المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

رواه أبوداود. ‌ ‌{الفصل الثالث} 1641- (12) عن عبد الله بن جعفر، قال: - مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٥

[عبيد الله الرحماني المباركفوري]

فهرس الكتاب

- ‌(46) باب صلاة الخوف

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(47) باب صلاة العيدين

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(48) باب في الأضحية

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(49) باب العتيرة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(50) باب صلاة الخسوف

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(51) باب في سجود الشكر

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌(52) باب الاستسقاء

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(53) باب في الرياح

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(5) كتاب الجنائز

- ‌(1) باب عيادة المريض وثواب المرض

- ‌{الفصل الأول}

- ‌((الفصل الثاني))

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(2) باب تمنى الموت وذكره

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(3) باب ما يقال عند من حضره الموت

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(4) باب غسل الميت وتكفينه

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(5) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(6) باب دفن الميت

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(7) باب البكاء على الميت

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(8) باب زيارة القبور

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

الفصل: رواه أبوداود. ‌ ‌{الفصل الثالث} 1641- (12) عن عبد الله بن جعفر، قال:

رواه أبوداود.

{الفصل الثالث}

1641-

(12) عن عبد الله بن جعفر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، قالوا: يا رسول الله! كيف للأحياء؟ قال: أجود وأجود)) رواه ابن ماجه.

ــ

يسرع فيما يواريه فذكر الجيفة ههنا كذكر السوأة في قوله تعالى: {كيف يواري سوأة أخيه} [المائدة: 31] قال ميرك: وليس في قوله جيفة مسلم دليل على نجاسته- انتهى. والحديث يدل على مشروعية التعجيل بالميت والإسراع في تجهيزه، وتشهد له أحاديث الإسراع بالجنازة، قاله الشوكاني:(رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً البيهقي (ج3ص386) والطبراني وابن شاهين وابن أبي عاصم وابن أبي خيثمة والبغوي وغيرهم، وسكت عنه أبوداود، وفيه عروة بن سعيد الأنصاري، ويقال عزرة بن سعيد عن أبيه، وهو وأبوه مجهولان. وقال الحافظ في الإصابة في ترجمة حصين بن وحوح، وعلى ما ذكر ابن الكلبي من أنه قتل بالقادسية يكون هذا الحديث مرسلاً، لأن سعيداً والد عروة لم يدرك زمن القادسية، فإما أن يكون حصين بن وحوح آخر ممن أدركهم سعيد، وإما أن يكون لم يقتل بالقادسية، كما قال ابن الكلبي- انتهى.

1641-

قوله: (عن عبد الله بن جعفر) أي ابن أبي طالب القرشي الهاشمي، يكنى أباجعفر، ولدته أمه أسماء بنت عميس بأرض الحبشة، وهو أول مولود، ولد في الإسلام بها وقدم مع أبيه المدينة وحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى عنه كان جواداً ظريفاً خليقا عفيفاً حليماً يسمى بحر الجود، ويقال: أنه لم يكن في الإسلام أسخى منه وأخباره في الكرم شهيرة. وقال ابن حبان: كان يقال له قطب السخاء، روى عنه خلق كثير، توفي بالمدينة سنة (80) وهو ابن (80) سنة وقيل ابن (90) وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو يومئذ أمير المدينة، وذلك العام يعرف بعام الجحاف لسيل كان بمكة أجحف بالحاج وذهب بالإبل وعليها الحمولة (لقنوا موتاكم) أي المشرفين على الموت (العظيم) صفة للرب أو العرش، والثاني أبلغ ووصفه بالعظمة؛ لأنه أكبر المخلوقات ومحيط بالمكونات (الحمد الله) أي على الحياة والممات (كيف) أي هذا التلقين (للأحياء) أي للأصحاء أيحسن أم لا (أجود وأجود) أي أحسن وأحسن كرر للتأكيد والمبالغة. قال الطيبي: التكرار للاستمرار أي جودة وهذا معنى الواو فيه (رواه ابن ماجه) وفي سنده إسحاق بن عبد الله بن

ص: 317

1642-

(13) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل صالحاً قالوا: أخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، أخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء

ــ

جعفر، وهو مستور، روى عنه كثير بن زيد الأسلمي المدني، وهو صدوق، فيه لين، ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه ابن عمار الموصلي، ونقل السندي عن البوصيري، أنه قال في الزوائد: في إسناده إسحاق لم أر من وثقة ولا من جرحه، وكثير بن زيد، قال فيه أحمد: ما أرى به بأساً. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال مرة: ليس به بأس. وقال مرة: صالح. وقال أبوحاتم: صالح ليس بالقوى. وقال النسائي: ضعيف. وقيل: ثقة، وباقي رجاله ثقات-انتهى. والحديث أخرجه أيضاً الحكيم الترمذي، والطبراني كما في الكنز (ج8ص78) .

1642-

قوله: (الميت) أي جنسه، والمراد من قرب موته (تحضره الملائكة) أي ملائكة الرحمة أو ملائكة العقوبة، قاله ابن حجر. قيل: وهذه الملائكة هم أعوان ملك الموت في قبض الأرواح، وحاصل الأحاديث في ذلك أن ملك الموت يقبض الأرواح والأعوان يكونون معه يعملون عمله بأمره والله تعالى هو الذي يزهق الروحُ بأمره، وبه يجمع بين الآيات والأحاديث المختلفة التي أضيف التوفي فيها تارة إلى الله تعالى، وتارة إلى ملك الموت، وتارة إلى أعوانه من الملائكة، فملك الموت يقبض الروح من الجسد بأمره تعالى، ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمناً، وملائكة العذاب إن كان كافراً وعند معاينتهم يعاين ما يصير إليه من رحمة وعذاب (صالحاً) أي مؤمناً. وقيل: أو قائماً بحقوق الله تعالى وحقوق عباده (أخرجي) أي من جسدك الطيب والخطاب للنفس فيستقيم هذا الخطاب مع عموم الميت للذكر والأنثى (أيتها النفس) أي الروح (كانت في الجسد الطيب) قال الطيبي: الظاهر كنت، ليطابق النداء وأخرجي لكن اعتبر اللام الموصولة أي النفس التي طابت كائنة في الجسد، ويحتمل أن يكون صفة أخرى للنفس، لأن المراد ليست نفساً معينة بل الجنس مطلقاً- انتهى. (أخرجي) فيه دلالة على أن الروح جسم لطيف يوصف بالدخول والخروج والصعود والنزول، وهو خطاب ثان أو تأكيد لقوله (حميدة) أي محمودة (بروح) بفتح الراء أي راحة أو رحمة (وريحان) أي رزق أو طيب، والتنوين فيهما للتعظيم والتكثير (ورب) أي وبملاقاة رب (غير غضبان) بعدم الانصراف. وقيل: بالانصراف. قال ابن حجر: وعدل إليه عن راض رعاية للفاصلة أي السجع (فلا تزال) أي النفس (يقال لها ذلك) أي ما تقدم من أنواع البشارة زيادة في سرورها بسماعها ما تقر به عينها (ثم يعرج بها) بصيغة المجهول (إلى السماء)

ص: 318

فيفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة: كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك، حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله، فإذا كان الرجل السوء، قال: أخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، أخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فما تزال يقال لها ذلك، حتى تخرج ثم يعرج إلى السماء فيفتح لها

ــ

أي الدنيا (فيفتح لها) أي بعد الاستفتاح أو قبله، وعند أحمد: فيستفتح لها (فيقال) أي يقول ملائكة السماء (من هذا فيقولون) أي يقول ملائكة الرحمة الذين معه (فلان) أي هذا فلان أي روحه (فلا تزال) أي هي (يقال لها ذلك) أي ما ذكر من الأمر بالدخول والبشارة بالصعود من سماء إلى سماء (حتى تنتهي) أي تصل إلى السماء (التي فيها الله) أي أمره وحكمه أي ظهور ملكه وهو العرش، قاله القاري. وقيل: أي فيها يظهر ويلقي حكمه. وقيل: أي قدرته ورحمته الخاصة (فإذا كان الرجل) بالرفع. وقيل: بالنصب على أن كان تامة أو ناقصة (السوء) بفتح السين وضمها صفة الرجل (قال) أي ملك الموت أو رئيس ملائكة العذاب أو كل واحد منهم فيطابق ما سبق بصيغة الجمع (ذميمة) أي مذمومة (وأبشري) قال الطيبي: استعارة تهكمية، كقوله تعالى:{فبشرهم بعذاب أليم} [آل عمران: 21] أو على المشاكلة والازدواج وحميم وغساق مقابل لروح وريحان (بحميم) أي ماء حار غاية الحرارة (وغساق) بتخفيف وتشديد ما يغسق أي يسيل من صديد أهل النار. وقيل: البارد المنتن (وآخر) قال القاري: عطف على حميم أي وبعذاب آخر. وفي نسخة: بضم الهمزة أي وبأنواع آخر من العذاب (من شكله) أي مثل ما ذكر في الحرارة والمرارة (أزواج) بالجر أي أصناف. قال الطيبي: أي مذوقات آخر مثل الغساق في الشدة والفظاعة أزواج أجناس- انتهى. ولا وجه لإرجاع الضمير إلى الغساق وحده وإن كان هو أقرب مذكور فالصحيح ما ذكرناه من أن إفراد الضمير باعتبار ما ذكر. قال: وآخر في محل الجر عطف على حميم وأزواج صفة لآخر وإن كان مفرداً، لأنه في تأويل الضروب والأصناف كقول الشاعر: معي جياعاً. والظاهر أنه في تأويل النوع والصنف، كذا قال القاري. وقال السندي: وآخر أي بأخر وأزواج، بدل منه أي بأصناف ومن شكله جار ومجرور وقع حالاً من أزواج أي وبأصناف كائنة من جنس المذكور من الحميم والغساق (ثم يعرج إلى السماء) كذا في أكثر النسخ، ووقع في بعض النسخ ثم يعرج بها إلى السماء، وهو مطابق لما في مسند الإمام أحمد وابن ماجه (فيفتح لها) أي يستفتح لها لقوله تعالى:{لا تفتح لهم أبواب السماء} [الأعراف: 40] وعند

ص: 319

فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر)) . رواه ابن ماجه.

1643-

(14) وعنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها)) قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك، قال ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض،

ــ

أحمد فيستفتح لها (فترسل) أي ترد وسيأتي أنها تطرح (ثم تصير) أي ترجع (إلى القبر) وتكون محبوسة في أسفل السافلين، بخلاف روح المؤمن فإنها تسرح في الجنة حيث تشاء، ولها تعلق بجسده أيضاً تعلقاً كلياً بحيث يتنعم في قبره وينظر إلى منازله في الجنة بحسب مرتبته فأمر الروح وأحوال البرزخ والآخرة كلها على خوارق العادات فلا يشكل شيء منها على المؤمن بالآيات (رواه ابن ماجه) في الزهد بإسناد صحيح، قاله المنذري في الترغيب. وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات- انتهى. والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج2ص344) وذكره ابن القيم في كتاب الروح، وعزاه لابن منذه، وذكر توثيق رواته عن الحافظ أبي نعيم.

1643-

قوله: (تلقاها ملكان) وفي الحديث السابق ذكر الملائكة بإرادة ما فوق الواحد أو يلقي بعضهم ملكان، وبعضهم أكثر. وقال القاري: هذا تفصيل للمجمل السابق ويحتمل أنهما الكريمان الكاتبان ولا ينافي الجمع فيما مر، أما على قول من يقول أقل الجمع اثنان فظاهر، وأما على قول غيره فلاحتمال أن الحاضرين جمع المفوض إليه منهم ذلك اثنان والبقية أو الكل يقولون لروحه اخرجي أيتها النفس أو القائل واحد ونسب إلى الكل مجازاً كقوله تعالى:{فعقروها} [الشمس: 14] وكقولهم قتله بنو فلان، ويؤيده حديث البراء الآتي (يصعدانها) بضم الياء (قال حماد) وهو ابن زيد الأزدي البصري، راوي الحديث عن بديل عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة (فذكر) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الصحابي، وهو أبوهريرة وكان سبب ذلك نسيان رواية لفظ النبوة في هذا دون معناه، فذكره بسياق يشعر بذلك، قاله القاري. والظاهر أن فاعل ذكر بديل بن ميسرة شيخ حماد بن زيد (من طيب ريحها) أي أوصافها عظيمة من طيب ريحها (وذكر المسك) أي بطريق التشبيه أي رائحة كرائحة المسك. وقال القاري: أي ومن أنواع ذلك المسك. وقال الطيبي: أي وذكر المسك لكن لم يعلم أن ذلك كان طريقة التشبيه أو الاستعارة أو غير ذلك. وقال الأبهري: الأظهر أن يقال وذكر أن طيب ريحها أطيب من ريح المسك (قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (ويقول أهل السماء) أراد به الجنس أي كل سماع (روح طيبة) مبتدأ أو خبر لمحذوف هو هي وقوله (جاءت) الآن (من قبل الأرض) بكسر القاف وفتح الموحدة

ص: 320

صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال: وإن الكافر إذا خرجت روحه، قال حماد: وذكر من نتنها وذكر لعناً، ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال أبوهريرة: فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة كانت عليه على أنفه هكذا. رواه مسلم.

1644-

(15) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حضر المؤمن

ــ

أي من جهتها صفة ثانية (صلى الله عليك) أي أنزل الرحمة عليك، والخطاب للروح. قال الطيبي: في عليك التفات من الغيبة في قوله: جاءت إلى الخطاب، وفائدته مزيد اختصاص لها بالصلاة عليها (وعلى جسد كنت تعمرينه) بضم الميم. قال الطيبي: استعارة شبه تدبيرها الجسد بالعمل الصالح بعمارة من يتولى مدينة ويعمرها بالعدل والإحسان (فينطلق به) على بناء المفعول (إلى ربه) وفي حديث براءة الآتي إلى السماء السابعة (ثم يقول) أي الرب سبحانه (انطلقوا به) أي الآن أي ليكون مستقراً في الجنة أو عندها (إلى آخر الأجل) قال القاري: المراد بالأجل هنا مدة البرزخ، يعني اذهبوا به إلى المكان الذي أعد له إلى وقت القيامة. قال الطيبي: يعلم من هذا أن لكل أحد أجلين أولاً وآخراً ويشهد له قوله تعالى: {ثم قضى أجلا وأجل مسمى} [الأنعام: 2] عنده أي أجل الموت وأجل القيامة. وقال القاضي: المراد هنا انطلقوا بروح المؤمن إلى سدرة المنتهى، وفي روح الكافر انطلقوا بروح الكافر إلى سجين فهي منتهى الأجل. ويحتمل أن المراد إلى انقضاء الدنيا (وذكر من نتنها) بسكون التاء (وذكر لعناً) أي مع النتن فإن البعد من لوازم النتن (روح خبيثة جاءت) أي قاربت السماء (فيقال انطلقوا به) قال الطيبي: ذكر ههنا يقال وفي الأول يقول رعاية لحسن الأدب حيث نسب الرحمة إلى الله سبحانه ولم ينسب إليه الغضب كما في قوله تعالى: {أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7](فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة) أي طرف ريطة وهي بفتح الراء وإسكان الياء التحتية كل ملاءة على طاقة واحدة ليست لفقتين، وقيل: كل ثوب رقيق (كانت عليه) أي على بطنه عليه الصلاة والسلام (على أنفه) متعلق برد. قال الطيبي: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم الريطة على الأنف لما كوشف بروح الكافر وشم من نتن ريح روحه كما أنه غطى رأسه حين مر بالحجر لما شاهد من عذاب أهلها، وقيل: رد عليه السلام الريطة على أنفه ليرى أصحابه كيف تتقي الملائكة نتن ريح تلك الروح بوضع شيء على الأنف لئلا تتضرر بذلك (هكذا) أي كفعلي هذا وكان أبوهريرة وضع ثوبه على أنفه بكيفية خاصة صدرت منه عليه الصلاة والسلام (رواه مسلم) قبيل كتاب الفتن.

1644-

قوله: (إذا حضر المؤمن) على بناء المفعول أي حضره الموت. وفي رواية الحاكم: إذا احتضر

ص: 321

أتت ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضياً عنك، إلى روح الله وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً حتى يأتوا به أبواب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض! فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحاً به من أحدكم بغايبه يقدم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه،

ــ

وفي رواية ابن حبان: إذا قبض (أتت) وفي النسائي: أتته (ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء) ولعل روحه تلف فيها وترفع إلى السماء والكفن الدنيوي يصحب الجسد الصوري، قاله القاري. وفي رواية أبي حاتم: أن المؤمن إذا حضره الموت حضرته ملائكة الرحمة فإذا قبض جعلت روحه في حريرة بيضاء فينطلق بها إلى باب السماء (اخرجي) الخطاب للنفس فيستقيم هذا الخطاب مع عموم المؤمنين للذكر والأنثى (راضية) عن الله سابقاً وبثواب الله لاحقاً (مرضياً عنك) أي أولاً وآخراً. وفي بعض النسخ: مرضية عنك، كما في النسائي (إلى روح الله) بفتح الراء أي رحمته أو راحة منه (وريحان) أي رزق أو مشموم (كأطيب ريح المسك) حال أي حال كونه مثل أطيب ريح المسك. وقيل: صفة مصدر محذوف أي خروجاً كخروج أطيب ريح المسك، يعني تخرج خروجاً مثل ريح مسك بفتق فأرتها وهو قد فاق سائر أرواح المسك (حتى أنه) أي روح المؤمن (ليناوله بعضهم بعضاً) أي يتداولونه ويصعدون به من يد إلى يد تكريماً وتعظيماً وتبركاً وتشريفاً لا كسلاً وتعباً (حتى يأتوا به) وفي رواية الحاكم: يشمونه حتى يأتوا به (أبواب السماء) أي باب بعد باب. وفي النسائي والمستدرك: باب السماء، وهو منصوب بنزع الخافض أي إلى أن يأتوا به، وهو غاية للمناولة (فيقولون) أي بعض الملائكة لبعض ملائكة السماء على جهة التعجب من غاية عظمة طيبة (فيأتون به) وفي رواية الحاكم: فكلما أتوا سماء قالوا ذلك حتى يأتوا به (أرواح المؤمنين) منصوب بنزع الخافض أي إلى مقر أرواحهم في عليين (فلهم) الضمير للمؤمنين أو لأرواحهم (أشد فرحاً) قال الطيبي: اللام المفتوحة لام الابتداء مؤكدة نحو قوله تعالى: {لهو خير للصابرين} [النحل: 126] وهم مبتدأ وأشد خبره، ولا يبعد أن تكون اللام جارة، والتقدير لهم فرح هو أشد فرحاً على توصيف الفرح بكونه فرحاً على المجاز فيكون الفرح فرحاً على سبيل المبالغة. قلت: ويؤيد الأول رواية الحاكم بلفظ: فلهم أفرح به (به) أي بقدومه (من أحدكم) أي من فرح أحدكم (بغائبه يقدم عليه) أي حال قدومه (فيسألونه) أي بعض أرواح المؤمنين (ماذا فعل فلان) على بناء الفاعل، والمراد ما شأنه وحاله (ماذا فعل فلان) تأكيد أو المراد شخص آخر، وهو الآظهر (فيقولون) أي بعض أخر من الأرواح (دعوه) أي أتركوه، زاد في رواية الحاكم: حتى

ص: 322

فإنه كان في غم الدنيا. فيقول: قد مات، أما أتاكم؟ فيقولون: قد ذهب به إلى أمه الهاوية. وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطاً عليك إلى عذاب الله عزوجل. فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتى يأتون به إلى باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتى يأتون به أرواح الكفار. رواه أحمد، والنسائي.

1645-

(16) وعن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد،

ــ

يستريح. قال الطيبي: أي يقول بعضهم لبعض دعوا القادم فإنه حديث عهد بتعب الدنيا (فإنه) أي الشأن (كان) أي القادم (في غم الدنيا) أي إلى الآن ما استراح من همها (فيقول) أي القادم في جواب السؤال (قد مات) أي فلان المسؤل (أما أتاكم) أي أما جاءكم (فيقولون) وفي رواية الحاكم: فإذا قال لهم أما أتاكم فإنه قد مات قال فيقولون أي أرواح المؤمنين (قد ذهب به) على بناء المفعول (إلى أمه الهاوية) أي أنه لم يلحق بنا فقد ذهب به إلى النار، والهاوية من أسماء النار كأنها العميقة تهوي أهل النار فيها مهوى بعيداً، وهي بدل أو عطف بيان، وتسمية النار إما باعتبار أنها مأوى صاحبها كالأم مأوى الولد ومفزعه، ومنه قوله تعالى:{فأمه هاوية} [القارعة:9](إذا احتضر) بصيغة المجهول (بمسح) بكسر الميم البلاس. وقال النووي: هو ثوب من الشعر غليظ معروف (اخرجي) أي إلى غضب الله (ساخطة) أي كارهة غير راضية عن الله حياً وميتاً (مسخوطاً) أي مغضوباً (إلى عذاب الله) متعلق بأخرجي (حتى يأتون به) بإثبات النون ورفعه على حكاية الحال الماضية على حد {وزلزلوا حتى يقول الرسول} في قراءة نافع بالرفع أي حتى أتوا به (إلى باب الأرض) فيرد إلى أسفل السافلين (فيقولون) أي ملائكة الأرض (حتى يأتون به) وفي رواية الحاكم كلما أتوا على أرض قالوا ذلك حتى يأتوا به فيتعين أن يكون حتى غاية لقولهم ذلك (أرواح الكفار) ومحلها سجين، وهو موضع في مقر جهنم (رواه أحمد)(ج4ص287- 288)(والنسائي) في الجنائز، وأخرجه أيضاً البزار، وأبوحاتم، وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم (ج1ص352- 353) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

1645-

قوله: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار) أي إلى البقيع (فانتهينا إلى القبر) أي وصلنا إليه (ولما يلحد) من اَلْحد أو لَحَد كمنع على بناء المفعول أو الفاعل أي الحفار،

ص: 323

فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، كأن على رؤسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: ((استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء،

ــ

يقال الحد الميت ولحده أي دفنه وألحد اللحد ولحده أي حفره وألحد للميت ولحد له حفر له لحداً، ولما بمعنى لم، وفيه توقع، فدل على نفي اللحد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل، والجملة حال أي وصلنا إلى القبر حال كون الميت لم يحفر اللحد له بعد (فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم) في انتظار أن يحفر اللحد (وجلسنا حوله كأن) بتشديد النون. وفي رواية: وكأن (على رؤسنا الطير) بالنصب على أنه اسم كأن، وهذا كناية عن غاية السكون أي لا يتحرك منا أحد ولا يتكلم توقيراً لمجلسه صلى الله عليه وسلم، والمعنى جلسنا ساكنين متأدبين في حضرته متواضعين بحيث يكاد يقعد الطير على رؤسنا والطير لا يكاد يقعد إلا على شيء لا تحرك له وكانوا رضي الله عنهم يراعون أوقاته فأحياناً يتكلمون عنده ويضحكون وأحياناً يتأدبون ولا يتحركون. قال الجزري: وصفهم بالسكون والوقار وأنهم لم يكن فيهم طيش ولا خفة؛ لأن الطير لا تكاد تقع إلا على شيء ساكن (وفي يده عود ينكت) بضم الكاف (به في الأرض) أي يؤثر بطرف العود الأرض فعل المتفكر المهموم، ذكره الطيبي. يقال: نكت الأرض بقضيب أي ضربها به حال التفكر فأثر فيها، ويسمى المعنى الدقيق الذي أخرج بدقة نظر وإمعان فكر نكتة؛ لأن من عادة المتفكر أن ينكت (مرتين أو ثلاثاً) ظرف لقال وأو للشك من الراوي (في انقطاع من الدنيا) أي إدبار منها (وإقبال من الآخرة) أي اتصال بها (كأن وجوههم الشمس) أي وجه كل واحد منهم كالشمس (وحنوط) بفتح الحاء. قال الطيبي: الحنوط ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسادهم (حتى يجلسوا منه مد البصر) أي قريبا منه (الطيبة) وفي رواية الحاكم وابن منده: المطمئنة (اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان) أي ليس أمامك إلا المغفرة والرضوان، وفيه بشارة دفع العذاب وكمال الثواب (قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (فتخرج) أي روحه (تسيل) حال (كما تسيل القطرة) أي كسيلان القطرة في السهولة (من السقاء) بكسر السين أي القربة وفي المسند: من في السقاء، والمقصود بيان أن الروح تخرج من البدن بسهولة. قال القاري: لا منافاة بين اضطراب

ص: 324

فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون ـ يعني بها ـ على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة،

ــ

الجسد وسهولة خروج الروح بل قد يكون الأول سبباً للثاني كما أن رياضة النفس وتضعيف البدن عند الصوفية موجب لقوة الروح على العبادة والمعرفة. وقال ابن حجر: ولا ينافي ذلك ما مر أن المؤمن يشدد عليه عند النزع دون غيره، لأن محله فيما قبل خروج الروح، واعترض عليه القاري بأن حالة النزع هو وقت خروج الروح فبين كلاميه تناقض- انتهى. فتأمل. (فيأخذها) أي ملك الموت (لم يدعوها) بفتح الدال أي لم يتركوها (في يده طرفة عين) أدباً معه أو اشتياقاً إليها. قال الطيبي: فيه إشارة إلى أن ملك الموت إذا قبض روح العبد سلمها إلى أعوانه الذين معهم كفن من أكفان الجنة- انتهى. والطرفة بفتح الطاء وسكون الراء المرة من طرف أي يك بلك زدن يقال: طَرَفَ بصره أو طرف بعينه يَطْرِف طرفاً أي أطبق أحد جفنيه على الآخر (ويخرج منها) أي من الروح ريح أو شيء (كأطيب نفحة مسك) أي مثل أطيبها فالكاف مثليه. قال الطيبي: صفة موصوف محذوف هو فاعل يخرج منها رائحة كأطيب نفحة مسك- انتهى. والنفحة المرة من نفح الطيب أي انتشرت رائحته ونفحة الطيب رائحته (فيصعدون) أي أعوان ملك الموت أو ملائكة الرحمة منهم أو من غيرهم (يعني بها) هذا كلام الصحابي أو الراوي على ملأ أي جمع عظيم (من الملائكة) أي الذين بين السماء والأرض (إلا قالوا) أي الملأ (ما هذا الروح) بفتح الراء أي الريح وضمها (فيقولون) أي ملائكة الرحمة (فلان بن فلان) أي روحه أو روحه (بأحسن أسماءه) أي ألقابه وأوصافه (التي كانوا) أي أهل الدنيا (يسمونه) أي يذكرونه (بها) أي بتلك الأسماء (حتى) أي لا يزال الملائكة يسألون ويجابون كذلك (حتى ينتهوا بها) أي بتلك الروح (فيستفتحون له) الضمير للروح فإنه يذكر ويؤنث (فيفتح) بالتذكير والجار نائب الفاعل (لهم) قال ابن حجر: أفرد الضمير، لأنه المقصود بالاستفتاح، ثم جمع إشارة إلى أنهم لا يفارقونه بل يستمرون معه (فيشيعه) من التشييع، وهو الخروج مع أحد لتوديعه أو لتبليغه منزله يعني يستقبله ويصحبه بعد دخوله في السماء (حتى ينتهي به) بصيغة المجهول والجار

ص: 325

فيقول الله عزوجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارةً أخرى. قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي،

ــ

نائب الفاعل (اكتبوا) أي أثبتوا (كتاب عبدي) الإضافة للتشريف، ولذا قال في الكافر اكتبوا كتابه أي اجعلوا كتابة عبدي بكتابة اسمه (في عليين) أي في دفتر المؤمنين وديوان المقربين، والظاهر أنه اسم موضع في السماء السابعة، فيه كتاب الأبرار فالمراد بكتاب العبد صحيفة أعماله. وقال الأبهري: أي في كتاب عبدي، يعني أنه في عليين أو في عوال أو غرف من الجنة مآلاً. قال ابن حجر في فتاواه: أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكفار في السجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي لا يشبه الاتصال في الحياة الدنيا بل أشبه شيء به حال النائم وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالاً، قال: وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر فالاتصال المذكور مستمر وكذا لو تفرقت الأجزاء- انتهى مختصراً. (وأعيدوه) الآن (إلى الأرض) أي إلى جسده الذي دفن في الأرض (فإني منها خلقتهم) أي أجساد بني آدم (وفيها أعيدهم) أي أجسادهم وأرواحهم (فتعاد روحه في جسده) ظاهر الحديث أن عود الروح إلى جميع أجزاء بدنه فلا التفات إلى ما قيل إن العود إنما يكون إلى البعض أو إلى النصف فإنه محتاج إلى النقل الصحيح (فيأتيه ملكان) أي المنكر والنكير لكن في صورة مبشر وبشير. وفي بعض الأحاديث جاء سؤال ملك ولا تعارض في ذلك بل الكل صحيح المعنى فإن هذا الاختلاف بالنسبة إلى الأشخاص (ما هذا الرجل الذي بعث فيكم) أي أرسل إليكم يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم وعبر بذلك امتحاناً لئلا يتلقن تعظيمه من عبارة القائل والإشارة لما في الذهن فإنه لم يرد حديث صحيح ولا ضعيف في أنه يكشف للميت حتى يرى النبي صلى الله عليه وسلم فلا التفات إلى قول القبوريين ومن شاكلهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد بذاته في الخارج في قبر كل ميت عند سؤال الملكين (وما علمك) أي ما سبب علمك برسالته ومن أين علمت ذلك وما حجتك على رسالته (فآمنت به) أي بالكتاب أو بالرسول أو بما فيه وعلمت جميع ما ذكرت من معانيه (وصدقت) أي تصديقا قلبياً وما اكتفيت بالإيمان اللساني أو هو تأكيد (أن صدق عبدي) أن تفسيرية؛ لأن في النداء معنى القول

ص: 326

فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيها من روحها وطيبها، فيفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة! حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه،

ــ

وقيل مصدرية (فأفرشوه) بقطع الهمزة أي أعطوه فراشاً أو أفرشوا له فراشاً، فالهمزة لتأكيد التعدية، ففي القاموس: أفرش فلاناً بساطاً بسطه له كفرشه فرشاً وفرشه تفريشاً (من الجنة) أي من فرشها (وألبسوه) بقطع الهمزة أي أكسوه (من الجنة) أي من ثيابها (وافتحوا له) أي لأجله (باباً) أي من القبر (إلى الجنة) أي جهتها (من روحها) بفتح الراء أي من نسيمها (وطيبها) أي رائحتها (فيفسح) بالتخفيف أي يوسع له (في قبره مد بصره) أي منتهى بصره، وهو مختلف باختلاف البصر (ويأتيه) أي المؤمن (رجل) وفي رواية الحاكم: ويتمثل له رجل (أبشر بالذي يسرك) أي بما يجعلك مسروراً (فيقول) أي المؤمن (له من أنت) قال الطيبي: لما سره بالبشارة قال له: إني لا أعرفك من أنت حتى أجازيك بالثناء والمدح، ثم قال وقوله من أنت متضمن معنى المدح مجملاً أي بمعونة المقام، وقرينه الحال ثم قال: والفاء في (فوجهك) لتعقيب البيان بالمجمل على عكس قول الشقي للملك من أنت (الوجه) أي وجهك هو الكامل في الحسن والجمال والنهاية في الكمال وحق لمثل هذا الوجه أن يجيء بالخير ويبشر بمثل هذه البشارة وقوله (يجيء بالخير) جملة استئنافية، وقيل الموصول مقدر أي وجهك الوجه الذي يجيء بالخير (فيقول) أي المصور بصورة الرجل (فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة) التكرار للإلحاح في الدعاء (حتى أرجع إلى أهلي) أي من الحوار العين والخدم (ومالي) من القصور والبساتين وغيرهما مما يطلق عليه اسم المال، وقيل المراد بالأهل أقاربه من المؤمنين وبمالي ما يشتمل الحور والقصور. قال ميرك: طلب إقامة القيامة لكي يصل إلى ما أعد له من الثواب والدرجات، ويؤيده ما ذكر في الكافر حكاية عنه: رب لا تقم الساعة لكي يهرب به عما يعد له من العقاب. وقال الطيبي: لعله عبارة عن طلب أحياءه لكي يرجع إلى الدنيا ويزيد في العمل الصالح والإنفاق في سبيل الله حتى يزيد ثواباً ويرفع في درجاته يعني لكنه لما علم أن ليس الأحياء بعد الموت إلا بالبعث يوم القيامة طلب قيام الساعة كناية عن الأحياء، وقيل: يحتمل أن يكون قول المؤمن في القبر: حتى أرجع إلى أهلي ومالي لفرط سروره وغاية فرحة ويكون تمنيه الرجوع إلى أهله

ص: 327

معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسماءه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيستفح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تفتح لهم أبواب السماء

ــ

ليخبرهم بذلك كما يقول ويتمنى المسافر الذي حصل له التنعم في بلد الغربة (معهم المسوح) بضم الميم جمع المسح بكسرها وهو البلاس واللباس الخشن (إلى سخط الله) أي آثار غضب الله من أنواع عقابه، وفي المسند إلى سخط من الله وغضب، وكذا عند الحاكم) (فتفرق) بحذف إحدى التائين أي الروح (في جسده) أي تنتشر في أعماق البدن فزعا وكراهة للخروج إلى ما يسخن عينه من العذاب الأليم، كما أن أرواح المؤمن تخرج وتسيل، كما تسيل القطرة من السقاء فرحاً إلى ما تقربه عينه من الكرامة (فينتزعها) أي ملك الموت يستخرج روحه بعنف وشدة ومعالجة (كما ينزع) بالبناء للمجهول، وفي المسند كما ينتزع (السفود) كتنور الحديدة التي يشوى عليها اللحم، وفي رواية لأحمد: السفود الكثير الشعب (من الصفوف المبلول) قال الطيبي: شبه نزع روح الكافر من أقصى عروقه بحيث يصحبه العروق، كما قال في الرواية الأخرى وتنزع نفسه مع العروق بنزع السفود وهو الحديدة التي يشوي بها اللحم فيبقى معها بقية من المحروق فيستصحب عند الجذب شيئاً من ذلك الصوف مع قوة وشدة وبعكسه شبه خروج روح المؤمن من جسده بترشح الماء وسيلانه من القربة المملوءة ماء مع سهولة ولطف (لم يدعوها في يده طرفة عين) أي مبادرة إلى الأمر (ويخرج منها) أي من روح الكافر (فيصعدون) افتضاحاً لها وإظهارا لرداءتها (بأقبح أسماءه) أي يذكرونه بأشنع أوصافه (التي كان يسمي) أي ذلك الكافر (بها) أي بتلك الأسماء (ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أي استشهاداً على ما ذكر من عدم الفتح للكافر قوله تعالى:{إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها} [الأعراف: 40،36](لا تفتح) بالتأنيث مع التشديد قراءة الجمهور (لهم) أي لأرواحهم (أبواب السماء) أي شيء منها، وقيل: المعنى لا تفتح أبواب السماء

ص: 328

ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} فيقول الله عزوجل: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً، ثم قرأ:{ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} ، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه فيقولان له:

ــ

لأدعيتهم إذا دعوا، قاله مجاهد، والنخعي. وقيل: لأعمالهم أي لا تقبل بل ترد عليهم فيضرب بها في وجوههم قال العلامة الشوكاني في فتح القدير (ج2 ص195) : ولا مانع من حمل الآية على ما يعم الأرواح والدعاء والأعمال ولا ينافيه ورود من أنها لا تفتح أبواب السماء لواحد من هذه، فإن ذلك لا يدل على عدم فتحها لغيره مما يدخل تحت عموم الآية {ولا يدخلون الجنة حتى يلج} أي يدخل من الولوج وهو الدخول بشدة ولذلك يقال هو الدخول في ضيق فهو أخص من مطلق الدخول {الجمل} هو الذكر من الإبل، ولا يقال للبعير جمل إلا إذا بزل أي دخل في السنة التاسعة، وقيل: إنما يسمى جملاً إذا أربع أي بلغ أربع سنين {في سم الخياط} السم مثلث السين لغة لكن السبعة على الفتح، وقرى شاذاً بالكسر والضم وهو الثقب اللطيف الضيق والخياط الآلة التي يخاط بها كالمخيط فعال ومفعل كإزار ومئزر ولحاف وملحف والمراد به الإبرة في هذه الآية، وخص الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات، لأنه أكبر من سائر الحيوانات جسماً عند العرب، ويضرب به المثل عندهم في كبر الذات وعظم الجرم، وخص سم الخياط لكونه غاية الضيق وأضيق المنافذ ودخول الجمل مع عظم جسمه في ثقب الإبرة الضيق غير ممكن فكذا ما توقف عليه (في سجين) قيل هو كتاب جامع الأعمال الشياطين والكفرة، وقيل هو مكان في أسفل الأرض السابعة، وهو محل إبليس وجنوده (في الأرض) حال لازمه أو بدل بإعادة الجار بدل كل من بعض (السفلى) أي السابعة، وفيه إشارة إلى محل جهنم، وهو الأشهر من خلاف فيه (فتطرح روحه طرحاً) أي ترمي رمياً شديداً {ومن يشرك بالله فكأنما خر} أي سقط {من السماء} إلى الأرض {فتخطفه} بفتح الطاء المخففة (الطير) أي تسلب لحمه وتقطعه بمخالبها وتذهب به {أو تهوى به الريح} أي تقذفه وترمى به. قال القاري: أو للتنويع أو للتخيير في التمثيل (في مكان سحيق) أي بعيد لا يصل إليه أحد بحال. قال الزمخشري: يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق فإن كان تشبيهاً مركباً فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس بعده هلاك بأن صور حالة من خر من السماء فاختطفته الطير متفرقاً موزعاً في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض الأماكن البعيدة وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء والأهواء المردية بالطير المختطفة والشيطان الموقع في الضلال بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة- انتهى. قال الطيبي: أو تهوى به الريح أي عصفت

ص: 329

من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي منادى من السماء: أن كذب فافرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة. وفي رواية نحوه، وزاد فيه: إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، وليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله

ــ

به أي هوت به في بعض المطارح البعيدة، وهذا استشهاد مجرد لقوله صلى الله عليه وسلم في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحاً لا أنه بيان لحال الكافر حينئذ؛ لأنه شبه في الآية من يشرك بالله بالساقط من السماء والأهواء التي توزع أفكاره بالطير المختطفة والشيطان الذي يغويه ويطرح به في وادي الضلالة بالريح الذي هو يهوى بما عصف به في بعض المهاوي المتلفة (هاه هاه) بسكون الهاء الأخيرة فيهما كلمة يقولها المبهوت المتحير في الجواب من الدهشة والخوف (أن كذب) هذا الكافر في النفي الدراية عنه مطلقاً بل عرف الله وأشرك به وتبين الدين وما تدين به وظهرت رسالة النبي بالمعجزات عنده وما أطاعه (فافرشوه من النار) زاد في رواية أبي داود والحاكم: وألبسوه من النار (فيأتيه من حرها) أي يأتيه بعض حرها في قبره، وأما تمامه ففي الآخرة قال تعالى:{ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} [طه:127](وسمومها) بفتح السين، وهي الريح الحارة (ويضيق) بصيغة المجهول من التضييق (حتى تختلف فيه) أي في قبره وفي بدنها (أضلاعه) أي عظام جنبه بأن يدخل عظام الجنب الأيمن في عظام الأيسر وعظام الجنب الأيسر في الأيمن من شدة التضييق. وأما ضغطة القبر للمؤمن فإنما هي ضمة للأرض كمعانقة الأم المشتاقة لولدها (يسوءك) أي يحزنك (فوجهك الوجه) أي الكامل في القبح (أنا عملك الخبيث) أي المركب من خبث عقائدك وأعمالك وأخلاقك فالمعاني تتجسد وتتصور في قوالب المباني (وفي رواية) أي لأحمد (ونحوه) أي معنى ما ذكر من الألفاظ (وزاد) أي الروي (فيه) أي في نحوه في بيان حال المؤمن (إذا خرج روحه) أي روح المؤمن (وكل ملك في السماء) أريد بها الجنس (ليس من أهل باب)

ص: 330

أن يعرج بروحه من قبلهم، وتنزع نفسه- يعني الكافر- مع العروق، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن لا يعرج روحه من قبلهم)) رواه أحمد.

ــ

أي من أبواب كل سماء (أن يعرج بروحه) بالبناء للمفعول أي يعرج الملائكة به (من قبلهم) بكسر القاف وفتح الباء أي من جهتهم وقال صلى الله عليه وسلم في ذكر حال الكافر (وتنزع) بصيغة المجهول (نفسه) أي روحه (يعني الكافر) تفسير من المؤلف (مع العروق) إشارة إلى كراهة خروجه وشدة الجذب في نزع روحه (وتغلق) أي دونه (أبواب السماء) أي جميعها (ليس من أهل باب) أي من أبواب سماء الدنيا (أن لا يعرج روحه) بالتذكير وبصيغة المجهول ويصح أن يكون للفاعل أي أن لا يصعد روحه. وفي المسند: أن لا تعرج روحه أي بالتأنيث (من قبلهم) كراهة لظاهره وباطنه، والحديث نص في أن الروح تعاد إلى الميت في قبره وقت السؤال، وهو مذهب جميع أهل السنة من سائر الطوائف. قال ابن تيمية: الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن وقت السؤال وسؤال البدن بلا روح، قول قاله طائفة وأنكره الجمهور، وقابله آخرون، فقالوا: السؤال للروح بلا بدن، وهذا قاله ابن مرة، وابن حزم، وكلاهما غلط، والأحاديث الصحيحة ترده. وارجع للتفصيل إلى كتاب الروح لابن القيم (رواه أحمد) الرواية الأولى في (ص287-288) والثانية في (ج2 ص295-296) وكلتاهما من رواية المنهال بن عمرو عن زادان عن البراء بن عازب، وأخرجه من هذا الطريق أبوداود في السنة، وسكت عنه، والحاكم (ج1 ص37- 38- 39) وصححه ووافقه الذهبي، وأبوعوانة وصححه، والبيهقي وقال: حديث صحيح الإسناد، وأخرجه أبوداود أيضاً والنسائي وابن ماجه كلهم في الجنائز من طريق المنهال مختصراً أي إلى قوله جلسنا حوله، وأخرجه ابن مندة مطولاً في كتاب الروح والنفس من طريق عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت عن البراء، ومن طريق خصيف الجزري عن مجاهد عن البراء. وقال السيوطي بعد ذكر الحديث من رواية أحمد: ورواه أبوداود في سننه، والحاكم في مستدركه، وابن أبي شيبة في مصنفه، وأبوداود الطيالسي وعبد بن حميد في مسنديهما، وهناد بن السري في الزهد، وابن جرير وابن أبي حاتم وغيره من طريق صحيحة- انتهى. ونسبه على المتقى في الكنز (ج8 ص94) إلى ابن خزيمة والضياء أيضاً. وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر الحديث من رواية أحمد ما لفظه: هذا الحديث حديث حسن رواته محتج بهم في الصحيح، وهو مشهور بالمنهال بن عمرو عن زادان عن البراء، كذا قال أبوموسى الأصبهاني والمنهال روى له البخاري حديثاً واحداً. وقال ابن معين والعجلي: المنهال ثقة. وقال أحمد: تركه شعبة على عمد.

ص: 331

1646-

(17) وعن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه، قال: لما حضرت كعباً الوفاة أتته أم بشر بنت البراء بن معرور،

ــ

قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لأنه سمع من داره صوت قراءة بالتطريب. وقال عبد الله بن احمد سمعت أبي يقول: أبوبشر أحب إلى من المنهال. وزاذان ثقة مشهور ألانه بعضهم، وروى له مسلم حديثين في صحيحه، ورواه البيهقي من طريق المنهال بنحو رواية أحمد، ثم قال: وهذا حديث صحيح الإسناد، وقد رواه عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن القيم في كتاب الروح (ص75) هذا حديث ثابت مشهور مستفيض صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحداً من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في كتبهم وتلقوه بالقبول وجعلوه أصلاً من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه ومسائلة منكر ونكير وقبض الأرواح وصعودها إلى بين يدي الله ثم رجوعها إلى القبر، قال: ورواه عن البراء غير زاذان، ورواه عنه عدي بن ثابت ومجاهد بن جبر ومحمد بن عقبة وغيرهم، وقد جمع الدارقطني طرقه في مصنف مفرد، وزاذان من الثقات وروى له مسلم في صحيحه، ثم ذكر توثيقه عن ابن معين والعجلى وابن عدي، قال: والمنهال أحد الثقات العدول، ثم ذكر توثيقه عن ابن معين والعجلى، قال وأعظم ما قيل فيه: إنه سمع من بيته صوت غناء، وهذا لا يوجب القدح في روايته وإطراح حديثه- انتهى.

1646-

قوله: (وعن عبد الرحمن بن كعب) أي ابن مالك الأنصاري السلمي أبوالخطاب المدني، ثقة من كبار التابعين، ويقال ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مات في خلافة سليمان بن عبد الملك (عن أبيه) أي كعب ابن مالك الأنصاري السلمي الصحابي المشهور الشاعر، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا. قال السندي في حاشية ابن ماجه: قوله: عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه هكذا في النسخ التي رأيت، والظاهر أن قوله عن أبيه زيد، والحديث من قول عبد الرحمن نفسه، فإنه شاهده ورواه لا أنه أخذه عن أبيه، وهو الأوفق باللفظ، لكن إمكان الأخذ موجود، فيمكن أن عبد الرحمن ما كان حاضراً ثم سمعه من أبيه قبل موته ثم مات. وأما لفظ لما حضرت كعبا الوفاة فأمره سهل- انتهى. (قال) أي عبد الرحمن (أتته) أي كعباً (أم بشر) بكسر الباء، ويقال لها: أم بشر أيضاً. قيل: اسمها خليدة ولم يصح. قال الحافظ: والذي ظهر لي بعد البحث أن خليدة والدة بشر بن البراء ابن معرور (بنت البراء معرور) الأنصارية صحابية روت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنها عبد الله بن كعب ابن مالك ومجاهد وعبد الرحمن بن كعب بن مالك. وأما أبوها فهو البراء بن معرور بن صخر الأنصاري السلمي الخزرجي أبوبشر كان من النفر الذين بايعوا البيعة الأولى بالعقبة، وهو أول من بايع وأول من استقبل الكعبة حياً وميتاً، وهو أول من أوصى بثلث ماله، وهو أحد النقباء مات في صفر قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر، فلما

ص: 332

فقالت: يا أباعبد الرحمن! إن لقيت فلانا فأقرأ عليه مني السلام. فقال: غفر الله لك يا أم بشر! نحن أشغل من ذلك، فقالت: يا أباعبد الرحمن! أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أرواح المؤمنين في طير

ــ

قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتى قبره في أصحابه فكبر عليه وصلى وقد أمر البراء أهله عند موته أن يوجهوه إلى الكعبة فوجه قبره إليها. ومعرور بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الراء الأولى (يا أباعبد الرحمن) كنيته كعب (إن لقيت) أي بعد موتك (فلاناً) أي روحه قيل: تعني أباها البراء، ففي رواية للطبراني في الكبير: إن لقيت أبي فاقرأ مني السلام، وذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (ج2ص329) . وقيل: المراد به ولدها مبشر ففي رواية لأحمد (ج2ص455) قالت أم مبشر للكعب بن مالك وهو شاك اقرأ على ابني السلام تعني مبشراً، فقال: يغفر الله لك يا أم مبشر- الحديث. وقيل: المراد ولدها بشر، فقد أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن أبي لبيبة الأشهلى قال: لما مات بشر بن البراء بن معرور وجدت أمه وجداً شديداً فقالت: يا رسول الله! لا يزال الهالك يهلك من بني سلمة فهل تتعارف الموتى؟ فأرسل إلى بشر بالسلام، قال: نعم والذي نفسي بيده إنهم يتعارفون كما يتعارف الطير في رؤس الأشجار، وكان لا يهلك هالك من بني سلمة إلا جاءته أم بشر. فقالت: يا فلان عليك السلام فيقول وعليك، فتقول: اقرأ على بشر مني السلام (نحن أشغل) أي بأعمالنا وجزاءها (من ذلك) أي مما تقولين من تعارف الموتى وإبلاغ سلام الأحياء إياهم (أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ) أي لست ممن يشغل عن ذلك، بل أنت ممن ورد فيهم هذه الكرامة وقولها فهو ذلك أي الفضل والكرامة التي ترجى لك ذاك، فتكون أنت في غاية السرور والحبور لا مشغولاً ومخذولاً، كذا في اللمعات. وقال الطيبي: هذا جواب عن اعتذاره بقوله: نحن أشغل أي لست ممن يشغل عما كلفتك، بل أنت ممن قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيت وكيت (إن أرواح المؤمنين) ظاهر هذا السوق العموم، فيتناول كل مؤمن شهيداً كان أم غير شهيد، وإليه ذهب ابن القيم وابن كثير، فقالا: أرواح المؤمنين كلهم في الجنة شهداء كانوا أو غير شهداء إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين، وتلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة لهم، لأن هذا الحديث وكذا الحديث الآتي لم يخص فيهما شهيداً من غير شهيد. وقيل: المراد بالمؤمنين الشهداء خاصة دون غيرهم لما في رواية أحمد (ج6ص386) والترمذي من طريق عمرو بن دينار عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه مرفوعاً أن أرواح الشهداء الخ، وهذا اختاره ابن القرطبي وابن عبد البر، فقالا: الكرامة المذكورة في الحديث خاصة بالشهداء دون غيرهم، لأن القرآن والسنة إنما يدلان على ذلك، فالروايات المطلقة تحمل على المقيدة (في طير) جمع

ص: 333

خضر

ــ

طائر، ويطلق على الوحد (خضر) بضم فسكون جمع أخضر أي تدخل في أجواف طير وأبدانها، ففي رواية للطبراني: أن أرواح المؤمنين في أجواف طير خضر، ذكرها الهيثمي، وليس ذلك حبساً للأرواح وتسجناً لجواز أن يقدر الله تعالى في تلك الأجواف من السرور والنعيم ما تجده في الفضاء الواسع يعني أنها تجد فيها من النعيم ما لا يوجد في الفضاء أو تكون الطيور وأجوافها بمنزلة المراكب للأرواح ترتع وتسرح بها في الجنة وتتنعم أو تكون الطيور للأرواح كالهوادج للجالسين فيها والله اعلم. وقيل: المعنى أن الأرواح تجعل في صور طير أي أن الروح نفسها تتشكل وتتمثل بأمر الله طائرا كتمثل الملك بشراً. قال السيوطي في حاشية أبي داود: إذا فسرنا الحديث أن الروح يتشكل طيراً فالأشبه أن ذلك في القدرة على الطيران فقط لا في صورة الخلقة، لأن شكل الإنسان أفضل الأشكال- انتهى. قال السندي: هذا إذا كان الروح الإنساني له شكل في نفسه ويكون على شكل الإنسان وأما إذا كان لا شكل له، بل يكون مجرداً أو أراد الله تعالى أن يتشكل ذلك المجرد لحكمة ما فلا يبعد أن يتشكل من أول الأمر على شكل الطائر- انتهى. قلت: اختلف ألفاظ الرواية في أن الروح والنسمة تكون طيراً أو تكون في جوف طير كما اختلفت في أن هذه الكرامة للشهداء خاصة أو لجميع المؤمنين شهداء كانوا أم غير الشهداء، وقد تقدم شيء من الكلام على الاختلاف الثاني. وأما الاختلاف الأول فرجح القرطبي وابن عبد البر والقاضي عياض رواية من روى أن الروح والنسمة طير أو كطير أو في صورة طير، وأنكروا رواية في أجواف طير وبحواصل طير، لأنها حينئذ تكون محصورة مضيقاً عليها. ورد بأن رواية في أجواف طير في صحيح مسلم فلا يمكن إنكارها والتأويل محتمل كما تقدم. وذهب آخرون إلى الجمع والتوفيق. قال ابن القيم في كتاب الروح (ص157) : إن الله سبحانه جعل أرواح الشهداء في أجواف طير خضر فإنهم لما بذلوا أنفسهم لله حتى أتلفها أعداءه فيه أعاضهم منها في البرزخ أبداناً خيراً منها تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون نعيمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من نعيم الأرواح المجردة عنها، ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير أو كطير ونسمة الشهيد في جوف طير. وتأمل لفظ الحديثين، فإنه قال (أي في حديث كعب الآتي) نسمة المؤمن طير، فهذا يعم الشهيد وغيره، ثم خص الشهيد بأن قال هي في جوف طير، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير-انتهى. قال ابن كثير في هذا الحديث: إن روح المؤمن على شكل طير في الجنة، وأما أرواح الشهداء ففي حواصل طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، كما رواه أحمد عن ابن عباس مرفوعاً، فهي كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها فهو بشرى لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة أيضاً وتسرح فيها وتأكل من ثمارها، كذا في شرح الموطأ للزرقاني. ومال القاري إلى الجمع بوجه

ص: 334

تعلق بشجر الجنة؟ قال: بلى، قالت: فهو ذلك)) . رواه ابن ماجه، والبيهقي في كتاب البعث والنشور.

ــ

آخر حيث قال في أجواف طير خضر أي في صورة طير كما تقول رأيت ملكاً في صورة إنسان- انتهى. وحاصله أن مؤدي رواية في أجواف طير هو كون الروح أو النسمة في صورة طير فكأنه أرجع هذه الرواية إلى رواية النسمة طير أو كطير أو في صورة طير (تعلق) بفتح المثناة فوق وسكون المهملة وضم اللام أي ترعى من أعلي شجر الجنة، قاله المنذري. وقال الجزري: أي تأكل وهو في الأصل للإبل إذا أكلت العضاه، يقال: علقت تعلق علوقاً فنقل إلى الطير- انتهى. وقال ابن عبد البر: يروي بفتح اللام وهو الأكثر ويروي بضم اللام والمعنى واحد وهو الأكل والرعي. وقيل بفتح اللام أي يتعلق ويتشبث بها ويقع عليها تكرمة للمؤمن وثواباً له، وبضم اللام بمعنى يشيب منها العلقة من الطعام (بشجر الجنة) وفي رواية لأحمد والطبراني في شجر الجنة. قيل: الظاهر أن يقال تعلق شجر الجنة أو من شجر الجنة، كما وقع في رواية لأحمد من ثمر الجنة. وفي الترمذي: من ثمر الجنة أو شجر الجنة. قيل: الباء زائدة. وقيل: تعديته بالباء تفيد الاتصال، لعله كنى به عن الأكل، لأنها إذا اتصلت بشجر الجنة وتشبثت بها أكلت من ثمرها وأرادت أم بشر بذلك أنهم أحياء فيمكن إرسال السلام إليهم (فهو ذلك) وفي بعض النسخ: فهو ذاك، كما في ابن ماجه. قال القاري: وقد تعلق بهذا الحديث وأمثاله بعض القائلين بالتناسخ وانتقال الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة وتعذيبها في الصور القبيحة، وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب، وهذا باطل مردود لا يطابق ما جاءت به الشرائع من إثبات الحشر والنشر والجنة والنار، ولهذا قال في الحديث الآتي حتى يرجعه الله إلى جسده، وفي بعض حواشي شرح العقائد: اعلم أن التناسخ عند أهله هو رد الأرواح إلى الأبدان الأخر في هذا العالم (أي عالم الدنيا يعني بالتوالد والتناسل) لا في الآخرة، إذ هم ينكرون الآخرة والجنة والنار ولذا كفروا- انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي على بطلان التناسخ دلائل كثيرة واضحة في الكتاب والسنة: منها قوله تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون، لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا، إنها كلمةٌ هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} [المؤمنون: 100](رواه ابن ماجه) في الجنائز من طريق محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه، وأخرجه الطبراني في الكبير وفيه أيضاً محمد بن إسحاق. قال الهيثمي: وهو مدلس وبقية رجاله الصحيح - انتهى. وأخرجه أحمد والترمذي من طريق عمرو بن دينار عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه مختصراً بدون القصة، ورواه أحمد من طريق معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: قالت أم مبشر لكعب بن مالك وهو شاك: اقرأ على ابني السلام تعني مبشراً، فقال: يغفر الله لك يا أم مبشر- الحديث. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد باختلاف يسير، وعزاه للطبراني في الكبير، وقال: رجاله رجال الصحيح. قلت: واختلف في سماع الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. وسيأتي الكلام فيه في تخريج الحديث الذي بعدها هذا.

ص: 335

1647-

(18) وعنه، عن أبيه، أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إنما نسمة المؤمن طير تعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله في جسده، يوم يبعثه)) رواه مالك، والنسائي، والبيهقي في كتاب البعث والنشور.

ــ

1647-

قوله: (وعنه) أي عن عبد الرحمن (عن أبيه) أي كعب بن مالك (إنما نسمة المؤمن) بفتح النون والسين المهملة أي روحه. قال النووي: النسمة يطلق على ذات الإنسان جسماً وروحاً وعلى الروح مفردة، وهو المراد ههنا لقوله: حتى يرجعه الله في جسده. وبنحو ذلك قال ابن عبد البر. وقال الخليل بن أحمد: النسمة الإنسان، قال والنسمة الروح والنسيما هبوب الريح- انتهي. والمراد روح المؤمن الشهيد، كما جاء في بعض روايات الحديث أرواح كل مؤمن شهيداً كان أو غير شهيد (طير) وفي رواية: طائر. وظاهره أن الروح يتشكل ويتمثل بأمر الله تعالى طائراً كتمثل الملك بشراً. ويحتمل أن المراد أن الروح يدخل في بدن طائر كما يدل عليه رواية: بأجواف طير وفي طير (تعلق) بالتأنيث وفي الموطأ يعلق أي بالتذكير، وكذا عند أحمد من طريق مالك عن الزهري أي ترعى وتسرح (حتى يرجعه الله) أي يرده (في جسده يوم يبعثه) أي يوم القيامة (رواه مالك) في الجنائز عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إلخ. (والنسائي) في الجنائز، وأخرجه أيضاً أحمد (ج3:ص455) وابن ماجه في الزهد كلهم من طريق مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك إلخ. قال ابن عبد البر: في رواية مالك هذه بيان سماع الزهري لهذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وكذلك رواه يونس عن الزهري قال سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه. وكذلك رواه الأوزاعي عن الزهري حدثني عبد الرحمن بن كعب. وقد أعل محمد بن يحيى الذهلي هذا الحديث بأن شعيب بن أبي حمزة ومحمد بن أخي الزهري وصالح بن كيسان رووه عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن جده كعب فيكون منقطعاً، وقال صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن عبد الرحمن أنه بلغه أن كعب بن مالك كان يحدث، قال الذهلي وهذا المحفوظ عندنا. وخالفه في هذا غيره من الحفاظ فحكموا لمالك والأوزاعي. قال ابن عبد البر: فاتفق مالك ويونس والأوزاعي والحارث بن فضيل على رواية هذا الحديث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه، قال ابن عبد البر: ولا وجه عندي لما قاله الذهلي من ذلك ولا دليل عليه، واتفاق مالك ويونس والأوزاعي ومحمد بن إسحاق أولى بالصواب، والنفس إلى قولهم وروايتهم أسكن، وهم من الحفظ والإتقان بحيث لا يقاس بهم من خالفهم في هذا الحديث- انتهى. قلت: ورواية شعيب عند أحمد (ج3:ص456) وفيها تصريح بسماع الزهري عن عبد الرحمن بن كعب قال أحمد: حدثنا أبواليمان قال أنبأنا

ص: 336