الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أيام تميم على بكر يوم الوقيط
«1»
قال فراس بن خندف: تجمّعت اللهازم لتغير على تميم وهم غارّون «2» ، فرأى ذلك ناشب بن بشامة العنبرىّ الأعور، وهو أسير فى بنى سعد بن مالك من بنى ثعلبة، فقال لهم: أعطونى رسولا أرسله إلى بنى العنبر أوصيهم بصاحبكم خيرا ليولوه ما تولوننى من البرّ. وكان حنظلة بن طفيل المرثدىّ أسيرا فى بنى العنبر، فقالوا: على أن توصيه ونحن حضور، قال نعم، فأتوه بغلام «3» ، فقال: أتيتمونى بأحمق، وما أراه مبلّغا عنّى! قال الغلام: لا والله ما أنا بأحمق، وقل ما شئت فإنّى مبلّغه، فملأ الأعور كفّه من الرمل فقال: كم فى كفّى منه؟ قال: شىء لا يحصى كثرة، ثم أومأ الى الشمس فقال: ما تلك؟ قال: هى الشمس. قال: فاذهب إلى أهلى فأبلغهم عنّى التحيّة وقلّ لهم: ليحسنوا إلى أسيرهم [ويكرموه «4» ] فإنى عند قوم محسنين إلىّ [مكرمين «5» لى] وقل لهم ليعروا جملى الأحمر: ويركبوا نافتى العيساء «6» ، ويرعوا حاجتى فى بنى مالك، وأخبرهم أن العوسج «7» قد أورق، وقد اشتكت النساء، وليعصموا همّام بن بشامة فإنه مشئوم محدود «8» . ويطيعوا ابن الأخنس فإنه حازم ميمون.
قال: فآتاهم الرسول فأبلغهم، فقال بنو عمرو بن تميم: ما نعرف هذا الكلام، ولقد جنّ الأعور، والله ما نعرف له ناقة عيساء، ولا جملا أحمر! فشخص الرسول، ثم ناداهم هذيل: يا بنى العنبر، قد بيّن لكم صاحبكم، أمّا الرمل الذى قبض عليه فإنه يخبركم أنه أتاكم عدد لا يحصى، وأمّا الشمس التى أومأ إليها فإنه يقول: إن ذلك أوضح من الشمس، وأمّا جمله الأحمر فهو الصّمّان «1» : يأمركم أن تعروه «2» ، وأما ناقته العيساء فهى الدّهناء «3» ، يأمركم أن تتحرزوا فيها، وأما أبناء مالك فإنه يأمركم أن تنذروا بنى مالك بن زيد مناة، وأن تمسكوا الحلف بينكم وبينهم، وأما العوسج الذى أورق، فيخبركم أنّ القوم قد لبسوا السلاح، وأمّا تشكّى النساء فيخبركم إنهنّ قد عملن حجلا يغزون به.
قال: فتحرّزت عمرو فركبت الدّهناء وأنذروا بنى مالك فقالوا: ما ندرى ما تقول بنو عمرو، ولسنا متحوّلين لما قال صاحبهم. قال: فصبّحت اللهازم بنى حنظلة فوجدوا عمرا قد جلت، وكان على الجيش أبجر بن جابر العجلىّ، وشهدها ناس من بنى تميم اللات، وشهدها الفرز بن الأسود بن شريك فى بنى شيبان، فاقتتلوا، فأسر ضرار بن القعقاع بن زرارة، وتنازع فى أسره بشر بن العوراء من تيم اللات، والفرز بن الأسود فجزّوا ناصيته وخلوا أسره من تحت الليل، وأسر عمرو بن قيس من بنى ربيعة بن عجل عثجل بن الماموم بن شيبان بن علقمة من بنى زرارة، ثم منّ عليه، وأسرت غمامة بنت الطّود بن عبيد بن زرارة، واشترك فى أسرها الخطيم بن هلال، وظربان بن زياد، وقيس بن خليد، فردّوها إلى أهلها، وأسر
حنظلة بن المأموم بن شيبان بن علقمة، أسره طلبة بن زياد أحد بنى ربيعة بن عجل، وأسر حوثرة بن بدر من بنى عبد الله بن دارم، فلم يزل فى الوثاق حتى قال أبياتا يمدح فيها بنى عجل فأطلقوه، وأسر نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وعمرو بن ناشب، وأسر سنان بن عمرو أحد بنى سلامة من بنى دارم، وأسر حاضر بن ضمرة، وأسر الهيثم بن صعصعة، وهرب عوف بن القعقاع عن إخوته، وقتل حكيم النهشلىّ، وكان يقاتل ويرتجز:
كلّ امرئ مصبّح فى أهله
…
والموت أدنى من شراك نعله
وفيه يقول عنترة:
وغادرنا حكيما فى مجال
…
صريعا قد سلبناه الإزارا
يوم النّباج وثيتل «1» لبكر على تميم
قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: غدا قيس بن عاصم فى مقاعس وهو رئيس عليها- ومقاعس هم: صريم، وربيع، وعبيد، بنو الحارث بن عمرو بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم- ومعه سلامة بن ظرب بن نمر الحمانى فى الأجارب وهم: حمان، وربيعة، ومالك، والأعرج، بنو كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم، فغزوا بكر بن وائل فوجدوا بنى ذهل بن ثعلبة بن عكابة، واللهازم وهم: بنو قيس وتيم اللات بن ثعلبة، وعجل بن لجيم، وعنزة بن أسد ابن ربيعة بالنّباج وثيتل، وبينهما روحة، فتنازع قيس بن عاصم وسلامة بن ظرب فى الإغارة، ثم اتفقا على أن يغير قيس على أهل النّباج، ويغير سلامة على
أهل ثيتل. قال: فبعث قيس بن عاصم الأهتم سبقة له- والسبقة: الطيعة- فأتاه الخبر فلما أصبح قيس سقى خيله، ثم أطلق أفواه الروايا وقال لقومه: قاتلوا فإنّ الموت بين أيديكم، والفلاة من ورائكم. فلما دنوا من القوم صبحا سمعوا ساقيا يقول لصاحبه: يا قيس، أورد، فتفاءلوا به، فأغاروا على النّباج قبل الصبح، فقاتلوهم قتالا شديدا، ثم إنّ بكرا انهزمت، فأسر الأهتم حمران بن بشر بن عمرو ابن مرثد، وأصابوا غنائم كثيرة، فقال قيس لأصحابه: لا مقام دون الثيتل، فالنجاة، فأتوا ثيتل ولم يغزوا سلامة وأصحابه بعد، فأغار عليهم قيس بن عاصم، فقاتلوه ثم انهزموا، فأصاب إبلا كثيرة، فقال ربيعة بن طريف:
فلا يبعدنك الله قيس بن عاصم
…
فأنت لنا عز عزيز وموئل
وأنت الذى حربت «1» بكر بن وائل
…
وقد عضّلت «2» منها النّباج وثيتل
غداة دعت يا آل شيبان إذ رأت
…
كراديس «3» يزجيهنّ ورد محجّل
وقال قرّة بن قيس بن عاصم:
أنا ابن الذى شقّ المزاد «4» وقد رأى
…
بثيتل أحياء اللهازم حضّرا
فصبّحهم بالجيش قيس بن عاصم
…
فلم يجدوا إلّا الأسنّة مصدرا
على الجرد «5» يعلكن الشكيم «6» عوابسا
…
إذا الماء من أعطافهنّ تحدّرا
فلم يرها الراءون إلا فجاءة
…
نثرن عجاجا بالسّنابك أكدرا
سقاهم بها الذّيفان قيس بن عاصم
…
وكان إذا ما أورد الأمر أصدرا
وحمران أدّته إلينا رماحنا
…
فنازع غلا فى ذراعيه أسمرا
وجثّامة الذّهلىّ قدناه عنوة
…
إلى الحىّ مصفود اليدين مفكّرا.
يوم زرود «1» الثانى لبنى يربوع على بنى تغلب
أغار خزيمة بن طارق التغلبىّ على بنى يربوع وهم بزرود، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انهزمت بنو تغلب، وأسر خزيمة بن طارق، أسره أنيف بن جبلة الضبّىّ- وهو فارس السليط، وكان يومئذ نقيلا «2» فى بنى يربوع- وأسيد بن حنّاءة السليطى، فتنازعا فيه، فحكّما بينهما الحارث بن فراد، فحكم بناصية خزيمة للأنيف، على أنّ لأسيد على أنيف مائة من الإبل. قال: ففدى خزيمة نفسه بمائتى بعير وفرس، فقال أنيف:
أخدتك قسرا يا خزيم بن طارق
…
ولاقيت منّى الموت يوم زرود
وعانقته والخيل تدمى نحورها
…
فأنزلته بالقاع غير حميد
يوم ذى طلوح «3» لبنى يربوع على بكر
كان عميرة بن طارق بن حصينة بن أريم بن عبيد بن ثعلبة، تزوّج مريّة بنت جابر، أخت أبجر بن جابر العجلىّ، فابتنى بها فى بنى عجل، فأتى أبجر أخته امرأة
عميرة يزورها فقال لها: إنى لأرجو أن آتيك ببنت النّطف امرأة عميرة التى فى قومها، فقال له عميرة: أترضى أن تحار بنى وتسبينى؛ فندم أبجر وقال لعميرة:
ما كنت لأغزو قومك، ثم غزا أبجر والحوفزان متساندين، هذا فيمن تبعه من بنى شيبان، وهذا فيمن تبعه من اللهازم، وساروا بعميرة معهم قد وكل به أبجر أخاه حرقصة بن جابر، فقال له عميرة: لو رجعت إلى أهلى فاحتملتهم، فقال حرقصة:
افعل، فكّر عميرة على ناقته، فسار يومين وليلة حتى أتى بنى يربوع، فأنذرهم الجيش، فاجتمعوا حتى التقوا بأسفل ذى طلوح، فكان أوّل فارس طلع عليهم عميرة، فنادى: يا أبجر، هلّم! فقال من أنت؟ قال: أنا عميرة، فكذّبه، فسفر عن وجهه، فعرفه، فأقبل إليه، والتفّت الخيل بالخيل، فأسر الجيش إلا أقلّهم، وأسر حنظلة ابن بشر بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم- وكان فى بنى يربوع- الحوفزان بن شريك، أخذه معه أبو مليل «1» ، وأخذ ابن طارق سوادة بن يحيى ابن عمّ أبجر، وأخذ أبو عنمة الضّبّىّ الشاعر مع بنى شيبان، فافتكّه متمّم بن نويرة، وأسر شريك بن الحوفزان، وأسود وفلحس، وهما من بنى سعد بن همّام، فقال جرير يذكر يوم ذى طلوح:
ولمّا لقينا خيل أبجر تدّعى
…
بدعوى لجيم قبل ميل العواتق
صبرنا وكان الصّبر منّا سجيّه
…
بأسيافنا تحت الظّلال الحوافق
فلمّا رأوا أن لا هوادة عندنا
…
دعوا بعد كرب يا عمير بن طارق