الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تصوفهم أو كرامات تتحقق لهم من النعم أو "المواهب". ولما كانت نعم اللَّه منحًا إلهية لا يمكن رد مقابل لها، فإن الشكر والامتنان عليها يصبح واجبا دينيا، وذلك بطاعة الأوامر الإلهية وفعل المعروف، إلا أنه مهما فعل الإنسان فلا يمكنه أن يوفى اللَّه سبحانه حقه من الشكر. ويعطى ذلك للإنسان مثلا يحتذى به، إما فى إعطاء الهبات دون نظر لمقابل، أو فى نسيان البشر لما يعتريهم من ضعف فى الوفاء بحق الشكر على ما يقدم لهم من عطايا.
على يوسف [ر. روزنتال F. Rosenthal]
هجاء
لفظ غالبا ما يكون مرادفًا للذم ولكنه من الناحية الاصطلاحية غرض من أغراض الشعر العربى ثم فى الشعر والنثر على سواء يتضمن نقدا لاذعا وقدحا مشينا للمهجو وهو ما يقابل "المدح " الذى تمجد فيه خصائص الممدوح وكان هذا النوع من الأدب منتشرا منذ العصر الجاهلى، إما كمقتطفات متفرقة أو كقصيدة متكاملة. ويرى جولدتسيهر الذى يعتبر أول مستشرق يدرس بجدية أهمية الهجاء وآثاره الاجتماعية فى البيئة العربية، أنه بدأ على صورة السجع، فالرجز، إلى أن تطور إلى شكل القصائد، وطبقا لنظريته فالهجاء قد بدأ على صورة سجع الكهان حين يستنزلون اللعنات بعبارات مهيبة مسجوعة على رأس الشخص المعادى.
ويروى فى تاريخ الأدب العربى قصص عن الأثر الذى يخلفه الهجاء، وكيف خلد آثارا كان من الصعب التخلص منها على مر الأيام، سواء على مستوى الأشخاص أو القبائل.
وقد كان رد الفعل إزاء الهجاء عنيفا بصفة عامة، سواء فى السلم أو الحرب، وصل أحيانا إلى قتل الهاجى انتقاما منه، أو قطع لسانه. وقد كانت قصائد الهجاء سببا فى حروب القبائل، لكن العرف السائد كان أن يتحدى المهجو هاجيه للمبارزة، ما لم يكن متصفا بالحلم، وفى العصور المتأخرة، حين كانت ردود الأفعال ضد الهجاء أقل عنفا، ظل الخوض فى هذا
النوع من الأدب لا يخلو من مخاطر، مما دفع الكثير من الشعراء إلى التردد قبل نظم قصائد هجائية.
وتذهب بعض الدراسات إلى محاولة التفرقة بين الهجاء الشخصى والجماعى، ولكن الفروق بين نوعى الهجاء ليست قاطعة، بسبب ما يلجأ إليه الشعراء أحيانا من تعميم عيوب شخص على قبيلته، خاصة إذا كان يحتل درجة زعامة فيها، أو هجاء شخص بعيب شاع فى قبيلته.
وبصفة عامة، فما يلصق بالشخص من عيوب هى كل الصفات التى تشين المرء لمنافاتها لمكارم الأخلاق كما تعرفها البيئة العربية: الجشع، البخل، القعود عن إكرام الضيف، الغباء، الجبن والخور، الشك فى النسب واختلاط الدم، الخ. أما على المستوى الجماعى فيدور الهجاء حول ضآلة العدد، ضعف الجماعة وما منيت به من هزائم، انخفاض شأن شعراء وأدباء القبيلة، انحلال النساء، ما قد يذكره التاريخ للقبيلة من فعل قبيح كأكل لحم الكلاب، وهكذا. وبقدر ما كانت العيوب شائنة، بقدر ما كان نجاح القصيدة. ويمكن أن نستشف الكثير من صور الحياة البيئية المندثرة من مثل تلك القصائد.
والمديح أصعب من الهجاء بوجه عام، حيث أن المبالغة فى المديح أمر لا يصعب اكتشافه، بينما قصائد الهجاء تستمد قوتها من قسوة ما بها من قدح، خاصة فى مجتمع تسود فيه روح الكراهية والعداء. بل إن ابن سلام فى "طبقات فحول الشعراء" يربط بين وفرة الانتاج الشعرى فى الجاهلية وكثرة المنازعات الحربية، ومن ثم يرى أن قريشا لم تعرف بالكثير من الشعر لعدم خوضها حروبا قط.
وقد لعب الهجاء دورا مهما فى المواجهة بين المسلمين والكفار. وإذا كان القرآن قد ذم الشعراء، فهو قد استثنى منهم المؤمنين وقد استعمل الرسول [صلى الله عليه وسلم] رغم عزوفه هو ذاته عن قرض الشعر - شعراء يدافعون عن الإسلام، وهو ما يبين الأثر الخطير للشعر فى تلك البيئة، حتى أن الرسول [صلى الله عليه وسلم] وصفه بأنه أقوى أثرا من السهام. ومن
أشهر شعراء الرسول [صلى الله عليه وسلم] حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد اللَّه بن رواحة.
وقد كان الهجاء مستهجنا فى عصر الخلفاء الأول، لمنافاته لروح الإسلام. ومع ذلك فقد ظل يمارس ويشجع ويخشى أثره لأسباب دينية أو سياسية أو عرقية. وقد استغل بداية فيما قد يوصف بـ "شعر الجيوش". ومن ثم لم يكن له قوته المعهودة فى الجاهلية إلا حين يكون الخصم عربيا يتأثر بما يوجه إليه من هجوم. ولهذا لعب الهجاء دورا فى المنازعات التى حدثت فى عهد الفتنة الكبرى، كموقعة الجمل كما عرف الخوارج بأشعارهم البليغة.
كما لعب الهجاء دورا شبه رسمى، حيث أحاط الخلفاء أنفسهم بشعراء يردون عنهم كيد شعراء خصومهم. ومن أمثلة هؤلاء الشعراء الأخطل الذى انخرط أثناء قيامه بهذا الدور فى النزال الهجائى الذى دار بينه وبين الفرزدق وجرير. ولكن الهجاء فى هذه المرحلة فقد دوره الاجتماعى، وأصبح مجرد تعبير من المشاعر عن رأيه فى الخصم.
ويتميز ذلك عن نوع آخر من الهجاء ظهر فى بدء العصر الإسلامى وهو هجاء الابتزاز بقصد التكسب. وقد شاع هذا النوع فى القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى.
وظهر فى نفس الفترة شعراء يمارسون الهجاء لا لشئ سوى التلذذ بإهانة الأعداء، وأحيانا الأصدقاء. وقد حوى "الأغانى" العديد من هذه الأشعار، لشعراء مثل بشار بن برد وحماد بن عجرد وابن مناظر ودعبل وغيرهم.
وقد انحسر شعر الهجاء نسبيا فى أواخر القرن الثانى للهجرة/ التاسع للميلاد مع ازدهار اتجاه جديد فى الشعر الكلاسيكى، ولكن الأمر لم يخل من شعراء مثل ابن الرومى الذى برع فى هذا الفن، وأبو تمام والبحترى ثم المُتنبى. ولكن أعمال هؤلاء لا يمكن أن تقارن بمن سبقوهم فى القرن الثانى أو الشعراء التالين لهم كأمثال ابن الحجاج أو ابن الحبارية.
ويذهب المنظرون إلى الحد من موضوع الهجاء بقصره على رفض كل
مكرمة وإلحاق كل نقيصة أخلاقية بالمهجو فى حقهم، دون الخوض فى العيوب الجسمانية، أو -عند البعض- قلة العدد. كما يرفض البعض أن يكون الهجاء فاحشا مستشهدين بقول أبى عمرو بن العلاء:"أفضل الهجاء ما يمكن أن ترويه فتاة دون أن يخدش حياءها" على أن ابن رشيق يرى أن الأمر هو مناسبة المقام، وإن كان يفضل ما كان متحفظا مبنيا على الإيحاءات اللطيفة دون المعتمد على التأكيدات المبالغ فيها. وفى الأندلس حيث كانت القيم الشرقية مراعاة بأمانة، نجد ابن بسام يرفض أن يضمن مقتطفاته الأدبية الهجاء كى لا يفسدها على حد قوله. ولكن معاصروه مثل الفتح بن خاقان لم يتورعوا عن مهاجمة رفقائهم ولكن فى حدود اللياقة والأدب.
أما عن ناحية الخصائص الأسلوبية فلغة الهجاء سهلة واضحة، عدا بعض المقتطفات التى يؤدى ما بها من الخيال إلى بعض الغموض.
ولما كان الهجاء شعريا فى نشأته، فليس لنا أن نتوقع قطعة نثرية تعالجه. ولكننا فى القرن الثالث الهجرى نشهد بعض القطع النثرية التى تناولت هذا الغرض الأدبى، فنجد الجاحظ يضمن كتابه "التربيع والتدوير" نصوصا لاذعة على أرقى مستوى، أو يرسم صورة ساخرة لمحمد بن الجهم البرمكى، أو يداعب بعضا من أصدقائه فى "الرسائل" بعبارات فكهة دون قصد سيئ. وفى القرن التالى نجد أبا حيان التوحيدى، خليفة الجاحظ، يطور هذا الفن فى كتابه "مثالب الوزيرين" وفى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى قام الشاعر والكاتب الأندلسى ابن شهيد برسم صور ساخرة غاية فى العذوبة، نجد فيها فنا أدبيا راقيا لا علاقة له بما ذكرناه سابقا. ولعلنا نشير هنا للـ "مقامات" التى تحتوى بدورها على صور ساخرة رائعة.
وكون الهجاء ينتمى للأدب الكلاسيكى لم يمنع بقاءه إلى يومنا هذا، ليس فقط فى أشعار العامية. إلا أن موضوع الهجاء قد تغير جذريا، فنجده موجها ضد المحتلين، والحكومات، والأحزاب المعارضة، بالإضافة إلى تحريم الفحش والبذاءة.