الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الرابعة
في أن المندوب هل هو من التكليف أم لا
؟
فمن قال: بأن المباح منه، قال: المندوب منه بطريق الأولى.
وأما الذين لم يقولوا: بأن المباح من التكلف. اختلفوا في:
فقال الجماهير والقاضي: هو منه.
وقال إمام الحرمين: إنه ليس من التكليف.
والصحيح ما ذهب إليه الجماهير، لأنه ليس معنى التكليف طلب ما فيه الكلفة والمشقة بطريق الجزم حتى لا يكون المندوب منه، بل معناه: طلب ما فيه الكلفة سواء كان مع المنع من النقيض، أو لا يكون مع المنع منه.
والمطلوب على وجه الندبية قد يكون أشق من الواجب، فوجب القطع بأنه من التكليف، بخلاف المباح، فإنه ليس فيه طلب أصلا، فلا يكون معنى التكليف فيه، ولأن المندوب لو لم يكن من التكليف لكان المكروه أيضا كذلك، أما لأنه لا قائل: بالفصل، وأما لأنه ليس فيه الطلب الجازم أيضا لكنه باطل، إذ فيه خروج أكثر الأحكام عن التكليف، ولأن المكلف في المندوب دائر بين كلفتين ومشقتين، لأنه إن رغب في الثواب الموعود عليه وقع في كلفة العمل به، وإن تركه لأجل ما فيه الكلفة شق عليه حرمان الثواب، وربما يكون هذا أشق عليه من كلفة العمل به فيدعوه إلى العمل به فيقع المكلف في المشقة فكان من التكليف.
لا يقال: هذا الذي ذكرتم بعينه، يقتضي أن يكون حكم الشارع بكون الفعل المعين سببا للثواب العظيم حكما تكليفا، وهو خلاف الإجماع.
لأنا نقول: لا نسلم أنه خلاف الإجماع، لأن الحكم بالسببية والشرطية والمانعية راجع إلى الأحكام الخمسة المذكورة".
ولهذا لم يعتبر بعضهم: تعلق الخطاب بالوضع في تعريف الحكم الشرعي، بل اقتصر على قوله: والخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، لأن الحكم بالسببية، والشرطية، راجع إلى الأحكام الخمسة، فعلى هذا ما يكون سببا للحكم التكليفي يكون حكما تكليفا، وما لا فلا.
فإن قلت: سلمتم أن المباح ليس من التكليف إلا باعتبار الاعتقاد، والمندوب ساواه في التخيير بين الفعل والترك من غير حرج فيهما، وإنما يمتاز عنه باستحقاق الثواب بفعله، وهو ليس سبب الكلفة والمشقة، بل هو سبب اليسر والسهولة، إذ الفعل الذي له عوض أيسر على الإنسان من الذي لا / (99/ب) عوض له، فإذا لم يكن المباح من التكليف، مع كونه متفقا من حيث إنه لا عوض فيه، فالمندوب مع يسره أولى أن لا يكون منه.
قلت: المندوب وإن ساوى المباح في مسمى التخيير، لكن يمتاز عنه بكون التخير فيه بصفة الترجيح، والتخيير في المباح بصفة التساوي، ومع ظهور الفارق المناسب لا يصح لقياس.
قوله: إنما يمتاز عنه باستحقاق الثواب بفعله وهو من جهة أسباب اليسر لا العسر والكلفة.
قلنا: المعتبر في كون الفعل من التكليف، أن يكون منشأ الكلفة فعله أو تركه مع كونه مطلوب الفعل أو الترك، وأما اليسر الناشئ من جزالة العوض فغير قادح فيه، وإلا لزم أن يكون الواجب الذي لا كلفة فيه مع ما فيه من