الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويقال: إن الإسكندر فى الأيّام التى نازل فيها دارا كان يسير اليه بنفسه على أنه رسول فيتوسّط العسكر ويعرف كثيرا مما يحتاج اليه، فكان دارا يستحسن سمته، ويحسن صلته ومجازاته، ثم اتّهمه، وأحسّ الإسكندر بذلك فما عاد اليه بعدها.
ذكر شىء من مكايد الإسكندر وحيله فى حروبه
من ذلك أنه لمّا التقى بدارا يوم الحرب أمر مناديه فنادى: يا معشر الفرس، قد علمتم ما كتبنا لكم من الأمانات، فمن كان منكم على الوفاء فليعتزل عن العسكر وله منّا الوفاء بما ضمنّاه، فاتهمت الفرس بعضها بعضا، وكان ذلك أوّل اضطراب حدث فيهم.
ومن ذلك أنه لمّا شخص عن فارس الى أرض الهند تلقاه ملكها قور «1» فى جمع عظيم من الهنود ومعه ألف فيل عليها المقاتلة بالسلاح وفى خراطيمها السيوف والعمد، فلم تقف لها دوابّ الإسكندر وفرّت فكانت الهزيمة عليه، فلمّا بلغ الإسكندر مأمنه أمر باتّخاذ فيلة من نحاس «2» مجوّفة وربط خيله بين تلك التماثيل حتى ألفتها، ثم أمر فملئت نفطا وكبريتا، وألبسها الدروع وجرت على العجل، وعاود حرب الهند، وجعل بين كلّ تمثالين جماعة من أصحابه. فلمّا نشبت الحرب أمر بإشعال النيران فى أجواف تلك التماثيل وانكشف أصحابه عنها وغشيتها فيلة الهند، فخرجت
النيران من خراطيم التماثيل فولّت الفيلة مدبرة ورجعت على أصحابها، فكانت الدائرة على الهند وقتل ملكهم قور.
ومما يحكى عنه أنه نزل على مدينة حصينة فتحصّن فيها أهلها، فتعرّف خبرها فقيل له: إن فيها من الميرة ما يكفيهم زمنا طويلا، وإنّ بها من العيون والأنهار ما لا يقدر على قطعه، فارتحل عنها ودسّ جماعة من التّجار متنكّرين، فدخلوها وأمدّهم بالأموال الكثيرة، وأمرهم أن يبتاعوا الأقوات ويغالوا فى أثمانها، ففعلوا ذلك حتى حازوا أكثر ما فيها. فلما علم الإسكندر بذلك كتب اليهم يأمرهم بإحراق ما حصلوه من الأقوات وأن يهربوا، ففعلوا كما أمرهم، وعاد الى المدينة وحاصرها وزحف عليها فأعطوه الطاعة وملك المدينة. وكان إذا أراد أن يحاصر مدينة شرّد من حولها من أهل القرى وتهدّدهم بالسبى فيلجأوا الى المدينة ويعتصموا بها، فلا يزال كذلك حتى يعلم أنه قد دخلها أضعاف أهلها وأسرعوا فى الميرة فيحاصرهم حينئذ فيفتح المدينة.
ومما يحكى عنه أنه كتب الى معلّمه أرسطاطاليس «1» ، وكان الإسكندر يشاوره فى كثير من أموره، ويقتدى بآرائه، ويعمل بما يشير به عليه ولا يعدل عنه.
وأرسطاطاليس هذا هو تلميذ أفلاطون، وأفلاطون صاحب الفراسة تلميذ سقراط.
ويحكى عن أفلاطون أنه كان يصوّر له صورة إنسان لم يره قطّ ولا عرفه فيقول:
صاحب هذه الصورة من أخلاقه كذا، ومن هيئته كذا، فيكون الرجل كما أخبر عنه، فيقال: إنه صوّر له صورة نفسه، فلمّا عاينها قال: هذا رجل محبّ فى الزنا فقيل له: إنها صورتك، فقال: نعم أنا كذلك، ولولا أنى أملك نفسى لفعلت وإنى لمحبّ فيه.
نرجع إلى أخبار الإسكندر فيما كتب به الى أرسطاطاليس وما أجابه به قالوا: إنه كتب اليه يخبره أنّ فى عسكره من الروم جماعة من خاصّته لا يأمنهم على نفسه لما يرى من بعدهممهم فى شجاعتهم وكثرة آلتهم، وأنه لا يرى لهم عقولا تفى بتلك الفضائل التى تمنعهم من الإقدام والجرأة عليه، وأنه يكره الإقدام عليهم بالقتل بمجرّد الظّنّة مع وجوب الحرمة.
فكتب إليه أرسطاطاليس: قد فهمت كتابك، وما وصفت به أصحابك.
أمّا ما ذكرت من بعد هممهم فإنّ الوفاء من بعد الهمّة. وأمّا ما ذكرت من شجاعتهم ونقص عقولهم عنها، فمن كانت هذه حاله فرفّهه فى معيشته واخصصه بحسان النساء، فإنّ رفاهية العيش توهن العزم، وتحبب السلامة، وتباعد من ركوب الخطر والغرر «1» ، وليكن خلقك حسنا تخلص اليك النيّات، ولا تتناول من لذيذ العيش ما لا يمكن أوساط إخوتك مثله، فليس ينبغى مع الاستئثار محبّة، ولا مع المواساة بغضة. واعلم أنّ المملوك إذا اشترى لم يسأل عن مال مولاه، وإنما يسأل عن خلقه.
وكتب اليه الإسكندر يعلمه أنه شاهد بإيران شهر «1» رجالا ذوى أصالة فى الرأى، وجمال فى الوجوه، ولهم مع ذلك صرامة وشجاعة، وأنه رأى لهم هيئات وخلفا لو كان عرف حقيقتها لما غزاهم، وأنه إنما ملكهم بحسن الاتفاق والبخت، وأنه لا يأمن إذا ظعن عنهم وثوبهم ولا تسكن نفسه إلّا ببوارهم.
فكتب إليه أرسطاطاليس: فهمت كتابك فى رجال فارس؛ فأما قتلهم فهو من الفساد فى الأرض، ولو قتلتهم لأنبتت أرض فارس أمثالهم، لأنّ إقليم بابل يولد أمثال هؤلاء الرجال من أهل العقل، والسداد فى الرأى، والاعتدال فى التركيب؛ فصاروا أعداءك وأعداء عقبك بالطبع، لأنك تكون قد وترت القوم وكثّرت الأحقاد على أرض الروم منهم وممّن بعدهم، وإخراجك إيّاهم فى عسكرك مخاطرة بنفسك وأصحابك، ولكنّى أشير عليك برأى هو أبلغ لك فى كل ما تريد من القتل وغيره، وهو أن تستدعى أولاد الملوك منهم وممّن يستصلح للملك ويترشّح له، فتقلّدهم البلدان وتولّيهم الولايات ليصير كلّ واحد منهم ملكا برأسه، فتتفرّق كلمتهم، ويجتمعوا على الطاعة لك، ولا يؤدّى بعضهم إلى بعض طاعة، ولا يتفقوا على أمر واحد، ولا تجتمع كلمتهم. ففعل الإسكندر ذلك، فتمّ أمره وأمكنه أن يتجاوز أرض فارس إلى أرض الهند حتى قتل ملكها مبارزة بعد حروب عظيمة.
ثم صار إلى أرض الصّين وطاف مما يلى القطب الشمالىّ ورجع إلى العراق فمات فى طريقه بشهر زور «2» ، ويقال: بل فى قرية من قرى بابل. وكان عمره ستّا وثلاثين
سنة. وفى بعض النسخ ثلاثا وثلاثين سنة. وكان ملكه ثلاث عشرة سنة وشهورا.
وقيل: سبعة عشر سنة. وقتل دارا فى السنة الثالثة من ملكه.
قال: وبنى الإسكندر اثنتى عشرة مدينة وسمّاها كلّها الإسكندرية منها: مدينة جىّ «1» بأصبهان، وثلاث مدن بخراسان وهى: هراة «2» ومرو «3» وسمرقند. وبنى بأرض بابل مدينة لروشنك «4» . وبنى بأرض يونان سبع مدن.
ومن عجيب ما قيل فى نسب الإسكندر: أنه من ولد دارا الأكبر، وأنه أخو دارا الأصغر، وذلك أن دارا الأكبر بن أردشير تزوّج ببنت ملك الزّنج هلاى، فلمّا حملت»
منه استخبث ريحها، فأمر أن تحتال لذلك، فكانت تغتسل بماء السندروس «6» فأذهب ذلك كثيرا من دفرها «7» ، ثم عافها وردّها [إلى أهلها «8» ] وقد علقت منه بالإسكندر فقيل له الإسكندروس. هذا ما نقله عبد الملك بن عبدون فى كتابه المترجم