المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر خبر إرم ذات العمادوقصة شديد وشداد بنى عاد - نهاية الأرب في فنون الأدب - جـ ١٣

[النويري، شهاب الدين]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثالث عشر

- ‌الفنّ الخامس فى التاريخ

- ‌القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى مبدأ خلق آدم وحوّاء- عليهما السلام ودخولهما الجنة، و

- ‌الباب الأوّل- من هذا القسم فى مبدأ خلق آدم وحوّاء- عليهما السلام وما كان من أخبارهما إلى حين وفاتهما

- ‌ذكر خلق آدم عليه السلام

- ‌ذكر سجود الملائكة لآدم

- ‌ذكر خلق حوّاء عليها السلام

- ‌ذكر عرض الأمانة على آدم عليه السلام

- ‌ذكر خبر إبليس والطاوس والحيّة

- ‌ذكر خروج آدم وحوّاء من الجنة

- ‌ذكر سؤال إبليس- لعنه الله تعالى

- ‌ذكر سؤال آدم- عليه السلام

- ‌ذكر سؤال حوّاء- عليها السلام

- ‌ذكر توبة آدم عليه السلام

- ‌ذكر أخذ الميثاق على ذرّية آدم- عليه السلام

- ‌ذكر اجتماع آدم بحوّاء

- ‌ذكر إبناء آدم وزرعه وحرثه

- ‌ذكر حمل حوّاء- عليها السلام وولادتها

- ‌ذكر مبعث آدم- عليه السلام إلى أولاده

- ‌ذكر قتل قابيل هابيل

- ‌ذكر وفاة آدم- عليه السلام

- ‌ذكر وفاة حوّاء

- ‌الباب الثانى من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى خبر شيث ابن آدم- عليهما السلام وأولاده

- ‌ذكر قتال شيث قابيل

- ‌الباب الثالث من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى أخبار إدريس النبى- عليه السلام

- ‌الباب الرابع من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى قصة نوح- عليه السلام وخبر الطوفان

- ‌ذكر مبعث نوح عليه السلام

- ‌ذكر عمل السفينة

- ‌ذكر خبر دعوة نوح على ابنه حام ودعوته لابنه سام

- ‌ذكر وصيّة نوح ووفاته

- ‌ذكر خبر أولاد نوح- عليه السلام من بعده

- ‌الباب الخامس من القسم الأوّل من الفن الخامس فى قصة هود- عليه السلام مع عاد وهلاكهم بالريح العقيم

- ‌ذكر مبعث هود عليه السلام

- ‌ذكر خبر وفد عاد إلى الحرم يستسقون لهم

- ‌ذكر إرسال العذاب على قوم هود

- ‌ذكر خبر مرثد ولقمان

- ‌ذكر خبر إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِوقصّة شديد وشدّاد بنى عاد

- ‌الباب السادس من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى قصة صالح- عليه السلام مع ثمود وعقرهم الناقة وهلاكهم

- ‌ذكر ميلاد صالح- عليه السلام

- ‌ذكر مبعثه- عليه السلام

- ‌ذكر خروج الناقة

- ‌ذكر خبر عقر الناقة وهلاك ثمود

- ‌الباب السابع من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى أخبار أصحاب البئر المعطّلة والقصر المشيد وما كان من أمرهم وهلاكهم

- ‌الباب الثامن من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى خبر أصحاب الرّس وما كان من أمرهم

- ‌وأمّا الرسّ الآخر

- ‌القسم الثانى من الفنّ الخامس فى قصّة إبراهيم الخليل- عليه الصلاة والسلام وخبره مع نمروذ، وقصّة لوط، وخبر إسحاق ويعقوب، وقصّة يوسف وأيّوب وذى الكفل وشعيب

- ‌الباب الأوّل منه فى قصّة إبراهيم الخليل- عليه الصلاة والسلام وخبر نمروذ بن كنعان

- ‌ذكر خبر نمروذ بن كنعان

- ‌ذكر الآيات التى رآها نمروذ قبل مولد إبراهيم- عليه السلام

- ‌ذكر حمل أمّ إبراهيم- عليه السلام وطلوع نجمه

- ‌ذكر ميلاد إبراهيم- عليه السلام

- ‌ذكر خروج إبراهيم- عليه السلام من الغار واستدلاله

- ‌ذكر معجزة لإبراهيم- عليه الصلاة والسلام

- ‌ذكر مبعث إبراهيم- عليه السلام

- ‌ذكر سؤال إبراهيم- عليه السلام فى إحياء الموتى

- ‌ذكر آية لإبراهيم- عليه السلام

- ‌ذكر خبر تكسير إبراهيم الأصنام وإلقائه فى النار

- ‌ذكر خبر صعود نمروذ إلى السماء على زعمه

- ‌ذكر خبر إرسال البعوض على نمروذ وقومه

- ‌ذكر هجرة إبراهيم- عليه السلام

- ‌ذكر خبر ميلاد إسماعيل- عليه السلام ومقامه وأمّه فى البيت المحرّم

- ‌ذكر خبر بشارة إبراهيم بإسحاق- عليهما السلام

- ‌ذكر خبر الذبيح وفدائه

- ‌ذكر وفاة إبراهيم- عليه السلام

- ‌الباب الثانى من القسم الثانى من الفن الخامس فى قصّة لوط- عليه السلام وقلب المدائن

- ‌ذكر خبر نزول العذاب على قوم لوط وقلب المدائن

- ‌الباب الثالث من القسم الثانى من الفن الخامس فى خبر إسحاق ويعقوب- عليهما السلام

- ‌ذكر مبعث يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام

- ‌الباب الرابع من القسم الثانى من الفن الخامس فى قصّة يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام

- ‌ذكر خبر ميلاد يوسف- عليه السلام

- ‌ذكر رؤيا يوسف- عليه السلام وكيد إخوته له

- ‌ذكر رجوع إخوة يوسف إلى يعقوب

- ‌ذكر كلام الذئب بين يدى يعقوب

- ‌ذكر خبر خروج يوسف من الجبّ وبيعه من مالك بن دعر

- ‌ذكر خبر بيع يوسف من عزيز مصر

- ‌ذكر خبر يوسف وزليخا

- ‌ذكر خبر النسوة اللاتى قطّعن أيديهنّ

- ‌ذكر إلهام يوسف- عليه السلام التعبير

- ‌ذكر خبر الخبّاز والساقى

- ‌ذكر رؤيا الملك وتعبيرها وما كان من أمر يوسف وولايته

- ‌ذكر حاجة زليخا إلى الطعام وزواج يوسف بها

- ‌ذكر دخول إخوة يوسف- عليه السلام فى المرّة الأولى

- ‌ذكر خبر دخولهم عليه فى المرّة الثانية

- ‌ذكر خبر دخولهم عليه فى الدفعة الثالثة

- ‌ذكر خبر حديث الصاع

- ‌ذكر دعوة يوسف- عليه السلام وارتحاله عن بلد الريّان

- ‌ذكر خبر وفاة يوسف- عليه السلام

- ‌الباب الخامس من القسم الثانى من الفنّ الخامس فى قصّة أيوب- عليه السلام وابتلائه وعافيته

- ‌ذكر كشف البلاء عن أيّوب- عليه السلام

- ‌الباب السادس من القسم الثانى من الفن الخامس فى خبر (ذى الكفل)

- ‌الباب السابع من القسم الثانى من الفن الخامس فى خبر شعيب النبى عليه السلام

- ‌ذكر مبعث شعيب- عليه السلام

- ‌ذكر خبر الظّلّة

- ‌القسم الثالث من الفنّ الخامس يشتمل على قصة موسى بن عمران عليه السلام وخبره مع فرعون؛ و

- ‌الباب الأوّل من القسم الثالث من الفن الخامس فى قصة موسى بن عمران وهارون- عليهما السلام

- ‌ذكر خبر قتل الملك واستيلاء فرعون على ملكه وما كان من أمره

- ‌ذكر خبر آسية بنة مزاحم وزواج فرعون بها

- ‌ذكر شىء من الايات التى رآها فرعون قبل مولد موسى عليه السلام

- ‌ذكر خبر قتل الأطفال

- ‌ذكر خبر ميلاد موسى وما كان من أمره وإلقائه فى التابوت

- ‌ذكر دخول التابوت فى دار فرعون ورجوع موسى إلى أمّه

- ‌ذكر شىء من عجائب موسى- عليه السلام وآياته

- ‌ذكر خبر القبطىّ وخروج موسى من مصر

- ‌ذكر خبر ورود موسى مدين وما كان بينه وبين شعيب وزواجه ابنته

- ‌ذكر خبر خروج موسى- عليه السلام من أرض مدين ومناجاته ومبعثه إلى فرعون

- ‌ذكر خبر مسير موسى إلى مصر واجتماعه بأخيه هارون وأمّه

- ‌ذكر خبر دخول موسى- عليه السلام إلى فرعون وما كان من أمره معه

- ‌ذكر خبر العصا حين صارت ثعبانا واليد البيضاء

- ‌ذكر خبر السّحرة واجتماعهم وما كان من أمرهم وإيمانهم

- ‌ذكر خبر حزقيل مؤمن آل فرعون

- ‌ذكر خبر بناء الصرح وما قيل فيه

- ‌ذكر خبر الآيات التسع

- ‌ذكر خبر مسخ قوم فرعون

- ‌ذكر خبر قتل الماشطة

- ‌ذكر خبر قتل آسية بنت مزاحم امرأة فرعون

- ‌ذكر خبر انقطاع النيل وكيف أجراه الله عز وجل لفرعون

- ‌ذكر خبر غرق فرعون وقومه

- ‌ذكر خبر ذهاب موسى- عليه السلام لميقات ربه وطلبه الرؤية وخبر الصاعقة والإفاقة

- ‌ذكر خبر الألواح ونزول التوراة والعشر كلمات

- ‌ذكر خبر السامرى واتخاذه العجل وافتتان بنى إسرائيل به

- ‌ذكر خبر رجوع موسى إلى قومه وما كان من أمرهم

- ‌ذكر خبر امتناع بنى إسرائيل من قبول أحكام التوراة ورفع الجبل عليهم وإيمانهم

- ‌ذكر خبر الحجر الذى وضع موسى- عليه السلام ثيابه عليه

- ‌ذكر خبر طلب بنى إسرائيل رؤية الله تعالى وهلاكهم بالصاعقة، وكيف أحياهم الله- عز وجل وبعثهم من بعد موتهم

- ‌ذكر خبر قارون

- ‌ذكر خبر موسى والخضر- عليهما السلام

- ‌ذكر خبر البقرة وقتل عاميل

- ‌ذكر بناء بيت المقدس وخبر القربان والتابوت والسكينة وصفة النار

- ‌ذكر ما أنعم الله تعالى به على بنى إسرائيل بعد خروجهم من مصر

- ‌ذكر مسير موسى- عليه السلام وبنى إسرائيل لحرب الجبّارين ودخولهم القرية

- ‌ذكر خبر مدينة بلقاء وخبر بلعم بن باعورا وما يتّصل بذلك

- ‌ذكر خبر وفاة هارون عليه الصلاة والسلام

- ‌ذكر وفاة موسى بن عمران- عليه الصلاة والسلام

- ‌استدراك

الفصل: ‌ذكر خبر إرم ذات العمادوقصة شديد وشداد بنى عاد

فى جبل وعر، لا يمسّهن ذعر؛ وإن شئت بقاء سبع نوايات من تمر، مستودعات فى صخر، لا يمسّهن ندى ولا قطر؛ وإن شئت بقاء سبعة أنسر كلّما هلك نسر أعقب من بعده نسر. فاختار الأنسر، فكان يأخذ الفرخ منها حين يخرج من بيضته، فإذا مات أخذ غيره، فكان كلّ نسر يعيش ثمانين سنة، حتى انتهى إلى السابع، فكان آخرها لبد؛ فلما مات لبد مات معه لقمان، وهو لقمان النسور.

ولنصل هذا الباب بخبر إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ

، وقصّة شديد وشدّاد.

‌ذكر خبر إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ

وقصّة شديد وشدّاد بنى عاد

قد ذكرنا خبر إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ

فيما تقدّم من كتابنا هذا على سبيل الاختصار وذلك فى (الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الأوّل فى المبانى القديمة) وهو فى السفر الأوّل من هذه النسخة؛ ورأينا إيراده فى هذا الباب بما هو أبسط من ذلك لتعلّقه به.

قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ.

روى أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبىّ فى كتابه المترجم (بيواقيت البيان فى قصص القرآن) عن منصور عن سفيان عن أبى وائل أنّ رجلا يقال له: (عبد الله بن قلابة) خرج فى طلب إبل له قد شردت، فبينما هو فى بعض صحارى عدن فى تلك الفلوات، إذ وقف على مدينة عليها حصن، حول ذلك الحصن قصور كثيرة وأعلام طوال؛ فلمّا دنا منها ظنّ أن فيها من يسأله عن إبله فلم ير داخلا فيها ولا خارجا منها، فنزل عن ناقته وعقلها، وسلّ سيفه، ودخل من باب الحصن، فاذا هو ببابين عظيمين لم ير فى الدنيا أعظم منهما ولا أطيب رائحة

ص: 61

وإذا خشبهما من أطيب عود، وعليهما نجوم من ياقوت أصفر وياقوت أحمر ضوءها قد ملأ المكان؛ فلما رأى ذلك عجب، ففتح أحد البابين، فاذا هو بمدينة لم ير الراءون مثلها قطّ، وإذا هو بقصور تتعلّق، تحتها أعمدة من زبرجد وياقوت وفوق كلّ قصر منها غرف مبنيّة بالذهب والفضّة واللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعلى كلّ باب من أبواب تلك القصور مصراع كمصراع باب المدينة من عود طيّب، قد نضّدت عليه اليواقيت؛ وقد فرشت تلك القصور باللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران ولم ير هنالك أحدا، فأفزعه ذلك، ثم نظر إلى الأزقّة فاذا فى كلّ زقاق منها أشجار قد أثمرت، تحتها أنهار تجرى؛ فقال: هذه الجنّة التى وصفها الله تعالى لعباده فى الدنيا الحمد لله الذى أدخلنى الجنة. فحمل من لؤلؤها وبنادق المسك والزعفران ولم يستطع أن يقلع من زبرجدها ولا ياقوتها لأنّها كانت مشتبكة فى أبوابها وجدرانها وكان اللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران منثورة بمنزلة الرمل فى تلك القصور والغرف؛ فأخذ منها ما أراد، وخرج؛ ثم سار يقفو أثر ناقته حتى رجع إلى اليمن، فأظهر ما كان معه، وأعلم الناس بخبره، وباع ذلك اللؤلؤ، وكان قد اصفرّ وتغيّر من طول الزمان الذى مرّ عليه، ففشا خبره وبلغ معاوية، فأرسل رسولا إلى صاحب (صنعاء) ، وكتب بإشخاصه، فسار حتى قدم على معاوية، فخلا به وسأله عمّا عاين؛ فقصّ عليه أمر المدينة وما رأى فيها؛ فاستعظم ذلك، وأنكر ما حدّث به، وقال:

ما أظنّ ما يقول حقّا. ثم قال: يا أمير المؤمنين، معى من متاعها الّذى هو مفروش فى قصورها وغرفها وبيوتها. قال له: ما هو؟ قال: اللؤلؤ والبنادق.

فشمّ البنادق فلم يجد لها ريحا؛ فأمر ببندقة منها فدقّت، فسطع ريحها مسكا وزعفرانا؛ فصدّقه عند ذلك؛ ثم قال معاوية: كيف أصنع حتى أسمع باسم هده المدينة ولمن هى ومن بناها؟ والله ما أعطى أحد مثلما أعطى سليمان بن داود

ص: 62

وما أظنّ أنه كان له مثل هذه المدينة. فقال بعض جلسائه: ما تجد خبر هذه المدينة إلّا عند (كعب الأحبار) فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إليه ويأمر بإشخاصه ويغيّب عنه هذا الرجل فى موضع ويسمع كلامه منه وحديثه ووصف المدينة حتّى يتبيّن أمر هذه المدينة فعل، فإنّ كعبا سيخبر أمير المؤمنين بخبرها وأمر هذا الرجل إن كان دخلها، لأن مثل هذه المدينة على هذه الصفة لا يستطيع هذا الرجل دخولها، إلّا أن يكون سبق فى الكتاب دخوله إيّاها فيعرف ذلك.

فأرسل معاوية إلى (كعب الأحبار) وأحضره ثم قال له: يا أبا إسحاق إنّى دعوتك لأمر رجوت أن يكون علمه عندك. فقال له: يا أمير المؤمنين «على الخبير سقطت» فسلنى عما بدا لك. فقال له: أخبرنا يا أبا إسحاق، هل بلغك أن فى الدنيا مدينة مبنيّة بالذهب والفضّة، عمدها زبرجد وياقوت، وحصا قصورها وغرفها اللؤلؤ، وأنهارها فى الأزفة تحت الأشجار؟ قال: والّذى نفس كعب بيده لقد ظننت أن سأتوسّد «1» يمينى قبل أن يسألنى أحد عن تلك المدينة وما فيها ولكن أخبرك بها يا أمير المؤمنين ولمن هى، ومن بناها.

أمّا المدينة فهى حقّ على ما بلغ أمير المؤمنين وعلى ما وصفت له.

وأمّا صاحبها الّذى بناها فشدّاد بن عاد.

وأمّا المدينة فهى إرم ذات العماد التى لم يخلق مثلها فى البلاد.

فقال له معاوية: يا أبا إسحاق، حدّثنا بحديثها- يرحمك الله-. فقال كعب:

نعم يا أمير المؤمنين، إن عادا كان له ابنان يسمّى أحدهما «شديدا» والآخر «شدّادا» ؛ فهلك عاد، فبقيا وملكا وتجرّآ، فقهرا أهل البلاد، وأخذاها عنوة

ص: 63

وقسرا، حتى دان لهما جميع الناس، فلم يبق أحد من الناس فى زمانهما إلّا دخل فى طاعتهما، لا فى شرق الأرض ولا فى غربها؛ وإنهما لمّا صفا لهما ذلك وقرّ قرارهما مات شديد بن عاد، وبقى شدّاد، فملك وحده، ولم ينازعه أحد ودانت له الدنيا كلّها؛ فكان مولعا بقراءة الكتب القديمة، وكان كلّما مرّ فيها بذكر الجنة دعته نفسه لتعجيل تلك الصفة لنفسه الدنيّة عتوّا على الله وكفرا؛ فلما وقر ذلك فى نفسه أمر بصنعة تلك المدينة الّتى هى إرم ذات العماد، وأمر على صنعتها مائة قهرمان، مع كلّ واحد ألف من الأعوان. ثم قال: انطلقوا إلى أطيب فلاة من الأرض وأوسعها، واعملوا فيها مدينة من ذهب وفضّة وياقوت وزبرجد ولؤلؤ، تحت تلك المدينة أعمدة من زبرجد، وعلى المدينة قصور، من فوق القصور غرف، ومن فوق الغرف غرف، واغرسوا تحت القصور غروسا فيها أصناف الثمار كلّها، وأجروا فيها الأنهار حتى تكون تحت تلك الأشجار جارية، فإنّى أسمع فى الكتب صفة الجنة، وإنى أحبّ أن أتخذ مثلها فى الدنيا، أتعجل سكناها. فقال له قهارمته:

كيف لنا بالقدرة على ما وصفت لنا من الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة نبنى منها مدينة كما وصفت لنا؟ فقال لهم شدّاد: ألستم تعلمون أن ملك الدنيا كلّها بيدى؟ فقالوا: بلى. قال: انطلقوا إلى كلّ موضع فيه معدن من معادن الزبرجد والياقوت والذهب والفضة، وكلّفوا من كلّ قوم رجلا يخرج لكم ما فى كلّ معدن من تلك الأرض؛ ثم انظروا إلى ما فى أيدى الناس من ذلك فخذوه، سوى ما يأتيكم به أصحاب المعادن، فإنّ معادن الدنيا فيها كثير من ذلك، وما فيها ممّا لا تعلمون أكثر وأعظم ممّا كلّفتكم من صنعة هذه المدينة.

قال: فخرجوا من عنده، وكتب معهم إلى كلّ ملك من ملوك الدنيا يأمره أن يجمع لهم ما فى بلده من الجواهر، ويحفر معادنها؛ فانطلق القهارمة، وبعث الكتب

ص: 64

إلى الملوك بأخذ كلّ ما يجدونه فى أيدى الناس عشر سنين من الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة، ويبعثون بذلك إلى فعلة إرم ذات العماد. وخرج الفعلة يطلبون موضعا كما وصفه لهم شدّاد.

فقال معاوية: يا أبا إسحاق، كم كان عدد أولئك الملوك الذين كانوا تحت يد شدّاد؟ قال: كانوا مائتين وستّين ملكا.

قال: فخرج عند ذلك الفعلة والقهارمة، فتفرّقوا فى الصحارى ليجدوا ما يوافق غرضه؛ فوقعوا فى صحراء عظيمة نقيّة من الجبال والتلال. وإذا هم بعيون مطّردة؛ فقالوا: هذه صفة الأرض التى أمرنا بها؛ فأخذوا منها بقدر ما أمرهم به من العرض والطول، ثم عمدوا إلى مواضع الأزقّة فأجروا فيها قنوات الأنهار؛ ثم وضعوا الأساس من صخور الجزع اليمانىّ، وعجنوا طين ذلك الأساس من دهن البان والمحلب؛ فلمّا فرغوا من وضع الأساس بعث بالعمد والذهب والفضّة من جهة الملوك؛ فتسلّمها الوزراء والقهارمة، وأقاموا حتى فرغوا من بنائها على ما أراد شدّاد.

فقال معاوية: يا أبا إسحاق، إنى لأحسبهم أقاموا فى بنائها زمنا من الدهر.

قال: نعم يا أمير المؤمنين. إنى لأجد فى التوراة مكتوبا أنهم أقاموا فى بنائها ثلاثمائة سنة. فقال معاوية: كم كان عمر شدّاد؟ فقال: سبعمائة سنة. فقال معاوية: لقد أخبرتنا عجبا، فحدّثنا. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّما سمّاها الله تعالى إرم ذات العماد الّتى لم يخلق مثلها فى البلاد، للعمد التى تحتها من الزبرجد والياقوت وليس فى الدنيا مدينة من الزبرجد والياقوت غيرها، فلذلك قال الله تعالى: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ.

وقال كعب: إنّهم لما أتوه فأخبروه بفراغهم منها قال: انطلقوا واجعلوا عليها حصنا، واجعلوا حول الحصن ألف قصر، عند كلّ قصر ألف علم، ويكون فى كلّ

ص: 65

قصر وزير من وزرائى، ويكون كلّ علم عليه ناطور. فرجعوا فعملوا تلك القصور والأعلام والحصن؛ ثم أتوه فأخبروه بالفراغ ممّا أمرهم به.

قال: فأمر شدّاد ألف وزير من خاصّته أن يهيّئوا أسبابهم، ويعوّلوا على النقلة إلى إرم ذات العماد، وأمر رجالا أن يسكنوا تلك الأعلام ويقيموا فيها ليلهم ونهارهم، وأمر لهم بالعطاء والأرزاق، وأمر من أراد من نسائه وخدمه بالجهاز إلى إرم ذات العماد؛ فأقاموا فى جهازهم عشر سنين؛ ثم سار الملك شدّاد بن عاد بمن أراد، وتخلّف من قومه فى عدن من أمره بالمقام بها.

قال: فلمّا استقلّ وسار إليها ليسكن فيها، وبلغ منها موضعا بقى بينه وبين دخوله إليها مسيرة يوم وليلة، بعث الله تعالى عليه وعلى من كان معه صيحة من السماء، فأهلكتهم جميعا، ولم يبق منهم أحد، ولم يدخل شدّاد ولا من كان معه إرم ذات العماد، ولم يقدر أحد منهم على الدخول فيها حتى الساعة.

فهذه صفة إرم ذات العماد، وأنّه سيدخلها رجل من المسلمين فى زمانك ويرى ما فيها، فيحدّث بما عاين، ولا يسمع منه ولا يصدّق. فقال معاوية:

يا أبا إسحاق، فهل تصفه لنا؟ قال: نعم، هو رجل أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج فى طلب إبل له ندّت فى تلك الصحارى فيقع على إرم ذات العماد، فيدخلها ويحمل ممّا فيها. والرجل جالس عند معاوية.

فالتفت كعب فرأى الرجل، فقال: هو هذا يا أمير المؤمنين قد دخلها، فاسأله عما حدّثتك به. فقال معاوية: يا أبا إسحاق، إنّ هذا من خدمى، ولم يفارقنى. قال كعب: قد دخلها وإلّا سوف يدخلها، وسيدخلها أهل هذا الدين فى آخر الزمان. قال معاوية: يا أبا إسحاق، لقد فضّلك الله على غيرك من العلماء

ص: 66

ولقد أعطيت من علم الأوّلين والآخرين ما لم يعطه أحد. فقال: والّذى نفس كعب بيده، ما خلق الله تعالى فى الأرض شيئا إلّا وقد فسّره فى التوراة لعبده موسى تفسيرا، وإن هذا القرآن أشدّ وعيدا (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) *

والله الهادى للصواب.

قال أبو إسحاق الثعلبىّ- رحمه الله تعالى- وقال الشعبىّ: أخبرنا دغفل الشيبانىّ عن رجل من أهل (حضرموت) يقال له: بسطام، أنه وقع على حفيرة شدّاد بن عاد فى جبل من جبال حضرموت مطلّ على البحر.

قال: وكنت أسمع من صباى إلى أن اكتهلت بمغارة فى جبل من جبالنا بحضرموت وهيبة الناس لدخولها، فلم أحتفل بما كنت أسمع من ذلك؛ فبينما أنا فى نادى قومى إذ تناشدوا حديث تلك المغارة وأطنبوا فى ذكرها ووصفوا موضعها؛ فقلت لقومى: إنى غير منته حتى أدخلها، فهل فيكم من يساعدنى؟ فقال فتى منهم حدث السنّ: أنا أصاحبك. فقلت: يابن أخى، أو تجسر على ذلك؟

قال: عندى ما عند أشدّ رجل من رباطة الجأش وشدّة القلب. فهيّأنا شمعة وحملنا معنا إداوة عظيمة مملوءة ماء وطعاما مقدار ما قدرنا على حمله؛ ثم مضينا نحو ذلك الجبل الذى فيه المغارة- وكان مشرفا على المكان الذى يركب أهل حضرموت منه البحر- فلما انتهينا إلى باب المغارة حزمنا علينا ثيابنا؛ وأشعلنا الشمعة؛ ثم ذكرنا الله تعالى، ودخلنا ومعنا تلك الإداوة وذلك الطعام، فإذا بمغارة عظيمة عرضها عشرون ذراعا، وطولها علوا نحو خمسين ذراعا؛ فمشينا فيها هونا فى طريق أملس مستو، ثم أفضينا إلى درجات عالية عرض الدرجة عشرون ذراعا فى سمك عشر أذرع، فحملنا أنفسنا على نزول تلك الدرجات فقلت لصاحبى: هلمّ، إلىّ يديك. فكنت آخذ بيده حتى ينزل، فإذا نزل وقام فى الدرجة تعلّقت بطرف الدرجة وتسيّبت حتى تنال رجلاى منكبيه؛ فلم نزل

ص: 67

كذلك وذلك دأبنا عامّة يومنا، حتى نزلنا ذلك الدّرج وكانت مقدار مائة درجة؛ فأفضينا إلى أزج عظيم محفور فى الجبل، فى طول مائة ذراع، فى عرض أربعين ذراعا، وسمكه فى السماء نحو مائة ذراع، وفى صدره سرير من ذهب مفصّص بأصناف الجواهر، وفوقه رجل عظيم الجسم، قد أخذ طول هذا الأزج وعرضه وهو مضطجع على ظهره كهيئة النائم، وعليه سبعون حلّة بمقدار طوله وعرضه منسوجة تلك الحلل بقضبان الذهب والفضة، وإذا فى ذلك الأزج نقب عرضه ذراعان، وارتفاعه ثلاث أذرع، خارج إلى فضاء لم ندر ما هو، وإذا على رأس السرير لوح من ذهب، فيه كتاب بالمسند- وهو كتاب عاد كانت تكتبه فى زمانها- محفور ذلك الكتاب فى اللوح حفرا؛ فقلعناه ودنونا من الرجل فمسسنا تلك الحلل فصارت رميما، وبقيت قضبان الذهب قائمة، فجمعناها وكانت مقدار مائة رطل، فحملناها فى أزرنا، وأردنا قلع شىء من تلك الجواهر المفصّص بها السرير، فلم نقدر عليه لوثاقته، فتركناه؛ وهجم علينا الليل، ونحن فى ذلك الأزج وعرفنا ذلك بذهاب ذلك الضوء الذى كان يدخل من ذلك النّقب، فبتنا ليلتنا فى ذلك الأزج، وطفئت الشمعة التى كانت معنا؛ فلما أصبحنا قلت لصاحبى:

ما ترى؟ قال: أما الرجوع من حيث جئنا فلا سبيل إليه، لارتفاع الدّرج، وأنا لا نستطيع صعودها، لا سيّما والشمعة قد طفئت، ولكن هلّم لنلزم هذا الضوء الذى نراه فى هذا النقب، فإنى أرجو أن يخرج بنا إلى الفضاء إن شاء الله تعالى.

فقلت له: لعمرى إنّ هذا لهو الرأى.

قال: فانطلقنا بما معنا من تلك القضبان من الذهب، وحملناها مع ذلك اللوح الذهب الذى كان عند رأس السرير، ومشينا فى ذلك النّقب نتبع ذلك الضوء، فلم نزل نمشى فيه فى طريق ضيق مقدار مائة ذراع حتى خرجنا منه إلى

ص: 68

كهف فى ذلك الجبل كهيئة الحائط، وقد حفّ بذلك الكهف البحر؛ فجلسنا على باب ذلك النّقب ثلاثة أيّام نتموّن بقيّة ما كان معنا من الماء والطعام؛ فلمّا كان فى اليوم الرابع نظرنا إلى مركب قد أقبل فى البحر فلوّحنا إلى من فيه، فأرسلوا إلينا القارب، فنزلنا من باب ذلك النقب نزولا شاقّا حتى وثبنا إلى القارب بما معنا، ثم خرجنا من البحر فقسمنا ذلك الذهب بيننا، وصار ذلك اللّوح إلىّ بقسطى.

قال: ثم إنّ أنفسنا دعتنا إلى العودة إلى ذلك السّرب ممّا يلى النّقب من جهة البحر، فركبنا قاربا وسرنا فى البحر نحو المكان الذى كنّا فيه، فنزلنا منه، فخفى علينا فعلمنا أنّا لم نرزق من ذلك المكان إلّا ما أخذناه، فرجعنا.

قال: ومكث ذلك اللوح عندى حولا وأنا لا أجد من يقرؤه، حتى أتانا رجل حميرىّ من أهل صنعاء كان يحسن قراءة تلك الكتابة، فأخرجت إليه اللوح فقرأه، فإذا فيه مكتوب هذه الأبيات:

اعتبر بى أيّها المغ

رور بالعمر المديد

أنا شدّاد بن عاد

صاحب الحصن العتيد

وأخو القوّة والبأ

ساء والملك الشديد

وبفضل الملك والع

دّة فيه والعديد

دان أهل الأرض طرّا

لى من خوف وعيدى

وملكت الشرق والغر

ب بسلطان شديد

فأتى هود وكنّا

فى ضلال قبل هود

فدعانا- لو قبلنا

هـ- إلى الأمر الرشيد

فعصيناه ونادي

نا ألا هل من محيد

فأتتنا صيحة ته

وى من الأفق البعيد

ص: 69

فتوافينا كزرع

وسط بيداء حصيد

وقد ساق أبو إسحاق الثعلبىّ أيضا هذه الأبيات بهذا السند دون القصّة فى تفسيره (الكشف والبيان عن تفسير القرآن) وفيها فى البيت الرابع بدل قوله:

طرا لى من خوف وعيدى

دان أهل الأرض لى من

خوف وعدى ووعيدى

قال أبو إسحاق- رحمه الله قال دغفل الشيبانىّ: سألت علماء حمير عن شدّاد بن عاد، فقلت: إنه أصيب وكان قد دنا من إرم ذات العماد، فكيف وجد شلوه فى تلك المغارة وهى بحضرموت؟ فقالوا: إنّه لمّا هلك هو ومن معه بالصيحة، ملك بعده مرثد بن شدّاد، وقد كان أبوه خلّفه على ملكه بحضرموت فأمر بحمل أبيه إلى حضرموت، فحمل مطلّيا بالصبر والكافور، فأمر أن تحفر له تلك المغارة، واستودعه فيها على ذلك السرير الذهب؛ والله تعالى أعلم.

هذا ما أورده- رحمه الله من خبر إرم ذات العماد وخبر شديد وشدّاد بنى عاد.

وقد ذكر فى هذه الأبيات هود النبىّ- عليه السلام فى قوله:

فأتى هود وكنّا

فى ضلال قبل هود

الأبيات الخمسة.

وقد تقدّم فى خبر هود وهلاك عاد بالريح العقيم، أن ملكهم القائم بأمرهم فى زمن هود كان اسمه الخلجان بن الوهم بن عاد، وأنه هلك بالريح العقيم إثر هلاك قومه، ولم يرد أنّه آمن بالله تعالى؛ وهذه الأبيات تدلّ على ندم قائلها؛ ومقتضى هذا السياق فيه دلالة على أن شدّاد بن عاد هذا المذكور آنفا، وابنه مرثد بن شدّاد وخبر إرم ذات العماد، كان قبل مبعث هود- عليه السلام والله تعالى أعلم.

ولنرجع إلى قصص الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-

ص: 70