المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل)) ، قال: فأطبقت عليهم - مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٥

[عبيد الله الرحماني المباركفوري]

فهرس الكتاب

- ‌(46) باب صلاة الخوف

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(47) باب صلاة العيدين

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(48) باب في الأضحية

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(49) باب العتيرة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(50) باب صلاة الخسوف

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(51) باب في سجود الشكر

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌(52) باب الاستسقاء

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(53) باب في الرياح

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(5) كتاب الجنائز

- ‌(1) باب عيادة المريض وثواب المرض

- ‌{الفصل الأول}

- ‌((الفصل الثاني))

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(2) باب تمنى الموت وذكره

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(3) باب ما يقال عند من حضره الموت

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(4) باب غسل الميت وتكفينه

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(5) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(6) باب دفن الميت

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(7) باب البكاء على الميت

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(8) باب زيارة القبور

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

الفصل: نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل)) ، قال: فأطبقت عليهم

نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل)) ، قال: فأطبقت عليهم السماء. رواه أبوداود.

{الفصل الثالث}

1521-

(12) عن عائشة قالت: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه،

ــ

الارتياد والنجعة أي طلب الكلأ، فالناس يربعون حيث شاءوا أي يقيمون ولا يحتاجون إلى الانتقال في طلب الكلأ لعمومه جميع البلاد، من أربع بالمكان إذا أقام به، وروي مَرتعاً – بفتح الميم وبالباء المثناة من فوق – أي منبتاً ما ترتع فيه المواشي وترعاه، من الرتع وهو الاتساع في الخصب، فكل خصب مرتع، ومنه:{يرتع ويلعب} . (نافعاً) إجمال بعد تفصيل (غير ضار) تأكيد (عاجلاً) في الحال (غير آجل) مبالغة (قال) أي جابر (فأطبقت) على بناء الفاعل، وقيل بالمفعول (عليهم السماء)، يقال: أطبق إذا جعل الطبق على رأس شيء وغطاه به، أي جعلت عليهم السحاب كطبق، قيل: أي ظهر السحاب في ذلك الوقت وغطاهم كطبق فوق رؤسهم بحيث لا يرون السماء من تراكم السحاب وعمومه الجوانب، وقيل: أطبقت بالمطر الدائم، يقال: أطبقت عليه الحمى أي دامت، وفي شرح السنة: أي ملأت، والغيث المطبق هو العام الواسع (رواه أبوداود) وأخرجه الحاكم (ج1 ص327) والبيهقي (ج3 ص355) وسكت عنه أبوداود والمنذري، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال النووي: صحيح على شرط مسلم، وتقدم أن الدارقطني أعله في العلل بإرسال، وقد رويت بعض هذه الألفاظ وبعض معانيها عن جماعة من الصحابة مرفوعة، ذكرها الشوكاني في النيل.

1521-

قوله (قحوط المطر) بضم القاف أي حبس المطر وفقده، قال الطيبي: القحوط مصدر كالقحط أو هو جمعه، وأضافه إلى المطر ليشير إلى عمومه في بلدان شتى، وقال المجد في القاموس: القحط احتباس المطر، قحط العام كمنع وفرح وعُني قحطاً وقحِط الناس كسمع وقُحطوا وأُقحطوا بضمهما لغتان (فأمر) رسول الله صلى الله عليه وسلم (بمنبر فوضع له في المصلى) فيه أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج المنبر في الاستسقاء إلى المصلى، وخالفه الحنفية فقالوا: لا يخرج (ووعد الناس يوماً) أي عينه لهم (يخرجون فيه) أي في ذلك اليوم، وفيه ما يدل على أنه يحسن تقديم تبيين اليوم للناس ليتأهبوا ويتخلصوا من المظالم ونحوها ويقدموا التوبة، وهذه الأمور واجبة مطلقاً إلا أنه مع حصول الشدة وطلب تفريجها من الله تعالى يتضيق ذلك، وقد ورد في الإسرائيليات: إن الله حرم قوماً من بني إسرائيل السقيا؛ لأنه كان فيهم فيهم عاصٍ واحد، وقال الله تعالى:{ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}

ص: 188

قالت عائشة: ((فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدأ حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبر، وحمد الله،

ــ

[الأعراف: 96] ولفظ الناس يعم المسلمين وغيرهم، قيل: فيشرع إخراج أهل الذمة ويعتزلون المصلى. وقال ابن قدامة: لا يستحب إخراج أهل الذمة وإن خرجوا لم يمنعوا ويؤمروا بالانفراد عن المسلمين (حين بدا) بالألف لا بالهمز أي ظهر (حاجب الشمس) أي أولها أو ناحيتها. قال ميرك: الظاهر أن المراد بالحاجب ما طلع أولاً من جرم الشمس مستدقاً مشبهاً بالحاجب. وقال في المغرب: حاجب الشمس أول ما يبدو من الشمس، مستعار من حاجب الوجه. وقال في القاموس: حاجب الشمس ضوءها أو ناحيتها- انتهى. وإنما سمي الضوء حاجباً لأنه يحجب جرمها عن الإدراك، وفيه استحباب الخروج لصلاة الاستسقاء عند طلوع الشمس. قال القسطلاني بعد ذكر حديث عائشة هذا ما لفظه. وبهذا أخذ الحنفية والمالكية والحنابلة فقالوا: إن وقتها وقت صلاة العيد، والراجح عند الشافعية أنه لا وقت لها معين وإن كان أكثر أحكامها كالعيد بل جميع الليل والنهار وقت لها لأنها ذات سبب فدارت مع سببها كصلاة الكسوف لكن وقتها المختار وقت صلاة العيد كما صرح الماوردي وابن الصلاح لهذا الحديث- انتهى. قلت: ظاهر كلام العيني في شرح الهداية أن مذهب الحنفية التعميم فإنه قال: ثم الاستسقاء لا يختص بوقت صلاة العيد ولا بغيره ولا بيوم، وقيل يختص بوقت صلاة العيد والصحيح أنه لا يختص، وفي المدونة يصلي ركعتين ضحوة فقط. وقال ابن قدامة: ليس لصلاة الاستسقاء وقت معين إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بغير خلاف قال والأولى فعلها في وقت العيد لحديث عائشة عند أبي داود؛ ولأنها تشبهها في الموضع والصفة فكذلك في الوقت؛ لأن وقتها لا يفوت بزوال الشمس؛ لأنها ليس لها يوم معين فلا يكون لها وقت معين- انتهى. وهذا الاختلاف إنما هو في الاستسقاء الذي يكون معهوداً بالصلاة، وأما بمجرد الدعاء فلا وقت له بلا خلاف (فقعد على المنبر) فيه استحباب الصعود على المنبر لخطبة الاستسقاء، وإليه ذهب أحمد. قال ابن قدامة: قال أبوبكر اتفقوا عن أبي عبد الله إن في صلاة الاستسقاء خطبة وصعوداً على المنبر- انتهى. ومنعه الحنفية، قال في البدائع: لا يخرج المنبر في الاستسقاء ولا يصعده لو كان في موضع الدعاء منبر، لأنه خلاف السنة - انتهى. وحديث عائشة هذا نص في إخراج المنبر والصعود عليه، وهو حديث متصل جيد الإسناد كما قال أبوداود، وقد أقره المنذري، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وابن السكن، ويؤيده لفظ: فرقي المنبر في حديث ابن عباس عند أبي داود وغيره فالظاهر ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه من استحباب إخراج المنبر والصعود عليه لخطبة الاستسقاء وهذا بخلاف العيد فإن إخراج المنبر فيه أمر منكر فقد عاب الناس على مروان عند إخراجه المنبر في العيدين ونسبوه إلى خلاف السنة كما تقدم ولا يخالفه ما روى البخاري وغيره أن عبد الله بن يزيد

ص: 189

ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم واستيخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت الغني، ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوةً وبلاغاً إلى حين، ثم رفع يديه، فلم يترك الرفع حتى بدا

ــ

خرج ومعه البراء بن عازب وزيد بن أرقم فاستسقى فقام لهم على رجليه على غير منبر فاستسقى ثم صلى ركعتين- الحديث. لأن إخراج المنبر والصعود عليه لخطبة الاستسقاء ليس واجباً ولا سنة مؤكدة فلا يكون في تركه الأمر بإخراج المنبر وفي تركهم الإنكار عليه دليل على كونه خلاف السنة (إنكم شكوتم) إلى الله ورسوله (جدب دياركم) بفتح الجيم وسكون المهملة أي قحطها (وأستيخار المطر) أي تأخره. قال الطيبي: والسين للمبالغة يقال: استأخر الشيء إذا تأخر تأخراً بعيداً (عن إبان زمانه) بكسر الهمزة بعدها باء موحدة مشددة أي عن أول زمان المطر والإبان أول الشيء. قال في النهاية: قيل نونه أصلية فيكون فعالاً، وقيل زائدة فيكون فعلان من آب الشيء يؤب إذا تهيأ للذهاب، وفي القاموس: إبان الشيء بالكسر حينه أو أوله (عنكم) متعلق باستيخار (وقد أمركم الله) في كتابه (أن تدعوه) أي دائما خصوصا عند الشدائد. قال تعالى: {أدعوني أستجب لكم} [غافر:60](ووعدكم أن يستجيب لكم) كما في الآية الأولى، وفي قوله:{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186](مالك يوم الدين) قال القاري: بالألف في جميع النسخ- انتهى. وكذا وقع في جامع الأصول (ج7:ص137) وفي سنن أبي داود: ملك يوم الدين بقصر الميم أي بلا ألف بعد الميم، وكذا عند البيهقي قال أبوداود بعد رواية الحديث أهل المدينة يقرؤون ملك يوم الدين (بغير ألف) وأن هذا الحديث حجة لهم – انتهى. (ونحن الفقراء) أي إلى إيجادك وإمدادك (الغيث) أي المطر الذي يغيثنا من الضرر (ما أنزلت) أي من الخير المنزل (قوة) أي سبباً لقوتنا على الطاعة (وبلاغنا) أي زاداً يبلغنا (إلى حين) أي إلى زمان طويل يعني مده لنا مداً طويلاً ليكمل ويتم انتفاعنا به. قال الطيبي: البلاغ ما يتبلغ به إلى المطلوب. والمعنى اجعل الخير الذي أنزل علينا سبباً لقوتنا ومدداً لنا مدداً طوالاً، وفي بعض نسخ أبي داود "إلى خير" بدل "إلى حين"(ثم رفع يديه)(أي للدعاء (فلم يترك الرفع) بل بالغ، فيه كذا في جميع النسخ فلم يترك، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج7:ص137) وكذا وقع عند البيهقي. وفي أبي داود: فلم يزل في الرفع، وكذا وقع في المستدرك، وكذا نقله المجد في المنتقى والزيلعي في نصب الراية: والحافظ في بلوغ المرام (حتى بدا)

ص: 190

بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره وقلب أو حول رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل، فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه، فقال: أشهد أن الله على كل شيءٍ قدير، وأني عبد الله ورسوله)) رواه أبوداود.

1522-

(13) وعن أنس، أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس

ــ

أي ظهر (بياض إبطيه) فيه استحباب المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء، وقد تقدم بيانه (ثم حول إلى الناس ظهره) فاستقبل القبلة إشارة إلى الرجوع إلى الله والانقطاع عما سواه (وقلب) بالتشديد والتخفيف (أو حول) شك من الراوي (رداءه) فيه استحباب تحويل الرداء عند استقبال الخطيب القبلة (وهو رافع يديه) حال من قوله: حول إلى الناس ظهره، يعني هذه الحالة كانت موجودة في حال تحويل ظهره أيضاً (ثم أقبل على الناس) أي توجه إليهم بعد تحويل ظهره عنهم (ونزل) من المنبر (فأنشأ الله) أي أوجد وأحدث (فرعدت وبرقت) بفتح الراء أي ظهر فيها الرعد والبرق فالنسبة مجازية (ثم أمطرت بإذن الله) بالألف من الأمطار، وفيه دليل للمذهب المختار الذي عليه الأكثرون، والمحققون من أهل اللغة، أن أمطرت ومطرت لغتان في المطر، خلافاً لما قال بعض أهل اللغة أنه لا يقال أمطرت إلا في العذاب (فلم يأت) رسول الله صلى الله عليه وسلم من المحل الذي استسقى فيه من الصحراء (مسجده) النبوي (حتى سالت السيول) من جميع الجوانب (فلما رأى سرعتهم) أي سرعة مشيهم والتجاءهم (إلى الكن) بكسر الكاف وتشديد النون وهو ما يرد به الحر والبرد من المساكن. وقال في القاموس: الكن وقاء كل شيء وستره كالكنة والكنان بكسرهما والبيت والجمع أكنان وأكنة- انتهى. (ضحك حتى بدت نواجذه) النواجذ على ما ذكره صاحب القاموس أقصى الأضراس، وهي أربعة أو هي الأنياب أو التي تلي الأنياب أو هي الأضراس كلها جمع ناجذ، والنجذ شدة العض بها- انتهى. قال الطيبي: كان ضحكه تعجباً من طلبهم المطر اضطراراً ثم طلبهم الكن عنه فراراً ومن عظيم قدرة الله وإظهار قربة رسوله صلى الله عليه وسلم وصدقه بإجابة دعاءه سريعاً ولصدقه أتى بالشهادتين (رواه أبوداود) وقال: هذا حديث غريب إسناده جيد، وأخرجه أيضاً أبوعوانة وابن حبان والحاكم (ج1:ص328) والبيهقي (ج3:ص349) وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وصححه أيضاً أبوعلي بن السكن، كما في التلخيص.

1522-

قوله: (كان إذا قحطوا) بضم القاف وكسر الحاء المهملة أي أصابهم القحط (استسقى بالعباس)

ص: 191

ابن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك نبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا فيسقون.

ــ

أي توسل عمر بدعائه وشفاعته في الاستسقاء. وقال القاري: أي تشفع به في الإستسقاء بعد استغفاره ودعائه (بن عبد المطلب) للرحم التي بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فأراد عمر أن يصلها بمراعاة حقه إلى من أمر بصلة الأرحام ليكون ذلك وسيلة إلى رحمة الله. قال الحافظ: وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك فأخرج بإسناده أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس، وأخرج أيضاً من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب فذكر الحديث وفيه فخطب الناس عمر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا أيها الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله، وفيه: فما برحوا حتى سقاهم الله، وذكر ابن سعد وغيره أن عام الرمادة كان سنة ثمان عشرة وكان ابتداءه مصدر الحاج منها ودام تسعة أشهر، والرمادة بفتح الراء وتخفيف الميم، سمي العام بها لما حصل من شدة الجدب فأغبرت الأرض جدا من عدم المطر- انتهى. وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان فلما صعد عمر ومعه العباس المنبر قال عمر: اللهم توجهنا إليك بعم نبيك وصنو أبيه فاسقينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ثم قال: قل يا أباالفضل فقال العباس: اللهم لم ينزل بلاء إلا بذنب إلخ (اللهم إنا كنا نتوسل إليك نبينا) أي بدعائه وشفاعته في حال حياته لا بذاته (فتسقينا) بفتح حرف المضارعة وضمها (وإنا) أي بعده (نتوسل إليك بعم نبينا) العباس أي بدعائه وشفاعته (فاسقنا) بالوجهين (فيسقون) في هذه القصة الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيها فضل العباس وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه، قاله الحافظ. وقد استدل القبوريون بهذا الحديث على التوسل المعهود فيما بينهم، وهو مردود، فإن التوسل المذكور في الحديث ليس هو التوسل بذات الحي أو الميت أو التوسل بذكر إسمه، بل إنما هو التوسل بدعاء الحي وشفاعته والذي فعله عمر، فعله مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين فتوسلوا بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي، كما توسل عمر بالعباس، وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم أنه يتوسل في الإستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح قالوا: وإن كان من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أفضل إقتداء بعمر ولم يقل أحد من أهل العلم يسأل الله تعالى في ذلك بمخلوق لا بنبي ولا بغير نبي. قال ابن قدامة (ج2:ص439) ويستحب أن يستسقى بمن ظهر صلاحه؛ لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء ثم ذكر قصة

ص: 192

رواه البخاري.

1523-

(14) وعن أبي هريرة، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقى، فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء، فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة)) رواه الدارقطني.

ــ

استسقاء عمر بدعاء العباس وقصة استسقاء معاوية والضحاك بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي. وقال صاحب فيض الباري: ليس في الحديث التوسل المعهود الذي يكون بالغائب حتى قد لا يكون به شعور أصلاً بل فيه توسل السلف، وهو أن يقدم رجلا ذا وجاهة عند الله تعالى ويأمره أن يدعو لهم ثم يحيل عليه في دعائه كما فعل بعباس رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان فيه توسل المتأخرين (أي من الحنفية ومنهم القبوريون) لما احتاجوا إلى إذهاب العباس معهم ولكفى لهم التوسل بنبيهم بعد وفاته أيضاً أو بالعباس مع عدم شهوده معهم - انتهى. هذا وقد بسط الكلام في الرد على استدلال القبوريين بهذا الحديث الإمام تقي الدين بن تيمية في رسالته التوسل (ص50-51 و86-87 و110) والعلامة السهسواني في صيانة الإنسان (ص131-210) فعليك أن ترجع إليهما (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً البيهقي (ج3:ص352) وقد وقع في رواية الإسماعيلي رفع هذا الحديث ولفظه: قال أي أنس كانوا إذا قحطوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم استسقوا به فيستسقى لهم فيسقون فلما كان في إمارة عمر- الحديث. وكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه، كما في الفتح.

1523-

قوله: (خرج نبي من الأنبياء) هو سليمان عليه السلام (بالناس يستسقى) فيه دلالة على أن الإستسقاء شرع قديم والخروج له كذلك (فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال ارجعوا) إلخ. وفي لفظ لأحمد: خرج سليمان يستسقى فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم (من أجل هذه النملة) في السنن للدارقطني من أجل شأن هذه النملة، وفي الحديث إظهار عظمة الله تعالى وقدرته وغناه عما سواه، وفيه بيان رأفته ورحمته على كافة المخلوقات وإحاطة علمه بأحوال سائر الموجودات وأنه مسبب الأسباب وقاضي الحاجات وأن للبهائم إدراكاً يتعلق بمعرفة الله ومعرفة بذكره فتطلب الحاجات منه (رواه الدارقطني) وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم (ج1:ص325) وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وأخرجه الطحاوي من طرق منها من حديث أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان عليه السلام فذكره، وفي آخره: ارجعوا فقد كفيتم بغيركم، وفي ابن ماجه

ص: 193