الرازي فقال: شيخ لا يحتج بحديثه، وقال ابن المديني: مجهول لا أعلم أحداً روى عنه غير قتادة، قلت: وكان قتادة يثني عليه خيراً، وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في ثقات، وقال في التقريب: مقبول، فالحديث لا ينحط عن درجة الحسن، والعبرة برواية الراوي لا برأيه.
1480-
(13) وعن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ماذا يتقى من الضحايا؟ فأشار بيده فقال: ((أربعاً: العرجاء البين ظلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء
ــ
1480-
قوله (ماذا يتقى) بصيغة المجهول من الاتقاء أي يحترز ويجتنب، وهذا لفظ مالك وأحمد والدارمي في رواية، ولفظ أبي داود وأحمد في رواية:((أربع لا تجوز)) ، ولفظ ابن ماجه:((أربع لا تجزئ)) ، ونحوه رواية النسائي، وكذا وقع عند الدارمي في رواية، وللترمذي: ((لا يضحى بالعرجاء
…
)) الخ. (من الضحايا) من بيانية لما (فأشار بيده) أي بأصابعه كما في رواية للنسائي (فقال: أربعاً) كذا في جميع النسخ، وهكذا في المصابيح، أي اتقوا أربعاً، وفي الموطأ: وقال: ((أربع)) بالرفع، وكذا عند أحمد (ج4 ص301) نعم وقع في رواية للبيهقي (ج9 ص274) فقال:((أربعاً)) بالنصب، والظاهر أن ما في المشكاة خطأ من الناسخ، والله تعالى أعلم. (العرجاء) بالنصب بدلاً من أربعاً، ويجوز الرفع على أنه خبر، كذا في الأزهار (البين) بالوجهين أي الظاهر (ظلعها) بفتح الظاء وسكون اللام وبفتح، أي عرجها، وهو أن يمنعها المشي، قال السندي: المشهور على ألسنة أهل الحديث فتح الظاء واللام، وضبطه أهل اللغة بفتح الظاء وسكون اللام، هو العرج، قال: كأن أهل الحديث راعوا مشاكلة العور والمرض – انتهى. قال ابن قدامة: العرجاء البين عرجها هي التي بها عرج فاحش، وذلك يمنعها من اللحاق بالغنم، فتسبقها إلى الكلأ فيرعينه ولا تدركهن فينقص لحمها، فإن كان عرجاً يسيراً لا يفضي بها إلى ذلك أجزأت (والعوراء) بالمد تأنيث الأعور، عطف على العرجاء (البين عورها) بفتح العين والواو، وهو ذهاب بصر إحدى العينين، أي العوراء يكون عورها ظاهراً بيناً، وفيه أن العور إذا كان خفيفاً لا يظهر وإنما يتوهمه فلا حاجة إلى أن تعرفه بجد وتكلف (والمريضة البين مرضها) هي التي لا تعتلف، قاله القاري، وقال ابن قدامة: هي التي يبين أثر المرض عليها؛ لأن ذلك ينقص لحمها ويفسده، وهذا أصح. وقال القاضي: إن المراد بالمريضة الجرباء؛ لأن الجرب يفسد اللحم ويهزل إذا كثر، وهذا قول أصحاب الشافعي، وهذا تقييد للمطلق وتخصيص للعموم بلا دليل، فالمعنى يقتضي العموم كما يقتضيه اللفظ، فإن كان المرض يفسد اللحم وينقصه فلا معنى للتخصيص مع عموم اللفظ والمعنى – انتهى. والحديث يدل على أن العيب الخفي في الضحايا معفو عنه، قاله ابن الملك، وقال الشوكاني: فيه دليل على أن متبينة العور والعرج والمرض لا يجوز التضحية بها إلا ما كان من ذلك يسيراً غير بين (والعجفاء) أي المهزولة، وهذا لفظ مالك والترمذي، وكذا عند أحمد والنسائي والدارمي في رواية، وفي رواية أخرى لهم: الكسيرة بدل العجفاء، وكذا عند أبي داود، وفسر بالمنكسر أي
التي لا تنقي)) .
ــ
الرجل التي لا تقدر على المشي، فعيل بمعنى مفعول، ورواية العجفاء أظهر معنى (التي لا تنقي) بضم التاء الفوقية وإسكان النون وكسر القاف، من أنقى إذا صار ذا نقى – بكسر النون وإسكان القاف – أي ذا مخ، فالمعنى: التي ما بقي لها مخ من غاية العجف أي الهزال، قال التوربشتي: هي المهزولة التي لا نقى لعظامها، يعني لا مخ لها من العجف، يقال: أنْقَت الناقة أي صار فيها نقى، أي سمنت ووقع في عظامها المخ، قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، قال النووي: وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها كالعمى وقطع الرجل وشبهه – انتهى. وروى أحمد والبخاري في تاريخه وأبوداود والحاكم (ج1 ص469) والبيهقي (ج9 ص275) عن عتبة بن عبد السلمي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المُصَفَّرة – أي ذاهبة جميع الأذن – والمستأصَلَة – هي التي أخذ قرنها من أصله – والبخقاء – من البخق وهو أن يذهب البصر وتبقى العين قائمة -، قاله الجزري، وقال المجد: البَخَق – محركة – أقبح العور وأكثره غمصاً أو أن لا يلتقي شفر عينه على حدقته، وقال الخطابي: بخق العين فقؤها -، المشيَّعَة – بفتح الياء، أي التي تحتاج إلى من يشيّعها أي يتبعها الغم لضعفها، وبالكسر وهي التي تشيع الغنم أي تتبعها لعجفها، قاله المجد. وقال الجزري: هي التي لا تزال تتبع الغنم عجفاً أي لا تلحقها فهي أبداً تشيعها أي تمشي وراءها، هذا إن كسرت الياء، وإن فتحتها فلأنها يحتاج إلى من يشيعها، أي يسوقها لتأخرها عن الغنم -، والكسراء – أي التي لا تقوم من الهزال، وقيل: المنكسر الرجل التي لا تقدر على المشي -. فالمصفرة التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها، والمستأصلة التي ذهب قرنها من أصله، والبخقاء التي تبخق عينها، والمشيعة التي لا تتبع الغنم عجفاً وضعفاً، والكسراء التي لا تنقي – انتهى. قلت: ولا تجزئ أيضاً ما قطع منها عضو كالإلية والأطباء – وهي حلمات الضرع -. وقد روى الطبراني في الأوسط والحاكم في النهي عن المصطلمة الأطباء حديثاً مرفوعاً، لكنه ضعيف، فيه علي بن عاصم، وقد ضعفوه، وأما العيب الحادث بعد تعيين الأضحية فلا يضر لما روى أحمد وابن ماجه والبيهقي عن أبي سعيد قال: اشتريت كبشاً أضحي به، فعدا الذئب فأخذ الإلية، قال: فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((ضح به)) انتهى. فهذا دليل على أن من اشترى أضحية صحيحة تامة ثم عرض لها عنده نقص لا يضر ذلك، فيذبحها وتكون أضحية، وإليه ذهب أحمد ومالك والشافعي وإسحاق والثوري والزهري والنخعي والحسن وعطاء، لكن الحديث ضعيف في إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف جداً، وفيه أيضاً محمد بن قرظة وهو مجهول، وقد قيل: إنه وثقه ابن حبان، ويقال: إنه لم يسمع من أبي سعيد، وتجزئ الجماء وهي التي لم يخلق لها قرن؛ لأنه لا ينقص اللحم ولا يخل بالمقصود ولم يرد به النهي، ولأنه ليس بمرض ولا عيب، والصمعاء وهي الصغيرة الأذن، والبتراء وهي التي لا ذنب لها خلقة، وأما الثرماء أي التي ذهب بعض أسنانها فنقل القاضي حسين عن الشافعي أنه قال: لا نحفظ
رواه مالك، وأحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي.
1481-
(14) وعن أبي سعيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بكبش أقرن فحيل، ينظر في سواد، ويأكل في سواد، ويمشي في سواد، رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه.
1482-
(15) وعن مجاشع من بني سليم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((إن الجذع يوفي
ــ
عن النبي صلى الله عليه وسلم في نقص الأسنان شيئاً، يعني في النهي، والله تعالى أعلم. (رواه مالك
…
) الخ وأخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم (ج1 ص468) ، و (ج4 ص223) ، والبيهقي (ج9 ص274) ، وصححه الترمذي والحاكم، وسكت عنه أبوداود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.
1481-
قوله (أقرن) أي ذي قرنين (فحيل) بفتح الفاء وكسر الحاء المهملة، أي كامل الخلقة لم تقطع أنثياه، ولا اختلاف بين هذه الرواية وبين رواية الموجوئين لحملهما على وقتين، وكل منهما فيه صفة مرغوبة، فإن الموجوء يكون أسمن وأطيب لحماً، والفحيل أتم خلقة، قال الشوكاني: فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بالفحيل كما ضحى بالخصي، وقيل: الفحيل المنجب في ضرابه، قال في القاموس: فحل فحيل كريم منجب في ضرابه، وكذا في النهاية. وقال الخطابي: هو الكريم المختار للفِحْلة، وأما الفحل فهو عام في الذكورة منها - أي يطلق على الذكر من كل حيوان -، وقالوا: في ذكورة النخل فُحّال فرقاً بينه وبين سائر الفحول من الحيوان - انتهى. (ينظر في سواد) أي حول عنينه سواد (ويأكل في سواد) أي فمه أسود (ويمشي في سواد) أي قوائمه سود مع بياض سائره، زاد في رواية البيهقي: ويبطن في سواد، أي يبرك في سواد يعني في بطنه سواد، وفيه أنها تستحب التضحية بما كان على هذه الصفة. رواه (الترمذي) وصححه (وأبوداود) وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره (والنسائي وابن ماجه) ، وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم (ج4 ص228) والبيهقي (ج9 ص273) وصححه ابن حبان وهو على شرط مسلم، قاله صاحب الاقتراح، وصححه أيضاً الحاكم، وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم.
1482-
قوله (وعن مجاشع) بضم الميم وتخفيف الجيم وبشين معجمة مكسورة (من بني سليم) بالتصغير، وهو مجاشع بن مسعود بن ثعلبة بن وهب السلمي، صحابي، قتل يوم الجمل قبل الوقعة سنة (36)، قال العسكري: كان مع عائشة، وقال عمر بن شبة: استخلفه المغيرة بن شعبة على البصرة في خلافة عمر (أن الجذع) أي من الضأن، كما في رواية للبيهقي، وهو ما تمت له سنة (يوفى) بصيغة المعلوم من التوفية أو الإيفاء، يقال: أوفاه
مما يوفى منه الثني، رواه أبوداود، والنسائي، وابن ماجه.
1483-
(16) وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((نعمت الأضحية الجذع من الضان)) رواه الترمذي.
1481-
(17) وعن ابن عباس قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة،
ــ
حقه ووفاه إذا أعطاه وافيا أي تاماً، والمراد يجزئ ويكفي (مما يوفى منه الثني) أي من المعز، والثني هو المسن يعني أن الجذع من الضأن يجزئ في الأضحية كما يجزئ الثني من المعز. ففي رواية النسائي والبيهقي: أن الجذعة تجزئ مما تجزئ منه التثنية. وفيه دليل على أنها تجوز التضحية بالجذع من الضأن كما ذهب إليه الجمهور فيرد به على ابن عمر والزهري حيث قالا: إنه لا يجزئ، وقد تقدم الكلام على ذلك. (رواه أبوداود والنسائي وابن ماجه) لكن لم يسم النسائي الصحابي، بل وقع عنده أنه رجل من مزينة، وأن ذلك كان في سفر فيستدل به على أن المسافر يضحي كالمقيم. والحديث أخرجه أيضاً الحاكم (ج4 ص226) والبيهقي (ج9 ص270-271) وقد سكت عنه أبوداود وصححه الحاكم. وقال المنذري: في إسناده عاصم بن كليب. قال ابن المديني: لا يحتج به إذا انفرد، وقال أحمد: لا بأس بحديثه، وقال أبوحاتم الرازي: صالح، وأخرج له مسلم – انتهى.
1483-
قوله (نعمت الأضحية) بكسر الهمزة وضمها أشهر (الجذع من الضأن) مدحه صلى الله عليه وسلم ليعلم الناس أنه جائز في الأضحية بخلاف الجذع من المعز فإنها لا تجزئ. (رواه الترمذي) وقال: غريب، وقد روي هذا عن أبي هريرة موقوفاً، وقال في علله الكبير: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: رواه عثمان بن واقد، فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه غيره فوقفه على أبي هريرة، وسألته عن اسم أبي كباش – راوي الحديث عن أبي هريرة – فلم يعرفه – انتهى. كذا في نصب الراية (ج4 ص217) . وقال الحافظ في الدراية (ص326) : استغربه الترمذي، ونقل عن البخاري أنه أشار إلى أن الراجح وقفه – انتهى. قلت: أبوكباش – بكسر الكاف وآخره معجمة بصيغة الجمع – العيشي، وقيل: السلمي، مجهول، قاله في التقريب واللسان، وقال الذهبي: لا يعرف، ولذلك قال الحافظ في الفتح (ج23 ص329) : في سنده ضعف، والحديث أخرجه أيضاً البيهقي (ج9 ص271) .
1484-
قوله (فحضر الأضحى) أي يوم عيده (فاشتركنا في البقرة سبعة) أي سبعة أشخاص بالنصب على تقدير أعني بياناً لضمير الجمع، قاله الطيبي. وقيل: نصب على الحال، وقيل: مرفوع بدلاً من ضمير "اشتركنا".
وفي البعير عشرة. رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
1485-
(18) وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما عمل ابن آدم من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها،
ــ
والظاهر أنه منصوب على الحال (وفي البعير عشرة) فيه دليل على أنه يجوز اشتراك عشرة أشخاص في البعير في الأضحية، وبه قال إسحاق بن راهويه وابن خزيمة، وهو الحق خلافاً للجمهور، قالوا: إنه منسوخ، ولا يخفى ما فيه. (رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج1 ص275) وابن حبان في صحيحه، والحاكم (ج4 ص230) وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. ويشهد له ما روي عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً: الجزور في الأضحى عن عشرة. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط، ويشهد له أيضاً ما روى الطبراني في الكبير، والحاكم (ج4 ص230-231) من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد عن الليث عن إسحاق بن بزرج عن زيد بن الحسن بن علي عن أبيه عن الحسن بن علي قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما نجد، البقرة عن سبعة والجزور عن عشرة....الحديث، قال الهيثمي: عبد الله بن صالح قال عبد الملك بن شعيب بن الليث: ثقة مأمون، وضعفه أحمد وجماعة – انتهى. وقال الحاكم: لولا جهالة إسحاق بن بزرج لحكمت للحديث بالصحة – انتهى. قلت: ليس بمجهول، فقد ضعفه الأزدي، ووثقه ابن حبان، ذكره في التلخيص (ص143) وذكره ابن أبي حاتم بروايته عن الحسن ورواية الليث عنه فلم يذكر فيه جرحاً، كذا في اللسان (ج1 ص353) .
1485-
قوله (ما عمل ابن آدم) وفي رواية الترمذي: ((ما عمل آدمي)) (من عمل) من زائدة لتأكيد الاستغراق، أي عملاً (يوم النحر) بالنصب على الظرفية (أحب) بالنصب صفة عمل، وقيل: بالرفع، وتقديره: هو أحب. وفي رواية الحاكم: ما تقرب إلى الله تعالى يوم النحر بشيء هو أحب (من إهراق الدم) أي صبه، قال ابن العربي: لأن قربة كل وقت أخص به من غيرها وأولى، ولأجل ذلك أضيف إليه، أي فيقال يوم النحر وهو محمول على غير فرض الأعيان كالصلاة. (وإنه) أي الشأن، وقال الطيبي: الضمير راجع إلى ما دل عليه إهراق الدم يعني المهراق دمه، وقال ابن الملك: إنه أي المضحى به (بقرونها) جمع قرن (وأشعارها) جمع شعر (وأظلافها) جمع ظلف، وضمير التأنيث باعتبار أن المهراق دمه أضحية، قال زين العرب: يعني أفضل العبادات يوم النحر إراقة دم القربان وإنه يأتي يوم القيامة كما كان في الدنيا من غير نقصان شيء منه؛ ليكون بكل عضو منه أجر، ويصير
وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض، فطيبوا بها نفساً)) ، رواه الترمذي وابن ماجه.
ــ
مركبه على الصراط، ذكره القاري. وقال ابن العربي: يريد أنها تأتي بذلك فتوضع في ميزانه كما صرح به في حديث علي – رضي الله عنه – انتهى. ولعله أراد بذلك ما رواه أبوالقاسم الأصبهاني عن علي بلفظ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يا فاطمة! قومي فاشهدي أضحيتك، فإن لك بأول قطرة تقطر من دمها مغفرة لكل ذنب، أما إنه يجاء بدمها ولحمها فيوضع في ميزانك سبعين ضعفاً
…
)) الحديث. قال المنذري في الترغيب: قد حسن بعض مشايخنا حديث علي هذا، والله أعلم. (وإن الدم ليقع من الله) أي من رضاه (بمكان) أي بموضع قبول (قبل أن يقع بالأرض) في رواية الترمذي ((من الأرض)) ، وفي ابن ماجه والحاكم ((على الأرض)) ، وفي البيهقي ((في الأرض)) ، يعني يقبله تعالى عند قصد الذبح قبل أن يقع دمه على الأرض، وقال العراقي في شرح الترمذي: أراد أن الدم وإن شاهده الحاضرون يقع على الأرض فيذهب ولا ينتفع به، فإنه محفوظ عند الله لا يضيع، كما في حديث عائشة:((إن الدم وإن وقع في التراب فإنما يقع في حرز الله برمته، يوافيه صاحبه يوم القيامة)) رواه أبوالشيخ ابن حبان في كتاب الصحابة – انتهى. قلت: ويؤيد ذلك أيضاً ما روى الطبراني في الأوسط عن علي مرفوعاً ((إن الدم وإن وقع في الأرض فإنه يقع في حرز الله عزوجل)) ، ذكره المنذري في الترغيب، وصدره بلفظه "روى" وأهمل الكلام عليه في آخره. وقال الهيثمي (ج3 ص17) : فيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك الحديث. (فطيبوا بها) أي بالأضحية (نفساً) منصوب على التمييز وجعله من طيب، ونصب نفساً على المفعول بعيد، قال ابن الملك: الفاء جواب شرط مقدر أي إذا علمتم أنه تعالى يقبله يجزيكم بها ثواباً كثيراً، فلتكن أنفسكم بالتضحية طيبة غير كارهة لها – انتهى. قال العراقي: الظاهر أن هذه الجملة مدرجة من قول عائشة، وليست مرفوعة لما في رواية أبي الشيخ عن عائشة أنها قالت: يا أيها الناس! ضحوا وطيبوا بها نفساً، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من عبد يوجه أضحيته
…
)) الحديث – انتهى. والحديث دليل على أن التضحية أحب الأعمال إلى الله يوم النحر. (رواه الترمذي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج4 ص221-222) والبيهقي (ج9 ص261) كلهم من طريق أبي المثنى، واسمه سليمان بن يزيد عن هشام بن عروة عن أبيه عنها، قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، قلت: قال الذهبي: سليمان واهٍ وبعضهم تركه، وقال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم: سليمان واهٍ وقد وثق، وقال البيهقي: قال البخاري فيما حكى أبوعيسى عنه: هو حديث مرسل لم يسمع أبوالمثنى من هشام بن عروة. قال الشيخ: أحمد رواه ابن خزيمة عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن أبي المثنى عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن هشام عن أبيه عن عائشة أو عن عمه موسى بن عقبة هكذا بالشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
…
الخ – انتهى. فلعل الترمذي حسنه لشواهده، وقد ذكرها المنذري في الترغيب والهيثمي في مجمع الزوائد، لكن لا يخلوا واحد منها عن كلام ويشد بعضها بعضاً، ويبلغ
1486-
(19) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر)) ، رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: إسناده ضعيف.
ــ
بمجموعها إلى درجة الحسن، ولا شك أنه يقبل مثلها في فضائل الأعمال، قال ابن العربي في شرح الترمذي: ليس في فضل الأضحية حديث صحيح – انتهى. قلت: الأمر كما قال ابن العربي، والله تعالى أعلم.
1486-
قوله (ما من أيام) من زائدة وما بمعنى ليس وأيام اسمها (أحب إلى الله) بالنصب على أنه خبرها، وبالفتح صفتها وخبرها ثابتة، وقيل: بالرفع على أنه صفة أيام على المحل، والفتح على أنها صفتها على اللفظ، وقوله (أن يتعبد) في محل رفع بتأويل المصدر على أنه فاعل أحب، وقيل: التقدير لأن يتعبد أي يفعل العبادة (له) أي لله (فيها) أي في الأيام (من عشر ذي الحجة) قال الطيبي: قيل: لو قيل أن يتعبد مبتدأ وأحب خبره ومن متعلق بأحب يلزم الفصل بين أحب ومعموله بأجنبي، فالوجه أن يقرأ أحب بالفتح ليكون صفة أيام وأن يتعبد فاعله ومن متعلق بأحب، والفصل ليس بأجنبي، وهو كقوله: ما رأيت رجلاً احسن في عينه الكحل من عين زيد، وخبر ما محذوف، أقول: لو جعل أحب خبر ما وأن يتعبد متعلقاً بأحب بحذف الجار أي ما من أيام أحب إلى الله لأن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة لكان أقرب لفظاً ومعنى، أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأن سوق الكلام لتعظيم الأيام، والعبادة تابعة لها لا عكسه، وعلى ما ذهب إليه القائل يلزم العكس مع ارتكاب ذلك التعسف (يعدل) بالمعلوم، وقيل: بالمجهول أي يسوى (صيام كل يوم منها) أي ما عدا العاشر. وقال ابن الملك: أي من أول ذي الحجة إلى يوم عرفة (بصيام سنة) كذا في جميع النسخ الحاضرة، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج4 ص167) عن الترمذي، ولكن في نسخ الترمذي وابن ماجه صيام سنة أي بدون حرف الجر، يعني لم يكن فيها عشر ذي الحجة، كذا قيل، والمراد صيام التطوع فلا يحتاج إلى أن يقال لم يكن فيها أيام رمضان (رواه الترمذي وابن ماجه) كلاهما في الصوم (وقال الترمذي: إسناده ضعيف، وفي نسخ الترمذي الحاضرة عندنا قال أبوعيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مسعود بن واصل عن النهاس بن قهم، وسألت محمداً عن هذا الحديث، فلم يعرفه من غير هذا الوجه مثل هذا، وقال: قد روي عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل شيء من هذا – انتهى. قلت: مسعود بن واصل لين الحديث، قال أبوداود: مسعود ليس بذاك ونهاس بن قهم ضعيف، كما في التقريب، ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما، فالحديث ضعيف.