الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واسط
تقع فى وسط العراق وكانت فى فترة من الفترات من أهم مراكزه. وقد أنشأها الحجاج بن يوسف الثقفى سنة 83 هـ/ 702 م أو 84 هـ/ 703 م على خلاف بين المؤلفين العرب، وربما كان ياقوت الحموى على حق فى قوله إن إنشاءها استغرق عدة أعوام من 83 إلى 86 للهجرة (702 - 705 م) ومن المؤكد أن الحجاج أقام فى مدينته الجديدة هذه قبل عام 84 هـ. وكان دافع الحجاج لإنشائها هو أن يجعلها معسكرا ثابتا ودائما لكتائب العسكر الشوام الذين كان يعتبرهم أفضل عسكره -لرفع روحهم المعنوية وليعزلهم عن العسكر العراقيين تجنبا للصدام بينهما، كما كانت مركزة القوات فى واسط تهدف إلى كبح جماح التمرد العسكرى- فى حالة حدوثه فى كل من الكوفة والبصرة (انظر فى هذا: mUller: Der Islam in Morgan und Abend lande. Berlin، 1885 - 1887، 1، 394
Welhausen: Das Arahische Reich und sein Sturz. Berlin. 1902. P. 156
وثمة هدف ثالث لإنشاء واسط وهو السيطرة على المناطق البعيدة نسبيا.
والروايات المتواترة تفيد أن الحجاج هو نفسه الذى أطلق اسم واسط على هذه المدينة لوقوعها بين الكوفة والبصرة، ولأن المسافة بينها وبين الأهواز (الأحواز) عاصمة خوزستان لا تبعد كثيرا عن المسافة بينها وبين الكوفة أو البصرة. لكن هناك روايات أخرى تؤكد أنه كانت توجد بالفعل قرية اسمها واسط القصب فى الموقع نفسه الذى اختاره الحجاج لمدينته الجديدة.
وفى الشرق الإسلامى -خاصة حيث يسود استخدام الأسماء العربية- نجد أكثر من عشرين مدينة وقرية تحول الاسم نفسه (واسط) زمن العباسيين، إلا أن أهمها جميعا هى واسط التى أنشأها الحجاج بن يوسف الثقفى لذا فهى تسمى أحيانا واسط العظمى أو واسط العراق تمييزا لها عن المدن التى تحمل الاسم نفسه، وقد تم تشييد واسط على الشاطئ الغربى لدجلة، وكان ثمة مدينة مأهولة بالسكان فى الفترة الساسانية بالقرب
من الموقع الذى أسست فيه واسط فيما بعد، وكانت هذه المدينة الساسانية -واسمها كسكر- تقع على الشاطئ الشرقى للنهر. وقد تكلف إنشاء واسط مبالغ طائلة وتم إنشاء قصر للحجاج كانت تعلوه قبة خضراء، وقد حذا الخليفة المنصور العباسى -فيما بعد- حذو قصر القبة الخضراء هذا عندما شيد قصره فى بغداد بل وسمّى قصره بالاسم نفسه (قصر القبة الخضراء). وأسس الحجاج إلى جوار قصره مسجدا جامعا، وفعل الخليفة العباسى آنف الذكر -فيما بعد- الفعل نفسه.
ولابد أن نذكر أنه من بين المبانى التى أنشأها الحجاج فى واسط ذلك السجن الكبير الذى أطلق عليه سجن الديماس Dimas والكلمة يونانية وتعنى السجن. وقد مات الحجاج فى سنة 95 هـ/ 714 م بواسط ودفن بها. وفى بداية الأمر لم يكن الحجاج يسمح إلا للعرب بسكنى مدينته الجديدة هذه، وكان يفضل الشوام بطبيعة الحال، لكنه بعد ذلك وطّن فيها أتراك ما وراء النهر، خاصة الذين ترجع أصولهم إلى بخارا الذين كانوا يقيمون فى البصرة. وبعد وفاة الحجاج سُمح للسكان الآراميين من أهل البلاد وللفرس بالقدوم لواسط والاستقرار بها، وبمرور الوقت اختلطت الأعراق المختلفة، وأصبحت واسط العربية وكسكر -بالتدريج مدينة واحدة ربطت بينها المصالح السياسية والاقتصادية.
وطوال عهد الدولة الأموية كانت واسط هى أهم مدن العراق وبها مقر الوالى وحكومته إلا أن الأمر اختلف فى السنوات الأخيرة من الحكم الأموى فلما سيطر العباسيون انتهى العصر الذهبى لواسط كمركز للحكم لكنها لم تفقد أهميتها بسبب موقعها الاستراتيجى الخطير، فقد ظلت تلعب دورا مهما فى التازيخ السياسى والعسكرى للعراق الأوسط والجنوبى خاصة بالنسبة لمنطقتى البطيحة وميسان. ولقد لعبت واسط فى القرن الخامس عشر للميلاد دورا مهما بسبب نشاط أسرة المشعشع، لكن المدينة بدأت فى الانهيار تدريجيا بعد هذا القرن (الخامس عشر) نتيجة تغيير توزيع المياه بين ذراعى
النهر عند انشعاب دجلة القديم عند منطقة كوت العمارة. وقد أشار الجغرافى التركى حاجى خليفة الذى عاش فى النصف الأول من القرن السابع عشر للميلاد فى كتابه جيهان نوما أن واسط كانت تقع على أيامه فى وسط منطقة صحراوية وأنها كانت مشهورة بالأقلام المصنوعة من البوص الذى كان ينمو على ضفاف قناة هناك.
أما عن سكان واسط فقد كان عددهم كبيرا فى فترة ازدهارها، فياقوت الحموى الذى تردد على واسط أكثر من مرة فى القرن الثالث عشر الميلادى يذكر لنا أنها حتى هذه القرن كانت مدينة عامرة بالسكان، وكان ملاك الأراضى الفرس (الدهامية) حتى أيام ياقوت يعيشون فى مدينة كسكر القديمة وقد ظل النصارى يشغلون الأماكن نفسها التى كانوا يشغلونها فى كسكر أثنا الحقبة الساسانية ولم يتم إبعادهم فى العصور الإسلامية. وقبل الفتح الإسلامى للعراق شهدت المنطقة مستقرات يهودية وقد شاهد الرحالة اليهودى بنيامين الذى زار بابل حوالى سنة 1170 م مجتمعا يهوديا قدره بحوالى 10.000 يهودى كانوا يعيشون فى حى خاص بهم، وكذلك كان هناك يهود فى البصرة فيما يقول هذا الرحالة نفسه.
ويقال إن المنطقة التى أسست فيها واسط لم تكن خصبة قبل إنشاء المدينة فقد عمل الحجاج على تحسين التربة وتحسين ظروف البيئة ومن ثم فقد كان يُنظر لمناخ واسط كمناخ طيب وأكثر فائدة للصحة من مناخ البصرة. فبفضل جهود الحجاج أصبحت واسط مدينة عامرة بالبساتين والنخيل وكانت تمد المناطق المجاورة بالقمح، وقد تعرض لازدهار المدينة فى مراحل مختلفة عدد كبير من الجغرافيين المسلمين كالاصطخرى وابن حوقل والمقدسى وياقوت والقزوينى وابن بطوطة.
وكانت واسط أيضا مركزا مهما للمواصلات وهذا عائد فى جانب منه لموقعها على دجلة ولموقعها وسط العراق ولمرور طرق مهمة عبرها خاصة
الطرق التى تؤدى للشمال والجنوب والشرق، فثمة طريق من واسط إلى بغداد، وطريق من واسط مارا بالبطيحة إلى البصرة، وطريق إلى الأهواز (خوزستان) ومن هنا كانت واسط -فيما يقول المقدسى- مركزا تجاريا مهما، إذ كان بها سوق عامر بالبضائع، كانٍ من بينها المنسوجات التى كانت تصنَّع فى واسط كما لعبت صناع بناء السفن دورا مهما فى نشاط أهل واسط ولازال العراقيون يطلقون لفظ الواسطى على نوع من القوارب.
واحتلت واسط مكان كسكر القديمة كمركز لاثنى عشر قسما وكان الساسانيون قد حددوا هذه التقسيمات (الأقسام) بغرض جمع الضرائب.
وكانت واسط على أيام المقدسى مركزا مهما لقراء القرآن الكريم والفقهاء وأشار ابن بطوطة الذى كان فى واسط فى النصف الأول من القرن الرابع عشر بتقوى سكانها وإتقانهم حفظ القرآن الكريم كما كانوا يدرسون علم التجويد بحماسة فائقة ويُعد إسماعيل بن على الواسطى المتوفى حوالى 1291 م من أشهر مجودى القرآن الكريم وقد قضى الحلاج الصوفى المشهور والمولود فى فارس شبابه فى واسط كما أن أبا حاتم القرمطى ظهر أول ما ظهر فى سواد واسط سنة 295 هـ/ 908 م.
وشهدت واسط نفسها كتابة تاريخها وتاريخ البطيحة الملحقة بها، فقد كتب إسلام بن سهل (توفى 904 م) تاريخا محليا يشتمل فى غالبه على تراجم، ويعتبر كتاب ابن المغازلى الجلابى (المتوفى 1239 م) استمرارا له وقام عبد الرحمن محمد بن سعيد الذهبى الدبيثى (توفى 1239 م) بإعداد ملحق لهذا الكتاب الأخير.
وكتب ابن أبى العباس أحمد بن بختيار (المتوفى 1157 م) وهو من أهل واسط تاريخا محليا للبطيحة.
وعن تاريخ دار سك العملة فى واسط فإن لدينا عملة تعود لتاريخ إنشاء المدينة حتى الفترة المغولية.
إلا أن موقع مدينة واسط لازال مجال نقاش ذلك أن تحديد موقعها بدقة
يعد من أعقد المسائل كما أن من أهم القضايا التى شغل المؤلفون فى مضمار الجغرافيا التاريخية فى العصور الوسيطة أنفسهم بها. فنحن نعرف بشكل محدد أن واسط كسكر، وهى المدينة التوأم لواسط العظمى تقع على شاطئ دجلة المواجه لها، وكل الجغرافيين العرب من القرن التاسع إلى القرن الثالث عشر يوافقون على ذلك، فلابد إذن لتحديد موقع واسط العظمى أن نعرف مجرى نهر دجلة فى العصور الوسطى، ولابد من الإشارة إلى أن فرع دجلة الذى كانت تقع عليه واسط قد بدأ يتضاءل تدريجيا منذ القرن الخامس عشر ليصبح فرعا ثانويا لأن كم المياه الضخم كان قد بدأ يتحول تدريجيا أدنى كوت العمارة إلى المجرى الشرقى فأصبح بالتالى -هو المجرى الأدنى الحقيقى لنهر دجلة. وعلى هذا فإن شط الحيى (وهو شط الغرّاف) الذى يتفرع عند كوت العمارة إلى الجنوب الشرقى من المجرى الرئيسى هو -كما يقال عادة- كان هو المجرى الرئيسى لنهر دجلة فى العصور الوسطى، وهو يتشعب مرة أخرى إلى الأدنى من كوت الحيى إلى فرعين أحدهما يطلق عليه الآن أبى جهيرات وهو الفرع العامر بالمياه، وثانيها وهو الذى يقع ناحية الشرق يسمى شط الأعمى، ويتحد الفرعان مرة أخرى عند قرية الشيخ خضر (بفتح الخاء) أو خضير (بكسر الخاء) ويكون بينهما جزيرة يبلغ طولها ثلاثين ميلا تسمى -على الخرائط- جزيرة الهيرات، ويقول الباحث هرز فلد Herz feld أن شط الحيى تشكل مشكلة كبيرة فى جغرافية العراق القديم فهل هو نهر دجلة الوسيط (فى العصور الوسطى) حقا أم مجرد فرع ثانوى؟ ربما كان علينا أن ننظر إليه كقناة تم حفرها فى العصور القديمة لربط دجلة بالفرات. والقليل الذى قدمه لنا الرحالة الأوروبيون عن بقايا (خرائب) واسط يناقض القول بأنها كانت تقع على شاطئ فرع شط الحيى، وبالتالى تتناسى النظرية القائلة بأن شط الحيى كان هو المجرى الرئيسى لدجلة فى العصور الوسطى.
ولسوء الحظ فإن قناة شط الحيى والنظام النهرى للفرع الذى يحمل
الاسم نفسه خاصة بالنسبة للمنطقة الواسعة بينه إلى الغرب ودجلة إلى الشرق والفرات إلى الجنوب لم تدرس بعد الدراسة الكافية من وجهة نظر جغرافية كما أن الخرائط التى روجعت عن واسط يعتريها قصور شديد وقد اعتمدنا على المراجع التالية لمناقشة هذا الموضوع:
F. R. Chesney: The expedition for the Sarvey of the riuers Euphrates and Tigris London، 1850. Arlas، Pl. no IX
Schau: Am Euphrat and Tigris (leipzih، 1900) Plate ll
Lowev: Mesopotameg between Bagdad and Persiam Gulf
. . إلخ
وزار عدد من الرحالة الأوروبيين الموقع الفعلى لواسط العصور الوسطى فى القرنين التاسع عشر والعشرين، إلا أن تقاريرهم عنها كانت موجزة جدا. وأول الرحالة الذين قيل إنهم توقفوا فى واسط الضابطين الإنجليزيين أورمسبى Ormbsby وإليوت Elliot الذين زاراها سنة 1831 م، ويقال إن كولديج R.Koldeweg وموريتس B.Moriz قد زارا واسط أثناء عملهما فى بعثة أثرية جنوب بابل 1886 - 1887 م لكنهما لم ينشرا شيئا عن ملاحظتهما هناك. كما زارها الكونت إيمار دى ليدكيرك Aymar de Liedkerke - Beaufort الذى مات بعد ذلك أثناء الحرب سنة 1916 - وذلك ضمن بعثة أثرية فى الفترة من 1913 م إلى 1914 م ونشر بحثه القيم فى باريس سنة 1922 م، ومما يؤسف له أنه لم يضمن بحثه خريطة.
ومن كتابات هؤلاء الرحالة نخلص بالآتى:
- المجرى القديم الجاف لفرع النهر يمكن تتبعه لعدة أميال قليلة إلى الأدنى من كوت العمارة، وهو يجرى جنوب الجنوب الشرقى عبر خرائب، واسط ثم يستمر فى الاتجاه نفسه حاملا اسم شط إبراهيم ويتصل بالفرات بين شط