المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ولنرجع إلى أخبار عديم بن البودسير الملك - نهاية الأرب في فنون الأدب - جـ ١٥

[النويري، شهاب الدين]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الخامس عشر

- ‌[تتمة الفن الخامس في التاريخ]

- ‌[تتمة القسم الرابع من الفن الخامس في أخبار الملوك]

- ‌[تتمة الباب الثاني من القسم الرابع من الفن الخامس]

- ‌ذكر أخبار مصر

- ‌ذكر خبر بناء الأهرام وسبب بنائها وشىء من عجائبها

- ‌ولنرجع الى أخبار الملوك

- ‌ذكر خبر كهّان مصر وحالهم مع الملوك

- ‌ذكر من ملك مصر بعد الطوفان من الملوك

- ‌ذكر خبر هاروت وماروت

- ‌ولنرجع إلى أخبار عديم بن البودسير الملك

- ‌ذكر أخبار أشمون ومن ملك من بنيه

- ‌ذكر أخبار أتريب الملك

- ‌ذكر» أخبار صابن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام ابن نوح عليه السلام

- ‌ذكر خبر عون وما فعله فى غيبة الوليد وخبر المدينة التى بناها

- ‌ذكر عود الوليد إلى مصر وهرب عون إلى مدينته

- ‌ذكر نبذة من أخبار من الملك مصر بعد غرق فرعون

- ‌الباب الثالث من القسم الرابع من الفن الخامس فى أخبار ملوك الأمم من الأعاجم

- ‌ذكر أخبار ملوك الفرس وهم الفرس الأول

- ‌ذكر أخبار بختنصّر

- ‌ذكر أخبار ملوك الطوائف

- ‌ذكر أخبار الملوك الساسانية

- ‌ذكر قطعة من سير كسرى أنو شروان وسياسته

- ‌ذكر خطبة أنوشروان

- ‌ذكر حيلة لأبرويز على ملك الروم

- ‌ذكر سبب هلاك أبرويز وقتله

- ‌ذكر أخبار ملوك اليونان وأنسابهم

- ‌ذكر شىء من مكايد الإسكندر وحيله فى حروبه

- ‌ذكر شىء من أخبار الإسكندر وما اتفق له مع ملكى الهند والصين

- ‌كلام الحكماء عند وفاة الإسكندر

- ‌ذكر أخبار ملوك السّريان

- ‌ذكر أخبار الملوك الكلوانيّين وهم ملوك النّبط ملوك بابل

- ‌ذكر أخبار ملوك الروم وأنسابهم

- ‌ذكر خبر أصحاب الكهف

- ‌ذكر أخبار ملوك الروم المتنصّرة وهم ملوك القسطنطينية

- ‌ذكر ملوك الروم بعد ظهور الإسلام

- ‌ذكر أخبار ملوك الصّقالبة والنّوكبرد

- ‌ذكر خبر ملوك الإفرنجة والجلالقه

- ‌ذكر طوائف السودان وشىء من أخبارهم ونسبهم

- ‌الباب الرابع من القسم الرابع من الفنّ الخامس فى أخبار ملوك العرب ويتّصل بهذا الباب خبر سيل العرم

- ‌ذكر أخبار ملوك قحطان

- ‌ذكر خبر سيف بن ذى يزن وعود الملك إلى حمير

- ‌ذكر أخبار ملوك الشام من ملوك قحطان

- ‌ذكر أخبار ملوك الحيرة وهم من آل قحطان

- ‌الباب الخامس من القسم الرابع من الفنّ الخامس

- ‌ذكر وقعة طسم وجديس

- ‌ذكر حروب قيس فى الجاهلية يوم منعج لغنىّ على عبس

- ‌يوم بطن عاقل لذبيان على بنى عامر

- ‌يوم رحرحان لعامر على تميم

- ‌يوم شعب جبلة لعامر وعبس على ذبيان وتميم

- ‌يوم الخريبة وفيه قتل الحارث بن ظالم

- ‌ذكر حرب داحس والغبراء وهى من حروب قيس

- ‌يوم المريقب لبنى عبس على بنى ذبيان

- ‌يوم ذى حسى لذبيان على عبس

- ‌يوم اليعمريّة لعبس على ذبيان

- ‌يوم الهباءة لعبس على ذبيان

- ‌يوم الفروق لبنى عبس

- ‌يوم قطن

- ‌يوم غدير قلبى

- ‌يوم الرقم لغطفان على بنى عامر

- ‌يوم حوزة الثانى

- ‌يوم ذات الأثل

- ‌يوم الظعينة بين دريد بن الصّمّة وربيعة بن مكدّم

- ‌يوم الصّلعاء لهوازن على غطفان

- ‌يوم فزارة لكنانة على سليم

- ‌يوم أقرن لبنى عبس على بنى دارم

- ‌يوم دارة مأسل لتميم على قيس

- ‌أيام تميم على بكر يوم الوقيط

- ‌يوم الحائر وهو يوم ملهم لبنى يربوع على بنى بكر

- ‌يوم القحقح وهو يوم مالة لبنى يربوع على بكر

- ‌يوم رأس العين لبنى يربوع على بكر

- ‌يوم الغبيط لبنى يربوع على بكر

- ‌يوم مخطّط لبنى يربوع على بكر

- ‌يوم جدود

- ‌يوم سفوان

- ‌أيام بكر على تميم يوم الزّويرين

- ‌يوم الشّيّطين لبكر على تميم

- ‌يوم صعفوق لبكر على تميم

- ‌يوم مبايض لبكر على تميم

- ‌يوم فيحان لبكر على تميم

- ‌يوم ذى قار الأوّل لبكر على تميم

- ‌يوم الحاجز لبكر على تميم

- ‌يوم الشقيق لبكر على تميم

- ‌ذكر حرب البسوس وهى حرب بكر وتغلب ابنى وائل

- ‌ذكر مقتل كليب وائل

- ‌يوم النّهى

- ‌يوم الذنائب

- ‌يوم واردات

- ‌ يوم عنيزة

- ‌يوم قضة

- ‌يوم تحلاق اللّمم

- ‌الكلاب الأوّل

- ‌يوم الصّفقة وهو يوم الكلاب الثانى

- ‌يوم طخفة

- ‌يوم فيف الريح

- ‌يوم زرود الأوّل

- ‌يوم غول الأوّل وهو يوم كنهل

- ‌يوم الجبابات

- ‌يوم الشّعب

- ‌يوم غول الثانى فيه قتل طريف شراحيل وعمرو بن مرثد المحلّمىّ

- ‌يوم الخندمة

- ‌يوم اللهيماء

- ‌يوم خزاز

- ‌يوم النّسار

- ‌يوم ذات الشقّوق

- ‌يوم خوّ

- ‌أيام الفجار

- ‌الفجار الأوّل

- ‌الفجار الثانى

- ‌الفجار الثالث وهو بين كنانة وهوازن

- ‌الفجار الآخر وهو بين قريش وكنانة كلها وبين هوازن

- ‌يوم العبلاء

- ‌يوم شرب

- ‌يوم الحريرة

- ‌يوم عين أباغ

- ‌يوم ذى قار

- ‌صورة ما ورد بآخر الجزء الثالث عشر فى أحد الأصلين الفتوغرافيين المرموز له بنسخة (ا)

- ‌صورة ما ورد بآخر الجزء الثالث عشر أيضا فى الأصل الثانى الفتوغرافى المرموز له بنسخة (ب)

الفصل: ‌ولنرجع إلى أخبار عديم بن البودسير الملك

فبذرت، قلت: أطلعى، فأطلعت «1» ، فقلت، أحقلى، فأحقلت «2» ، ثم قلت: أفركى «3» ، فأفركت، ثم قلت: أطحنى، فأطحنت، ثم قلت: أخبزى، فأخبزت. فلما رأيت أنى لا أريد شيئا إلا كان، سقط فى يدى وندمت. والله يا أمّ المؤمنين ما فعلت شيئا قطّ، ولا أفعله أبدا.

قال: وقال بعضهم: إنهما لا يتعمّدان تعليم السحر ولكنهما يصفانه ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه، فيتعلّم الشقىّ منهما فى خلال صفتهما ويترك موعظتهما ونصيحتهما، فلا يكون على هذا التأويل كفرا وإنما يكون العمل به كفرا. وقد أنكر بعضهم أن يكونا ملكين قال: وإنما كانا ملكين. وقرئ فى الشواذّ: (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)

(بكسر اللام) . وقيل: كانا علجين ببابل «4» . حكاه القاضى عياض فى كتاب الشفا «5» . والله تعالى أعلم.

‌ولنرجع إلى أخبار عديم بن البودسير الملك

.

قال: وعديم أوّل من صلب «6» ؛ وذلك أن امرأة زنت برجل من أهل الصناعات، وكان لها زوج من أصحابه، فأمر

ص: 57

بصلبهما على منارتين، وجعل ظهر كلّ منهما إلى ظهر صاحبه، وزبر على المنارتين اسمهما وما فعلاه وتاريخ الوقت الذى عمل ذلك بهما فيه، فانتهى الناس عن الزنا.

قال: وبنى أربع مدائن وأودعها صنوفا كثيرة من عجائب الأعمال والطّلّسمات وغير ذلك، وكنز فيها كنوزا كثيرة. وعمل فى الشرق منارا وأقام على رأسه صنما «1» موجّها إلى الشرق، مادّا يديه يمنع دوابّ البحر والرمال أن تتجاوز حدّه، وزبر فى صدره تاريخ الوقت الذى نصبه فيه؛ ويقال: إن هذا المنار قائم إلى وقتنا هذا؛ ولو لاه لغلب الماء المالح من البحر الشرقىّ على أرض مصر. وعمل قنطرة على النيل فى أوّل بلاد النوبة ونصب عليها أربعة أصنام موجّهة [إلى أربع جهات الدنيا «2» ] فى يدى كل صنم جرس يضرب به إذا أتاهم آت من تلك الناحية؛ فلم تزل بحالها إلى أن هدمها فرعون موسى. وهو الذى عمل البربا على باب النوبة، ويقال:

إنه عمل فى إحدى المدائن الأربع التى ذكرناها حوضا من صوّان أسود مملوءا ماء لا ينقص على طول الدهر ولا يتغيّر؛ وكان أهل تلك الناحية يشربون منه ولا ينقص ماؤه؛ وإنما عمل ذلك لبعدهم عن النيل وقربهم من البحر لمالح. وقد ذكر بعض كهنة القبط أن ذلك لقربهم من البحر المالح، لأن الشمس فيما ذكروا ترفع بحرّها بخارا فيحصل من ذلك البخار حرّ بالهندسة، وقيل بالسحر. وملكهم عديم مائة سنة وأربعين سنة، ومات وهو ابن سبعمائة سنة وثلاثين سنة. وقيل:

إنه دفن فى إحدى المدائن ذات العجائب فى أزج من رخام ملوّن بزرقة، مبطّن برخام أصفر، وطلى جسده بما يمسكه، وجعل حوله كثير من ذخائره، وذلك وسط المدينة، فهى محروسة بما يمنع منها من الروحانيّين.

ص: 58

قال: وذكر بعض القبط أنّ عديما هذا عمل لنفسه فى صحراء قفط على وجه الأرض قبّة عظيمة من زجاج أخضر برّاق، معقودة على ثمانية آزاج من صنفها، على رأسها أكرة من ذهب، عليها طائر من ذهب، متوشّح بجوهر، منشور الجناحين، يمنع من الدخول إليها، وقطرها مائة ذراع فى مثلها، وجعل جسده فى وسطها على سرير من ذهب مشبّك وهو مكشوف الوجه، وعليه ثياب منسوجة بذهب مغروزة بجوهر منظوم؛ والآزاج مفتحة، طول كل أزج ثمانية أذرع، وارتفاع القبّة أربعون ذراعا تلقى الشعاع على ما حولها من الأرض، وجعل حوله فى القبّة مائة وسبعون مصحفا من مصاحف الحكمة، وسبع موائد عليها أوانيها، منها: مائدة من أدرك رمّانىّ أحمر وآنيتها منها. ومائدة من ذهب فيلمونى «1» يخطف البصر، وهو من الذهب الذى تعمل منه تيجان الحكماء، وآنيتها منها. ومائدة من حجر الشمس المضئ بآنيتها. ومائدة من الزبرجد المخروط الذى يخالطه شعاع أصفر بآنيتها، قال: وهذا الزبرجد إذا نظرت إليه الأفاعى سالت عيونها. ومائدة من كبريت أحمر ومدبّر بآنيتها.

ومائدة من ملح مدبّر برّاق يكاد نوره يخطف الأبصار بآنيتها. ومائدة من زئبق معقود وقوائمها وحافاتها من زئبق أصفر معقود مضىء، وعليها آنية من زئبق أحمر معقود.

وجعل فى القبّة جواهر كثيرة ملوّنة وبرانىّ صنعة مدبّرة، وجعل حوله سبعة أسياف صاعقية وكاهنية وأتراس من حديد أبيض مدبّر، وجعل معه تماثيل أفراس من ذهب، [عليها سروج من ذهب «2» ] وسبعة توابيت من الدنانير التى ضربها وصوّر عليها صورته، وجعل معه من أصناف العقاقير والسمومات والأدوية فى برانىّ الحنتم «3» ، ومن أصناف الأحجار شىء كثير.

ص: 59

قال: وقد ذكر من رأى تلك القبة وأقاموا عليها أياما فما قدروا على الوصول إليها، وأنهم إذا قصدوها وكانوا منها على مقدار ثمانية أذرع دارت القبّة عن أيمانهم وشمائلهم وقد عاينوا ما فيها. ومن أعجب ما ذكروا أنهم كانوا يحاذون آزاجها أزجا أزجا فلا يرون غير الصورة التى يرونها من الأزج الآخر على معنى واحد. وذكروا أنهم رأوا وجهه فى قدر ذراع ونصف بالذراع الكبير، ولحيته كبيرة مكشوفة، وقدّروا طول بدنه عشرة أذرع وزيادة، وأنهم لمّا تهيأ أن يصلوا إليها فنى ماؤهم وخافوا على أنفسهم فرجعوا ليمتاروا ما يكفيهم من الزاد ففعلوا، ثم رجعوا فأقاموا أياما يطوفون تلك الصحراء، ثم أخبروا أنهم رأوا بها عجائب كثيرة وصنوفا من الوحش لم يروا مثلها.

قال: وفى كتبهم أنهم لا يصلون إليها إلا بأن يذبح لها ديك أفرق ويبخّر بريشه من بعد، ثم يسأل من المرّيخ الوصول حتى يصل، وتكون الكواكب النيّرة على مثل ما كانت عليه وقت نصبها من اجتماعها فى البروج: يكون زحل والمشترى والمرّيخ فى برج واحد، والشمس والقمر فى برج واحد، والزّهرة وعطارد فى برج واحد، ويتكلّم عليها بصلاة الكهنة سبع مرّات، فإذا وصل إليها لطّخ حائطها بدم الديك الذى قرّبه لها ويأخذ ما شاء من المال والتماثيل ولا يكثر المقام فيها ولا يقيم غير ساعة واحدة.

قال: وذكر هؤلاء الذين رأوها أنهم لم يكونوا من تلك الناحية وإنما خرجوا يطلبون غيرها؛ فإنهم سألوا أهل قفط عنها فلم يجدوا من يعرفها ولا رآها غير رجل شيخ منهم، فإنه ذكر أن ابناله خرج فى بعض الأمور ومعه جمل له فرآها ولم يصل إليها، وبحث عن أمرها فعرف أن قوما من الشرق جاءوا فى طلبها وأنهم أقاموا يطوفون بقفط أياما وخرجوا إليها فما رجع أحد منهم ولا عرف لهم خبر.

ص: 60

قال: وكان عديم قد أوصى إلى ابنه شدّاث عند موته أن ينصب فى كل حيّز من أحياز عمومته منارا ويزبر عليه اسمه، فانحدر إلى الأشمونين فعمل منارا وزبر عليه اسمه وعمل بها ملاعب، وعمل فى صحرائها منارا وأقام عليه صنما ذا رأسين باسم كوكبين كانا مقترنين فى الوقت «1» . وخرج إلى أتريب وبنى فيها قبّة عظيمة مرتفعة «2» على عمد وأساطين بعضها فوق بعض، وجعل على رأسها صنما صغيرا من ذهب، وعمل هيكلا للكواكب. وكان أبوه البودسير أوّل من أقام للكواكب فأخذ ذلك عنه. ومضى إلى حيّز صا فعمل فيه منارا على رأسه مرآة من أخلاط تورى الأقاليم، ورجع إلى أبيه فعهد له بالملك.

فملك شدّاث «3» بن عديم وهو الذى بنى الأهرام الدهشوريّة من الحجارة التى قطعت فى زمان أبيه. قال: من أنكر أن يكون العاديّة دخلوا مصر إنما غلطوا باسم شدّاث بن عديم فقالوا شدّاد بن عاد لأنه أكثر ما يجرى على ألسنتهم، وقلة ما يجرى على ألسنتهم شدّاث بن عديم؛ وإلا فما قدر أحد من الملوك يدخل مصر ولا قوى على أهلها غير بخت نصّر. وشدّاث الذى عمل مصاحف النار نجيّات «4» ، وعمل هيكل أرمنت «5» وأقام فيه أصناما بأسماء «6» الكواكب من ذهب وفضة وحديد أبيض ونحاس

ص: 61

مذهب ورصاص مصفّى وزئبق معقود. وهذه الأجساد المعدنيّة فى طباع الكواكب وفى قسمتها. فلما فرغ منه زيّنه بأحسن زينة ونقشه بأحسن النقوش من الجواهر الملوّنة والزجاج المعمول الملوّن وكساه الوشى والديباج ولم يترك شيئا من التحف إلا عمله، وكذلك عمل فى المدن الداخلة من أنصنا «1» هيكلا، والقبّة التى أقامها بأتريب «2» وهيكلا شرقىّ الإسكندرية، وأقام لزحل صنما من صوّان أسود على عبر النيل من الجانب الغربىّ. وبنى شدّاث من الجانب الشرقىّ مدائن وجعل فيها صورة صنم قائم له إحليل إذا أتاه المعقود والمسحور ومن لا ينتشر فمسّه بكلتا يديه أزال عنه ذلك وانتشر وقوى على الباه، وجعل فى إحداها بقرة لها ضرعان كبيران إذا مسحتهما المرأة التى انعقد لبنها درّ وصلح أمرها.

وفى أيامه بنيت قوص «3» العالية، بناها لابن له كان سخط على أمّه فحوّلها إليها وأسكن معها قوما من أهل الحكمة وأهل الصناعات. وقيل: إن شطب «4» بنيت فى أيامه؛ وعمل الصورتين الملتصقتين لكثرة النسل. وكانت الحبش والسودان عاثوا فى بلده فأخرج لهم ابنه منقاوش فى جيش عظيم فقتل منهم وسبى واستعبد الذين سباهم وصار ذلك سنّة لهم، واقتطع معدن الذهب من أرضهم وأقام ذلك

ص: 62

السبى يعملون فيه ويحملون الذهب إليه؛ وهو أوّل من أحبّ الصيد واتخذ الجوارح، وولّد الكلاب السلوقيّة من الذئاب والكلاب الأهلية، وعمل البيطرة وما تعالج به الدوابّ، وعمل من العجائب والطلّسمات لكل فنّ ما لا يحصى كثرة، وجمع التماسيح، بطلّسم عمله لها، إلى بركة بناحية أسيوط فكانت تنصبّ إليها من النيل انصبابا فتقتلها، وتستعمل جلودها فى السفن وغيرها، وتستعمل لحومها فى الأدوية والعقاقير المؤلّفة. قال: وبعض القبط يحكى أنه عمل بمصر اثنتى عشرة ألف أعجوبة وطلّسما، ولم يعمل فى بلد كما عمل فيها ولا تهيّأ لأهله ما تهيّأ لهم من ذلك.

قال: وأقام شدّاث فى الملك تسعين سنة وخرج يطرد «1» فأكبّ فرسه فى وهدة فقتله. وفى بعض كتبهم: أنه أخذ بعض خدمه، وقد خالفه فى أمر من الأمور، فأمر بطرحه من أعلى الجبل إلى أسفل فطرح فتقطّع جسده، وندم على فعله ذلك فرأى فى منامه أنه سيصيبه مثل ذلك فكان يتوقّاه، وآلى على نفسه ألا يعلو جبلا، وأوصى إن أصابه شىء أن يجعل ناووسه فى الموضع الذى يلحقه فيه ما يلحقه، ويزبر عليه: ليس ينبغى لذى القدرة أن يخرج عن الواجب ويفعل ما لا يجوز له فعله، وهذا ناووس شدّاث بن عديم بن قفطريم الملك، عمل ما لا يحلّ له فكوفئ عليه بمثله.

قال: ولمّا هلك عمل له سرب فى سفح الجبل فيه قبّة على مجلس قد صفّح بالفضّة وجعل فيه على سرير ملكه، وجعل معه من الأموال والجواهر والتماثيل وأصناف الحكم والمصاحف شىء كثير. وكان له أربعمائة وأربعون سنة.

وملك بعده ابنه منقاوش «2» بن شدّاث؛ فملك بحزم وحنكة وأظهر مصاحف الحكم وأمر بالنظر فيها، وأن ينسخ منها لهم بخطّ العامّة ليفهموها، وردّ الكهنة إلى

ص: 63

مراتبهم. وهو أوّل من عمل له الحمّام من ملوك مصر. وكان كثير النكاح؛ تزوّج عدّة نساء من بنات عمه وبنات الكهنة، وجعل لكل امرأة منهن مكانا بجميع ما يصلحه من البنيان العجيب والصور المتقنة والغروس الحسنة والآلات العجيبة، وأسكنهنّ فيها. وقد قال بعض أهل الأثر: إنه الذى بنى منف لبناته وكنّ ثلاثين بنتا ونقلهنّ إليها، وعمل مدنا غيرها ومصانع، وعمل هيكلا لصور الكواكب وأصنامها على ثمانية فراسخ من منف، وعمل بتلك الناحية طلّسمات كثيرة وعجائب أغرب فيها بفضل حكمة أبيه وجدّه، وعمل فى السنة اثنى عشر عيدا لكل شهر عيد يعمل فيه من الأعمال ما كان موافقا لبرج ذلك الشهر؛ وكان يطعم الناس فى تلك الأعياد ويوسّع عليهم، ففرح الناس به ورأوا معه ما لم يروه مع غيره، وفتح عليه من المعادن ما لم يفتح على أحد، وألزم أصحاب الكيمياء العمل فكانوا لا يفترون ليلا ولا نهارا؛ فاجتمع عنده أموال عظيمة وجوهر كثير وزجاج نفيس مسبوك وغير ذلك، فأحبّ كنزه فدعا أخاله فقال له: قد ترى كثرة هذا الذهب والجوهر، وما عمل من هذه التماثيل الكثيرة، ولست آمن أن يتسامع بنا الملوك فيغزونا من أجله، فأمعن فى أرض الغرب ثم انظر مكانا حريزا خفىّ الأثر ثم أحرزه فيه ثم استره بعلامات واكتب صفة المكان وطريقه وعلامته. قال: ويقول أهل الأثر: إنه حمل معه اثنتى عشرة ألف عجلة، منها من الجوهر ثلاثمائة عجلة، وسائرها من الذهب الإبريز الصفائح والمضروب، ومن آلات الملوك وطرائفهم وسلاحهم وأوانيهم؛ فسار فى الجنوب يوما ثم أخذ مغرّبا اليوم الثانى وبعض الثالث، فانتهى إلى جبل أسود منيف ليس له مصعد بين جبال مستديرة حوله، فعمل تحت ذلك الجبل أسرابا ومغاور ودفن فيها ما كان معه وردمها وزبر عليها ورجع؛ فمكث أربع سنين يبعث كل سنة عجلا عظيمة تدفن فى نواح شتّى.

ص: 64

وهو الذى عمل فى أنديمس المدينة بيتا تدور به تماثيل لجميع العلل، وكتب على رأس كل تمثال ما يصلح له من العلاج، فانتفع الناس بها زمانا إلى أن أفسدها بعض الملوك ضنّا بالحكمة. وعمل فى هذه المدينة صورة امرأة مبتسمة لا يراها مهموم إلا زال همّه ونسيه؛ وكان الناس يأتونها ويطوفون حولها ثم عبدوها من بعد. وعمل تمثالا روحانيّا من صفر مذهب بجناحين لا يمرّ به زان ولا زانية إلا كشف عورته بيده، وكان الناس يمتحنون به فامتنعوا من الزنا فرقا منه، واستمرّ كذلك إلى زمن كلكمن الملك؛ وذلك أن بعض نسائه، وكانت حظية عنده، عشقت رجلا من خدم الملك وخافت أن ينتهى إليه خبرها فيمتحنها بذلك الصنم فيقتلها، فاحتالت لذلك فخلا بها الملك فى بعض الليال، وهما يشربان، فأخذت فى ذكر الزوانى وجعلت تسبهنّ وتذمهنّ، فذكر الملك ذلك الصنم وما فيه من المنافع للناس، وما يستحقّ من عمله من الثناء والذكر الجميل؛ فقالت المرأة:

إنه كذلك وقد صدق الملك، غير أن منقاوش لم يصب الرأى فى أمره؛ قال الملك:

وكيف قلت ذلك؟ قالت: لأنه أتعب نفسه وحكماءه فيما جعله لصلاح العامّة دون نفسه، وهذا أكبر العجز؛ وإنما كان حكم هذا التمثال أن ينصب فى دار الملك حيث تكون نساؤه وجواريه، فإن اقترفت إحداهنّ ذنبا علم بها فيكون رادعا لهنّ متى عرض بقلوبهنّ شىء من الشهوة؛ لأن شهواتهنّ أغلب وأكثر من شهوات الرجال؛ ولو حدث- وأعوذ بسعد الله الأعلى- فى دار الملك شىء من هذا فأحبّ امتحانه فضح نفسه وشاع فى الخاصّ والعامّ أمره، وإن عاقب بغير أمر يتحققه كان متعدّيا آثما، وإن لم يمتحنه صبر على المكروه. قال الملك: صدقت، فكيف الوجه فى هذا الأمر؟ قالت: يأمر الملك بنزع هذا الصنم من مكانه ونقله إلى داره ففعل فبطل عمله، وامتحن فلم يصنع شيئا، فعملت المرأة ما كانت همت به وانهمكت فيه.

ص: 65

قال: ويقال: إن منقاوش بنى هيكلا للسحرة على جبل القصير وقدّم عليه رجلا منهم يقال له مسّيس، فكانوا لا يطلقون الرياح للمراكب المقلعة إلّا بضريبة يأخذونها منهم للملك. وكان الملك إذا ركب عملوا بين يديه التخاييل «1» العجيبة، فيجتمع الناس إليهم ويعجبون من أعمالهم، وأمر أن يبنى لهم هيكل للعبادة يكون لهم خصوصا، وجعل فيه قبّة فيها صورة الشمس والكواكب، وجعل حولها أصناما وعجائب، وكان الملك يركب إليه ويقيم سبعة أيام، وجعل فيه عمودين زبر عليهما تاريخ الوقت الذى عمل فيه، وهما بعين شمس، ونقل منقاوش إلى عين شمس كنوزا وجواهر وطلّسمات وعقاقير وعجائب ودفنها بها وبنواحيها.

قال: وكان منقاوش قسم خراج البلاد أرباعا: فربع منه للملك خاصة يعمل منه ما يريد، وربع لأرزاق خدمه، وربع ينفق فى مصالح الأرض وما يحتاج إليه من حفر ترعها وعمل جسورها وتقوية أهلها على العمارة، وربع يدفن لحادثة تحدث وحاجة تنزل. وكان خراج البلد فى ذلك الوقت مائة ألف ألف وثلاثة آلاف دينار.

وهو مقسوم على مائة وثلاث كور بعدّة الآلاف. وأقام ملكا إحدى وسبعين سنة، ومات من طاعون أصابه، وقيل: من سمّ جعل له فى طعامه، وعمل له ناووس فى صحراء المغرب، وقيل: فى غربىّ قوص؛ ودفن معه من مصاحف الحكمة والصنعة المعمولة وتماثيل الذهب والجوهر، ومن الذهب المضروب شىء كثير، ودفن معه روحانىّ الشمس من ذهب يلمع، وله جناحان من زبرجد، وصنم على صورة امرأته التى كانت أحظى نسائه عنده وكان يحبّها، فأمر أن تعمل صورتها

ص: 66

فى هياكلهم جميعا، فعمل له تمثالها من ذهب بذؤابتين من ذهب أسود، وألبست حلّة من جواهر منظومة وجعلت جالسة على كرسىّ، فكانت تجعل بين يديه فى موضع تجلس فيه يتسلّى بذلك عنها، فدفنت معه عند رجليه.

وملك بعده ابنه مناوش بن منقاوش؛ ملك بوصيّة من أبيه، فطلب الحكمة على عادة أبيه واستخرج كتبها وأكرم أهلها، وبذل فيهم الجوائز وطلب الإغراب فى عمل العجائب، وكان كل واحد من ملوكهم يجهد جهده فى أن تعمل له غريبة من الأعمال لم تعمل لمن كان قبله وتثبت فى كتبهم وتزبر على الحجارة فى تواريخهم.

قال: ومناوش هذا أوّل من عبد البقر من أهل مصر، وكان السبب فى ذلك أنه اعتلّ علّة يئس منه فيها، وأنه رأى فى منامه صورة روحانىّ عظيم يخاطبه ويقول له:

إنك لا يخرجك من علّتك إلا عبادة البقر لأن الطالع كان وقت حلولها بك فى صورة ثور بقرنين؛ ففعل ذلك، وأمر بأخذ ثور أبلق حسن الصورة، وعمل له مجلسا فى قصره وسقفه بقبّة مذهبة، فكان يبخّره ويطيّب موضعه، ووكّل به سادنا يقوم به ويكنس تحته، وكان يتعبّد له سرّا من أهل مملكته، فبرأ من علّته وعاد إلى أحسن أحواله.

ويقال: إنه أوّل من عمل العجل وضبّبها بالذهب، وعمل فيها قبابا من الخشب المذهبة وفرشت بأحسن الفرش، وكان يركب عليها مع من أحبّ. وقيل:

إنه عمل له ذلك فى علّته لأنه كان لا يقدر على الركوب؛ وكانت البقر تجرّه فإذا مرّ بالمكان النزه أقام فيه، وإن مرّ بالمكان الخراب أمر بعمارته. وقيل: إنه نظر إلى ثور أبلق من البقر الذى يجرّ عجلته فأعجبه حسن بشرته فأمر بترفيهه وسوقه بين يديه إلى كل موضع يسلكه إعجابا به، وجعل عليه جلّا من الدّيباج المنسوج بالذهب، فلما كان فى بعض الأيام- وقد خلا فى موضع منفرد عن أتباعه والثور قائم بين يديه-

ص: 67

إذ خاطبه الثور وقال: لو رفّهنى الملك عن السير معه وجعلنى فى الهيكل وعبدنى وأمر أهل مملكته بعبادتى كفيته جميع ما يريده، وعاونته على أمره، وقوّيته فى ملكه، وأزلت عنه جميع علله؛ فارتاع لذلك وأمر بالثور أن يغسل ويطيّب وينظّف ويدخل الهيكل، وأمر بعبادته. وعبد ذلك الثور مدّة وصارت فيه آية أنه لا يبول ولا يروث ولا يأكل إلّا أطراف ورق القصب الأخضر فى كل شهر مرّتين، فافتتن الناس به وصار ذلك أصلا لعبادة البقر.

قال: وابتنى مناوش مواضع وكنز فيها كنوزا وأقام أعلاما. وبنى فى صحراء الغرب مدينة يقال لها ديماس وأقام فيها منارا ودفن حولها كنوزا. قال: ويقال: إن هذه المدينة قائمة، وإن قوما جازوا بها من نواحى الغرب وقد أضلّوا الطريق فسمعوا بها عزيف الجنّ ورأوا أضواء نيرانهم. قال: وفى بعض كتبهم أنّ ذلك الثور، بعد مدّة من عبادتهم له، أمرهم أن يعملوا صورته من ذهب أجوف، ويؤخذ من رأسه هو شعرات، ومن ذنبه ومن نحاتة قرونه وأظلافه، ويجعل ذلك فى التمثال، وعرّفهم «1» أنه يلحق بعالمه وأمرهم أن يجعلوا «2» جسده فى جرن من حجر [أحمر «3» ] ويدفن فى الهيكل وينصب تمثاله عليه، ويكون ذلك وزحل فى شرفه والشمس مسعودة تنظر إليه من تثليث والقمر فى الزيادة، وينقش على التمثال علامات الكواكب السبعة ففعلوا ذلك، وعملت الصورة من ذهب ملمّع على شبه الثور، وجعل له قرنان من ذهب وكلّلا بأصناف الجواهر، وجعلوا عينيه جزعتين سوادا فى بياض، ودفن جسد الثور فى الجرن الأحمر.

قال: وجعل فى المدينة شجرة تطلع كل لون من الفاكهة، ومنارا فى وسطها طوله ثمانون ذراعا، وعلى رأسه قّبة تتلون فى كل يوم لونا حتى تمضى سبعة أيام

ص: 68