المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌{الفصل الثالث} 1588- (53) عن أنس، قال: كان غلام يهودي يخدم - مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٥

[عبيد الله الرحماني المباركفوري]

فهرس الكتاب

- ‌(46) باب صلاة الخوف

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(47) باب صلاة العيدين

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(48) باب في الأضحية

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(49) باب العتيرة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(50) باب صلاة الخسوف

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(51) باب في سجود الشكر

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌(52) باب الاستسقاء

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(53) باب في الرياح

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(5) كتاب الجنائز

- ‌(1) باب عيادة المريض وثواب المرض

- ‌{الفصل الأول}

- ‌((الفصل الثاني))

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(2) باب تمنى الموت وذكره

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(3) باب ما يقال عند من حضره الموت

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(4) باب غسل الميت وتكفينه

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(5) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(6) باب دفن الميت

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(7) باب البكاء على الميت

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(8) باب زيارة القبور

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

الفصل: ‌ ‌{الفصل الثالث} 1588- (53) عن أنس، قال: كان غلام يهودي يخدم

{الفصل الثالث}

1588-

(53) عن أنس، قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له:((أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار))

ــ

نسخ الترمذي الموجودة عندنا: هذا حديث حسن غريب في هذا الباب، وقد روى من غير هذا الوجه- انتهى. قلت: روى أحمد والنسائي من غير طريق الترمذي. والحديث لا ينحط عن درجة الحسن.

1588 – قوله: (كان غلام يهودي) لم يقف الحافظ على اسمه نعم نقل عن ابن بشكوال أن صاحب العتبية حكى عن زياد أن اسمه عبد القدوس قال وهو غريب ما وجدته عند غيره (يخدم النبي صلى الله عليه وسلم بكسر الدال وضمها (فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم حال كونه (يعوده فقعد) النبي صلى الله عليه وسلم (عند رأسه) أي رأس الغلام وهو من مستحبات العيادة (فقال) النبي صلى الله عليه وسلم (له) أي للغلام (أسلم) بكسر اللام فعل أمر من الإسلام، والظهر أن الغلام كان عاقلاً (فنظر) أي الغلام (إلى أبيه وهو) أي أبوالغلام (عنده) وفي رواية أبي داود عند رأسه (فقال) له أبوه (أطع أبا القاسم) صلى الله عليه وسلم (فأسلم) بفتح اللام أي الغلام، وفي رواية النسائي: فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم (فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من عنده (وهو) أي النبي (يقول الحمد لله الذي أنقذه) بالذال المعجمة أي خلصة ونجاه (من النار) أي لو مات كافراً، في رواية أبي داود: أنقذه بي من النار أي أنقذه الله بسببي من النار. قال الحافظ في الفتح: وفي الحديث جواز استخدام المشرك وعبادته إذا مرض، وفيه حسن العهد واستخدام الصغير وعرض الإسلام على الصبي ولولا صحته منه ما عرضه عليه، وفي قوله: أنقذه بي من النار، دلالة على أنه صح إسلامه وعلى أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه أنه يعذب- انتهى. قيل: هذا يحمل على أنه كان قبل أن يعلمه الله تعالى أن أطفال المشركين في الجنة، كما هو مذهب الأكثرين، وعلى تقدير تسليم أن هذا الحديث وقع بعد تقرر أن الأطفال في الجنة، فالمراد من قوله: من النار الكفر المسمى ناراً لأنه سببها أو يؤول إليها. والله تعالى أعلم. قيل: إنما تشرع عيادة غير المسلم ليدعى إلى الإسلام إذا رجى أن يجيب إلى الدخول في الإسلام ألا ترى أن اليهودي أسلم حين عرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام فأما إذا لم يطمع في إسلام الكافر ولا يرجى إنابته فلا ينبغي

ص: 267

رواه البخاري.

1589 -

(54) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من عاد مريضاً نادى منادى من المساء: طبت وطاب ممشاك، وتبؤت من الجنة منزلاً)) . رواه ابن ماجه.

1590-

(55) وعن ابن عباس، قال:((إن علياً خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أباالحسن! كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح بحمد الله بارئاً))

ــ

عيادته. قال الحافظ: والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى. قال الماوردي: عيادة الذمي جائزة، والقربة موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة- انتهى. (رواه البخاري) في الجنائز، وفي المرضى، وأخرجه أيضاً أبوداود في الجنائز، والنسائي والبيهقي (ج3:ص383) .

1589-

قوله: (من عاد مريضاً) أي محتسباً (نادى مناد) أي ملك (طبت) بكسر الطاء أي طاب حالك (وطاب ممشاك) مصدر أي كثر ثواب مشيك إلى هذه العبادة، وقيل: مكان أو زمان مبالغة (وتبوأت) أي تهيأت (من الجنة) أي من منازلها العالية (منزلاً) أي منزلة عظيمة بما فعلت. وقيل: أي ثبت وتحقق دخولك الجنة بسبب هذه العبادة. وقال الطيبي: طبت دعاء له بأن يطيب عيشه في الدنيا، وطيب الممشى كناية عن سيره وسلوكه طريق الآخرة بالتعري عن رذائل الأخلاق والتحلي بمكارمها، وقوله: تبوأت دعاء له بطيب العيش في الآخرة، وإنما أخرجت الأدعية في صورة الإخبار إظهاراً للحرص على وقوعها كأنها حاصلة وهو يخبر عنها كما تقول رحمك الله وعصمك الله من الآفات ((رواه ابن ماجه) في الجنائز، وأخرجه أيضاً الترمذي في باب زيارة الأخوان من أبواب البر والصلة بلفظ: ما عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه مناد الخ. وأخرجه ابن حبان في صحيحه بلفظ: إذا عاد الرجل أخاه أو زاره قال الله تعالى طبت إلخ. ذكر المنذري في الترغيب: إن الترمذي حسنه، وفيه أنه ليس في نسخ الترمذي الموجودة عندنا لفظ: حسن، بل فيها حديث غريب، وفي سنده عندهم أبوسنان عيسى بن سنان القسملي، وهو لين الحديث.

1590-

قوله: (في وجعه) أي في زمن مرضه (الذي توفي فيه) أي قبض روحه فيه (فقال الناس) أي لعلي (يا أباالحسن) كنية علي (أصبح بحمد الله) أي مقروناً بحمده أو متلبساً بموجب حمده وشكره (بارئاً)

ص: 268

رواه البخاري.

1591 -

(56) وعن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله، فقال: ((إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك.

ــ

بالهمزة إسم فاعل من برأ المريض إذا أفاق من المرض. قال القاري: خبر بعد خبر أو حال من ضمير أصبح، والمعنى قريباً من البرء بحسب ظنه أو للتفاؤل أو بارئاً من كل ما يعترى المريض من القلق والغفلة. وفي الحديث استحباب السؤال عن حال المريض بلفظ: كيف أصبح، والجواب عنه بقوله أصبح بحمد الله بارئاً (رواه البخاري) مطولاً في باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته من أواخر المغازي، وفي باب المعانقة من الاستيذان، وأخرجه أيضاً أحمد (ج1:ص263-325) .

1591-

قوله: (ألا) بتخفيف اللام قبلها همزة مفتوحة (أريك) بضم الهمزة وكسر الراء (هذه المرأة السوداء) إسمها سعيرة بالمهملات مصغراً الأسدية، كما في رواية جعفر المستغفري في كتاب الصحابة، وأخرجه أبوموسى في الذيل من طريقه، ووقع في رواية ابن مندة بقاف بدل العين، وفي أخرى للمستغفري بالكاف، وذكر ابن سعد وعبد الغني في المبهمات من طريق الزبير أن هذه المرأة هي ماشطة خديجة التي كانت تتعاهد النبي صلى الله عليه وسلم بالزيادة (أتت النبي صلى الله عليه وسلم استئناف بيان لكونها من أهل الجنة (إن أصرع) بصيغة المجهول، قيل: الصرع علة تمنع الأعضاء الرئيسة عن انفعالها منعاً غير تام، وسببه ريح غليظ يحتبس في منافذ الدماغ أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء وقد يتبعه تشنج في الأعضاء فلا يبقى الشخص معه منتصباً بل يسقط ويقذف بالزيد لغلظ الرطوبة، وقد يكون الصرع من الجن ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة منهم إما لاستحسان بعض الصور الإنسية وإما لإيقاع الأذية به، وأنكر ذلك كثير من الأطباء، وقد رد عليهم ابن القيم في زاد المعاد رداً حسناً، فعليك أن تراجعه (وإني أتكشف) بفتح المثناة الفوقية والشين المعجمة المشددة من التكشف. قال الحافظ: وبالنون الساكنة بدل الفوقية وكسر المعجمة مخففاً من الانكشاف، والمراد أنها خشيت أن تظهر عورتها وهي لا تشعر (فادع الله) لي أي يشفيني من ذلك الصرع (فقال) صلى الله عليه وسلم مخبراً لها (إن شئت صبرت) على ذلك (ولك الجنة) فيه إيماء إلى جواز ترك الدواء بالصبر على البلاء والرضاء بالقضاء بل ظاهره أن إدامة

ص: 269

فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها)) متفق عليه.

1592-

(57) وعن يحيى بن سعيد، قال: إن رجلا جاءه الموت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل، هنيئاً له، مات ولم يبتل بمرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ويحك!

ــ

الصبر مع المرض أفضل من العافية لكن بالنسبة إلى بعض الأفراد وأن ترك التداوى أفضل وإن كان يسن التداوى (فقالت أصبر) على الصرع. قال ابن القيم: من حدث له الصرع، وله خمس وعشرون سنة وخصوصاً بسبب دماغي أيس من برءه، وكذلك إذا استمر به إلى هذا السن قال: فهذه المرأة التي جاء في الحديث أنها كانت تصرع وتنكشف، يجوز أن يكون صرعها من هذا النوع فوعدها صلى الله عليه وسلم بصبرها على هذا المرض بالجنة ودعا لها أن تنكشف وخيرها بين الصبر والجنة وبين الدعاء لها بالشفاء من غير ضمان فاختارت الصبر والجنة - انتهى. قال الحافظ: وفي الحديث فضل من يصرع وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة، وفيه دليل على جواز ترك التداوى، وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير وأن تأثير ذلك وإنفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما من جهة العليل، وهو صدق القصد والآخر من جهة المداوى، وهو قوة توجهه، وقوة قلبه بالتقوى والتوكل والله اعلم (متفق عليه) أخرجه البخاري في المرضى ومسلم في الأدب وأخرجه أيضاً أحمد (ج1ص346- 347) والنسائي في الكبرى في الطب.

1592-

قوله: (وعن يحيى بن سعيد) هو يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني أبوسعيد القاضي ثقة ثبت من صغار التابعين سمع أنس بن مالك والسائب بن يزيد وخلقاً سواهما روى عنه هشام بن عروة ومالك ابن أنس وشعبة والثوري وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم كان يتولى القضاء بالمدينة زمن بني أمية وأقدمه منصور العراق وولاه القضاء بالهاشمية مات سنة (143) وقيل (144) وقيل بعدها. قال المؤلف: كان إماماً من أئمة الحديث والفقه عالماً ورعاً زاهداً صالحاً مشهوراً بالفقه والدين (إن رجلاً جاءه الموت) أي فجأة من غير مرض (هنيئاً له) مصدر لفعل محذوف (مات ولم يبتل بمرض) استئناف مبين لموجب التهنئة، والواو حالية (ويحك) كلمة ترحم وتوجع يقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها وهي منصوبة بإضمار فعل كأنه قيل ألزمك الله ويحاً

ص: 270

ما يدريك لو أن الله ابتلاه بمرض فكفر عنه من سيئاته)) . رواه مالك مرسلاً.

1593-

(58) وعن شداد بن أوس، والصنابحى،

ــ

يعني لا تمدح عدم المرض وإنما ترحم عليه لعذره في ظنه أن عدم المرض مكرمة (ما يدريك) أيّ أي شيء يعلمك أن عدم المرض خير ومكرمة (لو أن الله ابتلاه بمرض) قال الطيبي: لو للتمني لأن الامتناعية لا تجاب بالفاء أي لا تقل هنيئاً له ليت أن الله ابتلاه بمرض، ويجوز أن يقدر لو ابتلاه الله لكان خيراً له فكفر. قال القاري: وعلى الأول ما يدريك معترضة وعلى الثاني متصلة بما بعدها (فكفر عنه من سيئاته) وفي نسخ الموطأ الموجودة عندنا: يكفر به عنه من سيئاته. قال في المحلى: لو أن الله إلخ. جملة شرطية والجزاء قوله يكفر أو هو صفة لمرض والجزاء محذوف أي لكان خيراً له، ويحتمل أن يكون لو للتمني بمعنى ليت وعلى هذا يتعين قوله: يكفر صفة- انتهى. وفي الحديث أن الابتلاء بالمصائب طب الهي يداوي به الإنسان من أمراض الذنوب فإن غير المعصوم لا يخلو غالباً من السيئات فالمرض مكفر لها أو رافع للدرجات وكاسر لشماخة النفس (رواه مالك) في كتاب الجامع من الموطأ عن يحيى بن سعيد (مرسلا) لأن يحيى بن سعيد تابعي. قال ابن المديني في العلل: لا أعلمه سمع من صحابي غير أنس، ذكره الحافظ في تهذيبه، وقد اعتضد هذا المرسل بما في الباب من الأحاديث المسندة الدالة على كون المرض كفارة للذنوب.

1593-

قوله: (وعن شداد بن أوس) تقدم ترجمته (والصنابحى) عطف على شداد، وهذا يدل على أن الراوي، وهو أبوالأشعث الصنعاني، روى القصة عن شداد والصنابحى، وفيه نظر، فإن الرواية في مسند الإمام أحمد هكذا قال عبد الله حدثني أبي ثنا هيثم بن خارجة ثنا إسماعيل بن عياش عن راشد بن داود الصنعاني عن أبي الأشعث الصنعاني أنه راح إلى مسجد دمشق وهجر بالرواح فلقي شداد بن أوس والصنابحى معه فقلت أين تريد أن يرحمكما الله قالا نريد ههنا إلى أخ لنا مريض نعوده فانطلقت معهما حتى دخلا على ذلك الرجل فقالا له كيف أصبحت إلخ والظاهر أن هذا التقصير إنما وقع من اختصار المصنف وكان الأولى أن يذكر الرواية من قوله: عن أبي الأشعث الصنعاني أنه راح إلخ كما صنع الهيثمي في مجمع الزوائد (ج2ص303) والمنذري في الترغيب (ج4ص90) والصنابحى هذا هو عبد الرحمن بن عسيلة بمهملة مصغرا المرادي أبوعبد الله الصنابحى بضم الصاد المهملة وتخفيف النون والباء الموحدة المكسورة والحاء المهملة نسبة إلى صنابح بن زاهر بطن من مراد ثقة من كبار التابعين قدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك بن مروان روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً وعن أبي بكر وعمر وعلي وبلال وسعد بن عبادة وعمرو بن عبسة وشداد بن أوس

ص: 271

أنهما دخلا على رجل مريض يعودانه، فقالا له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بنعمة، قال شداد: أبشر بكفارات السيئات، وحط الخطايا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عزوجل يقول: إذا أنا ابتليت عبداً من عبادي مؤمناً، فحمدني على ما ابتليته، فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول رب تبارك وتعالى: أنا قيدت عبدي وابتليته، فأجروا له ما كنتم تجرون له وهو صحيح)) . رواه أحمد.

1594-

(59) وعن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها من العمل، ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه))

ــ

وغيرهم، وروى عنه أسلم مولى عمر ومحمود بن لبيد الأنصاري وجماعة (أنهما دخلا على رجل مريض يعودانه فقالا له كيف أصبحت) استدل به على أن العيادة في أول النهار أفضل (أصبحت بنعمة) أي مصحوباً بنعمة عظيمة وهي نعمة الرضا والتسليم للقضاء (أبشر) أمر من الابشار، ويجوز أن يكون من باب ضرب وسمع (بكفارات السيئات) أي المعاصي (وحط الخطايا) أي وضع التقصيرات في الطاعات والعبادات (مؤمناً) نعت أو حال (فحمدني على ما ابتليته) أي به من مرض أو وجع (فإنه يقوم من مضجعه) أي مرقده (ذلك) أي الذي هو فيه، والمراد من مرضه سمي باسم ملازمه غالباً وهو متجرد باطناً عن ذنوبه (كيوم ولدته أمه) بفتح الميم، وفي نسخة بالجر أي كتجرده ظاهراً في وقت ولدته أمه من الخطايا (أنا قيدت عبدي) أي حبسته بالمرض (وابتليته) أي امتحنته ليظهر منه الشكر أو الكفر (فاجروا له) أمر من الإجراء (ما كنتم تجرون له) أي من كتابة الأعمال، وفي المسند كما كنتم تجرون له، وكذا نقله الهيثمي، والمنذري (وهو صحيح) حال (رواه أحمد)(ج4ص123) وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير والأوسط كلاهما من رواية إسماعيل بن عياش عن راشد ابن داود الصنعاني، وهو ضعيف في غير الشاميين، وهذا الحديث قد رواه عن راشد الصنعاني صنعاء دمشق الشام فهو من أحاديثه المستقيمة. قال المنذري: وله شواهد كثيرة.

1594-

قوله: (إذا كثرت ذنوب العبد) أي الإنسان المسلم (ما يكفرها من العمل) أي الصالح لفقده أو لقلته (ابتلاه الله بالحزن) أي بأسبابه وهو بضم فسكون وبفتحتين (ليكفرها) أي الذنوب (عنه) أي عن

ص: 272

رواه أحمد.

1595-

(60) وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من عاد مريضاً لم يزل يخوض الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس اغتمس فيها)) رواه مالك، وأحمد.

1596-

(61) وعن ثوبان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أصاب أحدكم الحمى، فإن الحمى قطعة من النار، فليطفئها عنه بالماء، فليستنقع في نهر جار

ــ

العبد بسبب الحزن (رواه أحمد) قال الهيثمي: وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات. وقال المنذري: رواته ثقات إلا ليث بن أبي سليم.

1595 – قوله: (لم يزل يخوض الرحمة) أي يدخل فيها من حين يخرج من بيته بنية العيادة (حتى يجلس) أي عنده (اغتمس فيها) أي غاص فيها وغطس، وفي رواية البخاري في الأدب المفرد: استقر فيها. قال الطيبي: شبه الرحمة بالماء إما في الطهارة أو في الشيوع والشمول ثم نسب إليها ما هو منسوب إلى المشبه به من الخوض ثم عقب الاستعارة بالانغماس ترشيحاً (رواه مالك) أي في كتاب الجامع من الموطأ بلاغاً ففيه "مالك أنه بلغه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا عاد الرجل المريض خاض في الرحمة حتى إذا قعد عنده قرت فيه أو نحو هذا"(وأحمد) أي مسنداً. قال الزرقاني: برجال الصحيح، وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد، وقاسم بن أصبغ والبزار وابن حبان في صحيحه والحاكم (ج1ص350) وصححه البيهقي (ج3ص380) قال الهيثمي والمنذري: رجال أحمد رجال الصحيح، وفي الباب عن أنس وأبي هريرة وكعب بن مالك وعمرو بن حزم وأبي أمامة وابن عباس وصفوان بن عسال وأبي الدرداء ذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد (ج2ص297- 298) والمنذري في الترغيب.

1596-

قوله: (إذا أصاب أحدكم الحمى) أي أخذته (فإن الحمى قطعة من النار) أي لشدة ما يلقي المريض فيها من الحرارة الظاهرة والباطنة، وفي حديث رافع بن خديج عند الشيخين: الحمى من فيح جهنم. وسيأتي الكلام عليه في الطب. وقال الطيبي: جواب إذا فليعلم أنها كذلك (فليطفئها عنه بالماء) أي البارد قال ويحتمل أن يكون الجواب فليطفئها وقوله. فإن الحمى معترضة قالوا هذا خاص ببعض أنواع الحمى الحادثة من الحرارة التي يعتادها أهل الحجاز ولما كان بيانه صلى الله عليه وسلم لعلاج الأمراض البدنية تبعاً لم يستفض في تعميم أنواعها واقتصر على علاج ما هو أعم وأغلب وقوعها (فليستنقع في نهر جار) بيان للإطفاء. قال في القاموس:

ص: 273

- وليستقبل جريته، فيقول: بسم الله، اللهم أشف عبدك، وصدق رسولك ـ بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، وليغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ في ثلاث فخمس، فإن لم يبرأ في خمس فسبع، فإن لم يبرأ في سبع فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعاً بإذن الله عزوجل))

ــ

استنقع في الغدير نزل واغتسل ثبت فيه ليتبرد (وليستقبل جريته) بكسر الجيم. قال الطيبي: يقال: ما أشد جرية هذا الماء بالكسر، وهو مصدر بمعنى السيلان كالجري والجريان يقال نهر سريع الجرية (فيقول) أي حال الاستقبال (وصدق رسولك) أي اجعل قوله هذا صادقاً بأن تشفيني، ذكره الطيبي (بعد صلاة الصبح) ظرف ليستنقع، وكذا قوله قبل طلوع الشمس (وليغمس) بفتح الياء وكسر الميم (فيه) أي في النهر أو في ماءه (ثلاث غمسات) بفتحتين (ثلاثة أيام) قال الطيبي: قوله وليغمس بيان لقوله فليستنقع جيء به لتعلق المرات (فإن لم يبرأ) بفتح الراء (في ثلاث) أي ثلاث غمسات أو في ثلاثة أيام (فخمس) بالرفع. قال الطيبي: أي فالأيام التي ينبغي أن ينغمس فيها أو فالمرات (فسبع) بالرفع كما تقدم آنفاً (فتسع) كذلك (فإنها) أي الحمى (لا تكاد) أي تقرب (تجاوز تسعاً) أي بعد هذا العمل (بإذن الله) أي بإرادته أو بأمره لها بالذهاب وعدم العود. قال ابن القيم في زاد المعاد في بحث علاج الحمى بالماء بعد ذكر حديث ابن عمر بلفظ: إنما الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء. ما لفظه خطابه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث خاص بأهل الحجاز وما والاهم إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى العرضية الحادثة عن شدة حرارة الشمس وهذه ينفعها الماء البارد شرباً واغتسالاً إلخ. وقال بعد تقسيم الحمى إلى عرضية ومرضية، فيجوز أن يكون مراد الحديث من أقسام الحميات العرضية (وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس أو القيظ الشديد ونحو ذلك) فإنها تسكن على المكان بالانغماس في الماء البارد وسقي الماء البارد المثلوج ولا يحتاج صاحبها مع ذلك إلى علاج آخر فإنها مجرد كيفية حادة متعلقة بالروح فيكفي في زوالها مجرد وصول كيفية باردة تسكنها وتخمد لهبها من غير حاجة إلى استفراغ مادة أو انتظار نضج، ويجوز أن يراد به جميع أنواع الحميات وقد اعترف جالينوس بأن الماء البارد ينفع فيها، قال في كتاب حيلة البرء: ولو أن رجلاً شاباً حسن اللحم خصب البدن في وقت القيظ وفي وقت منتهى الحمى وليس في احشاءه ورم استحم بماء بارد أو سبح فيه لا تنفع بذلك قال ونحن نأمر بذلك بلا توقف. وقال الرازي في كتابة الكبير: إذا كانت القوي قوية والحمى حادة جداً والنضج بين ولا ورم في الجوف ولا فتق ينفع الماء البارد شرباً وإن كان العليل خصب البدن والزمان حار وكان معتاد الاستعمال الماء البارد من خارج فليؤذن له فيه- انتهى. وقد نزل ابن القيم حديث ثوبان على هذه القيود فقال بعد ذكره: وهذه الصفة تنفع في فصل الصيف

ص: 274

رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب.

1597 -

(62) وعن أبي هريرة، قال: ذكرت الحمى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسبها رجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((لا تسبها فإنها تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الحديد)) . رواه ابن ماجه.

1598-

(63) وعنه، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد مريضاً فقال: ((أبشر فإن الله تعالى يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن

ــ

في البلاد الحارة على الشرائط التي تقدمت (أي الحمى العرضية أو الغب الخالصة التي لا ورم معها ولا شيء من الأعراض الرديئة والمواد الفاسدة) فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لعبده عن ملاقاة الشمس ووفور القوى في ذلك الوقت لكونه عقب النوم والسكون وبرد الهواء قال والأيام التي أشار إليها هي التي يقع فيها بحران الأمراض الحادة غالباً ولاسيما في البلاد الحارة- انتهى. ويأتي مزيد الكلام عليه في كتاب الطب إنشاء الله تعالى (رواه الترمذي) في الطب وأخرجه أيضاً أحمد (ج5ص281) وابن السني (ص182) كلهم من رواية سعيد بن زرعة الشامي الحمصى، الجرار الخزاف عن ثوبان. قال الحافظ في التقريب في ترجمة سعيد أنه مستور، وقال في الفتح: وفي سنده سعيد بن زرعة، مختلف فيه. وقال في تهذيب التهذيب: قال أبوحاتم مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات.

1597-

قوله: (ذكرت الحمى) على صيغة المجهول أي وصفت شدتها (لا تسبها) بفتح الباء (تنفي الذنوب) من النفي أي تزيل وهو أبلغ من تمحو (كما تنفي النار خبث الحديد) كناية عن المبالغة في تمحيصها من الذنوب وخبث الحديد بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة هو ما تلقيه النار من وسخه إذا أذيب، والمعنى أن الحمى من هذه الحيثية توجب الصبر والشكر لا السب (رواه ابن ماجه) في الطب. قال البوصيري في الزوائد: وفي إسناده موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف- انتهى. ويؤيده ما تقدم من حدث جابر في الفصل الأول في نهيه صلى الله عليه وسلم أم السائب عن سب الحمى وقد جاء في معناه أحاديث أخرى.

1598-

قوله: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد مريضاً) وبعده في ابن ماجه وغيره من وعك كان به ومعه أبوهريرة (هي) أي الحمى كما يفيده السباق والسياق (ناري أسلطها على عبدي المؤمن) قال الطيبي: في إضافة النار إشارة إلى أنها لطف ورحمة منه ولذلك صرح بقوله عبدي، ووصفه بالمؤمن وقوله أسلطها خبر بعد خبر أو

ص: 275

في الدنيا لتكون حظه من النار يوم القيامة)) رواه أحمد، وابن ماجه، والبيهقي في شعب الإيمان.

1599 -

(64) وعن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إن الرب سبحانه وتعالى يقول: وعزتي وجلالي لا أخرج أحداً من الدنيا أريد أغفر له، حتى استوفي كل خطيئة في عنقه بسقم في بدنه، وإقتار في رزقه)) رواه رزين.

ــ

استئناف (في الدنيا) متعلق بأسلطها (لتكون) أي الحمى (حظه) أي نصيبه بدلاً (من النار) مما اقترف من الذنوب، ويحتمل أنها نصيب من الحتم المقضي في قوله تعالى:{وإن منكم إلا واردها} [مريم: 71] قال الطيبي: والأول هو الظاهر، وقيل: المعنى أن الحمى تسهل عليه الورود حتى لا يشعر به ولا يحس (يوم القيامة) وعند ابن ماجة وابن السني والحاكم "في الآخرة"(رواه أحمد)(وابن ماجه) في الطب (والبيهقي) وأخرجه أيضاً ابن السني (ص173) والحاكم (ج1ص345) وصححه ووافقه الذهبي، وفي الباب عن أبي ريحانة عند ابن أبي الدنيا والطبراني وعن أبي أمامة عند أحمد بإسناد لا بأس به، وعن عائشة عند البزار بإسناد حسن، وعن أنس عند الطبراني في الأوسط ذكرهم المنذري في الترغيب (ج4ص94) والهيثمي في مجمع الزوائد (ج2ص306) والسيوطي في الجامع الصغير، وعلى المتقي في الكنز (ج2ص66) .

1599-

قوله: (وعزتي) أي غلبتي وقوتي (وجلالي) أي عظمتي وقدرتي (أريد أغفر له) قال القاري بالرفع. وفي نسخة بالنصب. قال الطيبي: أي أريد أن أغفر فحذف أن والجملة إما حال من فاعل أخرج أو صفة للمفعول، وفي جامع الأصول (ج10ص358) نقلاً عن رزين أريد أن أغفر له (حتى استوفي) يقال استوفى حقه أي أخذه تاماً وافياً (كل خطيئة) أي جزاء كل سيئة اقترفها وكنى عنه بقوله (في عنقه) بضمتين في ذمته حيث لم يتب عنها أي كل خطيئة باقية (بسقم) بفتحتين وضم وسكون متعلق باستوفي، والباء سببية فلا تحتاج إلى تضمين استبدل كما اختاره ابن حجر (في بدنه) إشارة على سلامة دينه (وإقتار) أي تضييق (في رزقه) أي نفقته. قال ميرك: الإقتار التضييق على الإنسان في الرزق يقال اقتر الله رزقه أي ضيقه وقلله وقد اقتر الرجل فهو مقتر وقتر فهو قتور، كذا في الطيبي، فعلى هذا الإقتار مستعمل في جزء معناه على سبيل التجريد (رواه رزين) أي ابن معاوية العبدري السرقسطي، والحديث أورده المنذري في الترغيب، وقال ذكره رزين (يعني في كتاب التجريد الذي جمع فيه ما في الصحاح الخمسة والموطأ) ولم أره. وقال ميرك: لم أره في الأصول - انتهى. فلا يعرف حال إسناده لكنه يؤيده ما في هذا الباب من الأحاديث في كون المصائب والبلايا كفارة للسيئات.

ص: 276

1600-

(65) وعن شقيق، قال: مرض عبد الله بن مسعود، فعدناه، فجعل يبكي، فعوتب، فقال: إني لا أبكي لأجل المرض، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((المرض كفارة، وإنما أبكي أنه أصابني على حال فترة، ولم يصبني في حال اجتهاد، لأنه يكتب للعبد من الأجر إذا مرض ما كان يكتب له قبل أن يمرض فمنعه منه المرض)) . رواه رزين.

1601-

(66) وعن أنس، قال:((كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود مريضا إلا بعد ثلاث))

ــ

1600-

قوله: (وعن شقيق) أي ابن أبي سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي تقدم ترجمته (فعوتب) أي في البكاء فإنه مشعر بالجزع من المرض، وهو ليس من أخلاق الأكابر (وإنما أبكي أنه) أي لأجل أنه (أصابني) أي المرض (على حال فترة) أي على حال فتور وضعف في الجسم من الكبر لا أقدر على عمل كثير. وقال القاري: على حال فترة أي ضعف في العبادة (ولم يصبني في حال اجتهاد) أي في الطاعة البدنية فلو وقعت الإصابة حال الاجتهاد في العبادة والقوة في الجسم لكانت سبباً للزيادة (لأنه) أي الشأن (يكتب للعبد) المؤمن (من الأجر إذا مرض ما كان) أي مثل جميع ما كان من الأعمال (يكتب له قبل أن يمرض) بفتح الياء والراء (فمنعه منه المرض) أي لا مانع آخر من الشغل والكبر (رواه رزين) لم أقف على هذا الأثر في شيء من الأصول، ويؤيده ما تقدم من حديث شداد بن أوس عند أحمد، وحديث عبد الله بن عمرو وأنس عند البغوي في الفصل الثاني، وحديث أبي موسى عند البخاري في الفصل الأول.

1601-

قوله: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود مريضاً إلا بعد ثلاث) قال الشوكاني: هذا يدل على أن عيادة المريض إنما تشرع بعد مضي ثلاثة أيام من ابتداء مرضه فتقيد به مطلقات الأحاديث الواردة في العيادة ولكنه غير صحيح أو حسن (كما ستعرف) فلا يصلح لذلك- انتهى. قلت: ذهب الجمهور إلى أن العيادة لا تتقيد بزمان يمضي من ابتداء مرضه بل هي سنة من أول المرض لإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم عودوا المريض، وجزم الغزالي في الأحياء بأنه لا يعاد إلى بعد مضي ثلاث ليال، مستند الحديث أنس، وتعقب بأنه ضعيف جداً لأنه تفرد به مسلمة ابن علي الخشني، وهو متروك، وقد سئل عنه أبوحاتم فقال: هو حديث باطل وله شاهد من حديث أبي هريرة عند الطبراني في الأوسط مرفوعاً لا يعاد المريض إلا بعد ثلاث، وفيه نصر بن حماد، وهو متروك أيضاً. وقال السندي في حاشية ابن ماجه: لعل حديث أنس إن صح يحمل على أنه لتحقق مرضه أي يؤخر حتى يتحقق عنده أنه مرض. وقال القاري: يمكن حمل الحديث على أنه ما كان يسأل عن أحوال من يغيب عنه إلا بعد ثلاث فبعد العلم بها

ص: 277

رواه ابن ماجه، والبيهقي في شعب الإيمان.

1602 -

(67) وعن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخلت على مريض فمره يدعوا لك، فإن دعاءه كدعاء الملائكة)) رواه ابن ماجه.

1603-

(68) وعن ابن عباس، قال: من السنة تخفيف الجلوس

ــ

كان يعود. قلت: ويؤيد هذا ما رواه أبويعلى عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه فإن كان غائباً دعا له وإن كان شاهداً زاره وإن كان مريضاً عاده- الحديث. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: فيه عباد بن كثير وكان رجلاً صالحاً، ولكنه ضعيف الحديث متروك لغفلته- انتهى. (رواه ابن ماجه) في الجنائز (والبيهقي) وفي سنده عندهما مسلمة بن علي الخشني. قال البخاري وأبوحاتم وأبوزرعة: منكر الحديث. وقال النسائي والدارقطني والبرقاني: متروك الحديث. قال الحافظ: ومن منكراته عن ابن جريج عن حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يعود مريضاً إلا بعد ثلاثة أيام- انتهى. وقال السخاوي في المقاصد: عيادة المريض بعد ثلاث، له طرق ضعاف يتقوى بعضها ببعض، ولهذا أخذ بمضمونها جماعة كالنعمان ابن أبي عياش الزرقي من فضلاء أبناء الصحابة فقال عيادة المريض بعد ثلاث، والأعمش ولفظه: كنا نقعد في المجالس فإذا فقدنا الرجل ثلاثة أيام سألنا عنه فإن كان مريضاً عدناه، وهذا يشعر بعدم انفراده، كذا قال ولا يخفى ما فيه.

1602-

قوله: (فمره يدعوا لك) أي التمس منه الدعاء. قال المناوي: قوله يدعو لك مفعول بإضمار "أن" أي مره بأن يدعو لك، قال الطيبي أي مره يدعو لك لأنه خرج عن الذنوب (فإن دعاءه كدعاء الملائكة) أي في قرب الاستجابة. وقال الطيبي: إنما يؤمر بالدعاء حينئذ، لأنه نقي من الذنوب كيوم ولدته أمه وصار معصوماً كالملائكة ودعاء المعصوم مقبول. وقال العلقمي: في الحديث استحباب طلب الدعاء من المريض، لأنه مضطر ودعاءه أسرع إجابة من غيره، ففي السنة أقرب الدعاء إلى الله إجابة دعوة المضطر (رواه ابن ماجه) في الجنائز وأخرجه أيضاً ابن السني في اليوم والليلة (178) قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع. قال العلائي في المراسيل والمزي في رواية ميمون بن مهران عن عمر ثلمة- انتهى. وقال النووي في الأذكار: ميمون لم يدرك عمر. وقال المنذري رواته ثقات مشهورون إلا أن ابن ميمون بن مهران لم يسمع من عمر- انتهى. وفي الباب عن أنس عند الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الرحمن بن قيس الضبي، وهو متروك الحديث.

1603-

قوله: (من السنة تخفيف الجلوس) هذا مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور، لأن مطلق

ص: 278

وقلة الصخب في العيادة عند المريض، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثر لغطهم واختلافهم: ((قوموا عني)) . رواه رزين.

ــ

ذلك ينصرف بظاهره إلى من جب إتباع سنته وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضاً فالسنة في عرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته عليه السلام في الشريعة (وقله الصخب) بفتحتين ويسكن الثاني أي رفع الصوت (في العيادة عند المريض) قال الطيبي: اضطراب الأصوات للخصام منهي من أصله لاسيما عند المريض فالقلة بمعنى العدم، وفيه دليل على أن الأدب في العيادة أن لا يطيل العائد الجلوس عند المريض حتى يضجره وأن لا يتكلم عنده بما يزعجه (قال) أي ابن عباس. قال القاري: كذا في أصل العفيف، وفي أكثر النسخ ليس بموجود. قلت: هو موجود في جامع الأصول (ج7ص404)(وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثر لغطهم) قال في النهاية: اللغط صوت وضجة لا يفهم معناه (واختلافهم قوموا عني) قال الطيبي: وكان ذلك عند وفاته روى ابن عباس أنه لما احتضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي صلى الله عليه وسلم هلموا اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده فقال ـ عمر وفي رواية فقال بعضهم ـ رسول الله قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يقول غير ذلك فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا عني. متفق عليه. ويأتي هذا الحديث مطولاً في باب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن حجر: وكأنه عليه الصلاة والسلام لما أراد الكتابة فوقع الخلاف ظهر له أن المصلحة في عدمها فتركها اختياراً منه كيف وهو عليه الصلاة والسلام لو صمم على شيء لم يكن لأحد عمر أو غيره أن ينطق ببنت شفة ولقد بقي حياً بعد هذه القضية نحو ثلاثة أيام ليس عنده عمر ولا غيره بل أهل البيت كعلي والعباس فلو رأى المصلحة في الكتابة بالخلافة أو غيرها لفعل على أنه اكتفى في الخلافة بما كاد أن يكون نصاً جلياً، وهو تقديم أبي بكر رضي الله عنه للإمامة بالناس أيام مرضه ومن ثم قال علي رضي الله عنه لما خطب لمبايعة أبي بكر على رؤس الأشهاد رضية رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليه أن صل بالناس وأنا جالس عنده ينظرني ويبصر مكاني، ونسبة علي رضي الله عنه فارس الإسلام على التقية جهل بعظم مكانته- انتهى. (رواه رزين) لم أره في الأصول والله اعلم بحال إسناده، ويؤيده ما روى عن علي بن عمر بن علي عن أبيه عن جده رفعه قال أعظم العيادة أجراً أخفها والتعزية مرة. رواه البزار، وقال: أحسب ابن أبي فديك لم يسمع من علي، كذا في مجمع الزوائد (ج2ص296) .

ص: 279

1604-

(69) وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العيادة فواق ناقة))

1605-

(70) وفي رواية سعيد بن المسيب، مرسلاً، أفضل العيادة سرعة القيام. رواه البيهقي في شعب الإيمان.

1606-

(71) وعن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً، فقال له: ((ما تشتهي؟ قال أشتهي خبز بر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من كان عنده خبز بر فليبعث إلى أخيه، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا اشتهى مريض أحدكم شيئاً

ــ

1604-

قوله: (العيادة فواق ناقة) بفتح الفاء وضمها وبالرفع. قال القاري: وفي نسخة بالنصب خبر المبتدأ أي أفضل زمان العيادة مقدار فواقها، وهو قدر ما بين الحلبتين من الوقت لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب يقال ما أقام عنده إلا فواقاً، وقبل هو ما بين فتح يد الحالب وقبضها على الضرع، والذي ذكره الجوهري في الصحاح الأول أعني الزمن الذي بين حلبتي الناقة فإنها إذا حلبت وشح لبنها أطلق ولدها ليرضعها ليدر اللبن ثم تحلب ثانياً.

1605-

قوله: (وفي رواية سعيد بن المسيب مرسلاً) أي بحسب الصحابي، وإسناد الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم (أفضل العيادة سرعة القيام) قال الطيبي أي أفضل ما يفعله العائد في العيادة أن يقوم سريعاً. قال ميرك: والأظهر أن يقال أفضل العيادة عيادة فيها سرعة القيام هذا ويستثنى منه ما إذا ظن أن المريض يؤثر التطويل لنحو صداقة أو تبرك أو قيام بما يصلحه ونحو ذلك (رواه) أي ما ذكر من الحديثين الموصول والمرسل (البيهقي في شعب الإيمان) ولم أقف على سنده.

1606-

قوله: (ما تشتهي) فيه أنه ينبغي سؤال المريض عن أحواله وعما يحتاج إليه (من كان عنده خبز برّ فليبعث) أي به (إلى أخيه) فيه أنه ينبغي إيثار المريض والمحتاج على نفسه وعياله فيخص به ما جاء من حديث ابدأ بنفسك إلا أن يقال المراد من كان عنده خبز بر زائد على قوته وقوت عياله (إذا اشتهى مريض أحدكم شيئاً) أي غير مخالف لمرضه، ويحتمل أن المراد ولو مخالفاً وكثيراً ما يجعل الله شفاءه فيما يشتهى وإن كان مخالفاً ظاهراً، قاله السندي. وقال في اللمعات: قوله إذا اشتهى مريض أحدكم أي اشتهاء صادقاً، فإنه علامة الصحة وقد لا يضر لبعض المرضى الأكل مما يشتهي إذا كان قليلاً ويقوي الطبيعة ويفضي إلى الصحة ولكن فيما لا يكون ضرره غالباً، وبالجملة ليس هذا الحكم كلياً بل جزئيا. وقال الطيبي: مبني على التوكل وأنه هو الشافي

ص: 280

فليطعمه)) . رواه ابن ماجه.

1607 -

(72) وعن عبد الله بن عمرو، قال: توفي رجل بالمدينة ممن ولد بها، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((يا ليته مات بغير مولده، قالوا: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره

ــ

أو على اليأس من حياته لكونه قد شارف الموت. وقيل في الحديث حكمة لطيفة، وهي أن المريض إذا تناول ما يشتهيه وإن كان يضر قليلاً كان أنفع أو أقل ضرراً مما لا يشتهيه وإن كان نافعاً لاسيما إن كان ما يشتهيه غداء بلاغاً كالخبر والكعك فينبغي للطبيب الكيس أن يجعل شهوة المريض من جملة أدلته على الطبيعة وما يهتدي به إلى طريق علاجه (فليعمه) من الإطعام. قال المناوي: أي ما اشتهاه ندباً لأن المريض إذا تناول ما اشتهاه عن شهوة صادقة طبيعية وإن كان فيه ضرر ما فهو أنفع له مما لا يشتهيه وإن كان نافعاً لكن لا يطعم إلا قليلاً بحيث تنكسر حدة شهوته. قال بقراط: الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع ووجود الشهوة في المريض علامة جيدة عند الأطباء. قال ابن سينا: مريض يشتهي أحب إلى من صحيح لا يشتهي، وأرجع لمزيد الكلام إلى زاد المعاد (ج2:ص90-91) (رواه ابن ماجه) في الجنائز، وفي الطب، وفي إسناده صفوان بن هبيرة العيشى. قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته: قال أبوحاتم شيخ، وروى له ابن ماجه حديثاً واحداً في الطب. وقال العقيلي لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلا به، وذكر البوصيري في الزوائد أن ابن حبان ذكره في الثقات. وقال الحافظ في التقريب. أنه لين الحديث، وفي الباب عن أنس قال دخل النبي صلى الله عليه وسلم على مريض يعوده فقال أتشتهي شيئاً أتشتهي كعكاً قال نعم فطلبوا له. أخرجه ابن ماجه وابن السني، وفي سنده يزيد بن أبان الرقاشي، قال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي.

1607-

قوله: (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (توفي رجل) أي مات (ممن ولد بها) أي بالمدينة (يا ليته مات بغير مولده) لعله صلى الله عليه وسلم لم يرو بذلك ياليته مات بغير المدينة بل أراد ياليته كان غريباً مهاجراً بالمدينة ومات بها فإن الموت في غير مولده فيمن مات بالمدينة كما يتصور بأن يولد في المدينة ويموت في غيرها كذلك يتصور بأن يولد في غير المدينة ويموت بها فليكن التمني راجعاً إلى هذا الشق حتى لا يخالف الحديث حديث فضل الموت بالمدينة المنورة (أن الرجل) يعني الإنسان (إذا مات بغير مولده) أي بغير المحل الذي ولد فيه بأن مات غريباً سواء كان في سفر أو في إقامة بغير وطنه (قيس له) أي أمر الله الملائكة أن تقيس له أي تذرع له (من مولده إلى منقطع) بفتح الطاء (أثره) أي إلى موضع قطع أجله، فالمراد بالأثر الأجل، لأنه يتبع العمر

ص: 281

في الجنة)) . رواه النسائي، وابن ماجه.

1608 -

(73) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((موت غربة شهادة)) رواه ابن ماجه.

ــ

قال زهير- والمرأ ما عاش ممدود له أجل- لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر. ذكره الطيبي. ويحتمل أن يكون المراد إلى موضع انقطع فيه سفره وانتهى إليه فمات فيه يعني إلى منتهي سفره ومشيه فالمراد أثر أقدامه (في الجنة) متعلق بقيس، وظاهره أنه يعطي له في الجنة هذا القدر لأجل موته غريباً يعني بفسح له في الجنة بقدر مسافة ما بين مولده ومنتهى سفره، وقيل هذا ليس بمراد فإن هذا القدر من المكان لا اعتبار له في جنب سعة الجنة إلا أن يقال المراد يعطي ثواب عمل عمله في مثل هذه المسافة. وقيل: منقطع أثره هو قبره، وفي الجنة متعلق بمحذوف، والمعنى يفسح له في قبره قدر ما بين مولده وبين قبره ويفتح له باب إلى الجنة ودلالة اللفظ على هذا المعنى خفية (رواه النسائي وابن ماجه) في الجنائز وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه.

1608-

قوله: (موت غربة) بضم الغين مصدر غريب بفتح الراء يغرب بضمها أي نزح عن وطنه، فالمراد بالغربة غربة بالجسم (شهادة) أي في حكم الآخرة، وهذا إذا لم يكن الغريب عاصياً بغربته، وفي الحديث دليل على فضيلة موت الغربة (رواه ابن ماجه) في الجنائز من رواية الهذيل بن الحكم الأزدي عن عبد العزيز بن أبي رواد عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه أيضاً البيهقي في الشعب من هذا الطريق وقال أشار البخاري إلى تفرد الهذيل به، وهو منكر الحديث، قال وروينا من حديث إبراهيم بن بكر الكوفي عن عبد العزيز بن أبي رواد وزعم ابن عدي أنه سرقه من الهذيل- انتهى كلام البيهقي. وقال السندي في حاشية ابن ماجه: قال السيوطي أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات من وجه آخر عن عبد العزيز ولم يصب في ذلك، وقد سقت له طرقاً كثيرة في اللآلي المصنوعة. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: إسناد ابن ماجه ضعيف، لأن الهذيل منكر الحديث، وذكر الدارقطني في العلل الخلاف فيه على الهذيل وصحح قول من قال عن الهذيل عن عبد العزيز عن نافع عن ابن عمر واغتر عبد الحق بهذا وادعى أن الدارقطني صححه من حديث ابن عمر وتعقبه ابن القطان فأجاد وفي الزوائد هذا إسناد فيه الهذيل بن الحكم قال فيه البخاري منكر الحديث. وقال ابن عدي: لا يقيم الحديث. وقال ابن حبان: منكر الحديث جداً. وقال ابن معين: هذا الحديث منكر ليس بشيء وقد كتبت عن الهذيل ولم يكن به بأس -انتهى. وقال المنذري في الترغيب: قد جاء في أن الموت الغريب شهادة جملة من الأحاديث لا يبلغ شيء منها درجة الحسن فيما أعلم - انتهى. وقد أطال الحافظ الكلام على طرق هذا الحديث في التلخيص (ص169) فعليك أن ترجع إليه.

ص: 282

1609-

(74) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات مريضاً مات شهيداً، أو وقى فتنة القبر، وغدى وريح عليه برزقه من الجنة)) رواه ابن ماجه، والبيهقي في شعب الإيمان.

ــ

1609-

قوله: (من مات مريضاً) قال السندي: هذا إن صح يحمل على مرض مخصوص كمرض البطن مثلاً-انتهى. وذكر ابن حجر أن القرطبي قال: هذا عام في جميع الأمراض لكن يقيد بالحديث الآخر من قتله بطنه لم يعذب في قبره. أخرجه النسائي وغيره، والمراد به الاستسقاء، وقيل: الإسهال، كذا في المرقاة. وقيل قوله مريضاً مصحف مرابطاً كما سيأتي (مات شهيداً أو وقى) أي حفظ، كذا في أكثر النسخ الموجودة عندنا وفي بعض النسخ مات شهيداً ووقى أي بالواو بدل أو، وكذا وقع في ابن ماجه (فتنة القبر) أي سؤال الملكين فيه فإنه اختبار وقيل أي عذابه (وغدى) بمعجمة ثم مهملة على بناء المفعول من الغدو (وريح) بلفظ المجهول من الرواح (عليه) حال (يرزقه) نائب الفاعل أي جئ له برزقه حال كونه نازلاً عليه (من الجنة) يعني يؤتى عنده برزقه أول النهار وآخره كالشهيد والتعدية بعلى لتضمين معنى الدر والإفاضة والإنزال ونحوها، والمراد بالغدو والرواح الدوام كما قال تعالى {أكلها دائم} [الرعد:35] أو كناية عن التعميم كقوله تعالى: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} [مريم:62] ويمكن أن يكون للوقتين المخصوصين رزق خاص لهم، ثم المراد بالرزق هنا حقيقته لعدم استحالته (رواه ابن ماجه) في الجنائز (والبيهقي) وفي إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وكنى ابن جريج جده أباعطاء، والحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وتعقبه السيوطي فقال في تعقباته (ص22) حديث أبي هريرة من مات مريضاً مات شهيداً- الحديث. قال ابن الجوزي: فيه إبراهيم بن محمد ابن أبي يحيى الأسلمي متروك. قلت (هو قول السيوطي) كان الشافعي يوثقه. والحديث أخرجه ابن ماجه، والحق فيه أنه ليس بموضوع وإنما وهم راويه في لفظه منه، فقد روى الدارقطني أن إبراهيم بن محمد أنكر على ابن جريج هذا الحديث عنه وقال إنما حدثته من مات مرابطاً فروى عني من مات مريضاً وما هكذا حدثته، وكذا قال أحمد بن حنبل إنما الحديث من مات مرابطاً فالحديث إذن من نوع المعلل أو المصحف- انتهى. ونقل السندي عن السيوطي: أنه قال أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات وأعله بإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي فإنه متروك قال وقال أحمد بن حنبل إنما هو من مات مرابطاً. قال الدارقطني: بإسناده عن إبراهيم بن أبي يحيى حدثت ابن جريج هذا الحديث من مات مرابطاً فروى عني من مات مريضاً وما هكذا حدثته. وفي الزوائد. في إسناده إبراهيم بن محمد كذبه مالك ويحيى بن سعيد القطان وابن معين. وقال أحمد بن حنبل: قدري معتزلي

ص: 283

1610-

(75) وعن العرباض بن سارية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا عزوجل في الذين يتوفون من الطاعون، فيقول الشهداء: إخواننا قتلوا كما قتلنا، ويقول المتوفون: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقول ربنا: أنظروا إلى جراحتهم فإن أشبهت جراحهم جراح المقتولين، فإنهم منهم ومعهم، فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم))

ــ

جهمي كل بلاء فيه. وقال البخاري: جهمي، تركه ابن المبارك والناس، فقد كذبه مالك وابن معين- انتهى. قلت: وقال الشافعي لأن يخر إبراهيم من بعد أحب إليه من أن يكذب، وكان ثقة في الحديث، كذا في التهذيب.

1610-

قوله: (وعن العرباض) بكسر أوله وسكون الراء بعدها موحدة وآخره معجمة (ابن سارية) بسين مهملة وكسر راء وبمثناة تحت (يختصم الشهداء) أي الذين قتلوا في سبيل الله (والمتوفون) بتشديد الفاء المفتوحة (إلى ربنا) أي رافعين اختصامهم إلى الله، فهو حال من المعطوف والمعطوف عليه (في الذين) متعلق بيختصم (يتوفون) على بناء المفعول (من الطاعون) أي بسببه (فيقول للشهداء) بيان الاختصام (أخواننا) خبر لمبتدأ هو هم أي المطعونون أخواننا (قتلوا كما قتلنا) بيان المشابهة، ولا شك أن مقصود الشهداء بذلك إلحاق المطعون معهم ورفع درجته إلى درجاتهم. وأما الأموات على الفرش فلعله ليس مقصودهم أصالة أن لا ترفع درجة المطعون إلى درجات الشهداء، فإن ذلك حسد مذموم، وهو منزوع عن القلوب في ذلك الدار. وإنما مرادهم أن ينالوا درجات الشهداء كما نال المطعون مع موته على الفراش، فمعنى قولهم أخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا أي فإن نالوا مع ذلك درجات الشهداء ينبغي أن ننالها أيضاً. وعلى هذا فينبغي أن يعتبر هذا الخصام خارج الجنة وإلا فقد جاء فيها {ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم} ، فينبغي أن ينال درجة الشهداء من يشتهيها في الجنة، والظاهر أن الله تعالى ينزع من قلب كل أحد في الجنة اشتهاه درجة من فوقه ويرضيه بدرجته والله تعالى أعلم، قاله السندي (ويقول المتوفون) أي على فرشهم (أخواننا) أي هم أمثالنا (كما متنا) بكسر الميم وضمها (أنظروا) أي تأملوا ليتبين لكم الحكم وأبصروا (إلى جراحتهم) بكسر الجيم وبفتح والخطاب للملائكة أو للفريقين المختصمين. وفي النسائي إلى جراحهم، وكذا نقله الجزري (ج3:ص341) عن النسائي، وهكذا وقع في رواية لأحمد، وفي أخرى له: إلى جراحات المطعنين (فإن أشبهت جراحهم) جمع جراحة بالكسر (فإنهم منهم) أي ملحق بهم في ثوابهم (ومعهم) أي في حشرهم ومقامهم (فإذا) أي فنظروا فإذا (جراحهم) أي جراح المطعونين (قد أشبهت جراحهم) أي جراح المقتولين. زاد في رواية لأحمد: فيلحقون معهم. واستدل بالحديث على أستواء شهيد الطاعون وشهيد المعركة، ويدل عليه

ص: 284