الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأجدبت النواحى، وظلم الناس بعضهم بعضا، ولم يكن أحد ينكر ذلك عليهم، وسدّت الهياكل والبرابى، وطيّنت أبوابها، وجاءهم الطوفان وأقبل المطر عليهم، وكان فرعان سكران فلم يقم إلّا بخرير الماء، فوثب مبادرا يريد [الهرب «1» إلى] الهرم فتخلخلت الأرض به، وطلب الأبواب فخانته رجلاه وسقط على وجهه وجعل يخور كما يخور الثور، إلى أن أهلكه الله تعالى بالطوفان، ومن دخل الأسراب منهم هلك بغمّها، ولحق الماء من الأرض والأهرام إلى آخر التربيع، وهو ظاهر عليها إلى الآن، وانقرضت ملوك الدنيا أجمع بالطوفان ولم يسلم إلا أصحاب السفينة كما تقدّم. فعدّة من سمّى لنا من ملوك مصر قبل الطوفان على هذا السّياق تسعة عشر ملكا، ثم ملكها بعد الطوفان من نذكره.
ذكر من ملك مصر بعد الطوفان من الملوك
قال إبراهيم بن القاسم الكاتب: قال إبراهيم بن وصيف شاه: أجمع أهل الأثر أنّ أوّل من ملك مصر بعد الطوفان مصريم بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام، وذلك بدعوة سبقت له من جدّه. وكان السبب فى ذلك أنّ فليمون الكاهن سأل نوحا عليه السلام أن يخلطه بأهله وولده وقال: يا نبىّ الله، إنى قصدتك رغبة فى الإيمان بالله سبحانه وتعالى وتصديقك يا نبىّ الله، وتركت وطنى وبلدى فاجعل لى رفعة وقدرا أذكر بهما من بعدى، فزوّج نوح عليه السلام بيصر بن حام بنت فليمون الكاهن فولدت له ولدا سمّاه فليمون مصريم «2» باسم بلده، فلمّا أراد نوح قسمة الأرض بين بنيه قال له فليمون: ابعث معى يا نبىّ الله ابنى حتى أمضى به إلى بلدى وأظهره على كنوزه وأوقفه على علومه ورموزه، فأنفذه معه فى جماعة من أهل بيته، وكان
غلاما مراهقا، فلمّا قرب من مصر بنى له عريشا من أغصان الشجر وستره بحشيش الأرض، ثم بنى له بعد ذلك فى الموضع مدينة وسمّاها درسان «1» ، أى باب الجنة؛ فزرعوا وغرسوا الأشجار والأجنّة من درسان الى البحر. [فصارت هناك «2» ] زروع وأجنّة وعمارة وكان الذين مع مصريم جبابرة؛ فقطعوا الصخور وبنوا المعالم والمصانع وأقاموا فى أرغد عيش.
ونكح مصريم امرأة من بنات الكهنة فولدت له ولدا سمّاه قبطيم، ونكح قبطيم بعد سبعين سنة من عمره امرأة ولدت له أربعة نفر، وهم: قفطريم، وأشمون، وأتريب، وصا، وكثروا وعمّروا الأرض وبورك لهم فيها. وقيل: كان عدد من وصل مع مصريم ثلاثين نفرا فبنوا مدينة سمّوها مافه، ومعنى مافه ثلاثون بلغتهم، وهى منف؛ وكشف أصحاب فليمون عن كنوز مصر وعلّموهم خطّ البرابى، وأثاروا لهم المعادن من الذهب والزبرجد والفيروزج والأسباد شم «3» وغير ذلك، ووصفوا لهم عمل الصنعة، فجعل الملك أمرها الى رجل من أهل بيته يقال له مقيطام، فكان يعمل الكيمياء فى الجبل الشرقىّ فسمّى به المقطّم، وعلّموهم أيضا عمل الطلّسمات.
وكانت تخرج من البحر دوابّ تفسد زرعهم وأجنّتهم وبنيانهم فعملوا لها الطلّسمات فغابت ولم تعد. وبنوا على عبر البحر مدنا منها: رقودة مكان الإسكندرية، وجعلوا فى وسطها قبّة على أساطين من نحاس مذهب والقبّة مذهبة، ونصبوا فوقها مرآة من أخلاط شتّى قطرها خمسة أشبار؛ وكان ارتفاع القبّة مائة ذراع؛ فكانوا اذا قصدهم قاصد من الأمم التى حولهم، فإن كان مما يهمّهم أو من البحر عملوا لتلك المرآة عملا فألقت شعاعها على ذلك الشىء فأحرقته؛ فلم تزل على حالها الى أن غلب عليها
البحر فنسفها. وقيل: إن الإسكندر إنما عمل المنارة تشبّها بها. وقد ذكرنا خبر المنارة فيما تقدّم من كتابنا هذا «1» .
وقال: لما حضرت مصريم الوفاة عهد الى ابنه قبطيم بن مصريم؛ فقسم قبطيم مصر بين بنيه الأربعة: فجعل لابنه قفطريم من قفط الى أسوان الى النّوبة، ولأشمون من أشمون الى منف، ولأتريب الحوف كلّه الى الشجرتين الى أيلة من الحجاز، ولصا من ناحية صا البحيرة الى قرب برقة؛ وقال لأخيه فارق: لك من برقة الى المغرب، فهو صاحب إفريقية. وولده الأفارق. وأمر كل واحد من بنيه أن يبنى لنفسه مدينة فى موضعه. وأمر مصريم عند موته أن يحفروا له فى الأرض سربا وأن يفرشوه بالمرمر الأبيض ويجعلوا فيه جسده، ويدفنوا معه جميع ما فى خزائنه من الذهب والجوهر، ويزبروا عليه أسماء الله تعالى المانعة من أخذه. فخفروا له سربا طوله مائة وخمسون ذراعا، وجعلوا فى وسطه مجلسا مصفّحا بصفائح الذهب، وجعلوا له أربعة أبواب، على كل باب منها تمثال من ذهب عليه تاج مرصّع بالجوهر، جالس على كرسىّ من ذهب قوائمه من زبرجد، وزبروا فى صدر كل تمثال آيات عظاما مانعة، وجعلوا جسده فى جرن من المرمر مصفّح بالذهب وزبروا على مجلسه: مات مصريم بن بيصر بن حام بعد سبعمائة عام مضت من أيام الطوفان، ومات ولم يعبد الأصنام، إذ لا هرم ولا سقام، ولا حزن ولا اهتمام، وحصنه بأسماء الله العظام، لا يصل اليه إلا ملك ولدته سبعة ملوك يدين بدين الملك الديّان، ويؤمن بالبعث والفرقان، الداعى الى الإيمان فى آخر الزمان. وجعلوا معه فى ذلك المجلس ألف قطعة من الزبرجد المخروط، وألف تمثال من الجوهر النفيس، وألف
برنية [مملوءة «1» ] من الدرّ الفاخر والصّنعة الإلهية، والعقاقير البرّيّة، والطلّسمات العجيبة، وسبائك الذهب مكدّسة بعضها على بعض، وسقّفوا ذلك بالصخور العظام وهالوا فوقها الرمال [بين جبلين «2» ] .
واستقلّ قبّطيم بالملك بعد أبيه.
ويقال: إنّ قبط مصر منسوبون اليه. وهو أوّل من عمل العجائب وأثار المعادن، وشقّ الأنهار. ويقال: إنه لحق البلبلة «3» وخرج منهم بهذه اللغة القبطية، وعمل ما لم يعمله أبوه من نصب الأعلام والمنارات والعجائب والطلّسمات. وملكهم قبطيم [أربعمائة و «4» ] ثمانين سنة ومات؛ فاغتمّ عليه بنوه وأهله ودفن فى الشرق فى سرب تحت الجبل الكبير الداخل، وصفّحوه بالمرمر الملوّن وجعلت فيه منافذ للرّياح؛ فهى تتخرق فيه بدوىّ عظيم هائل، وجعل فيه من الكبريت الأحمر وأكر من نحاس مطليّة بأدوية مشعلة لاتطفأ، ولطّخوا جسده بالمرّ والكافور والموميا، وجعلوه فى جرن من ذهب فى ثياب منسوجة بالمرجان والدرّ، وكشفوا عن وجهه وجعلوه تحت قبّة ملوّنة، فى وسطها درّة معلّقة تضىء كالسراج، والقبّة على أعمدة بين كلّ عمودين تمثال فى يده أعجوبة، وجعلوا حول الجرن توابيت مملوءة جوهرا وذهبا وتماثيل وصنعة وغير ذلك، وحول ذلك مصاحف القبط والحكمة، وسدّوا عليه بالصخور والرّصاص وزبروا عليه كما زبروا على ناووس أبيه.
وملك بعده ابنه قفطريم بن قبطيم؛ وكان أكبر ولد أبيه؛ وكان جبّارا عظيم الخلق، وهو الذى وضع أساسات الأهرام الدّهشوريّة وغيرها ليعمل منها كما عمل الأوّلون، وهو الذى بنى دندرة ومدينة الأصنام. ودندرة: بلد من بلاد إقليم قوص، وهى فى البرّ الغربىّ مشهورة هناك. قال: وأثار من المعادن ما لم يثره غيره،
وكان يجرّ من الذهب مثل حجر الرحى، ومن الزّبرجد كالأسطوانة، ومن الأسبادشم فى صحراء الغرب كالقلّة. وعمل من العجائب شيئا كثيرا. وبنى منارا عاليا على جبل قفط يرى من البحر الشرقىّ، ووجد هناك معدن زئبق فعمل منه بركة كبيرة، فيقال إنها هناك الى الآن؛ وأما المنار فسقط. وعمل عجائب كثيرة. ويقال: إنه بنى المدائن الداخلة وعمل فيها عجائب كثيرة، منها: الماء الملفوف القائم كالعمود لا ينحلّ ولا يذوب، والبركة التى تسمّى فلسطين، أى صيّادة الطير، إذا مرّ عليها الطير سقط فيها ولم يمكنه أن يبرح حتى يؤخذ. وعمل أيضا عمودا من نحاس عليه صورة طائر إذا قربت الأسد والحيّات والأشياء المضرّة من تلك المدينة صفر صفيرا عاليا فترجع تلك الدوابّ هاربة. وكان على أربعة أبواب هذه المدينة أربعة أصنام من نحاس لا يقرب منها غريب إلّا ألقى عليه النوم والسّبات، فينام عندها ولا يستيقظ حتى يأتيه أهل المدينة وينفخون فى وجهه فيقوم، وإن لم يفعلوا ذلك لم يزل نائما عند الأصنام حتى يهلك. وعمل منارا لطيفا من زجاج ملوّن على قاعدة من نحاس، وعلى رأس المنارة صورة صنم من أخلاط كثيرة، وفى يده كالقوس كأنه يرمى عنها، فإن عاينه غريب وقف فى موضعه لم يبرح حتى ينجيه أهل المدينة. وكان ذلك الصنم يتوجّه إلى مهبّ الرياح الأربع من نفسه.
قال وقيل: إن هذا الصنم على حالته إلى الآن، وإنّ الناس تحاموا تلك المدينة على كثرة ما فيها من الكنوز والعجائب الظاهرة خوفا من ذلك الصنم أن تقع عين الإنسان عليه فلا يزال قائما حتى يتلف. قال: وكان بعض الملوك عمل على قلعه فما أمكنه، وهلك لذلك خلق كثير. ويقال: إنه عمل فى بعض المدن الداخلة مرآة من أخلاط ترى جميع ما يسأل الإنسان عنه وهى غربىّ البلد. قال: وعمل خلف الواحات الداخلة مدنا عمل فيها عجائب كثيرة
ووكّل بها الروحانيّين الذين يمنعون منها؛ فما يستطيع أحد أن يدنو منها ولا يدخلها أو يعمل قرابين أولئك الروحانيين فيصل إليها حينئذ ويأخذ من كنوزها ما أحبّ من غير مشقّة ولا ضرر. قال: وأقام قفطريم ملكا أربعمائة سنة. وأكثر العجائب عملت فى وقته ووقت ابنه البودسير «1» . وكان الصعيد أكثر عجائب من أسفل الأرض. قال: وفى آخر أيام قفطريم هلكت عاد بالريح العقيم.
ولمّا حضرت قفطريم الوفاة عمل له ناووس من الجبل الغربىّ قرب مدينة الكهنة، كان عمله لنفسه قبل موته فى سرب فى الجبل كهيئة الدار الواسعة وجعل دورها خزائن منقورة، وجعل فى سقوفها مسارب للرياح، وبنى ذلك بالمرمر، وجعل فى وسط الدار مجلسا على ثمانية أركان مصفحا بالزجاج الملوّن المسبوك، وجعل فى سقفه جواهر وحجارة تسرج، وجعل فى كل ركن من أركان المجلس تمثالا من الذهب بيده كالبوق، وجعل تحت القبّة دكّة مصفّحة بالذهب، وجعل لها حوافى زبرجد، وفرش فوق الدكّة فرش الحرير، وجعل عليها جسده بعد أن لطخ بالأدوية الممسكة، ومن جوانبه آلات الكافور المخروطة، وسدلت عليه ثياب منسوجة بالذهب، ووجهه مكشوف وعلى رأسه تاج ملكه، وعن جوانب الدكّة أربع تماثيل مجوّفات من زجاج مسبوك مثل صور النساء وألوانهن، بأيديهن كالمراوح من ذهب، وعلى صدره من فوق الثياب سيف صاعقىّ قائمه من الزبرجد، وجعل فى تلك الخزائن:
من الزبرجد وسبائك الذهب والتيجان والجواهر وبرانى الحكم وأصناف العقاقير والطّلّسمات، ومن المصاحف الحاوية لجميع العلوم، ما لا يحصى قدره كثرة؛ وجعل على باب المجلس ديك من ذهب على قاعدة من زجاج أخضر منشور الجناحين مزبور عليه آيات عظام مانعة، وجعل على مدخل كل أزج صورتين من نحاس مشوّهتين بأيديهما
سيفان كالبرق، ووراءهما بلاطة تحتها لوالب فمن وطئها ضرباه بأسيافهما فقتلاه، وفى سقف كل أزج كرة عليها لطوخ مدبّر يسرج، وسدّ باب الأزج بالأساطين ورصّوا على سقفه البلاط العظام وردموا فوقها الرمال، وزبروا على باب الأزج: هذا الداخل إلى جسد الملك العظيم المهيب الكريم الشديد قفطريم ذى الأيد والفخر، والغلبة والقهر، أفل نجمه وبقى ذكره وعلمه، فلا يصل أحد اليه، ولا يقدر بحيلة عليه، وذلك بعد سبعمائة وسبعين، ودورات مضت من السنين.
قال: ولمّا مات قفطريم ملك بعده ابنه البودسير بن قفطريم؛ فتجبّر وتكبّر وعمل بالسحر واحتجب عن العيون، وقد كان أعمامه أشمون وأتريب وصا ملوكا على أحيازهم إلّا أنه قهرهم بجبروته وقوّته، فكان الذكر له كما كان لأبيه. ويقال: إنه أرسل هرمس الكاهن المصرىّ إلى جبل القمر الذى يخرج النيل من تحته حتى عمل هناك هيكل التماثيل النحاس، وعدل إلى البطيحة التى ينصبّ اليها ماء النيل.
ويقال: إنه الذى عدّل جانبى النيل وقد كان يفيض [فى مواضع وينقطع فى مواضع «1» ] ، وأمره البودسير أن يسير مغرّبا فينظر الى ما هناك، فوقع على أرض واسعة متخرّقة بالمياه والعيون كثيرة العشب، فبنى منائر ومتنزهات، وحوّل اليها جماعة من أهل بيته فعمروا تلك النواحى وبنوا فيها حتى صارت أرض الغرب كلها عمارة، وأقامت كذلك مدة كثيرة وخالطهم البربر فتناكحوا؛ ثم إنهم تحاسدوا وبغى بعضهم على بعض، وكانت بينهم حروب فخرب البلد وباد أهله إلا بقية منازل تسمّى الواحات هى موجودة الى وقتنا هذا.
ويقال: إنه عمل عجائب كثيرة فى وقته، منها: قبّة لها أربعة أركان وفى كلّ ركن منها كوّة يخرج منها كالدخان الملتفّ فى ألوان شتّى [يستدلّون بكل
لون على شىء «1» ] ؛ فما خرج منه أخضر دلّ على العمارة وحسن النبات والزرع وصلاحه، وإن خرج الدخان أبيض دلّ على الجدب وقلّة الزكاء «2» ، وإن خرج أحمر دلّ على الدماء والحروب وقصد الأعداء، وإن كان أسود دلّ على كثرة الأمطار والمياه وفساد بعض الأرض بذلك، وإن كان أصفر دلّ على النيران وآفات تحدث فى الفلك، وما كان منها مختلطا دلّ على مظالم الناس وتعدّى بعضهم على بعض وإهمال ملوكهم لهم، وأشياء من هذا الضرب. وكانت هذه القبّة على منار أقام زمنا طويلا ثم هدمه بعض الملوك البربر؛ لأنه أراد غزو قوم بتلك الناحية فعلموا بحاله فانتقلوا عن ذلك الموضع الى قرب النيل فلمّا جاء ولم يجدهم هدمه.
ومما عمل له فى الصحراء التى تقرب منه- وكانت الوحش قد كثرت وأفسدت عليهم زرعهم وكذلك خنازير الماء- شجرة من نحاس عليها أمثال تلك الوحوش ملجمة أفواهها بخيوط من نحاس، فما يجوز بها من الوحش لا يستطيع الحراك ولا البراح من عندها حتى يؤخذ قبضا ويقتل؛ فأشبع الناس فى لحوم تلك الوحوش وانتفعوا بجلودها زمانا طويلا إلى أن انتزعها بعض ملوك الغرب سرّا من أهل مصر وقدّر أن ينصبها فى بلدهم فتعمل له مثل ذلك، فلمّا عملها بطلت؛ لأنهم كانوا يعملون ما يعملون بطالع يأخذونه له، فلا يزال عمله مستقيما إلى أن تغيّر عن مكانه فبطل عمله.
ومما عمل فى وقته أنّ غرابا نقر عين صبىّ من أولاد الكهنة فقلعها، فعمل شجرة من نحاس عليها تمثال غراب من نحاس فى منقاره حربة بادية الطرفين.
منشور الجناحين، وكتب على ظهره كتابا؛ فكانت الغربان تقع على تلك الشجرة
ولا تبرح حتى تؤخذ فتقتل، ففنى أكثر الغربان وزالت عن تلك الناحية إلى ناحية الشام. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن أصاب بعض ملوكهم علّة ووصف له فيها لحم غراب يطبخه ويأكله ويشرب من مرقه فلم يوجد، فوجّه الى آخر العمل الذى بمصر من ناحية الشام من يأتيه بغراب فأبطأ عليه، فأمر بنزع الشجرة فرجع الغربان وأخذ منها ما عولج به الملك قبل أن يرجع رسوله.
ومما عمل فى وقته- وكانت الرمال قد كثرت عليهم من ناحية الغرب حتى ظهرت على زروعهم- فعمل لذلك صنما من صوّان أسود على قاعدة منه وعلى كتفه شبه القفّة فيها كالمسحاة، ونقش على جبهته وصدره وذراعيه وساقيه حروفا، وأقامه الكاهن بطالع أخذه له ووجهه إلى الغرب؛ فانكشفت تلك الرمال ورجعت إلى ورائها. فتلك الأكداس العالية فى صحراء الغرب منها. ولم تزل الرمال تندفع عنهم إلى أن زال ذلك الصنم عن موضعه. قال: وأقام البودسير مدّة واحتجب عن الناس، وكان يتجلّى لهم فى صورة وجه عظيم، وربما خاطبهم ولا يرونه، ثم غبر «1» مدّة وهم فى طاعته إلى أن رآه ابنه عديم وهو يأمره بالجلوس على سرير الملك.
فجلس عديم «2» بن البودسير على الملك وكان جبارا لا يطاق، عظيم الخلق، فأمر بقطع الصخور ليعمل هرما كما عمل الأوّلون. قال: وكان فى وقته الملكان اللذان