الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم تعود إلى اللون الأوّل فيكسو المدينة من تلك الألوان، وجعل حول المنار ماء شقّه إليه من النيل، وجعل فى ذلك الماء سمكا من ذلك اللون، وجعل حول المدينة طلّسمات رءوسها رءوس قردة وأبدانها أبدان الناس، كل واحد منها لدفع مضرّة أو اجتلاب منفعة، وعمل على أبواب المدينة، وهى أربعة أبواب «1» ، على كل باب صنما، ودفن تحت كلّ صنم كنزا من الكنوز؛ وباب كل واحد منها على قياس مائة ذراع منه إلى الجهة التى وجهه منصرف إليها، وكتب على كل واحد منها قربانه وبخوره والوصول إليه، وأسكنها السحرة فكانت تعرف بمدينة السحرة، ومنها كانت أصناف السحرة تخرج.
قال: وأقام مناوش فى الملك سبعا وثلاثين سنة وملك، وعمل له ناووس تحت الجبل الغربىّ، وجعل وصيّته إلى ابنه من بعده هرميس بن منقاوش، فملك إحدى عشرة سنة لم يبن بنيانا ولا نصب منارا ولا عمل فى أيامه أعجوبة حتى إنه لم يكن يذكر فى عداد ملوكهم. فهذا ما أورده فى أخبار قفطريم بن قبطيم وبنيه على توال واتساق فلنذكر أخبار أشمون.
ذكر أخبار أشمون ومن ملك من بنيه
هو أشمون بن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام؛ وهو أخو قفطريم أبى الملوك الذين قدّمنا ذكرهم. كان ملكه من أشمونين إلى منف، ومن الشرق إلى البحر المالح، ومن الغرب إلى حدود برقة، وهو آخر حدّ مصر،
ومن الصعيد إلى حدّ أخميم. وكان ينزل مدينة الأشمونين وله بنيت وباسمه سمّيت، وكان طولها اثنى عشر ميلا فى مثلها. قال إبراهيم: وأشمون أوّل من اتّخذ الملاعب بأنصنا والبهنسا وغيرها، وبنى القصور وغرس الغروس، وبنى مدينة تعرف بقمنطر ذات العجائب، وهى بالقرب من مدينة السحرة التى تقدّم ذكرها فى أخبار منقاوش. قال: وفى وسط هذه المدينة قبّة تمطر شتاء وصيفا مطرا خفيفا، وتحت القبّة مطهرة فيها ماء أخضر يتداوى به من كل داء فيبرئه، وفى شرقها سرب لطيف له أربعة أبواب، لكل باب منها عضادة صورة وجه يخاطب كل واحد منها صاحبه بما يحدث فى قومه، ومن دخل تلك البربا على غير طهارة نفخوا عليه فأصابته علّة فظيعة لا تفارقه إلى أن يموت. وكانوا يقولون إنّ فى وسطه مهبط النور وهو فى صورة العمود، من اعتنقه لم يحتجب عن نظره شىء من الروحانيّات، ويسمع كلامهم ويرى ما يعملون، وعلى كل باب من أبواب هذه المدينة صورة راهب فى يده مصحف فيه علوم الكهنة، فمن أحبّ ذلك العلم أتى تلك الصورة فمسحها بيديه وأمرّهما على صدره، فيثبت ذلك العلم فى صدره. ويقال: إن هاتين المدينتين قمنطر ومدينة السحرة بنيتا على اسم هرمس وهو عطارد، وأنهما بحالهما.
قال: وحكى عن رجل أنه أتى عبد العزيز بن مروان، وهو على مصر، فعرّفه أنه تاه فى صحراء الشرق وأنه وقع على مدينة خراب، وأنه وجد فيها شجرة تحمل من كل فاكهة، وأنه أكل منها وتزوّد؛ فقال له رجل من القبط: هذه إحدى مدينتى هرمس وفيها كنوز كثيرة؛ فوجّه عبد العزيز معه جماعة وحمل معهم زادا وماء، فأقاموا يطوفون شهرا فى تلك الصحارى فلم يقفوا لها على أثر. ويقال: إن أشمون عمل فى وقته على باب الأشمونين إوزّة من نحاس، فكان الغريب إذا دخل المدينة صاحت الإوزّة وخفقت بجناحيها فيعلم به، فإن أحبّوا منعوه، وإن أحبّوا تركوه.
قال: وفى أيامه كثرت الحيّات فكانوا يصيدونها ويعملون من لحومها الأدوية والدّرياقات، ثم ساقوها بسحرهم إلى وادى الحيّات فى جبال لوبية ومراقية فسجنوها هناك. قال: وهو أوّل من عمل النوروز بمصر ورتبه سبعة أيام يدمنون فيها الأكل والشرب واللهو. وفى زمانه بنيت البهنسا وأقام بها أسطوانات، وجعل فيها «1» مجلسا من زجاج أصفر وعليه قبّة مذهبة، فكانت الشمس إذا طلعت على القبّة ألقت شعاعها على المدينة. وعمل فيها عجائب كثيرة يطول الشرح بذكرها.
قال: ويقال إن أشمون كان أوّل إخوته ملكا، وكان أعدل بنى أبيه وأرغبهم فى صنعة تبقى ويبقى ذكرها. وهو الذى بنى المجالس المصفّحة بالزجاج الملوّن فى وسط النيل. وتزعم القبط أنه بنى سربا تحت الأرض من الأشمرنين إلى أنصنا تحت النيل. وقيل: إنه عمله لبناته لأنهنّ كنّ يمضين إلى هيكل الشمس. وكان هذا السرب مبلّط الأرض والحيطان والسقف بالزجاج الثخين الملوّن. وقيل: إنه كان أطول إخوته ملكا. وقال أهل الأثر: إنه ملك ثمانمائة سنة، وإن قوم عاد انترعوا منه الملك بعد ستمائة سنة من ملكه وأقاموا تسعين سنة واستوبؤا البلد فانتقلوا [إلى الدّثينة من طريق الحجاز إلى وادى القرى فعمروها «2» ] واتخذوا [بها «3» ] المنازل والمصانع فسلّط الله عليهم الذّرّ فأهلكهم، وعاد ملك مصر إلى أشمون بعد خروجهم من البلد. ويقال: إنه ملكهم ثمانمائة سنة وثلاثين سنة، ودفن فى أحد الأهرام الصّغار القبليّة. وقيل: بل عمل له ناووس فى غربى الأشمونين ودفن معه فيه من الأموال والعجائب شىء كثير، وأصنام الكواكب السبعة التى كانت فى هيكل المرآة التى ترى منها الأقاليم، ودفن معه ألف سرج من ذهب وفضّة، وعشرة آلاف
خابية صغار من ذهب وفضّة وزجاج، وألف عقّار مدبّرة لفنون الأعمال وزبر عليه اسمه ومدّة ملكه والوقت الذى مات فيه.
واستخلف ابنه مناقيوس بن أشمون. وكان جلدا محنّكا فاستأنف العمارة وبنى القرى ونصب الأعلام، وجمع الحكمة ومصاحف الملوك والحكماء وعمل العجائب، وبنى لنفسه مدينة وانفرد بها، وعمل عليها حصنا ونصب عليه أربعة أعلام، فى كل ركن من أركانه علم، وبين تلك الأعلام ثمانون صنما من نحاس وأخلاط، فى أيديها آلات السلاح وزبر على صدرها آياتها.
قال: وكان بمنف رجل من أولاد الكهنة من أعلم الناس بالسحر وأبصرهم بأخذ التماسيح والسباع، وكان يعلّم الغلمان السحر فإذا حذقوا علّم غيرهم؛ فأمر الملك أن تبنى له مدينة ويحوّل إليها فبنيت، وهى إخميم. وملك مناقيوس نيّفا وأربعين سنة ومات فدفن فى الهرم المحاذى لإطفيح، ونقل معه شىء كثير من المال والجواهر والآنية والتماثيل، وزبر عليه اسمه والوقت الذى مات فيه.
وملك بعده ابنه- ولم يسمّه إبراهيم «1» - فكان أحزم من أبيه، فعظم فى عيون أهل مصر. وهو أوّل من عمل الميدان وأمر أصحابه برياضة أنفسهم فيه. وأوّل من عمل البيمارستانات لعلاج المرضى والزمنى وأودعها العقاقير ورتّب فيها الأطبّاء وأجرى عليهم ما يسعهم، وأقام الأمناء على ذلك، وصنع لنفسه عيدا وسماه عيد الملك؛ فكان الناس يجتمعون اليه فى يوم من السنة، فيأكلون ويشربون
سبعة أيام وهو يشرف عليهم فى مجلس قد بنى له على عمد قد طوّقت ذهبا وألبست فاخر الذهب المنسوج، وعليه قبّة مصفّحة من داخلها وخارجها بالذهب والزجاج المسبوك، وكان يعطى كلّ قوم قسطهم من النظر ثم يكثرون الدعاء له وينصرفون الى مواضعهم.
وفى أيامه بنيت سنتريّة «1» فى صحراء الواحات، عملها من حجارة بيض مربّعة على تقدير واحد، وجعل فى كل حائط من حيطانها بابا فى وسطه شارع ينتهى الى الحائط المجاور له من الجهة الأخرى، وجعل فى كل شارع أبوابا يمنة ويسرة تنتهى طرقاتها الى داخل المدينة، وجعل فى وسط هذه المدينة ملعبا يدور به من كل ناحية سبع درج؛ وعمل عليه قبّة من خشب مدهون على عمد «2» عظيمة من رخام، وفى وسطه منار من رخام عليه صنم من صوّان أسود يدور مع الشمس بدورانها، وبسائر نواحى القبّة صور معلّقة تصفر وتصيح بلغات مختلفة. وكان الملك يجلس على الدرجة العالية من الملعب وحوله بنوه وأقار به وأبناء الملوك، وعلى الدرجة الثانية رؤساء الكهنة [والوزراء «3» ] ، وعلى الثالثة رؤساء الجيش، وعلى الرابعة أصحاب الفلسفة والمنّجمون والأطبّاء وأصحاب العلوم، وعلى الخامسة أصحاب العمارات، وعلى السادسة أصحاب المهن، وعلى السابعة العامّة؛ فيقال لكل طائفة منهم: انظروا من دونكم ولا تنظروا من فوقكم، فإنكم لا تلحقونهم. فكان فى هذا ضرب من التأديب.
قال: وكان للملك عدّة نسوة، وكان يحبّ منهنّ امرأتين ويتحظّاهما ويجمع بينهما فى مجلس واحد، فمال لإحديهما فى بعض الأيام دون الأخرى، فغارت
وغرب عقلها وتناولت سكّينا ودخلت الى الملك وهو مغتر وتلك المرأة جالسة الى جنبه فضربتها بالسكّين، وقام الملك دونها ليمنعها منها فضربته على فؤاده فخرّ صريعا، وقبض على المرأة وحبست، ومات الملك. وقد أوصى بقتل المرأة ووضع رأسها على ناووسه. ومدّة ملكه ستون سنة.
وملك بعده ابنه مرقورة الملك؛ فدخل عليه العظماء وهنوه ودعوا له بدوام الملك والنعمة، وكان حازما عاقلا، فأخذ فى حسن التدبير وتقويم العمارة وترتيب المراتب، وجعل لرأس الكهّان الحكومة فى أمر الدّين. قال: وفى كتبهم أنه أوّل من ذلّل السباع بمصر وركبها. قال: وبنى [المدن «1» وعمّر] الهياكل وأقام الأصنام التى غربى منف، وكان ملكه نيّفا وثلاثين سنة، وعمل له ناووس على طريق الغرب على مسافة يومين.
وقلّة ابنه بلاطس بن مرقورة، فملك وهو صبىّ، وكانت أمّه تدبّر الملك مع الوزراء والكهنة، وكانت حازمة مجرّبة، فأجرت الأمور على ما كانت فى حياة أبيه، وأحسنت الى الأولياء، وعدلت فى الرعيّة، ووضعت عنهم بعض الخراج فأحبّوها.
وعملت فى وقته البركة العظيمة فى صحراء الغرب، وجعل فى وسطها عمود طوله ثلاثون ذراعا، فى أعلاه قصعة من حجارة يفور منها الماء فهى لا تنقص أبدا، وجعل حولها أصنام حجارة ملوّنة من كل صنف على صور الحيوان والوحش والطير، وكان كل جنس يأتى الى صورته ويألفها فيؤخذ ولا يدرى.
قال: ولمّا ترعرع الملك أحبّ الصيد ولهج به، فعملت له أمّه متنزّها فيه مجالس مركّبة على أساطين من المرمر مصفّحة بالذهب، عليها قباب مرصّعة بالتصاوير