المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر خبر مدينة بلقاء وخبر بلعم بن باعورا وما يتصل بذلك - نهاية الأرب في فنون الأدب - جـ ١٣

[النويري، شهاب الدين]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثالث عشر

- ‌الفنّ الخامس فى التاريخ

- ‌القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى مبدأ خلق آدم وحوّاء- عليهما السلام ودخولهما الجنة، و

- ‌الباب الأوّل- من هذا القسم فى مبدأ خلق آدم وحوّاء- عليهما السلام وما كان من أخبارهما إلى حين وفاتهما

- ‌ذكر خلق آدم عليه السلام

- ‌ذكر سجود الملائكة لآدم

- ‌ذكر خلق حوّاء عليها السلام

- ‌ذكر عرض الأمانة على آدم عليه السلام

- ‌ذكر خبر إبليس والطاوس والحيّة

- ‌ذكر خروج آدم وحوّاء من الجنة

- ‌ذكر سؤال إبليس- لعنه الله تعالى

- ‌ذكر سؤال آدم- عليه السلام

- ‌ذكر سؤال حوّاء- عليها السلام

- ‌ذكر توبة آدم عليه السلام

- ‌ذكر أخذ الميثاق على ذرّية آدم- عليه السلام

- ‌ذكر اجتماع آدم بحوّاء

- ‌ذكر إبناء آدم وزرعه وحرثه

- ‌ذكر حمل حوّاء- عليها السلام وولادتها

- ‌ذكر مبعث آدم- عليه السلام إلى أولاده

- ‌ذكر قتل قابيل هابيل

- ‌ذكر وفاة آدم- عليه السلام

- ‌ذكر وفاة حوّاء

- ‌الباب الثانى من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى خبر شيث ابن آدم- عليهما السلام وأولاده

- ‌ذكر قتال شيث قابيل

- ‌الباب الثالث من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى أخبار إدريس النبى- عليه السلام

- ‌الباب الرابع من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى قصة نوح- عليه السلام وخبر الطوفان

- ‌ذكر مبعث نوح عليه السلام

- ‌ذكر عمل السفينة

- ‌ذكر خبر دعوة نوح على ابنه حام ودعوته لابنه سام

- ‌ذكر وصيّة نوح ووفاته

- ‌ذكر خبر أولاد نوح- عليه السلام من بعده

- ‌الباب الخامس من القسم الأوّل من الفن الخامس فى قصة هود- عليه السلام مع عاد وهلاكهم بالريح العقيم

- ‌ذكر مبعث هود عليه السلام

- ‌ذكر خبر وفد عاد إلى الحرم يستسقون لهم

- ‌ذكر إرسال العذاب على قوم هود

- ‌ذكر خبر مرثد ولقمان

- ‌ذكر خبر إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِوقصّة شديد وشدّاد بنى عاد

- ‌الباب السادس من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى قصة صالح- عليه السلام مع ثمود وعقرهم الناقة وهلاكهم

- ‌ذكر ميلاد صالح- عليه السلام

- ‌ذكر مبعثه- عليه السلام

- ‌ذكر خروج الناقة

- ‌ذكر خبر عقر الناقة وهلاك ثمود

- ‌الباب السابع من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى أخبار أصحاب البئر المعطّلة والقصر المشيد وما كان من أمرهم وهلاكهم

- ‌الباب الثامن من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى خبر أصحاب الرّس وما كان من أمرهم

- ‌وأمّا الرسّ الآخر

- ‌القسم الثانى من الفنّ الخامس فى قصّة إبراهيم الخليل- عليه الصلاة والسلام وخبره مع نمروذ، وقصّة لوط، وخبر إسحاق ويعقوب، وقصّة يوسف وأيّوب وذى الكفل وشعيب

- ‌الباب الأوّل منه فى قصّة إبراهيم الخليل- عليه الصلاة والسلام وخبر نمروذ بن كنعان

- ‌ذكر خبر نمروذ بن كنعان

- ‌ذكر الآيات التى رآها نمروذ قبل مولد إبراهيم- عليه السلام

- ‌ذكر حمل أمّ إبراهيم- عليه السلام وطلوع نجمه

- ‌ذكر ميلاد إبراهيم- عليه السلام

- ‌ذكر خروج إبراهيم- عليه السلام من الغار واستدلاله

- ‌ذكر معجزة لإبراهيم- عليه الصلاة والسلام

- ‌ذكر مبعث إبراهيم- عليه السلام

- ‌ذكر سؤال إبراهيم- عليه السلام فى إحياء الموتى

- ‌ذكر آية لإبراهيم- عليه السلام

- ‌ذكر خبر تكسير إبراهيم الأصنام وإلقائه فى النار

- ‌ذكر خبر صعود نمروذ إلى السماء على زعمه

- ‌ذكر خبر إرسال البعوض على نمروذ وقومه

- ‌ذكر هجرة إبراهيم- عليه السلام

- ‌ذكر خبر ميلاد إسماعيل- عليه السلام ومقامه وأمّه فى البيت المحرّم

- ‌ذكر خبر بشارة إبراهيم بإسحاق- عليهما السلام

- ‌ذكر خبر الذبيح وفدائه

- ‌ذكر وفاة إبراهيم- عليه السلام

- ‌الباب الثانى من القسم الثانى من الفن الخامس فى قصّة لوط- عليه السلام وقلب المدائن

- ‌ذكر خبر نزول العذاب على قوم لوط وقلب المدائن

- ‌الباب الثالث من القسم الثانى من الفن الخامس فى خبر إسحاق ويعقوب- عليهما السلام

- ‌ذكر مبعث يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام

- ‌الباب الرابع من القسم الثانى من الفن الخامس فى قصّة يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام

- ‌ذكر خبر ميلاد يوسف- عليه السلام

- ‌ذكر رؤيا يوسف- عليه السلام وكيد إخوته له

- ‌ذكر رجوع إخوة يوسف إلى يعقوب

- ‌ذكر كلام الذئب بين يدى يعقوب

- ‌ذكر خبر خروج يوسف من الجبّ وبيعه من مالك بن دعر

- ‌ذكر خبر بيع يوسف من عزيز مصر

- ‌ذكر خبر يوسف وزليخا

- ‌ذكر خبر النسوة اللاتى قطّعن أيديهنّ

- ‌ذكر إلهام يوسف- عليه السلام التعبير

- ‌ذكر خبر الخبّاز والساقى

- ‌ذكر رؤيا الملك وتعبيرها وما كان من أمر يوسف وولايته

- ‌ذكر حاجة زليخا إلى الطعام وزواج يوسف بها

- ‌ذكر دخول إخوة يوسف- عليه السلام فى المرّة الأولى

- ‌ذكر خبر دخولهم عليه فى المرّة الثانية

- ‌ذكر خبر دخولهم عليه فى الدفعة الثالثة

- ‌ذكر خبر حديث الصاع

- ‌ذكر دعوة يوسف- عليه السلام وارتحاله عن بلد الريّان

- ‌ذكر خبر وفاة يوسف- عليه السلام

- ‌الباب الخامس من القسم الثانى من الفنّ الخامس فى قصّة أيوب- عليه السلام وابتلائه وعافيته

- ‌ذكر كشف البلاء عن أيّوب- عليه السلام

- ‌الباب السادس من القسم الثانى من الفن الخامس فى خبر (ذى الكفل)

- ‌الباب السابع من القسم الثانى من الفن الخامس فى خبر شعيب النبى عليه السلام

- ‌ذكر مبعث شعيب- عليه السلام

- ‌ذكر خبر الظّلّة

- ‌القسم الثالث من الفنّ الخامس يشتمل على قصة موسى بن عمران عليه السلام وخبره مع فرعون؛ و

- ‌الباب الأوّل من القسم الثالث من الفن الخامس فى قصة موسى بن عمران وهارون- عليهما السلام

- ‌ذكر خبر قتل الملك واستيلاء فرعون على ملكه وما كان من أمره

- ‌ذكر خبر آسية بنة مزاحم وزواج فرعون بها

- ‌ذكر شىء من الايات التى رآها فرعون قبل مولد موسى عليه السلام

- ‌ذكر خبر قتل الأطفال

- ‌ذكر خبر ميلاد موسى وما كان من أمره وإلقائه فى التابوت

- ‌ذكر دخول التابوت فى دار فرعون ورجوع موسى إلى أمّه

- ‌ذكر شىء من عجائب موسى- عليه السلام وآياته

- ‌ذكر خبر القبطىّ وخروج موسى من مصر

- ‌ذكر خبر ورود موسى مدين وما كان بينه وبين شعيب وزواجه ابنته

- ‌ذكر خبر خروج موسى- عليه السلام من أرض مدين ومناجاته ومبعثه إلى فرعون

- ‌ذكر خبر مسير موسى إلى مصر واجتماعه بأخيه هارون وأمّه

- ‌ذكر خبر دخول موسى- عليه السلام إلى فرعون وما كان من أمره معه

- ‌ذكر خبر العصا حين صارت ثعبانا واليد البيضاء

- ‌ذكر خبر السّحرة واجتماعهم وما كان من أمرهم وإيمانهم

- ‌ذكر خبر حزقيل مؤمن آل فرعون

- ‌ذكر خبر بناء الصرح وما قيل فيه

- ‌ذكر خبر الآيات التسع

- ‌ذكر خبر مسخ قوم فرعون

- ‌ذكر خبر قتل الماشطة

- ‌ذكر خبر قتل آسية بنت مزاحم امرأة فرعون

- ‌ذكر خبر انقطاع النيل وكيف أجراه الله عز وجل لفرعون

- ‌ذكر خبر غرق فرعون وقومه

- ‌ذكر خبر ذهاب موسى- عليه السلام لميقات ربه وطلبه الرؤية وخبر الصاعقة والإفاقة

- ‌ذكر خبر الألواح ونزول التوراة والعشر كلمات

- ‌ذكر خبر السامرى واتخاذه العجل وافتتان بنى إسرائيل به

- ‌ذكر خبر رجوع موسى إلى قومه وما كان من أمرهم

- ‌ذكر خبر امتناع بنى إسرائيل من قبول أحكام التوراة ورفع الجبل عليهم وإيمانهم

- ‌ذكر خبر الحجر الذى وضع موسى- عليه السلام ثيابه عليه

- ‌ذكر خبر طلب بنى إسرائيل رؤية الله تعالى وهلاكهم بالصاعقة، وكيف أحياهم الله- عز وجل وبعثهم من بعد موتهم

- ‌ذكر خبر قارون

- ‌ذكر خبر موسى والخضر- عليهما السلام

- ‌ذكر خبر البقرة وقتل عاميل

- ‌ذكر بناء بيت المقدس وخبر القربان والتابوت والسكينة وصفة النار

- ‌ذكر ما أنعم الله تعالى به على بنى إسرائيل بعد خروجهم من مصر

- ‌ذكر مسير موسى- عليه السلام وبنى إسرائيل لحرب الجبّارين ودخولهم القرية

- ‌ذكر خبر مدينة بلقاء وخبر بلعم بن باعورا وما يتّصل بذلك

- ‌ذكر خبر وفاة هارون عليه الصلاة والسلام

- ‌ذكر وفاة موسى بن عمران- عليه الصلاة والسلام

- ‌استدراك

الفصل: ‌ذكر خبر مدينة بلقاء وخبر بلعم بن باعورا وما يتصل بذلك

قال الكسائىّ: وغلب موسى على مدينة أريحا، وهرب من كان بها من الجبّارين.

وقيل: إنما دخل موسى الآن أرض كنعان، وإن مدينة أريحا فتحها يوشع ابن نون بعد وفاة موسى- عليه السلام على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى أخبار يوشع.

‌ذكر خبر مدينة بلقاء وخبر بلعم بن باعورا وما يتّصل بذلك

قالوا: ولمّا دخل موسى ببنى إسرائيل أرض كنعان، سار منها يريد مدينة بلقاء.

قال مقاتل: سمّيت بلقاء لأنّ ملكها كان يقال له: بالق، وكان بها بلعم بن باعورا، وهو الذى أنزل الله تعالى فيه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ

الآيات.

وقيل: نزلت الآيات فى غيره- على ما نذكره إن شاء الله تعالى آخر القصّة-.

واختلف أيضا فى اسمه ونسبه.

فقال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: هو بلعم بن باعورا.

وقال ابن مسعود- رضى الله عنه-: بلعم بن ابر.

وقال مجاهد: بلعام بن باعر.

وقال الثعلبىّ: قال أكثر المفسّرين: هو بلعام بن باعورا بن أيدن بن مأرب ابن لوط، وكان من الكنعانيّين.

وقال عطية عن ابن عبّاس: هو من بنى إسرائيل.

ص: 267

وقال على بن أبى طلحة عنه: هو من الكنعانيّين من مدينة الجبّارين.

وقال مقاتل: هو من مدينة بلقاء.

قالوا: فلمّا أقبل موسى ببنى إسرائيل إلى مدينة بلقاء، كان أهلها يعبدون الأصنام، فلمّا بلغ الملك مسير موسى- عليه السلام إليه استشار أكابر دولته؛ فقالوا له: إنّ فرعون لم يطقه مع كثرة جنوده، فأنت أولى ألّا تطيقه، غير أنّ هاهنا رجلا يعرف ببلعام مجاب الدعوة، التمس منه أن يدعو عليهم ليكفيك ربّك أمر موسى. فبعث الملك إليه وأحضره وتحدّث معه فى أمر موسى؛ فقال: حتى أستأذن ربّى. ودخل بلعم مصلّاه واستأذن فى الخروج، فأوحى إليه أن هذا العسكرهم بنو إسرائيل، وعليهم موسى رسولى، ولا تخرج إليهم. فقال بلعم لرسل الملك: إنّ ربى قد منعنى من ذلك، فانصرفوا وعرّفوا الملك.

وكان لبلعم امرأة، فأهدى لها الملك هديّة نفيسة، وسألها أن تكلّم زوجها فى التوجّه مع الملك؛ فسألته؛ فقال: قد استأذنت ربّى فنهانى. فلم تزل به حتى استأذن الله ثانيا؛ فأوحى الله إليه: أنى نهيتك عن ذلك، والآن قد جعلت الأمر إليك. فطابت نفسه بالخروج مع الملك. حكاه الكسائىّ.

وقال الثعلبىّ فى تفسيره، وعزاه إلى ابن عباس وابن إسحاق والسدّىّ وغيرهم:

إن موسى- عليه السلام لما قصد حرب الجبّارين ونزل أرض كنعان من أرض الشأم، أتى قوم بلعام- وكان عنده اسم الله الأعظم- فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلّها بنى إسرائيل، وإنّا قومك وبنو عمّك، وليس لنا منزل، وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج وادع الله أن يردّ عنّا موسى وقومه. فقال: ويلكم، هو نبىّ الله ومعه الملائكة والمؤمنون، كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم؟! وإنى إن فعلت ذلك ذهبت

ص: 268

دنياى وآخرتى. فراجعوه فى ذلك، فقال: حتى أوامر ربّى.- وكان لا يدعو حتى ينظر ما يؤمر به فى المنام- فآمر فى الدعاء عليهم، فقيل له فى المنام:

لا تدع عليهم. فقال لقومه: إنى قد نهيت عن الدعاء عليهم. فأهدوا إليه هديّة فقبلها، ثم راجعوه فى الدعاء عليهم، فقال: حتى أؤامر. فآمر فلم يجر إليه شىء فقال: قد آمرت فلم يجر إلىّ شىء. فقالوا: لو كره ربّك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك فى المرّة الأولى. فلم يزالوا به يرققونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن؛ فركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلعه على عسكر بنى إسرائيل يقال له:

(حبّان) ؛ فلما سار عليها غير كثير ربضت، فنزل عنها فضربها، حتى إذا آلمها قامت، فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، فنزل عنها وضربها حتى إذا آلمها أذن لها بالكلام، فتكلّمت حجّة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم، أين تذهب؟

ألا ترى الملائكة أمامى يردّوننى عن وجهى هذا؟ تذهب إلى نبى الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم ينزع عنها؛ فخلّى الله سبيلها؛ فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل (حبّان) جعل يدعو عليهم، فلا يدعو بشرّ إلا صرف به لسانه إلى قومه؛ ولا يدعو لقومه بخير إلّا صرف لسانه إلى بنى إسرائيل؛ فقال قومه: يا بلعم أتدرى ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا. قال: فهذا مالا أملك. واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت منى الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلّا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جمّلوا النساء وزيّنوهنّ وأعطوهنّ السّلع، ثم أرسلوهنّ إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهنّ فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها؛ فإنّهم إن زنى منهم رجل واحد كفيتموهم. ففعلوا؛ فلما دخل النساء العسكر مرّت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى «1» بنت صعور برجل من عظماء بنى إسرائيل يقال له:

ص: 269

زمزى بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليهم السلام فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها؛ ثم أقبل حتى وقف على موسى فقال له: إنى أظنك ستقول: هذه حرام عليك. قال موسى: أجل، هى حرام عليك، لا تقربها. قال: فو الله لا نطيعك فى هذا. ثم دخل بها قبّته فوقع عليها فأرسل الله تعالى الطاعون على بنى إسرائيل فى الوقت؛ وكان فنحاص بن العيزار ابن هارون صاحب أمر موسى رجلا قد أعطى بسطة فى الخلق وقوّة فى البطش وكان غائبا حين صنع زمزى بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس فى بنى إسرائيل فأخبر الخبر، فأخذ حربته، وكانت كلّها من حديد، ثم دخل عليهما القبّة وهما مضطجعان فنظمهما بحريته، ثم خرج بهما رافعا حربته إلى السماء قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته- وكان بكر العيزار- وجعل يقول: اللهمّ هكذا تفعل بمن يعصيك؛ ورفع الطاعون، فحسب من هلك من بنى إسرائيل فى الطاعون- فيما بين أن أصاب المرأة إلى أن قتله فنحاص- فوجدوه قد أهلك منهم سبعين ألفا فى ساعة واحدة من النهار.

قال: فمن هناك يعطى بنو إسرائيل ولد فنحاص من كلّ ذبيحة ذبحوها الخاصرة «1» والذراع واللّحية، لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار بن هارون.

قال الثعلبىّ أيضا: وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: ادع الله على موسى. فقال: إنه من أهل دينى فلا أدعو عليه. فنحت الملك خشبة ليصلبه فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليه، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان

ص: 270

وقد وقفت، فضربها، فقالت: لم تضربنى وأنا مأمورة؟ فلا تظلمنى، وهذه نار أمامى قد منعتنى أن أمشى. فرجع فأخبر الملك؛ فقال: لتدعونّ عليه أو لأصلّبنّك.

فدعا على موسى باسم الله الأعظم ألّا يدخل المدينة، فاستجيب له، ووقع موسى فى التّيه بدعائه، فقال موسى: يا ربّ بأىّ ذنب وقعنا فى التّيه. فقال: بدعاء بلعام.

قال: ربّ بما سمعت دعاءه علىّ فاسمع دعائى عليه. فدعا موسى أن ينزع منه الاسم الأعظم والإيمان. فسلخه الله مما كان عليه، ونزع منه المعرفة، فخرجت كحمامة بيضاء، فذلك قوله عز وجل فَانْسَلَخَ مِنْها.

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيّب وأبو روق وزيد بن أسلم:

نزلت هذه الآية فى أميّة بن أبى الصّلت، وكانت قصته أنه كان فى ابتداء أمره قد قرأ الكتب وعلم أن الله عز وجل مرسل رسولا فى ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل الله تعالى محمدا- صلى الله عليه وسلم حسده وكان قد قصد بعض الملوك، فلما رجع مرّ بقتلى بدر، فسأل عنهم؛ فقيل: قتلهم محمد. فقال: لو كان نبيّا ما قتل أقرباءه. فلما مات أتت أخته فارعة رسول الله- صلى الله عليه وسلم فسألها رسول الله- صلى الله عليه وسلم عن وفاة أخيها؛ فقالت: بينا هو راقد أتاه اثنان فكشفا سقف البيت ونزلا، فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الّذى عند رجليه للّذى عند رأسه: أوعى؟ قال:

وعى. قال: أزكا «1» قال: أبى. [قالت]«2» : فسألته عن ذلك؟ فقال: خير أريد بى فصرف عنّى. ثم غشى عليه، فلمّا أفاق قال:

ص: 271

كلّ عيش وإن تطاول دهرا

صائر أمره إلى أن يزولا

ليتنى كنت قبل ما قد بدا لى

فى قلال الجبال أرعى الوعولا

إنّ يوم الحساب يوم عظيم

شاب فيه الصغير يوما ثقيلا

ثم قال لها رسول الله- صلى الله عليه وسلم أنشدينى من شعر أخيك.

فأنشدته:

لك الحمد والنّعماء والفضل ربّنا

ولا شىء أعلى منك جدّا وأمجد

مليك على عرش السماء مهيمن

لعزّته تعنو الوجوه وتسجد

وهى قصيدة طويلة، حتى أتت على آخرها.

وأنشدته قصيدته الّتى يقول فيها:

يوقف الناس للحساب جميعا

فشقّى معذّب وسعيد

ثم أنشدته قصيدته الّتى يقول فيها:

عند ذى العرش تعرضون عليه

يعلم الجهر والسّرار الخفيّا

يوم نأتى الرحمن وهو رحيم

إنّه كان وعده مأتيّا

يوم آتيه- مثل ما قال- فردا

ثم لا أدر «1» راشدا أم غويّا

أسعيدا إسعاده أنا أرجو

أو مهانا بما اكتسبت شقيّا

إن أؤاخذ بما اجترمت فإنّى

سوف ألقى من العذاب فريّا

ربّ إن تعف فالمعافاة ظنّى

أو تعاقب فلم تعاقب بريّا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمن شعره وكفر قلبه. وأنزل الله تعالى فيه:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها

الآيات.

ص: 272

ومنهم من قال: إنّ الآيات نزلت فى البسوس، وكان رجلا أعطى ثلاث دعوات مستجابة، وكانت له امرأة، وكان له منها ولد، فقالت: اجعل لى منها دعوة واحدة. فقال: لك فيها دعوة، فما تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلنى أجمل امرأة فى بنى إسرائيل. فدعا لها، فصارت أجمل امرأة فى بنى إسرائيل؛ فلما علمت أنّه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب ودعا عليها، فصارت كلبة نبّاحة، فجاء بنوها وقالوا: ليس لنا على هذا قرار، قد صارت أمّنا كلبة نبّاحة والناس يعيّروننا بها، فادع الله أن يردّها إلى الحال الّتى كانت عليها. فدعا الله تعالى، فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات.

وقال أبو سعيد: نزلت فى أبى عامر بن نعمان بن صيفىّ الراهب الذى سمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم: الفاسق، وكان قد ترهّب فى الجاهليّة ولبس المسوح وقدم المدينة، فقال للنبىّ صلى الله عليه وسلم: ما هذا الذى جئت به؟ فقال:

جئت بالحنيفيّة دين إبراهيم. قال: فأنا عليها، فقال له النبىّ صلى الله عليه وسلم:

لست عليها، ولكنّك أدخلت فيها ما ليس منها. ثم خرج إلى كفّار قريش.

وأخباره تذكر- إن شاء الله- فى سيرة سيّدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم.

فهذا ما قيل فى تفسير هذه الآية.

قال الكسائىّ: ونادى موسى فى قومه بعد رفع الطاعون عنهم: «أن احملوا» .

فحملوا واقتتلوا، فقتل الملك وبلعم، وانهزم الباقون، وغنم بنو إسرائيل من النساء والولدان شيئا كثيرا. والله تعالى أعلم بالصواب.

ص: 273