الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس التَّورُّق المصرفي وعلاقته بصيغ التَّمويل الأخرى
من المعروف أن النشاطَ الاقتصاديَّ، الذي تقوم عليه الحياةُ، يتمثلُ في عمليات البيع والشراء الفعلي، والتَّمويل يُعَدُّ وسيلةً لإتمام هذه المعاملات، وإنجازها، ولذلك فإنه لا يوجدُ التَّمويل في الفقه الإسلامي كعقد مستقلّ بهدف
الربح، بل إنه قد وجد ليكون تابعًا لعقود البيع والشراء، وبذلك يصير التَّمويلُ خادمًا لعمليات البيع والشراء (1).
ومن المعلوم أن المضاربةَ، والسَّلم، والاستصناع، وبيع المرابحة للآمر بالشراء، هي من صيغ التَّمويل المتعارف عليها، والتَّورُّق المصرفي هو صيغةُ تمويل جديدة قد طرحتها البنوك، ونلاحظ أن هذه الصيغةَ قد صارت بديلًا عن
كثير من صيغ التَّمويل المعروفة؛ لأن التكاليفَ الأجرائية للتَّورُّق منخفضة بالنسبة إلى صيغ التَّمويل الأخرى، إضافة إلى الكفاءة، وارتفاع مستوى الربحية الموجود في التَّورُّق المصرفي.
"والبنوك الإسلامية قد توسعتْ في التَّمويل بالمرابحة حتى بلغت نسبتها في بعض البنوك (95 %) بالنسبة لصيغ الاستثمار الأخرى، مما حدا بالحريصين على مسيرة البنوك الإسلامية بدقّ ناقوس الخطر، والسعي الجادّ لتقليل هذه النسبة،
(1) انظر: التَّورُّق المنظم قراءة نقدية. سامي السويلم (2). وانظر: التطبيقات المصرفية لعقد التَّورُّق. أحمد محيي الدين أحمد (32) وانظر: التَّورُّق كما تجريه المصارف. محمد العلي القريّ (16 - 17).
واستبدالها بصيغ التَّمويل الأخرى، ولكن بالرغم من ذلك استمرت المرابحةُ إلى أن طرح التَّورُّق باعتباره صيغة تمويل جديدة" (1).
وإذا تأملنا إلى صيغ التَّمويل، فإننا نجدُ تشابهًا كبيرًا بين التَّورُّق المصرفي وبيع المرابحة للآمر بالشراء، وبحكم هذه المشابهة سيكونُ الحديثُ مقصورًا على هاتين الصيغتين، إذ الصِّيغ الأخرى لا إشكال في التفريق بينها وبين التَّورُّق المصرفي.
ولكي يظهرَ التشابهُ جليًا بين التَّورُّق المصرفي وبيع المرابحة للآمر بالشراء، يستوجب ذكر وصف عملية المرابحة في البنوك، وهي على النحو التالي:
1 -
يُحَدِّدُ العميلُ السِّلعة، ومواصفاتها، وسعرها، ويطلب من البنك شراء السِّلعة، وبعد الموافقة المبدئية من البنك يقترن الطلب بمواعدة ملزمة، أو غير ملزمة، أو وعد من العميل بشراء السِّلعة بعد تملك المصرف لها، وهذا الوعدُ
قد يكونُ ملزمًا في بعض البنوك، وقد يكونُ غير ملزم في البعض الآخر.
2 -
بعد الموافقة على عملية التَّمويل يقومُ البنك بشراء السِّلعة لنفسه، ثم يخطر العميل بإكمال إجراءات التَّمويل.
3 -
تتمّ عمليةُ البيع برأس مال السِّلعة، إضافة إلى التكاليف، ومضافًا إليها كذلك ربح البنك بنسبة مئوية من تكلفة السِّلعة، تزيد هذه النسبة، أو تنخفض مع زيادة أو انخفاض أجل السَّدَاد، والمتفق عليه بشكل قطعي ومحدد في عقد البيع (2).
إذًا فالصُّورةُ الشائعةُ لبيع المرابحة للآمر بالشراء تبدأ من شخص يريد
(1) تطبيقات التَّورُّق واستخداماته في العمل المصرفي الإسلامي. موسى آدم عيسى (3).
(2)
انظر: تجربة البنوك التجارية السعودية في بيع المرابحة للآمر بالشراء. عبد الرحمن الحامد (61).
الحصول على سلعة، ولكنه لا يملك ثمنها، فيتوجَّه إلى البنك، ويخبرهم عن رغبته في شراء تلك السِّلعة، ويعقد مع البنك مواعدة على شرائها منه نسيئة بربح يتحدد كنسبة مئوية من تكاليف الحصول عليها (1).
وعند المقارنة بين الصُّورة العامة للتَّورُّق المصرفي، التي سبق بيانها، وبين صورة بيع المرابحة، نجدُ تشابهًا بينهما، غير أنه يمكن أن نفرقَ بينهما بالفروق التالية:
1 -
أن العميلَ المُتَوَرِّق لا يريدُ السلعة أصلًا، لا للاستهلاك، ولا للاستثمار، وإنما مراده النقود بدليل أنه قد لا يعرفُ لون السِّلعة، أو شكلها، أو استخداماتها، ولذلك فإن البنك هو الذي يحددُ السِّلعة ومواصفاتها، في حين أن
مراد العميل في بيع المرابحة هو الحصول على السِّلعة لينتفع بها، بدليل أنه يحدد السِّلعة، ويحدد مواصفاتها، وسعرها.
2 -
أن السِّلع المستخدمةَ في عملية التَّورُّق المصرفي تكادُ تكون محصورةً، في حين أن السِّلع في بيع المرابحة ليستْ محصورة، بل تشملُ جميعَ العقارات، والمنقولات.
3 -
أن السِّلعة في عملية التَّورُّق المصرفي تكونُ مملوكةً للبنك قبل مجيء العميل، وطلبه الشراء، في حين أن السِّلعة في بيع المرابحة لا يشتريها البنك إلا بعد طلب، ووعد بالشراء من العميل.
4 -
أن التَّورُّق المصرفي يتمُّ من خلال استخدام السِّلع الدولية كالمعادن، في حين أن بيعَ المرابحة يتم في السُّوق الداخلية، فلا تهجرُ فيها الأموال، ويستفيدُ منها أهل البلد.
5 -
يفرق البعضُ بقلة التكاليف على العميل في عملية التَّورُّق المصرفي،
(1) المرجع السابق (59).
ولكن الحقيقة "أن ما يحصلُ عليه البنك من ربح في التَّورُّق المصرفي، فإنه مقارب لما يحصلُ عليه في المرابحة -حسب إفادة البنوك- وهي بنسبة (6%) تقريبًا"(1).
6 -
يفرق البعضُ بسرعة إنجاز المعاملة في التَّورُّق المصرفي، ولكن الحقيقة أن الأمر "يختلف باختلاف البنوك، والأفراد، والشركات، ويتراوح من يوم إلى ثلاثة أيام في مسألة التَّورُّق، والمرابحة تستغرق وقتًا في حدود ثلاثة أيام، فهو فرق يسير"(2)(3).
(1) التَّورُّق كما تجريه المصارف في الوقت الحاضر. عبد الله السعيدي (41).
(2)
المرجع السابق.
(3)
انظر: الفروق الأربعة الأخيرة في: المرجع السابق (39 - 41). وانظر: البنوك الإسلامية، غايتها، واقعها والصعوبات التي تواجهها. أحمد علي عبد الله (20).