الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع عشر
في المباحث المشتركة بين الحقيقة والمجاز
وفي مسائل:
المسألة الأولى
في الفرق بين الحقيقة والمجاز
اعلم أن الفصل بين الحقيقة والمجاز، تارة يقع بالتنصيص، وتارة بالعلامات.
أما الأول: فهو أن يقول الواضع: هذا اللفظ حقيقة في هذا المعنى مجاز في هذا المعنى "أو يقول ذلك أئمة اللغة إذ الظاهر أنهم لم يقولوا ذلك إلا عن ثقة / (59/أ) أو يقول الواضع هذا حقيقة أو مجاز". فيثبت بهذا أحدها وهو ما نص عليه.
فإن أردت أن تثبت بواسطة هذا أن يكون ذلك اللفظ مجازا في غيره في الأول، وحقيقة في غيره في الثاني، وجب أن نضم إليه مقدمة أخرى.
فنقول: في الأول: إذا ثبت أنه حقيقة في هذا، وجب أن يكون مجازا في غيره وإلا لزم الاشتراك، وأنه خلاف الأصل. ونقول في الثاني: وإذا كان مجازا في هذا، وجب أن يكون حقيقة في غيره، وإلا لزم تكثير المجاز، وأنه خلاف الأصل، لكن لم يكونا على هذا النمط من طرق التنصيص، بل من المركب منه، ومن الاستدلال.
وأما العلامات فهي أمور:
أحدها: أن يتبادر المعنى إلى فهم جماعة من أهل اللسان، عند سماع اللفظ من غير قرينة، والمتبادر إلى الفهم هو الحقيقة، وما لا يتبادر إليه فهو المجاز.
لا يقال: ما ذكرتم منقوص طردا وعكسا.
أما الطرد: فلأن المجاز المنقول، والمجاز الراجح، مما يتبادر معناهما المجازيين إلى الفهم عند اطلاقهما من غير قرينة دون حقيقتهما.
وأما العكس: فلأن المشترك حقيقة في مدلولاته مع أنه لا يتبادر شيء
منهما إلى الفهم بدون القرينة.
لأنا نقول: أما المنقول: فغير وارد، لأن المنقول إليه إنما يتبادر إلى الفهم عند سماع المنقول، لأنه حقيقة فيه، وكونه مجازا فيه أيضا لا ينافي كونه حقيقة فيه كما ستعرف أن اللفظ الواحد في المعنى الواحد يجوز أن يكون حقيقة ومجازا باعتبار وضعين.
وأما عدم تبادر الحقيقة الأصلية، فالأصل أنها صارت الآن مجازا عرفيا.
وأما المجاز الراجح: فإنه وإن تبادر معناه المجازي بدون القرينة لكنه نادر، والتبادر في الأغلب لا يوجد إلا في الحقيقة، وتخلف المدلول عن الدليل الظني لا يقدح فيه، ألا ترى أن الغيم الرطب في الشتاء دليل وجود المطر منه، وتخلف عنه في بعض الأوقات لا يقدح في كونه دليلا عليه لاسيما في المباحث اللغوية، والأمارات الإعرابية، وأما اللفظ المشترك: فإنه حقيقة في إفادة أحد المعنيين لا بعينه، وهذا المعنى يتبادر إلى الفهم عند إطلاقه وسماعه بدون القرينة.
والذي لا يتبادر إلى الفهم هو أحدهما عينا، وهو ليس بحقيقة "وقد عرفت ما في هذا الجواب من الإشكالات من قبل.
ويمكن أن يقال عليه لو كان المشترك حقيقة" في إفادة أحد المعنيين
لكان متواطئا، لأن هذا المفهوم مشترك بين ذينك المعنيين على السوية وهو خلف.
وثانيها: أن أهل اللغة / (59/ب) إذا حاولوا تعريف الشيء لغيرهم عبروا عنه بلفظ مخصوص، وإذا حاولوا أن يعبروا عن شيء آخر بذلك اللفظ لم يقتصروا عليه بل ضموا إليه ما به يتبين المراد.
فنعلم أن اللفظ حقيقة في الأول، ومجاز في الثاني، ومنه:"جناح الذل"، و "نار الحرب"، و "رحى الحرب".
وثالثها: أن يصح نفي اللفظ عن معناه المجازي، في نفس الأمر دون معناه الحقيقي.
ولهذا لما كان الحمار مجازا في "البليد""إذ" يصح أن يقال: إنه ليس بحمار بل هو إنسان، ولا يصح أن يقال أنه ليس بإنسان.
وإنما قيدنا بصحة النفي في نفس الأمر، احترازا عن قول: من قال: في إنسان ظنه جرثومة أو حيوانا آخر أنه ليس بإنسان، فإن هذا النفي
لما لم يكن في نفس الأمر، لم يدل على كونه مجازا فيه.
لا يقال: إنما يصح نفي اللفظ عن معنى إذا عرف كونه مجازا فيه، لأن المعنى من قولك: البليد: ليس بحمار، أي أن الحمار ليس موضوعا بإزاء البليد، فلو عرف كونه مجازا فيه بصحة النفي لزم الدور وأيضا:
فإنا لا نسلم: أن الحقيقة لا يصح نفيها، إذ يصح أن يقال: في عرف الاستعمال لمن لا مروءة له ولا عقل يسدده أنه ليس بإنسان، ولا هو ابن آدم.
لأنا نقول: لا نسلم أن معنى قولنا: البليد ليس بحمار هو ما ذكرتم، بل معناه البليد ليس بحيوان ناهق، وقد ثبت أن الحمار حيوان حقيقة فيه، فنفي الحيوان الناهق عن البليد يستلزم نفي لفظ الحمار عنه، وإلا لزم الاشتراك، وهو خلاف الأصل، فصحة النفي لا يدل على التجوز إلا مع هذا الأصل.
ولئن سلمنا: أن معنى قولنا: البليد ليس بحمار، هو ما ذكرتم، لكن لا نسلم أن صحة النفي يتوقف على معرفته حتى يلزم توقف صحة النفي على معرفة كونه مجازا فيه، بل العارف باللغة وبمواقعها، قد يحكم بفطرته السليمة بصحة سلب اللفظ عن معنى، وإن لم يكن قد عرف قبله أنه غير موضوع بإزائه بطريق آخر، بل ربما استدل عليه بما يجده في نفسه من صحة السلب.
وعن الثاني: أن ذلك لظنهم أن الإنسان إنما هو حقيقة فيمن اتصف من بني
آدم بالصفات المرضية والخصائل الحميدة لا لمطلق بني آدم، ولهذا يقولون. الإنسان في الحقيقة، من اتصف بكيت وكيت من الصفات الحميدة التي يتميز الإنسان بها عن سائر الحيوانات.
ورابعها: أن نعلق الكلمة بما يستحيل تعليقها به، فيعلم أنها في أصل اللغة غير موضوعة له فيكون مجازا فيه كقوله تعالى {واسأل القرية} .
هذا ما ذكره الإمام وغيره. وفيه نظر، لأن المجاز العقلي نحو "أخرجت الأرض / (60/أ) أثقالها" و "مما تنبت الأرض" كذلك مع أنه ليس مجازا لغويا، اللهم إلا أن يرد بقوله: بما يستحيل تعليقها به، نظرا إلى الوضع اللغوي لكنه باطل، لأنه قد اعترف أن أمثلة الأفعال لا دلالة لها على خصوصية الفاعلين، ومعلوم أيضا أنه لا دلالة لها على خصوصية المفعولين، فلم يكن التعليق بالمستحيل علامة المجاز اللغوي.
وخامسها: وهو مما ذكره الغزالي- رحمه الله وهو أن الحقيقة جارية على الاطراد، والمجاز عكسه. وهذا يجب تقييده بأمرين:
أحدهما: بالوجوب أي يجب أن تكون جارية على الاطراد لئلا يرد المجاز المطرد نقضا على طرده، فإنه وإن كان مطردا لكنه لا يجب طرده
بدليل عدم اطراد مثله من المجاز.
وثانيهما: بشرط عدم المانع، أي يجب أن تكون مطردة إن لم يمنع منه مانع شرعي، أو عقلي، أو لغوي، لئلا يرد مثل "السخي" و "الفاضل" بالنسبة إلى الله تعالى نقضا على عكسه.
اعترض الإمام عليه: بأنه إن أراد بجريان الحقيقة على العموم جريانها في موارد نص الواضع فالمجاز كذلك، وإن أراد به إلحاق المسكوت بالمنطوق به في جواز استعمال اللفظ فيه لجامع مشترك بينهما، فهذا قياس في اللغة، وهو لا يقول به.
وجوابه: لعله ذكر هذه العلامة تفريعا على جواز القياس في اللغة.
ولئن سلم: أنه ليس كذلك، لكن لا يلزم من نفي القسم الأول، القسم الثاني، أو إن لزم، لكن لا يلزم منه صحة القياس في اللغة، لجواز أن يكون اطرادها كاطراد أسماء الفاعلين، والمفعولين، وأسماء الصفات، كالعالم فإنه لما استعمله، والواضع في ذي علم واحد بطريق الحقيقة، علمنا صدقه على كل ذي علم بطريق الحقيقة.
وقد عرفت أن هذا الباب ليس من القياس في شيء، بل هو معلوم بالضرورة من قواعد كلامهم، وليس أنه إذا استعمل الواضع اللفظ بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وجب أن يصدق مثله، في كل موضع حتى يجوز أن يقال:"واسأل البساط"، و "الكون" بمعنى أهل
البساط، وأهل الكون.
وسادسها: أن يكون الاسم له معنيان، وقد اتفق على أنه حقيقة في أحدهما، وجمعه بذلك المعنى الحقيقي المتفق عليه، مخالف لجمعه بالمعنى الآخر، فيعلم أنه مجاز في هذا الآخر وإلا لزم الاشتراك، وأنه خلاف الأصل.
فاختلاف الجمع لا يدل على التجوز إلا مع هذا الأصل، وإلا فليس له إشعار بكون اللفظ حقيقة في معناه أو مجازا، ولأنه يجوز أن يكون للاسم بحسب معنى حقيقي جمع، وبحسب معنى حقيقي آخر جمع آخر مخالف / (60/ب) له ليكون دليلا على تعيين أحد المسميين حالة الجمع، فعلى هذا لا يكون اختلاف الجمع دليلا على التجوز، ولا يخفى عليك أن ما قيل إن الجمع إنما هو للاسم لا للمسمى، فاختلافه لا يكون مؤثرا في اختلاف الجمع، لا يصلح جوابا عنه، وبتقدير صحته، فهو وارد عليه أيضا على تقدير التجوز لأن الاسم في المعنى الحقيقي والمجازي "واحد فاختلاف مسماه الحقيقي والمجازي" وجب أن لا يكون مؤثرا في اختلاف جمعه لما ذكره
وسابعها: أن يكون اللفظ له معنى حقيقي متفق عليه، وله تعلق بالغير، فإذا استعمل فيما لا تعلق له بذلك الغير كان مجازا.
مثاله: القدرة. فإنها حقيقة في الصفة المؤثرة في الإيجاد، ولها تعلق بالقادر، والمقدور، وإذا استعملت في نفس المقدور، كما في قولهم: هذا قدرة الله في النبات الحسن، لم يكن له ذلك التعلق. فيعلم أنه مجاز فيه، وهذا إنما يتم بما ذكرنا من أن الأصل عدم الاشتراك، وإلا فيجوز أن يكون له بحسب إحدى الحقيقتين متعلق دون الأخرى.
ولقائل أن يقول: هذا وما قبله إذا كان لا يتم إلا بأن الأصل عدم الاشتراك وهو وحده دليل تام على التجوز مهما استعمل اللفظ في معنيين، وثبت أنه حقيقة في أحدهما، فالتعرض لاختلاف الجمع وكون مسماه متعلقا بالغير وصحة النفي يكون ضائعا.
وثامنها: أن يكون اللفظ مستعملا في معنيين، ولم يعلم أنه حقيقة في أيهما أو فيهما، لكن استعماله في أحدهما يتوقف على استعماله في الآخر، فيعلم أنه مجاز في المتوقف فيه، لأن توقف استعماله فيه على استعماله في غيره يصير كالقرينة، وأنها آية التجوز، ولكن لا يعلم من هذا أنه حقيقة في غير المتوقف، فإذا ضم إليه دليل آخر نحو تبادر الفهم إليه، أو دل دليل مثل الإجماع وغيره على أنه ليس بحقيقة في غيرهما، فيعلم أنه حقيقة فيه مثاله: المكر [فإن استعماله في الله تعالى بمعنى إجراء المكر يتوقف على] استعماله
في العباد بمعنى الخداع من غير عكس، فيعلم أنه مجاز.
وتاسعها: أن يكون اللفظ مستعملا في معنيين، ويشتق منه بحسب أحد المعنيين ما يمكن الاشتقاق منه، من اسم الفاعل والمفعول وغيرهما، ولا يشتق منه ذلك بحسب المعنى الآخر، مع عدم المانع منه فيعلم أنه مجاز فيه، وحقيقة في الأول، مثاله: لفظ "الأمر" فإنه مستعمل في القول المخصوص والفعل- كما سيأتي إن شاء الله تعالى- لكنه لما كان حقيقة في القول المخصوص "لا جرم اشتق منه / (61/أ) الأمر المأمور به، ولما لم يكن حقيقة في الفعل" لم يشتق منه شيء من ذلك، وإنما قيدنا بعدم المانع منه، احترازا عن مثل "القارورة" فإنها مشتقة من قرار المائع، وهو موجود في الخوابي والجرار مع أنه لا يقال لها بقارورة لوجود المانع منه، إما عن أهل اللغة أو العرف.
ولا يرد على طرد هذه العلامة "الرائحة"، فإنها وإن كانت حقيقة في معناها لكن إنما لا يشتق منها، لأنه لا يمكن الاشتقاق منها إذ ليس فيها معنى الحدث، ألا ترى أن التزوج لما أمكن الاشتقاق منه اشتق منه المتزوج.
فإن قلت: ولئن سلم: أن الاشتقاق دليل الحقيقة، لكن لا نسلم أن عدمه دليل التجوز، لجواز أن يكون الاسم بحسب إحدى الحقيقتين اشتقاق دون