الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تحقق العقاب على الترك، فهو سهوا منه، لأن الشيخ الغزالي- رحمه الله نفى الوجوب عند نفي/ (78/ب) الترجيح مطلقا، لا عند نفي العقاب، فليس في تزييفه لما قيل في حد "الواجب" أنه الذي يعاقب على تركه، أو الذي يتوعد على تركه، وبين نفيه الوجوب عند نفي مطلق الترجيح تناقض.
المسألة الرابعة
[في الواجب المخير]
قال جمهور الفقهاء والمتكلمين منا: وجوب شيء من أشياء محصورة كما في خصال الكفارة، أو غير محصورة كإعتاق رقبة من الرقاب لا يقتضي وجوب جميعها، بمعنى أنه يجب الإتيان بكل واحد من تلك الأشياء، بل يقتضي وجوب شيء واحد لا بعينه.
ونقل عن أبي هاشم وابنه القول: بوجوب الكل، ثم إن بعضهم اقتصر
عليه.
وبعضهم زاد ونقل القول: بوجوب الكل على التخيير والبدل.
قال المحققون منا كإمام الحرمين وغيره، ومنهم كأبي الحسن البصري: أنه لا خلاف بين الفريقين في المعني على النقلين جميعا، بل في اللفظ، فإنهما قد اتفقا على أن المراد من قوليهما جميعا: أنه لا يجب على المكلف الإتيان بكل واجد منهما، ولا يجوز له ترك كل واحد منهما، وعليه أن يأتي بواحد منها أي واحد أراد.
نعم لو فسر الوجوب التخييري بما أن الواجب هو ما اختاره المكلف، بمعنى أنه باختياره يصير واجبا "لا" بمعنى أنه باختياره يصير متعينا
للوجوب لتحقق الخلاف في المعنى.
وكذلك لو عنى بقولهم: الواجب واحد لا بعينه، عدم التعيين بالنسبة إلينا، أما بالنسبة إلى الله تعالى فلا، بل هو متعين عنده تعالى، وعلم أن المكلف لا يختار إلا ذلك المتعين.
لكن الفريقين اتفقوا على فساد هذين المذهبين- على ما ستعرف ذلك إن شاء الله تعالى-، ولعل القوم، إنما اختاروا هذه العبارة وهي: أن الكل واجب على التخيير على عبارتنا.
وهي: أن الواجب واحد بعينه، مع مساعدتهم إيانا على المعنى، لأنه يشعر بعدم إيجاب ما عداه الواحد، والوجوب عندهم يتبع الحسن الخاص، فيجب عند التخيير بين الأشياء استواؤهما في ذلك الحسن الخاص المقتضي للوجوب، وإلا وقع التخيير بين الحسن المخصوص، وبين غيره، وهو غير جائز.
فإن قلت: فعلى هذا ينبغي أن يكون الكل واجبا بمعنى أنه يجب الإتيان بكل واحد منهما لاستوائهما في المعنى الذي يوجب الإتيان بواحد منها.
قلت: جاز أن يكون حصول ذلك المعنى مطلوبا للشارع فقط، لا تكرر حصوله، فإذا حصل يجب ضمن واحد منها لا جرم لم يجب الباقي، كما في فرض الكفاية، وعند هذا التلخيص تميز محل النزاع عن محل الوفاق، وعرف أيضا أنه لا منازعة بين/ (79/أ) الفريقين في المعنى.
فلنشرع الآن في الحجاج جريا على عادة المتقدمين، فإن بعض تلك الأدلة تشعر بالخلاف بينهما في المعنى.
احتجت الأشاعرة والفقهاء: على أن القول بوجوب واحد لا بعينه جائز عقلا وواقع شرعا.
أما الأول: فلأنه لا امتناع في العقل من أن يقول الشارع للمكلف أو السيد لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا الثوب، أو بناء هذا البيت، أيهما فعلت أثبتك عليه، بثواب ما أوجبت عليك، وهو ثواب واجب واحد، وإن تركت
الجميع عاقبتك عقاب ترك واجب واحد، ولست أوجب الجميع، ولا أجور ترك الجميع، وإنما أوجب واحدا لا بعينه، أي واحد أردت، فهذا كلام معقول ليس في العقل ما يحيله.
وأما وقوعه شرعا: فيدل عليه قوله تعالى في كفارة اليمين: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} فإنه لا يخلو إما أن يقال: إنه تعالى أوجب جميع هذه الخصال، أو ما أوجب شيئا منها، أو أوجب منها ما يختاره المكلف، أو أوجب واحدا بعينه، أو واحدا لا بعينه، والأقسام الأربعة الأول باطلة. فيتعين القسم الأخير، وهو المطلوب.
أما الأول: فيدل على بطلانه وجوه:-
أحدها: الإجماع، إذ ليس في الأمة من يقول: بوجوب جميع تلك الخصال الثلاثة، بمعنى أنه يجب الإتيان بكل واحد منها.
وثانيها: أن ذلك يقتضي أن لا تكون "أو" مستعملة في حقيقتها، وهو خلاف الأصل.
وثالثها: أنه لو أتى الجميع، أو ترك الجميع فإنه لا يثاب على الجميع ثواب الواجب، ولا يعاقب على ترك الجميع، باتفاق الخصوم.
ورابعها: أنه يقتضي أن يكون عتق جميع العبيد واجبا، لأن عتق عبد من العبيد واجب، كما أن خصلة من الخصال الثلاثة واجبة.
وأما إن أريد بوجوب الجميع الوجوب على وجه التخيير، بمعنى أنه يجب إتيان واحد منها أي واحد أراده المكلف، فهو الذي نعنيه أيضا من قولنا:"الواجب واحد لا بعينه" وحينئذ يؤول النزاع إلى اللفظ.
وأما إن أريد منه "أن" ما يختاره المكلف فهو باختياره يصير واجبا. فهو باطل- أيضا لما سيأتي-.
وأما القسم الثاني: فهو باطل أيضا بالإجماع، ولأنه خلاف التقدير إذ الكلام مفروض، فيما إذا أوجب شيء من الأشياء.
وكذلك القسم الثالث: أما أولا: فبإجماع الأمة، قبل ظهور المخالف أن قال به أحد على أن شيئا منها واجب قبل اختيار المكلف.
وأما ثانيا: فلأنه على خلاف ظاهر الآية.
وكذلك القسم/ (79/ب) الرابع: لأن الوجوب على التعيين، معناه: أنه لا يجوز تركه بعينه، والوجوب على وجه التخيير، معناه: أنه يجوز للمكلف
ترك كل واحد منها، يشترط الإتيان بالآخر، فلو كانت خصلة منها واجبة على التعيين، سواء كان ذلك بالنسبة إلى الله تعالى، أو بالنسبة إلينا لزم أن لا يجوز تركها بعينها، لكن الإجماع منعقد على أنه لا يأثم بترك خصلة منها إذا فعل الأخرى أي خصلة كانت، وحينئذ يلزم أن يجوز تركها وأن لا يجوز، وذلك متناقض، وإذا بطلت هذه الأقسام تعين القسم الأخير وهو المطلوب فإن قيل: ما ذكرتم من الآية، إنما تكون دالة على إيجاب واحد لا بعينه، لو كانت تقتضي إيجاب الخصال الثلاثة به بالنسبة إلى كل واحد من الأمة، هو ممنوع.
ولم لا يجوز أن المراد منها إيجاب الخصال الثلاثة بالنسبة إلى مجموع الأمة؟ وحينئذ لا يلزم منها أن يكون الواجب واحدا لا بعينه، بل تكون مقتضاها حينئذ إيجاب الطعام بعينه بالنسبة إلى بعض الحانثين، والكسوة إلى بعض آخر والإعتقاق إلى بعض آخر.
سلمنا: أنها تقتضي إيجاب الكل، بالنسبة إلى كل واحد من الأمة، لكن لا نسلم على وجه التخيير. ولم لا يجوز أن يكون المجموع واجبا على التعيين؟ وإنما لا يجب الإتيان بكل واحد منها عند الإتيان بالبعض، لأن إتيان البعض سبب لسقوط الباقي، كما في الفرض الكفاية.
سلمنا: أن الكل غير واجب على التعيين فلم لا يجوز أن يكون الواجب
واحدا بعينه؟ وهو ما علم الله تعالى أن المكلف يختاره ويكفر به.
سلمنا: فساد هذا القسم، فلم لا يجوز أن يكون الواجب هو ما يختاره المكلف؟ بمعنى أن لاختياره مدخلا في الوجوب ودعوى الإجماع على فساد هذا القسم ممنوع.
قوله: ثانيا: أنه خلاف الظاهر.
قلنا: قد يصار إليه عند قيام الدلالة عليه، وقد قام الدليل عليه، وهذا لأن القول بوجوب واحد لا بعينه باطل.
أما أولا: فلأن الحكم عبارة عن تعلق خطاب الشرع بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير على ما تقدم تعريفه، والخصم مساعد عليه أيضا، فالواجب ما تعلق به الخطاب باقتضاء الفعل المانع من النقيض، والخطاب يمتنع تعلقه باقتضاء فعل أحد الأمرين المبهمين، كما يمتنع تعلقه بالإيجاب على أحد الشخصين الغير المعينين.
وأما ثانيا: فلأن اقتضاء الطلب يستدعي مطلوبا معينا، لأن المطلوب لابد وأن يتميز عن غيره، وإلا لم/ (80/أ) يكن أولى بالمطلوبية من غيره، فما ليس بمعين ليس مطلوبا فلا يكون واجبا، وإذا امتنع أن يكون الواحد لا بعينه واجبا.
وقد تبين فساد الأقسام الثلاثة الأخر لما ذكرتم من الدليل، تعين أن يكون الواجب هو ما اختاره المكلف.
والجواب عن الأول من وجوه:
أحدها: أنه خلاف إجماع من سبق من السلف، فإنه لم يفهم أحد منهم من الآية ما ذكرتم من الاحتمال، بل أطبقوا بأسرهم على أن مقتضاها التخيير، بالنسبة إلى كل واحد من المكلفين.
وثانيها: أنه يقتضي أن تكون "أو" بمعنى "الواو" وأنه خلاف في الأصل.
وثالثها: أنه يقتضي إضمارات كثيرة، لأنه يصير معنى الآية حينئذ، فكفارته إطعام عشرة مساكين من بعض الحانثين وكسوتهم من بعضهم وتحرير رقية من بعضهم، وقد عرفت أن الإضمار خلاف الأصل فكيف تكثيره؟.
وعن الثاني من وجهين:
أحدهما: أنه لو كان الأمر كما ذكرتم، لوجب أن يثاب على الكل ثواب الواجب إذا فعله، ويعاقب ترك الكل عقاب ترك الواجب، وبالإجماع ليس كذلك.
ولهذا فارق فرض الكفاية، فإن الكل إذا فعلوه أثيبوا ثواب الواجب
وكذلك يعاقبون بأسرهم بتركه عقاب ترك الواجب.
وثانيها: أنه لو كان الأمر كما ذكرتم، لكان المكلف إذا فعل الكل لوجب عليه أن ينوي في الكل أداء الواجب، كما في فرض الكفاية، فإن الكل إذا فعلوه، فإنه يجب على كل واحد منهم أن ينوي أداء ذلك الواجب، إن كان ذلك مما يحتاج إلي النية، وكما في سائر الواجبات المحتاجة إلى النية، وبالإجماع ليس كذلك.
وعن الثالث: أنه متناقض لما يقتضيه ظاهر الآية، فإن ظاهرها يقتضي التخيير على ما تقدم بيانه، وذلك يقتضي جواز ترك كل واحد منها بشرط الإتيان بالآخر، وكونه واجبا على التعيين يقتضي عدم جواز تركه على كل التقادير، فيكون مناقضا لظاهر لآية فيكون باطلا.
وعن الرابع: أنه يقتضي أن لا وجود قبل الاختيار، وهو خلاف الإجماع، ومنعه مكابرة غير مستحق للجواب، ولأنه يقضي ألا يأثم بتركه قبل الاختيار، إذ لا وجوب قبله، ولو التزام بأنه لا يأثم بتركه قبل الاختيار وإنما يأثم بترك الاختيار وهو مقدوره، فلا يخفى عليك ضعفه ومخالفته لظاهر الآية.
وأما قوله ثانيا: أنه وإن كان خلاف الظاهر، لكنه قد يصار إليه عند قيام الدلالة عليه، وقد دل الدليل عليه، فوجب المصير إليه. فجوابه من وجهين:
أحدهما: وهو/ (80/ب) إجمالي أنه يقتضي التعارض، وهو خلاف الأصل، فالمستلزم له أيضا كذلك.
وثانيهما: وهو أنا نمنع قيام الدلالة على ماذكروه من الاحتمال.
قوله: في الوجه الأول: يمتنع تعلق الخطاب باقتضاء أحد الأمرين المبهمين، كما يمتنع تعلقه بالإيجاب على أحد الشخصين المبهمين.
قلنا: لا نسلم أنه يمتنع تعلق الخطاب باقتضاء أحد الأمرين المبهمين، وجوازه بين، إذ لا يمتنع أن يقول السيد لعبده: آمرك بأحد هذين الفعلين من غير تعيين، أيهما أتيت به فقد امتثلت أمري.
وأما القياس على الإيجاب على أحد الشخصين من غير تعيين، فغير صحيح. لأن الفرق قائم بينهما، ومعه لا يصح القياس.
والفرق: وهو أن الإيجاب على الشخص يستدعي ذمه على تقدير تركه، وإثابته على تقدير فعله وذم شخص لا بعينه وإثباته غير ممكن، فلا يمكن الإيجاب على أحد الشخصين المبهمين، بخلاف إيجاب أحد الأمرين المبهمين، لأن حاصل الحكم الشرعي عندنا يرجع إلى تعلق الخطاب بأفعال المكلفين على الوجه الذي- تقدم ذكره- وتعلق النطق بواحد لا بعينه من جملة الأشياء ممكن وإلا لما أمكن التعبير عنه.
قوله ثانيا: المطلوب لابد وأن يكون متميزا عن غيره.
قلتا: نعم لكن لا يشترط أن يكون ذلك بكل الاعتبارات، بل ببعضها وهو حاصل فيما نحن فيه، فإنه يميز بأن ماعدا ما أبهم فيه غير مطلوب ولا المكلف معاقب على تركه.
واحتج من زعم أن الكل واجب بوجوه:
أحدها: أن الخصال المذكورة، إن كانت متساوية في المصلحة التي تقتضي الوجوب، فيلزم أن يكون الكل واجبا وإلا لزم الترجيح من غير مرجح، وتخلف المعلول عن العلة، وإن لم تكن متساوية، بل بعضها مختص بما لأجله اختص بالوجوب، لم يجز التخيير بينه وبين غيره، لأن التخيير بين الواجب وبين غيره غير جائز، لما فيه من رفع معنى الوجوب فكان هو متعينا للوجوب ولما لم يكن كذلك وفاقا، دل ذلك على أن الكل واجب غاية ما يقال عليه، أن الإتيان بالكل غير واجب أيضا بالإجماع.
لكن يمكن أن يقال: في دفعه إنه يجوز أن يكون إتيان البعض سببا لسقوط الباقي، كما في فرض الكفاية، أو يقال عند إتيان البعض يجوز أن يسقط التكليف بالباقي، كما في إتيان غير الواجب، فإنه قد يسقط عنده التكليف بالواجب عندكم، بل ما نحن فيه أولى لاستواء الكل في الوجوب.
وثانيها: لو لم يكن الكل واجبا، فإما أن لا يجب شيء منها وهو باطل وفاقا، أو يجب شيئا منها، وهو إما معين/ (81/أ)، أو غير معين، وكلاهما باطلان.
أما الأول: فلوجهين:-
أحدهما: ما سبق وهو أنه لم يجز التخيير بينه وبين غيره حينئذ.
وثانيهما: أن لو كان كذلك لوجب أن ينصب الله تعالى عليه دليلا معينا غير اختيار المكلف وتسميته، كما في سائر الواجبات لئلا يلزم منه تكليف
ما لا يطاق، وحيث لم ينصب الدليل دل ذلك على بطلانه.
وأما الثاني: فلأن ذلك الغير المعين، إما أن يكون لتعيينه طريق أو لا يكون، وهذا الثاني باطل وفاقا.
وبيانه: أن منهم من أحال القول بوجوب واحد لا بعينه، ومنهم من اعترف به وكل من اعترف به، قال: يتعين لوجوب ما يختاره المكلف ويفعله، فالقول بوجوب واحد لا بعينه وليس لتعيينه طريق قول لم يقل به أحد.
وأما الأول: فذلك الطريق، إما باختيار المكلف، أو غيره.
الثاني: باطل لما سبق، والأول كذلك أيضا لوجهين:
أحدهما: ما سبق وهو القياس على سائر الواجبات.
وثانيهما: أن نظر العبد وعقله قاصر عن معرفة المصالح المقتضية للوجوب النافعة له معادا ومعاشا، فلا يجوز أن يفوض إلى رأيه القاصر تعيين الواجب، كما لا يجوز أن يفوض إليه أصله، حتى يجوز أن يقال له: أفعل ما شئت فإنك لا تفعل إلا ما هو الواجب وليس هذا مما اختلف فيه، فإن ذاك إنما هو بالنسبة إلى النبي، أو بالنسبة إلى من علم الله عصمته، أما جوازه بالنسبة إلى كل واحد من المكلفين فذاك مما لم يقل به أحد.
وثالثها: لو كان الواجب واحدا لا بعينه، لكان ما عدا ذلك الواحد غير واجب، فلو كفر ثالثة من المكلفين، كل واحد منهم بكل واحدة من تلك الخصال الثلاثة غير ما كفر به الآخر، لكان الواحد منهم لا بعينه هو المكفر بالواجب دون الآخرين، لكن الإجماع منعقد على أن كل واحد منهم مكفر بالواجب وذلك يدل على أنه ليس الواجب واحد لا بعينه، بل الكل واجب.
واحتج: من زعم أن الواجب واحد بعينه، وهو ما علم الله تعالى أن المكلف
يكفر به، بأن الواجب واحدة من الخصال الثلاث، بدليل انه لو اقتصر المكلف على واحد منها لاجزأه بالإجماع.
وما يقال من الاحتمال في قدحه: وهو أنه يجوز أن يكون الإتيان بالبعض سببا لسقوط الباقي، فإن مع هذا الاحتمال لا يكون ما ذكر من الحكم دالا على أن الواجب واحد فذلك، وإن كان ممكنا، لكنه خلاف الأصل لا يصار إليه إلا عند (81/ب) قيام الدلالة عليه، إذ الأصل أن لا يقوم الشيء مقام الشيء الآخر، ثم الله تعالى علم ما يكفر به المكلف، فكان ذلك هو الواجب في علمه تعالى، فيكون الواجب واحدا معينا.
واحتج المخالفون على فساد مذهبنا بوجوه.
أحدها: أن المكلف إذا أتى بالكل دفعة واحدة، إما بالوكالة، أو بعضها بالوكالة، وبعضها بالمباشرة، فلاشك أنه يستحق على ذلك ثواب الواجب، فإما أن يكون ثواب واجب واحد، أو ثواب واجبات كثيرة.
فإن كان الثاني: كان الكل واجبا لا واحدا لا بعينه.
وإن كان الأول: فإما أن يكون ذلك الاستحقاق معللا بكل واحد منها، أو بواحد منها، إما معين أو غير معين.
والأول باطل، لأنه يلزم منه اجتماع مؤثرات كثيرة، على آثر واحد، وهو محال، لاستلزامه احتياج الأثر واستغنائه معا بالنسبة إلى كل واحد من المؤثرات، وبتقدير صحته يلزم أن يكون كل واحد منها واجبا، لا واحدا لا بعينه.
وإن كان الثاني: كان الواجب واحدا معينا.
وإن كان الثالث: فهو باطل، لأن استحقاق الثواب حكم "معين"، فيجب أن يكون موجبه معينا لاستحالة إسناد المعين إلى المبهم، الذي لا وجود له في الخارج.
وثانيها: أنه إذا أتى بالكل، فلابد وان يسقط عنه الفرض، فإن سقط عنه فروض كثيرة، كان الواجب أمورا كثيرة، لا واحدا بعينه، وإن سقط عنه فرض واحد، فإن كان معللا بكل واحد منهما، كان المحال المذكور لازما، وبتقدير تسليمه كان المطلوب حاصلا، وإن كان معللا بواحد معين فكذلك وإن كان بواحد غير معين فهو باطل، لأن الإتيان بالمبهم غير ممكن، لأن كل ما يؤتى به في الخارج فهو متعين، وإذا لم يمكن الإتيان به لم يكن سقوط الفرض معللا به، لأنه معلل بالماتي به.
وثالثها: مثله في جانب الترك، بالنسبة إلى استحقاق العقاب.
ورابعها: أنه إذا أتى بالكل فالمحكوم عليه بالوجوب، إن كان هو الكل من حيث إنه كل لم يكن شيء منها واجبا على الاستقلال، وهو خلاف الإجماع، وبتقدير تسليمه فالمطلوب حاصل، وهو أن لا يكون الواحد لا بعينه واجبا، وإن كان كل واحد منها كان كل واحد منها واجبا لا واحداً لا بعينه
وإن كان واحدا معينا، كان الأمر كما تقدم، وإن كان واحدا لا بعينه فهو باطل، لأن المبهم يمتنع وجوده في الخارج فيستحيل أن يكون موصوفا/ (82/أ) بالوجود الخارجي.
وخامسها: أنه إذا أتى بالكل، فلاشك أنه يجب عليه أن ينوي أداء الواجب فإن وجب عليه ذلك بالنسبة إلى كل واحد من تلك الخصال، كان الكل واجبا لا واحدا لا بعينه، وإن وجب عليه ذلك بالنسبة إلى الكل من حيث أنه كل أو بالنسبة إلى واحد معين كان المطلوب حاصلا أيضا، وإن وجب عليه ذلك بالنسبة إلى واحد غير معين فهو باطل، لأن أداء المبهم غير ممكن، فلا يمكن إيجابه فلا تجب نية أدائه.
والجواب عن الأول: أنه مبني على قاعدة التحسين والتقبيح وهي غير مسلمة عندنا، بل هي باطلة. على ما ستعرفه- إن شاء الله تعالى-.
ولئن سلمناها: لكن ما ذكرتم منقوص بما إذا وجد رجلان صالحان للإمامة، فإن الأمة مخيرة في عقد الإمامة لاحدهما لا بعينه، ولا يمكن أن يقال أن عقد الإمامة لها واجب، فإن ما يحرم كيف يكون واجبا؟. وكذلك الولي مخير من تزويج موليته من أحد الكفؤين الخاطبين الصالحين لذلك، إذ الواحد منهما غير متعين لذلك وفاقا والجمع حرام، فكيف [يكون] واجبا؟: فلم يبق إلا أن يكون الواجب واحدا لا بعينه.
وعن الثاني: أن في سائر الواجبات المعينة، إنما لم يجعل اختيار العبد وفعله طريقا إلى تعينه، لأنه ربما يعقل ويختار ما ليس بواجب، بخلاف الواجب المخير، فإنه أي واحد فعل منه فإنه هو الواجب.
وأما قوله: في الوجه الثاني: أن نظر العبد قاصر عن معرفة المصالح المقتضية للوجوب إلى أخره.
فجوابه: أنه مبني أيضا على قاعدة التحسين والتقبيح وهي ممنوعة، وإنما لم يجز أن يفوض تعين أصل الوجوب إلى اختيار العبد وفعله لما سبق لا بما ذكرتم من عدم اهتدائه إلى المصالح المقتضية له.
وعن الثالث: أنا لا نقول: إن الواجب واحد لا تعينه بالنسبة إلى عامة المكلفين حتى يلزم ما ذكرتم، بل ذلك بالنسبة إلى كل واحد منهم مكفر بالواجب فيما ذكرتم من الصور.
وعن الرابع: أن علمه تعالى بما يكفر من المكلف، لا يقتضي أن يكون ذلك واجبا متعينا، بل لا يلزم منه إلا أنه متعين في علمه تعالى للفعل، ولا يلزم منه أنه متعين للوجوب في علمه تعالى ولا في غير علمه، وهذا كما لو علم الله تعالى من زيد أنه يصرف الزكاة إلى الفقير الفلاني، فإنه لا محالة يقع ذلك ولا يمكن أن يقال إن صرف الزكاة إلى ذلك الفقير واجب في علم الله تعالى، فإن ذلك جهل، تعالى عن/ (82/ب) ذلك علوا كبيرا، لأنه غير مطابق لما هو في نفس الأمر، إذ صرف الزكاة إلى ذلك الفقير المعين غير واجب، في نفس الأمر إجماعا، فلا يجوز أن يكون واجبا في علمه تعالى، والتحقيق فيه [أنه] إنما يصير متعينا للوجوب إذا فعله المكلف، فلو علم
الله تعالى أنه متعين للوجوب قبل الفعل، لكن ذلك جهلا وهو على الله تعالى.
وعن الخامس: أنه معلل لكل واحد منها بطريق البدلية لا بطريق المعية، حتى يلزم أن يكون كل واحد منها واجبا.
قوله: يجتمع على الأثر الواحد مؤثرات كثيرة.
قلنا: ممنوع على هذا التقدير. سلمناه: لكن هذه الأسباب معرفات لا موجبات، واجتماع المعرفات الكثيرة على معرف واحد غير مستحيل.
سلمنا: فساد هذا القسم فلم لا يجوز أن يستحق الثواب على واحد معين؟ وهو أكثرها ثوابا، ولا يلزم من هذا أن يكون الواجب واحدا معينا قبل الفعل، لأن استحقاق الثواب بعد الفعل، وحينئذ يصير متعينا للوجوب والنزاع قبله، وبه خرج الجواب عن السادس أيضا: ونخصه أن نسلم أن ما يكون مبهما عند الإتيان، فالإتيان به غير ممكن، ولكن لا نسلم أنه لا يمكن الإتيان بما يكون مبهما، قبل الإتيان به يسير متعينا عنده.
وعن السابع: ما تقدم أيضا. ويخصه أنه إنما يصير موصوفا بالوجوب في الوجود الخارجي عند اتصاله بالعقل، وحينئذ لم يبق منهما، وأما قبله فليس هو متصفا بالوجوب في الوجود الخارجي بل في الذهن.
وعن الثامن: أنه ينوي أداء الواجب المخير، وما سبق في السادس.
فرع:
إذا عقد الإنسان على قفيز من صبرة، فالمعقود عليه كل واحد من القفيزين، على سبيل البدل.
وهو المعنى من قولنا: المعقود عليه واحد لا بعينه.
وكذلك إذا طلق زوجة من زوجاته، أو أعتق عبدا من عبيده، ولا يمكن أن يقال: إن التي يعنيها للطلاق فهي المطلقة في علم الله تعالى لما تقدم.
ولا يمكن أن يقال: إن كل واحدة منها مطلقة، وإنما تخرج سوى المعينة