المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

- ابن العماد: شذرات الذهب (بيروت). بهجت عبد الفتاح عبده [فيدوا - موجز دائرة المعارف الإسلامية - جـ ٣٢

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌النصارى

- ‌مسيحيو شبه الجزيرة العربية والخليج:

- ‌مسيحيو العراق فى قرون الإسلام الأولى:

- ‌فى ظل العباسيين:

- ‌المصادر:

- ‌نصر، بنو

- ‌قيام دولة بنى نصر:

- ‌نظر

- ‌المصادر:

- ‌النظام

- ‌المصادر:

- ‌نعمان بن بشير الأنصارى

- ‌‌‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌الـ نعمان "الثالث" بن المنذر

- ‌النفس

- ‌أولا: الاستعمال القرآنى:

- ‌ثانيا: فى الشعر الأموى استخدمت "روح" لأول مرة بمعنى روح الإنسان

- ‌ثالثا: فى الحديث النبوى يورد مالك فى الموطأ كلمة "نسمة" وهى غير موجودة فى القرآن

- ‌رابعا: يورد "تاج العروس" خمسة عشر معنى لكلمة "نفس

- ‌خامسا: التأثيرات فى عصر ما بعد القرآن على "النفس" و"الروح

- ‌النفود

- ‌المصادر:

- ‌نفيسة

- ‌المصادر:

- ‌النقب

- ‌المصادر:

- ‌النقشبندية

- ‌المصادر:

- ‌نقطوية

- ‌المصادر:

- ‌نكاح

- ‌أ- فى الشريعة الإسلامية:

- ‌المصادر:

- ‌ب - فى البلدان الإسلامية المعاصرة:

- ‌أولا: فى البلدان العربية وفارس وتركيا:

- ‌1 - دوافع التعديل:

- ‌2 - موانع الزواج:

- ‌3 - دور الولى:

- ‌4 - شرط الكفاءة:

- ‌5 - سن الزواج:

- ‌6 - الفرق فى العمر:

- ‌7 - الاشتراطات فى العقد:

- ‌8 - تسجيل الزواج:

- ‌9 - تعدد الزوجات:

- ‌10 - الزواج الباطل والفاسد:

- ‌11 - الصداق:

- ‌12 - النفقة:

- ‌13 - التوارث بين الزوجين

- ‌14 - الطاعة:

- ‌‌‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌ثانيًا: - الهند بعد 1930 م: يعتبر النكاح فى الهند عقدا بين أسرتى الطرفين، مع حدوث بعض التغيرات نتيجة انتشار التعليم فى حرية الطرفين فى الاختيار. ويتفق السنة هناك مع الشيعة على عدم الاحتفال بالزواج فى محرم والأيام الثلاثة عشر الأوائل من صفر، احتراما لذكرى استشهاد الحسين

- ‌ثالثًا: - إندونيسيا:

- ‌‌‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌رابعًا: - شرق أفريقيا:

- ‌خامسًا: - فى نيجيريا:

- ‌المصادر:

- ‌نمرود

- ‌المصادر:

- ‌نمير بن عامر بن صعصعة

- ‌المصادر:

- ‌نهاوند

- ‌ المصادر

- ‌النهاوندى

- ‌ المصادر

- ‌نهاية

- ‌المصادر:

- ‌نهج البلاغة

- ‌المصادر:

- ‌النهروانى

- ‌المصادر:

- ‌نوح عليه السلام

- ‌المصادر:

- ‌النوروز

- ‌1 - فى البلاد الإسلامية:

- ‌2 - فى شرق أفريقيا:

- ‌المصادر:

- ‌نورية

- ‌المصادر:

- ‌النوفليون

- ‌النووى

- ‌المصادر:

- ‌نيبال

- ‌المصادر:

- ‌النيجر

- ‌1 - الجغرافيا والسكان

- ‌2 - الإسلام فى النيجر

- ‌المصادر:

- ‌نيجيريا

- ‌دول الهوسَا (الحوصة بكواى)

- ‌المصادر:

- ‌نيسابور

- ‌نيسابورى

- ‌ النيسابورى:

- ‌المصادر:

- ‌النيل

- ‌المصادر:

- ‌ه

- ‌الهاتف

- ‌هاروت وماروت

- ‌هارون عليه السلام

- ‌المصادر:

- ‌هبل

- ‌المصادر:

- ‌الهبة

- ‌هجاء

- ‌المصادر:

- ‌الهجرة

- ‌الهدائى

- ‌المصادر:

- ‌هذيل

- ‌المصادر:

- ‌هرمز البلد

- ‌المصادر:

- ‌هرمز ، الحاكم

- ‌هشام بن الحكم

- ‌المصادر:

- ‌هشام الرضا

- ‌المصادر:

- ‌هشام الفوطى

- ‌المصادر:

- ‌هشام المخزومى

- ‌هشام المؤيد

- ‌المصادر:

- ‌هشام المعتد باللَّه

- ‌المصادر:

- ‌الهلال

- ‌هلال، بنو

- ‌السيرة الهلالية

- ‌المصادر:

- ‌همايون بادشاه

- ‌المصادر:

- ‌همايون بهمانى

- ‌المصادر:

- ‌هندوستانى

- ‌هندو - شاهى

- ‌المصادر:

- ‌هوارة

- ‌المصادر:

- ‌هود عليه السلام

- ‌ المصادر

- ‌هود، بنو

- ‌المصادر:

- ‌الهيثم بن عدى

- ‌المصادر:

- ‌هيولى

- ‌أ- هيولى الصنعة:

- ‌ب- المادة الطبيعية:

- ‌جـ- مادة الكل:

- ‌د- المادة الأولية:

- ‌المصادر:

- ‌و

- ‌الواثق باللَّه

- ‌المصادر:

- ‌واحدى

- ‌‌‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌وادى حلفا

- ‌وادى القرى

- ‌المصادر:

- ‌وادى نون

- ‌المصادر:

- ‌واسع على

- ‌واسط

- ‌المصادر:

- ‌واصف

- ‌المصادر:

- ‌واصل بن عطاء

- ‌المصادر:

- ‌الوافر

- ‌الواقدى

- ‌والدى سلطان

- ‌أصول (جنسيات) أمهات السلاطين:

- ‌الوالدة باشا فى مصر:

- ‌قائمة ببعض من حملن لقب فاليدى سلطانى فى الدولة العثمانية:

- ‌المصادر:

- ‌وان

- ‌وانقولى

- ‌وبار

- ‌المصادر:

- ‌الوتر

- ‌المصادر:

- ‌وجيهى

- ‌وحشى بافقى

- ‌المصادر:

- ‌وحى

- ‌الاستخدام القرآنى لكلمة وحى

- ‌المصادر:

- ‌ودائى

- ‌المصادر

- ‌وديعة

- ‌الورد

- ‌‌‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌وراق

- ‌ورقة بن نوفل

- ‌المصادر:

- ‌الوركاء

- ‌وزير

- ‌المصادر:

- ‌الوشاء

- ‌المصادر:

- ‌وشمجير بن زيار

- ‌‌‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌وصاف

- ‌الوصية

- ‌المصادر:

- ‌الوضوء

- ‌المصادر:

- ‌وطاس، بنو

- ‌المصادر:

- ‌وطواط، رشيد الدين

- ‌المصادر:

- ‌وفاء

- ‌الوفرانى

- ‌المصادر:

- ‌وفق

- ‌المصادر:

- ‌وقار

- ‌المصادر:

- ‌وقعة نويس، وقائع نويس

- ‌المصادر:

- ‌وقف

- ‌الوقف فى التاريخ

- ‌المصادر:

- ‌الوقفة

- ‌المصادر:

- ‌وكالة

- ‌المصادر:

- ‌الولاية

- ‌المصادر:

- ‌الوليد بن عبد الملك

- ‌المصادر:

- ‌الوليد بن المغيرة

- ‌ولى

- ‌‌‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌الوليد بن يزيد

- ‌‌‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌الونشريسى

- ‌1 - أبو العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن على التلمسانى الونشريسى

- ‌2 - أبو محمد عبد الوهاب بن أحمد بن يحيى بن على الونشريسى الزناتى

- ‌المصادر:

- ‌الوهابية (السلفية)

- ‌ حياة محمد بن عبد الوهاب

- ‌مجمل عقائد محمد بن عبد الوهاب:

- ‌التاريخ الباكر للدعوة:

- ‌الدولة السعودية (السلفية) بعد رحيل إبراهيم باشا:

- ‌انتشار الفكر السلفى (الوهابى) خارج الجزيرة العربية:

- ‌المصادر:

- ‌وهب بن منبه

- ‌المصادر:

- ‌وهبى

- ‌ويسى

- ‌ي

- ‌يأجوج ومأجوج

- ‌ المصادر

- ‌اليازجى

- ‌المصادر:

- ‌اليازجى أوغلو

- ‌يافا

- ‌المصادر:

- ‌يافث

- ‌اليافعى

- ‌المصادر:

- ‌ياقوت الرومى

- ‌المصادر:

- ‌ياقوت المستعصمى

- ‌المصادر:

- ‌يام

- ‌يحيى عليه السلام

- ‌المصادر:

- ‌يحيى

- ‌يحيى بن آدم

- ‌المصادر:

- ‌يحيى الحسينى

- ‌المصادر:

- ‌يحيى بن خالد البرمكى

- ‌المصادر:

- ‌يحيى بن على

- ‌المصادر:

- ‌يربوع

- ‌‌‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌يزد

- ‌يزيد بن عبد الملك

- ‌المصادر:

- ‌يزيد بن معاوية

- ‌المصادر:

- ‌يزيد بن المهلب

- ‌يشل إرمق

- ‌يعرب

- ‌المصادر:

- ‌يغما جندقى

- ‌يمين

- ‌يعفور

- ‌المصادر:

- ‌يعقوب عليه السلام

- ‌المصادر:

- ‌اليعقوبى

- ‌المصادر:

- ‌اليمامة

- ‌المصادر:

- ‌ينبع

- ‌المصادر:

- ‌يوسف بن يعقوب عليه السلام

- ‌يوسف عليه السلام فى القرآن:

- ‌يوسف عليه السلام فى حكايات القصّاص والإخباريين:

- ‌المصادر:

- ‌يوسف خاص حاجب

- ‌المصادر:

- ‌يوسفى، مولانا

- ‌المصادر:

- ‌يونس عليه السلام

- ‌ المصادر

- ‌يونس الكاتب

- ‌المصادر:

- ‌اليهود

- ‌المصادر:

الفصل: - ابن العماد: شذرات الذهب (بيروت). بهجت عبد الفتاح عبده [فيدوا

- ابن العماد: شذرات الذهب (بيروت).

بهجت عبد الفتاح عبده [فيدوا مالتى دوجلاس Fedwa Malti-Konglas]

‌النيل

أو نهر النيل -واحد من أكبر الأنهار (طوله 6648 كيلو مترا - 4132 ميلا) كما أن دلتاه وواديه ساهما كثيرا فى نشأة وتطور مركز ثقافى له شخصيته واستقلاله فى الحضارة الإسلامية وكان لهذا المركز على مدى العصور المختلفة أثره البالغ فى الأحداث الثقافية والسياسية فى العالم الإسلامى، وهكذا ظل النيل فى العصر الإسلامى، يواصل الدور الذى كان يقوم به فى القرون التى سبقت مجئ الإسلام.

ويرجع اسم النيل، أو نيل مصر كما يتردد كثيرا، إلى الاسم اليونانى "نيلوس" وقد ورد فى المصادر الأولية العربية المبكرة، بالرغم من أنه لم يرد فى القرآن الكريم (قد تكون "كلمة اليمّ" التى وردت فى سوة طه الآية 39 تعنى النيل) وقد اعتاد المسيحيون أن يطلقوا على النيل اسم نهر "جيجون" وهو أحد أنهار الفردوس؛ ولكن المسلمين لم يتبعوهم فى ذلك لأنهم لايعرفون اسم جيجون إلّا لنهر واحد. يذكر الزمخشرى اسمًا آخر للنيل وهو "الفيض" وهى ولاشك إشارة ضمنية شعرية للفيضان السنوى. وفى العصور المتوسطة اكتسبت كلمة بحر فى العربية معنى النهر ولذلك أطلق على النيل بحر مصر (المقريزى) كما هو الحال بالنسبة إلى بحر يوسف وبحر الغزال وفى الدلتا يطلق على تفريعات النهر أحيانا اسم "النيل".

وقامت معلومات المسلمين الجغرافية عن النيل فى جزء منها على الملاحظة المباشرة، وفى جزئها الآخر على الروايات الأسطورية أو شبه العلمية التى تعود إلى المعتقدات أو المعرفة الموروثة. ولقد ظلت حدود الأراضى الإسلامية على النيل لفترة طويلة فى العصور الوسطى محدودة فهى تنتهى عند الشلال الأول بالقرب من جزيرة "بيلاق"(فيلة) إلى الجنوب من أسوان وهنا كانت تبدأ الأراضى النوبية، منذ

ص: 10010

المعاهدة المعروفة بالبقط التى أبرمها عبد اللَّه بن أبى السرح مع النوبيين (البلاذرى: فتوح البلدان - ابن عبد الحكم: فتوح مصر) وكان يطلق اسم القصر على أول إقليم من أراضى النوبة.

وقد حفظ لنا التراث التاريخى أجزاء من المراسلات (المزعومة) بين عمرو بن العاص والخليفة عمر، حول مصر وفيها وصف النيل بأنه نهر مبارك الروحات، على حين يمتدح الشعر الفيضان ووفرته؛ وتكشف هذه المراسلات أيضا أن الخليفة عمر لم يكن يريد أن يستقر الجيش العربى فى الإسكندرية، وذلك لأنه سيكون هناك حينئذ نهر عظيم يفصل بين الجيش والخليفة. وكانت المدن الرئيسية التى يمر عليها النيل فى مصر العصور الوسطى فى مصر العليا بين أسوان والفسطاط حسب ترتيب اليعقوبى هى إدفو وإسنا -وأرمنت والأقصر وقفط وأخميم- وأسيوط والأُشمونين وانصينا (فى مواجهة الأشمونين) وطحا والقيس ودلاص - (أصناس وأطفيح) على حين كان ابن حوقل أول من وضع جدولا للمسافات بين هذه المدن. وقبل الأشمونين بمسافة قصيرة تخرج من النيل إلى اليسار قناة كانت تحمل المياه إلى الفيوم يسميها ابن الفقيه "بنهر اللاهون" ويطلق عليها الإدريسى "خليج المنهى" وتجمع الروايات على أن الذى حفرها هو "يوسف"(وهى بحر يوسف فى أيامنا هذه) وعليها تقع ابهنسا ولم يصف الجغرافيون ضفاف النيل فى مصر العليا تماما، ولكننا نجد فى كل مكان التوكيد على أن الأراضى على الجانبين مزروعة دون انقطاع فيما بين أسوان والفسطاط ولكن عرض الأراضى المنزرعة كان يختلف باختلاف البعد أو القرب من سلاسل الجبال التى تحاذى النهر. ويصف ابن حوقل قطاعين ضيقين جدا، أحدهما فيما بين أسوان وأدفو والآخر فيما بين إسنا وأرمنت (جبل سلسيل الآن)، أما منحنيات النهر، وخصوصا فى الجزء الأعلى من الصعيد، فليست موضحة على خرائط الاصطخرى وابن حوقل -أما أقدم خريطة عربية موجودة الآن عن النيل- وهى فى الوقت نفسه أقدم خريطة

ص: 10011

عربية نعرفها- فتقدم لنا دلائل واضحة على أن مجراه المتعرج كان حقيقة معروفة وهذه الخريطة موجودة اليوم فى متحف ستراسبورج وتاريخها هو 428 هـ/ 1037 م وهى منتزعة من كتاب صورة الأرض للخوارزمى الذى يقدم لنا ومن بعده سُهراب (ابن سيرابيون) وابن يونس علامات دقيقة لخطوط الطول والعرض لمدن النيل. وتعرف كل المصادر العربية معرفة تامة أن مجرى النيل يجرى من الجنوب إلى الشمال ونصوص ابن حوقل هى الوحيدة التى تكاد تتضمن أن النيل كان يصل إلى الفسطاط من الجنوب الشرقى.

أما دلتا النيل فتبدأ من شمال الفسطاط حيث تتسع المسافة بين سلسلتين من الجبال التى تقل فى الارتفاع كلما انحدرت إلى الصحراء ويكون هذا الانحدار تدريجيا، كما كانت إلى أدنى الفسطاط مباشرة بداية القناة التى حفرها "عمرو بن العاص" لتربط النيل بالبحر الأحمر.

وقد شقت هذه القناة (التى عرفت بخليج مصر - أو خليج أمير المؤمنين) فى عام 23 هـ/ 644 م حسب رواية محمد بن يوسف الكندى (وذكرها المقريزى فى "الخطط" طبعة بولاق، وياقوت) وكانت تحمل المؤن إلى الحجاز حتى عهد "عمر بن العزيز" وقد أهملت بعد ذلك، بل إن الخليفة المنصور أمر بسدّها إلى أن انتهت فى القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى عند "ذنب التمساح" فى البحيرات التى تقع إلى الشمال من القلزم (المسعودى - المروج). وعلى اثنى عشر ميلا شمالى الفسطاط بدأ الفرعان الرئيسيان للنيل فى الدلتا، وكان لهما -كما هو الحال الآن- تفريعات كثيرة كانت تتصل فى طرق كثيرة وتنتهى فى معظمها فى البحيرات الكبيرة التى تمتد خلف ساحل البحر من الغرب إلى الشرق وكان يطلق على هذه البحيرات فى العصور الوسيطة بحيرة مريوط (خلف الاسكندرية)، وبحيرة ادكو، وبحيرة البرلس "أو بحيرة البوشتيم" وبحيرة تنيس الشديدة الاتساع التى كانت تضم عددا كبيرا من الجزر أهمها تنيس. أما

ص: 10012

عند اللسان البرى حيث يفترق الفرعان الرئيسيان فكانت تقع مدينة "شطناف" ويمضى الفرع الغربى -كما هو الآن- إلى مدينة رشيد ليصل بعدها إلى البحر كما يتفرع هذا الفرع بالقرب من مدينة "شابور" فيتجه إلى الإسكندرية وينتهى فى بحيرة مريوط وكانت هذه القناة تمتلئ بالمياه فى وقت الفيضان فقط أما الفرع الشرقى فيمضى -كما هو الآن- تجاه دمياط ويصل إلى البحر بعدها بمسافة قصيرة، وكانت له تفريعات عديدة تفضى إلى بحيرة تنّيس وكانت لأفرع النيل دائما أثرها الحاسم فى التقسيم الادارى للدلتا، التى تطلق عليها المصادر أسفل الأرض أو "أسفل أرض مصر" وكان يطلق على المنطقة الواقعة شرقى الفرع الشرقى اسم "الحوف" أما المنطقة التى تقع بين الفرعين فتعرف (بالريف)(وكانت تطلق أحيانا على الدلتا بأكملها) أو بطن الريف، أما التى تقع إلى الغرب من الفرع الغربى فكان يطلق عليها البحيرة وبعد ذلك "الحوف الغربى" وحينئذ كان يطلق على الحوف الأصلى اسم الحوف الشرقى -وهذه التقسيمات تنقسم بدورها إلى قرى تتقرر حدودها بأهم الفروع، وكانت الوحدات الإدارية الأكبر تعتمد بعد ذلك أيضا على النهر. والوجه الجغرافى الحالى للدلتا إنما هو نتيجة لأعمال الرى الجديدة التى بدأت فى القرن التاسع عشر فى عهد محمد على، وأبرز هذه القنوات المحمودية قناة المحمودية التى شقت من فوّه على الفرع الغربى إلى الاسكندرية، ثم قنوات التوفيقية والمنوفية والبحيرة التى تمت فى عام 1890 م، ثم قناة الإسماعيلية التى تربط النيل بقناة السويس.

وفيما يتعلق بمجرى النيل جنوبى مصر، فإن الكتابات الجغرافية للمسلمين عنه تبدأ متأخرة إلى حد ما لتقدم المعرفة التى تقوم على الملاحظة المباشرة. ولكن هذه المصادر اقتنعت فى أول الأمر بأن النيل يأتى من بلاد النوبة. . أما بالنسبة لبقية النيل فكانت هناك مصادر قديمة من نوع مختلف ساعدت على اكتمال التصور الجغرافى لمجرى النيل العظيم. وقد تضمن هذا التصور منشأ النيل أيضا هذا المنشأ

ص: 10013

الذى ظل على الدوام مجهولًا عند العلماء الرحالة المسلمين على السواء ومع ذلك فثمة حقيقة غريبة وهى أن المعلومات حول هذا الموضوع والتى نجدها تتكرر فى المصادر الإسلامية بدءا مما كتبه الخوارزمى فصاعدا (215 هـ/ 850 م) تعطينا فكرة عن منشأ النيل لا تتطابق تماما مع المعطيات التى تغطيها المصادر الكلاسيكية إذ يعد هذا التصور أن النيل يخرج من جبال القمر إلى الجنوب من خط الاستواء. ومن هذا الجبل تخرح عشرة أنهار تصل إلى بحيرتين تقعان على خط العرض نفسه ويخرج من كل بحيرة نهر أو أكثر يتدفق إلى الشمال حيث يصب فى بحيرة ثالثة ومن هذه البحيرة الثالثة يبدأ نيل مصر -وهذا التصور يتطابق جزء منه مع وصف بطليموس لمنابع النيل. ولا يزال ما وضعه الخوارزمى هو القاعدة الجغرافية، كما اقتبس الخوارزمى من بطليموس رافدا غربيا للنيل، يأتى من بحيرة على خط الاستواء، وقد يكون هذا النهر هو عطبرة، وفى فترة متأخرة يظهر ولأول مرة القول بأن هناك نهرا يرتبط بنظام النيل، يتدفق إلى الشرق ويصب فى المحيط الهندى كما جاء فى مروج الذهب للمسعودى وقد تبنى هذا الرأى مرة أخرى ابن سعيد والدمشقى.

وثمة منهج آخر حول نشأة النيل ومنبعه يرتبط بالروايات اليهودية والمسيحية التى تجعل النيل يأتى من الجنة. وقد كانت نظرية العصور الوسطى فيما يتعلق بوصف الكون تضع الجنة فى أقصى الشرق، وعلى الجانب الآخر من البحر، حتى ليضطر النيل -مدر الأنهار الأخرى فى الجنة- إلى أن يجتاز البحر. وقد جرى وصف ذلك فى رواية قديمة -ربما كانت ذات أصل يهودى- عن رجل ذهب يبحث عن منابع النيل وكان عليه أن يعبر البحر ثم وصل بعد ذلك إلى الفردوس وقد سخر البيرونى من هذه الأقوال. ولنفس الأصل يمكن أن نرجع فكرة نجدها كثيرا فى المصادر الإسلامية وهى أن النيل عندما يرتفع، تنخفض مستويات الأنهار جميعا.

هناك مجموعة من التصورات الجغرافية تربط الجزء الغربى من

ص: 10014

أفريقيا بالشبكة النهرية للنيل. وقد تصور هيرودت منشأ للنيل فى الغرب، وأخذ "يلينى" عن ليبيكا الذى جعل النيل ينبع فى موريتانيا الغربية. وقد شرح "ماركارت" وجهة النظر هذه بتحريف اسم نهر "توهول" الذى يقترن بوادى "تول" والذى ينشأ فى جبال أطلس الموريتانية ونجد بعض هذه المعلومات عند "ابن الفقيه" الذى يحدد منشأ النيل فى السوس الأقصى -ولأول مرة يقرن البكرى هذا النيل الغربى بنهر النيجر. ويضيف البكرى أن النيل يمر فى أرض السودان، ثم يذكر عددا من قبائل "البربر" و"سودان " ومدنهم التى تتاخم النهر. أما الإدريسى فيقول إن هذا النيل الغربى يخرج من ثالث بحيرات النيل الكبيرة (والتى ذكرناها قبلا) وهكذا يربط نيل السودان بنيل مصر فى نظام نهرى واحد. ويطلق الدمشقى وابن سعيد على هذه البحيرة الثالثة اسم بحيرة "كورا" التى يخرج منها ثلاثة أنهار هى نيل السودان ونيل مصر، ونهر ثالث يجرى إلى الشرق تجاه "مقديشو" فى بلاد الزنج على المحيط الهندى وهذا النهر الأخير -الذى يقول المسعودى إنه متصل بالنيل- ربما يتشابه مع نهر "وينى" فى الصومال.

وقد كانت أقصى نقطة إلى الجنوب وصل إليها الفاتحون العرب هى دنقلة كما يقول الكندى وكان معروفا تماما أن هذه المدينة تقع على النيل. أما المسعودى فيقول أن النيل يقسم بلاد النوبة إلى قسمين ويضيف ابن حوقل مكانين توجد فيهما الجنادل أحدهما أعلى أسوان ويعرف بالشلال الأول والآخر بالقرب من دنقلة -وقد حدث فى الوقت نفسه تقريبًا أن كتب رحالة يدعى "ابن سُلَيْم الاسوانى" وصفا ذا قيمة كبيرة للمجرى الأوسط للنيل وكان القائد الفاطمى جوهر قد بعث ابن سليم إلى ملك النوبة فى مهمة دبلوماسية وهو مؤلف كتاب أخبار النوبة وألموقرّا وعَلْوا والبوجا والنيل، وقد وصف ابن سليم هذه البلاد وصفا مفصلا وهو يقول إن المنطقة بين أسوان ودنقلة يسكنها فى الشمال الماريون Maris وإلى الجنوب قبائل مقرا، أما الجزء الشمالى فأرض قاحلة، كما يصف الجنادل وصفا

ص: 10015

صحيحا -أما بين دنقلة و"علوا"(وهى منطقة الخرطوم) فمنطقة مزدهرة جدا- كذلك وصف الالتواء الكبير للنيل فى تلك المنطقة التى عندها يتفرع النيل إلى سبعة أنهار. ويتضح من الوصف أن النهر الشمالى من هذه الأنهار هو عطبرة الذى يأتى من الشرق. وإلى الجنوب يتصل النيل الأبيض والنيل الأخضر بالقرب من عاصمة "علوا" والنيل الأخضر الذى يأتى من الشرق هو أيضا "ثمرة" أربعة أنهار أحدها -كما يعتقد المؤلف- يأتى من بلاد الحبشة وواحد من بلاد الزنج كذلك تمتد بين النيل الأبيض والنيل الأخضر جزيرة كبيرة ليس لها حدود فى الجنوب ويكاد يكون هذا هو الوصف الوحيد الوارد فى المؤلفات الإسلامية فى العصور الوسطى الذى يوضح مدى ما وصلت إليه المعرفة عن النيل الأوسط.

ومنذ نهاية القرن الثامن عشر كان اكتشاف أعالى النيل ومنابعه من عمل الرحالة الأوربيين. وقد اكتشفوا أو ربما أعادوا اكتشاف- بحيرات النيل الكبيرة. وقرنوا سلسلة جبال "روونزورى" بجبال القمر التى ذكرها "سبيك" باسم بلاد "أونيامونرى (بلاد القمر) ويرجع جزء من اكتشاف النيل أيضا إلى المبادرات المصرية. فالبعثة العسكرية الشهيرة التى خرجت عام 1820 - 1822 بقيادة اسماعيل باشا ابن محمد على -والتى انشئت فى أثنائها الخرطوم- وطدت سيطرة المصريين فى السودان المصرى وفتحت الطريق أمام اكتشافات علمية أخرى كما شاهدت الفترة الممتدة من 1839 حتى 1842 م ثلاث بعثات مصرية إلى النيل الأبيض وقد حاولت الحكومة المصرية عدة مرات فى عهد إسماعيل باشا تطهير النيل الأبيض أعلى السوباط من كتل النباتات التى كانت تعوق الملاحة.

والفيضان السنوى للنيل هو الظاهرة التى تدين لها مصر فى كل العصور بخصوبتها ورخائها إذ إنه يوفر لها -تعويضا عن افتقادها التام تقريبًا للأمطار- الرى الطبيعى والمنتظم لأراضيها على ضفتى النيل وفى الدلتا. وهو مصدر كل الحياة الثقافية. وبنفس المنهج يعتبر النيل نهرا هاما مثل الفرات

ص: 10016

(المقريزى) كما أن الفيضان يؤثر بعمق فى الحياة الخاصة والعامة لأهل القرى وأهل المدن على السواء. وأقدم الروايات الإسلامية عن مصر تعكس مشاعر الإعجاب والامتنان. ويصل النيل إلى أدنى مستواه فى نهاية مايو عند أسوان وفى منتصف يونية فى القاهرة ثم يبدأ فى الارتفاع مرة أخرى حتى يصل إلى أعلى مستوى له فى بداية شهر سبتمبر عند أسوان وفى بداية أكتوبر عند القاهرة وهذا الانتظام يؤدى إلى انتظام مماثل فى أساليب الرى فى المناطق العديدة لمصر فى وقت زراعة المحاصيل المختلفة وحصادها، وبالتالى فى تحصيل ضرائب الأرض. وجميع التواريخ التى تشير إلى هذه الأعمال تتم على أساس التقويم الشمسى.

ويوجد جدل كبير حول أسباب الفيضان فى الكتابات الواردة عنه وأقدم المعتقدات -التى تتطابق تماما مع الواقع- هو أن سبب الفيضان مياه الأمطار الكثيرة الغزيرة فى البلاد التى ينبع منها النيل وروافده. وقد ظهر هذا الرأى فى شئ من المبالغة فى رواية ترجع إلى عبد اللَّه بن عمرو بن العاص حيث يقول أن أنهار العالم تمنح مياهها لفيضان النيل بأمر إلهى (ابن عبد الحكم) وهناك آراء أخرى حول أسباب الفيضان منها حركة البحر وتأثير الرياح.

وحتى القرن التاسع عشر كان نظام الرى فى مصر يسير على نفس الأسس فعندما يبدأ الفيضان تغلق كل المنافذ على جانبى النهر وفرعيه الأساسيين فى الدلتا، ثم تفتح بعد ذلك عندما يرتفع الفيضان إلى الارتفاع الضرورى حسب الأمكنة المختلفة ويكتمل الفيضان فى القاهرة عندما يصل إلى ستة عشر ذراعًا وحينذاك يعرف بوفاء النيل. ومنذ الأزمنة القديمة كانت هناك مقاييس للنيل لقياس ارتفاع مستوى النهر. وكان هناك مقياس فى أقصى الجنوب وهو مقياس "علوا" أما أشهر المقاييس فهو مقياس الفسطاط الذى أنشاه أسامة بن زيد المتوفى عام 92 هـ/ 711 م. ونحب أن نذكر أن تنظيم النهر الرئيسى وفروعه يعزى إلى ملوك مصر القدماء وهذا هو الذى ذكره المقريزى اعتمادا على ابن واصف شاه ولكن لم يكن هناك عمل على نطاق

ص: 10017

كبير للرى فى العصور الوسطى، باستثناء نظام القنوات الشهير فى الفيوم والذى يعزى إلى النبى يوسف. أما فى بقية البلاد فكانت المياه تجرى دون اهتمام بمراقبتها الأمر الذى كان يؤدى إلى إغراق مساحات كبيرة من الأرض. ومنذ عصر محمد على تم التخطيط لشبكات رى جديدة كان الهدف من إنشائها زيادة إنتاج البلاد. وقد فشلت أول محاولة عام 1840 م بإنشاء حاجز كبير عبر فرعى النيل فى قمة الدلتا ولكن هذا العمل بدأ يؤتى ثماره بعد خمسين عاما بإنشاء مشروع القناطر الذى يتضمن رياح التوفيقية ورياح المنوفية ورياح البحيرة (الرياح التوفيقى - الرياح المنوفى - الرياح البحيرى) الذى تم عام 1890 م وبدأت المشروعات الكبرى على أعالى النيل بإقامة خزان فى عام 1902 م ثم أجريت له تعلية عام 1912 م وأيضا فى عام 1933 م. ثم هناك قناطر "مكوار" بالقرب من سنار على النيل الأزرق وقد انتهى العمل منها عام 1925 م ثم اكتمل بقناطر مماثلة على النيل الأبيض (1937 م) وعلى عطبرة (1964 م) وعلى النيل الأزرق (1966 م) وبهذه الطريقة مضى التحكم فى مياه النيل إلى خارج مصر ذاتها؛ وهذا يجعلنا نستدعى أيام المجاعة الكبيرة فى عام 45 هـ/ 1059 م عندما اعتقد المصريون أن أهالى النوبة حبسوا عنهم فيضان النيل. وقد أثيرت المشكلة ذاتها فى الثلاثينات بالنسبة لمشروع بناء خزان على حدود السودان والكونغو (البلجيكى) ومدى الجدوى العاجلة أو الآجلة لمصر من وراء هذا المشروع ومنذ إعلان الجمهورية 1953 م، كان أهم تغيير ملحوظ فى الجزء المصرى من مجرى النيل هو بناء السد العالى (1959 - 1971 م) لتوفير المياه للرى فى المناطق الشديدة الانخفاض فى الوادى ولحماية البلاد من الفيضانات العالية وتوليد الطاقة الهيدروليكية. وقد كونت المياه المحجوزة بحيرة ناصر والسد وهى تمتد 480 كيلو مترا أعلى النهر وقد كان الفيضان مناسبة لأعياد كثيرة شعبية مثل فتح قناة القاهرة، وعندما فتح العرب مصر كانت التضحية بعروس النيل لا تزال موجودة ويقول ابن عبد الحكم أن عمرو بن العاص منع هذه العادة واستأنف النهر فيضانه بعد إلقاء رسالة من الخليفة

ص: 10018