الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واحتج إمام الحرمين على فساد مذهبه بوجه آخر: وهو أنه يقتضي خروج الأفعال عن أن تكون قربا، وهو خلاف الإجماع. وفيه نظر.
المسألة الثالثة
في أن الواحد بالشخص، هل يجوز أن يكون واجبا ومحرما معا باعتبارين مختلفين أم لا
؟ كما سبق مثاله.
فذهب أكثر الأصوليين والفقهاء إلى تجويزه.
وذهب الجبائيان، والقاضي منا، والإمام أحمد بن حنبل، وأهل الظاهر، والزيدية إلى عدم تجويزه.
وقيل: هو رواية عن مالك أيضا رحمه الله، واتفق هؤلاء على أنه لا يسقط الفرض بها. لكن اختلفوا: في أنه هل يسقط الفرض عندها أم لا؟
فقال القاضي أبو بكر ومن تابعه: يسقط عندها لا بها.
وقال الباقون: لا يسقط الفرض بها ولا عندها، بل يجب عليه القضاء هكذا نقل بعضهم.
والصحيح أن القاضي إنما يقول بذلك: لو ثبت القول بصحة الإجماع على سقوط القضاء، فأما إذا لم يثبت ذلك، فلا يقول بسقوط القضاء لا بها ولا عندها.
احتج الجمهور على صحة ما ذهبوا إليه بوجوه:
أحدها: أنه لا نزاع في أنه يعتبر في استحالة اجتماع النفي والإثبات في القصة الواحدة اتحاد المحكوم عليه والمحكوم به، وهو غير متحقق فيما نحن فيه، لأن المحكوم عليه في قولنا:"الصلاة المؤداة في الدار المغصوبة واجبة وطاعة"، هو نفس الصلاة باعتبار كونها صلاة فقط، والمحكوم عليه في قولنا:"الصلاة في الدار المغصوبة محرمة ومعصية" ليس هو نفس الصلاة من حيث إنها صلاة، بل هو الصلاة باعتبار كونها مؤداة في الدار المغصوبة، فالمحكوم "عليه" في قضية الحرمة مجموع الأمرين من الفعل وصفته، والمحكوم عليه في قضية الوجوب هو نفس الفعل الذي هو الصلاة، ومعلوم أن المجموع الحاصل من الذات والصفة / (92/ب) مغاير لكل واحد منهما، وإذا حصل التغاير في المحكوم عليه فلا استحالة في الحكم بالوجوب والحظر معا.
وثانيها: لا شك في أنه يحسن من السيد أن يقول لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا الثوب، وحرمت عليك دخول هذه الدار واللبث فيها، فإن فعلت ما أوجبت عليك أثبتك، وإن فعلت ما حرمت عليك عاقبتك، وإن جمعت بينهما جمعت بين الثواب والعقاب، فإن جمع العبد بينهما يحسن للسيد أن
يثيبه على ما امتثل ويعاقبه على ما خالف معا، ولا يقضي عاقل بالتهافت والتناقض لا في قوله ولا فعله، فكذا ما نحن فيه حذو القذة بالقذة.
وثالثها: التمسك بالإجماع، فإن السلف أجمعوا على صحة الصلاة المؤداة في الدار المغصوبة، إذ كانوا لا يأمرون الظلمة بقضاء الصلوات المؤداة في الدار المغصوبة مع كثرة وقوعها منهم، وذلك يدل على إجماعهم على أن تلك الصلوات كانت واجبة وطاعة، إذ الواجب لا يسقط بفعل ما ليس بواجب.
ولا ولا يدفع هذا الإجماع بمخالفة الإمام أحمد بن حنبل، وبما روي عن مالك في [رواية] رحمهما الله تعالى، فإنهما محجوجان أيضا بإجماع الصحابة والتابعين.
ولهذا الإشكال [فر] القاضي عن القول بوجوب القضاء. فقال: يسقط الفرض عندها لا بها جمعا بين الإجماع، وبين ما يزعمه دليلا على عدم صحتها.
ورابعها: التمسك بالعمومات، نحو قوله تعالى:{أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} ، ونحو قوله تعالى:{أقيموا الصلاة}
فإنها تتناول الصلاوات المؤداة في الدور المغصوبة، لأنها تسمى صلاة فيكون مأمورا بها "من حيث إنها" صلاة، وإن كانت منهية عنها من حيث إنها مؤداة في الدار المغصوبة فظهر بما ذكرنا أن الشيء الواحد يجوز أن يكون مأمورا به ومنهيا عنه باعتبارين مختلفين.
واحتج المخالف: على فساد الصلاة في الدار المغصوبة بوجوه:
أحدها: قوله عليه السلام: "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد عليه".
ولا شك أن الصلاة في الدار المغصوبة ليس [من] الدين فتكون ردا عليه.
وثانيها: وهو الوجه الإجمالي: وهو أن متعلق الوجوب والأمر من هذه الصلاة إما أن يكون عين متعلق الحظر، أو غيره، والأول: باطل.
أما أولا: فلأنه يقتضي أن يكون الشيء الواحد باعتبار واحد / (94/أ) واجبا ومحظورا معا وهو باطل بالضرورة لا يجوز ورود التكليف به، لأنه حينئذ يكون مأمورا بالفعل والترك معا باعتبار واحد وهو تكليف ما لا يطاق، وليس هذا تفريعا عليه، إذ قال بصحة هذه الصلاة من لم يقل به كبعض الأصوليين والفقهاء.
وأما ثانيا: فلمساعدة الخصم على الشيء الواحد بالاعتبار الواحد لا يجوز أن يكون واجبا ومحظورا معا.
وإن كان الثاني، فإما أن يكون بين ذينك المتعلقين تلازم، أو لا يكون.
فإن كان الأول: كان الإتيان بمتعلق الحظر من لوازم الإتيان بمتعلق الوجوب وقد ثبت أن وجوب الشيء يستدعي وجوب ما هو من ضروراته، فيكون متعلق الحظر بعينه واجبا فيرجع هذا القسم إلى القسم الأول: وهو أن يكون الشيء الواحد بالاعتبار الواحد يكون واجبا ومحظورا معا، وقد أبطلناه.
وإن كان الثاني: كان متعلق الوجوب والحظر أمرين متغايرين لا يلازم أحدهما الآخر، فهذا التقدير لو كان هو الواقع في هذه الصلاة فنحن لا ننازعكم في صحتها، لكنه باطل، لأن جهة الغصب على الإطلاق.
وإن كانت متغايرة لجهة الصلاة ومنفكة عن مطلق الصلاة، لكنه يستحيل انفكاك هذه الصلاة عن جهة الغصب، إذ الصلاة في الدار المغصوبة يستحيل أن تكون منفكة عن جهة الغصب، وحينئذ يعود ما ذكرنا من المحذور، وهو أن المحذور بعينه يكون واجبا في هذه الصور الخاصة، لأنه من ضروريات الواجب.
وثالثها: وهو الوجه التفصيلي: وهو أن الصلاة ماهية مركبة من الأذكار المخصوصة، والأفعال المعلومة، نحو القيام والركوع والسجود والقعود، وكل واحد من هذه الأفعال مركب من الحركة والسكون.
والحركة: عبارة عن حصول الجوهر أو الجسم في حيز بعد أن كان في حيز آخر. وهي عبارة عن الحصول الأول في الحيز سواء كان في الحيز الأول أو في الثاني. والسكون على الضد منه.
فعلى الأول السكون: عبارة عن حصوله في حيز بعد أن كان فيه قبله.
وعلى الثاني: أنه عبارة عن الحصول الثاني سواء كان في الحيز الأول، أو في الحيز الثاني، لكن يعتبر أن يكون ثابتا بالنسبة إلى حيز واحد.
وعلى التقديرين فهما يشتركان في نفس الحصول في الحيز وهو محرم فيما نحن فيه فيكون الكون في الصلاة في الدار المغصوبة محرما، وهو جزء الحركة والسكون اللذين هما جزء أفعال الصلاة، وجزء الجزء جزء فجزء الصلاة محرم / (94/ب) والصلاة الواجبة واجبة بجميع أجزائها، وإلا لزم أن يقال
الواجب بعض أجزاء الصلاة لا الصلاة، إذ الصلاة: اسم مجموع تلك الأجزاء مع الهيئة الاجتماعية، ولأن ما يتوقف عليه الواجب فهو واجب على ما تقدم، والكل متوقف على الجزء فيكون جزء الكل الواجب واجبا، وحينئذ يلزم أن يكون ذلك الجزء المحرم واجبا، فيكون الشيء الواحد واجبا ومحرم معا، وهو تكليف ما لا يطاق.
لا يقال: مطلق شغل الحيز جزء الصلاة لا شغل هذا الحيز المعين، ومطلق شغل الحيز ليس بحرام حتى يلزم أن يكون جزء الصلاة محرما.
لأنا نقول: مطلق شغل الحيز جزء مطلق الصلاة وشغل هذا الحيز جزء هذه الصلاة، فلو كانت هذه الصلاة واجبة وطاعة، لكان هذا الجزء المحرم واجبا وطاعة، وحينئذ يلزم المحذور المذكور.
الجواب عن الأول: أن الصلاة في الدار المغصوبة من حيث إنها في الدار المغصوبة ليست من الدين وهي من هذا الوجه مردودة.
فلم قلتم: إنها من حيث إنها صلاة ليست من الدين حتى تكون مردودة عليه، فإن تلك الجهة عندنا من الدين، فلا تكون مردودة بهذا الاعتبار؟
فإن قلت: التقييد خلاف الأصل، فيجب أن يكون مردود بجميع الاعتبارات إعمالا لا طلاق الرد.
قلت: يجب المصير إليه لما ذكرنا من الدليل.
وعن الثاني: أنه منقوض بما إذا قال السيد لعبده: خط هذا الثوب، ولا تدخل هذه الدار، فخاط الثوب ودخل الدار، فإنه يحسن من السيد أن يثيبه على
الامتثال، ويذمه على العصيان، والخصم يساعدنا عليه، مع أن جميع ما ذكره في صورة النزاع آت فيه، وذلك لأن الخياطة ودخول الدار وإن أمكن انفكاك كل واحد منهما عن الآخر، لكن يستحيل أن تنفك هذه الخياطة عن هذا الدخول، فلو كانت هذه الخياطة مأمورا بها لزم أن يكون هذا الدخول كذلك ضرورة إن ما يكون من لوازم المأمور به يكون مأمورا به أيضا، وليس للخصم عنه جواب.
إلا أن يقول الملازمة التي بين الخياطة المأمور بها وبين الدخول المنهي عنه، ليس لماهيتهما ولا للازم ماهيتهما، بل لأمر عارض وهو مفارقتهما في الوقوع الحاصلة بفعل المكلف التابعة لهما ضرورة أن النسبة بين الشيئين متأخرة عنهما بالرتبة، وإذا كان كذلك فلا يلزم من وجوب الخياطة وجوب الدخول المنهي عنه، لأن ما لا ينفك عنه الواجب إنما يكون / (95/أ) واجبا إذا كان بحيث لا يمكن الإتيان بالواجب إلا به سواء كان كالوصلة والطريق المتقدم عليه أو لا يكون كذلك، وأما ما لا ينفك عنه الواجب لأنه لا يتوقف الإتيان به عليه، بل لأنه اتفق حصوله معه، فلا نسلم أنه يكون واجبا، ثم الذي يدل عليه، هو أن الواجب إذا أدى مع السنن والهيئات، فإنه لا يمكن إنفكاكه عنها، ولا يمكن أن يقال: إن تلك السنن والهيئات واجبة لاستحالة إنفكاكه الواجب عنها، فكذا فيما نحن فيه من المثال، وإذا كان هذا جوابه عن النقض، فهو بعينه جوابنا عما ذكره من الدليل من غير تفاوت أصلا.
سلمنا: سلامته عن هذا النقض، لكن دليلكم إما لا يفيد المطلوب أو هو منقوض بسائر الأفعال المنهية.
وبيانه: أنكم إما أن تجوزوا الأمر الماهية الكلية والنهي عن بعض أفراده بخصوصية بناء على أن الأمر بالماهية الكلية لا يوجب الأمر بالشيء من جزئياتها فجاز أن ينهى عن بعض جزئياتها، أو لا تجوزوا ذلك، فإن جوزتم يلزمكم تجويز كون الصلاة في الدار المغصوبة مأمورا بها باعتبار ماهيتها ومنهيا عنها باعتبار خصوصيتها، وإلا لزم التعارض وأنه خلاف الأصل، وحينئذ لا يكون الدليل مفيدا للمطلوب، وإن لم تجوزوا ذلك لزم الأمر الثاني، وذلك لأن مطلق الفعل مأمور به ضرورة أنه جزء من الفعل المخصوص المأمور به والأمر بالكل أمر بالجزء، وحينئذ يلزم أن لا يجوز النهي عن شيء من الأفعال لكونه فردا من أفراد الفعل المأمور به.
فما هو جوابكم عن هذا فهو جوابنا عن صورة النزاع، وبهما خرج الجواب أيضا عن الوجه الثالث: فإن الدخول المنهي عنه وإن لم يكن جزء الخياطة المأمور بها يستلزم وجوبهما، وحينئذ يلزم أن يكون المنهي عنه بعينه مأموراً به.
تنبيهان:
الأول: القائلون: بأن الصلاة في الدار المغصوبة غير صحيحة، سواء قالوا: بوجوب القضاء أو بسقوطه، لكن عندها لا بها.
اختلفوا: في الصلاة في الثوب المغصوب، والحرير والتوضؤ بالماء المغصوب، والحج على الجمل المغصوب، وما يجري مجراه.
فمنهم: من عمم المنع في الكل.
ومنهم: من خصص المنع بما إذا كان المنهي عنه جزءا، أو لازما للماهية دون غيره.
ولا / (95/ب) يخفى عليك أن ما ذكروه من الوجه الإجمالي آت في الكل.
الثاني: الذين قالوا: بجواز أن يكون الشيء الواحد واجبا ومحرما باعتبارين، قالوا: إنما يجوز ذلك إذا أمكن للمكلف أن يفعل المأمور به بدون المحرم، كما هو في الصلاة في الدار المغصوبة، أما إذا لم يمكن أن يفعل الواجب بدون المحرم، فإنه لا يجوز اجتماعهما فيه ولو كانا باعتبارين، إلا على قول من يجوز تكليف ما لا يطاق.
فعلى هذا: من توسط أرضا مغصوبة ثم تاب، وتوجه للخروج، فإن خروجه واجب محض، ولا تحريم فيه أصلا، ولا يمكن أن يقال: إنه من حيث إنه شبب لتفريغ ملك الغير يكون واجبا، ومن حيث إنه شغل ملك الغير بغير إذنه يكون محرما، لأنه لا يمكن الإتيان بالاعتبار الواجب، وهو تفريغ ملك الغير بدون الاعتبار المحرم وهو شغل ملك الغير.
وقال أبو هاشم: هو عاص في خروجه، وخروجه حرام بناء على أصله: وهو أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح لذاته، وهو نوع واحد فلا يختلف في الحسن والقبح، لكنه مناقض لأصل آخر له: وهو عدم جواز تكليف ما لا يطاق، وتحريم الخروج واللبث معا مع توجه الأمر بالكف عن المحرم تكليف ما لا يطاق.