الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث الفروق بين التَّورُّق المصرفي والرِّبا
من خلال الاطلاع على بعض البحوث التي تحدثتْ عن عمليات التَّورُّق المصرفية، وبعد النظر في الصُّورة العامة للتَّورُّق المصرفي، يمكن صياغةُ بعض التَّورُّق بين الرِّبا والتَّورُّق المصرفي، وهي على النحو التالي:
1 -
أن العُقُود التي يقومُ عليها التَّورُّق المصرفي تنص على أن هناك مبادلة يكون لها أثر في حركة السُّوق، فالبنكُ يشتري السِّلعة من شركة، ثم يقومُ ببيعها على العميل المُتَوَرِّق، ثم يقومُ العميلُ بتوكيل البنك في بيع السِّلعة على شركة أخرى، وبغضِّ النظر عن هذه المبادلة هل هي حقيقية أم صورية، إلا أن العُقُودَ التي يقومُ عليها التَّورُّق المصرفي تنصّ عليها، وأما الرِّبا فإنه دراهم بدراهم، دون وجود أي منفعة يُنتفعُ بها في حركة السُّوق، "فالمقترضُ إذا اقترض مئة، والتزم في ذمته بمئة وعشرة كانت العشرة دينًا لا يقابله ما ينتفع به"(1).
ولذلك فإن الشَّريعة الإسلامية حرمت كلَّ عقد لا يفيد في سير الحركة الاقتصادية كالعِيْنَة الثنائية، والثلاثية، وسائر الحِيَل.
وبعض الباحثين ذهب إلى أنه لا فَرْقَ بين الرِّبا والتَّورُّق المصرفي في التأثير على حركة السُّوق، إذ يرى أن الحاصلَ من عملية التَّورُّق المصرفي "أن المصرف يقول للعميل: أوفر لك مئة نقدًا مقابل أن تكون مدينًا لي بمئة وعشرين مؤجَّلة، وهذا هو الرِّبا. فالمصرف الربوي وظيفته توفير السُّيُولة للمدين مقابل
(1) التكافؤ الاقتصادي بين الرِّبا والتَّورُّق. سامي السويلم (6).
دين بزيادة في ذمته، فمن الناحية الوظيفية لا فرقَ بين المصرف الربوي وبين المصرف، الذي يقدم التَّورُّق المنظم" (1).
والذي جعل بعضَ الباحثين لا يرى فرقًا بين الرِّبا والتَّورق المصرفي هو اعتبار الصورية في عقود التَّورُّق المصرفية، فهو يرى أن العُقُودَ التي يقوم عليها التَّورُّق المصرفي لا تأثيرَ لها في حركة السُّوق، إذ هي مجردُ أوراق يتمُّ توقيعها
فقط، فهي عقود صورية لا تأثير لها في الحركة الاقتصادية، فإن "كلّ مَنْ راقب خطوات هذه المعاملة -أي: التَّورُّق المصرفي- يرى أن العميل يدخل إلى المصرف يريد نقودًا، فيوقع مجموعة من الأوراق، ثم يخرج وفي حسابه لدى
المصرف مئة وفي ذمته له مئة وعشرون، وهذه هي صورة التَّمويل الربوي في المصارف التقليدية" (2).
2 -
أن الرِّبا غالبًا ما يكون بين طرفين، وأما التَّورُّق المصرفي فليس فقط عقدًا بين طرفين، بل هو معاملة يجريها المُتَوَرِّق مع أكثر من طرف، والأطراف التي يتعاملُ معهم المُتَوَرِّق هم من الشخصيات الاعتبارية كالبنوك، والشركات، فالرِّبا اسمٌ لعقدٍ يتمُّ بين طرفين، وأما التَّورُّق المصرفي فهو يقومُ على عدة عقود، كل عقد منها مستقل عن الآخر (3).
3 -
أن تكون الخسارةُ حتميةً على المقترض في الرِّبا، إذ يضمن ما لا يقابله انتفاع، فالمدين إذا قبض مئة وضمن مئة وعشرين يكون قد ضمن عشرين دون أن يحصل على ما ينتفع به مقابلها، فهذا ضمانٌ لا يقابله خراج (4).
(1) المرجع السابق (19).
(2)
المرجع السابق.
(3)
انظر: التَّورُّق والتَّورُّق المنظم. سامي السويلم (33).
(4)
انظر: التكافؤ الاقتصادي بين الرِّبا والتَّورُّق. سامي السويلم (7).
وأما في التَّورُّق المصرفي فإنَّ المُتَوَرِّق قد يربحُ في سلعته التي اشتراها بالثمن المؤجَّل، فلا يلزمُ أن يخسرَ المُتَوَرِّق في بيعته الثانية.
ولكنَّ بعضَ الباحثين ذهب إلى أن احتمالَ الربح في البيعة الثانية نادر والنادر لا حكم له، وبذلك يقرر أن الخسارة تكون حتمية في الرِّبا، والتَّورُّق المصرفي (1).
4 -
أن الخسارة التي يتكبدها المقترضُ في الرِّبا يصعبُ تعويضها، وأما المُتَوَرِّق فإنه يستطيعُ تعويضها، فإنه حين يحتاجُ إلى النَّقْد، ويتورق لأجل الدخول في تجارة، أو مساهمة، فسيعوض الخسارة الناتجة عن عملية التَّورُّق بالأرباح الناتجة عن تلك التجارة، وتلك المساهمة.
والحقيقة أن هذا قد يوجد في الرِّبا، فيمكن للمقترض في الرِّبا أن يُعوَّض عن خسارته بأن يدخل في تجارة، أو مساهمة بالنقود التي اقترضها من المرابي، وبهذا لا فرق بين الرِّبا والتَّورُّق المصرفي في مسألة تعويضِ الخسارة.
5 -
أن المرابي الذي سيقرض بفائدة يعلمُ أن معاملته محرَّمة، بخلاف بائع السِّلعة (البنك) الذي يرى أن عملية التَّورُّق جائزة في إجراءاتها بغضِّ النظر عما تؤولُ إليه المعاملة، فهو يرى أن عملية التَّورُّق عبارة عن عقود صحيحة،
مستكملة الشروط والأركان.
6 -
حينما نقرأ كلامَ شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي نقله عنه تلميذُه ابن القيم عن التَّورُّق، حيث قال:"المعنى الذي لأجله حرم الرِّبا موجود فيها -أي: في صورة التَّورُّق الفردي- بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السِّلعة، وبيعها، والخسارة فيها، والشَّريعة لا تحرمُ الضَّرر الأدنى، وتبيح ما هو أعلى منه"(2)
(1) انظر: التَّورُّق والتَّورُّق المنظم. سامي السويلم (39).
(2)
إعلام الموقعين (3/ 170).
نستطيع استنتاج فرق بين التَّورُّق المصرفي والرِّبا بناءً على رأيه، فالتَّورُّق المصرفي فيه تكلفةٌ من جهة "اشتراط تحميل العميل رسومًا إدارية، تتراوح من (700 - 2000) ريال، تختلف باختلاف البنك والمعاملة"(1) ومع ذلك فإنَّ مآله إلى الرِّبا، فالتَّورُّق المصرفي فيه تكلفة، ومشقة، ويعطي نتيجة الرِّبا، فيكون أشدّ من الرِّبا الصريح؛ لأن الرِّبا ليس كالتَّورُّق في الكلفة، إذ هو أيسرُ الطرق للحصول على الثمن الحاضر مقابل ثمنٍ في الذمة أكثر منه "وإذا كان هناك معاملتان تستويان في النتيجة، والهدف، والغاية، إحداهما أكثر كلفة ومشقة من الثانية، فإن جوازَ الأكثر مشقة يستلزمُ بالضَّرورة جواز الأقل مشقة، وتحريم الأقل مشقة يستلزمُ بالضرورة تحريم الأكثر مشقة، والقولُ بخلاف ذلك متناقضٌ ومنافٍ لمنهج التشريع"(2).
فالتَّورُّق المصرفي في غايته وهدفه يوافق الرِّبا، ويفارقه في أن التَّورُّق المصرفي فيه كلفة، ومشقة، وتحمل رسوم إدارية مفروضة من قبل البنك.
7 -
أن الرِّبا قد أجمعتِ الأمةُ على تحريمه، في حين أن التَّورُّق المصرفي قد وقع خلاف بين المعاصرين في حكمه.
(1) التَّورُّق كما تجريه المصارف في الوقت الحاضر. عبد الله السعيدي (38).
(2)
التَّورُّق والمُتَوَرِّق المنظم. سامي السويلم (33).