الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولو كان دخل الكوفة لأجاد عنهم"
(1)
.
كذا استدل الباحث بهذا النص، ونقض هذا الاستدلال لا يحتاج إلى عناء، فالنص بنفسه يدل على أن اللقاء ثابت معروف عند السائل والمجيب، ثم تصريحه بالتحديث عن هؤلاء قد ملأ كتب السنة.
ولست هنا بحاجة إلى التنبيه على أن الخطأ وارد من أي باحث، ولاسيما في النصوص المحتملة، وإنما الذي لا يغتفر أن يكثر من الباحث، أو يكون في نص ظاهر لا يحتاج فهمه إلى عناء.
ومن أجل التدرب على فهم نصوص الأئمة ومصطلحاتهم أكثرت في هذه السلسلة من نقل نصوصهم في كل قضية أتحدث عنها، فالغرض إذن إلى جانب تأكيد المراد، أن يتعود القارئ على قراءة هذه النصوص وفهمها، وتنزيلها موضعها اللائق بها، وربما أحلت القارئ إلى نصوص أخرى متى شعرت بأن في سردها إطالة.
وسيرى القارئ أيضا نماذج من أخطاء الباحثين في فهم كلام الأئمة، سواء في الكلام على حديث معين، أو في تفسير مصطلح، أو في سياق تقرير قاعدة، والغرض منها تنبيه الباحث إلى ضرورة أخذ أهبة الاستعداد حين يقحم نفسه في هذا الأمر، ويراجع النص مرات عديدة قبل أن يجزم بمراد الإمام.
الثاني: تفهم كلام الأئمة
.
وتفهم كلامهم غير فهمه، فربما يفهم الباحث كلام الناقد، لكن ذهنه لا يستوعبه، فهو يبدي استغرابه منه، وربما اعتراضه.
(1)
"سؤالات ابن الجنيد" ص 461.
وهذا -بكل أسف- كثر جدًا عند الباحثين الذين يتكلمون في التصحيح والتضعيف، وسببه ظاهر، وهو عدم تشبع الباحث بالمنهج الذي ينطلق منه الناقد الأول، وبعد الباحث عن ممارسة النقد وفق ذلك المنهج، فهو ينقل عن النقاد الأوائل -إذا نقل- بغرض رفضه ومناقشته.
وليس المقصود بهذا أن النقاد الأوائل معصومون من الخطأ، فلا يناقشون، وإنما المقصود أن الباحث المتأخر لا يستوعب كلامهم ويناقشه وفق منهجهم، وإنما يقف موقف المستغرب، لعدم التوافق بينهما في قواعد المنهج.
فهذه السلسلة وأمثالها من أغراضها تكوين باحث ذي عقلية نقدية وفق منهج النقاد الأوائل، يستطيع السير معهم، ويهضم كلماتهم، ويستسيغها، وهذا ما يعبر عنه بعض الأئمة بـ (ذوق أهل الفن)، ويعبر عنه بعضهم بـ (القدرة على مشاركة أهل الفن)، كما قال السخاوي في الفرق بين الصنفين، المقتدر، وغير المقتدر: "وهو (أي التعليل) أمر يهجم على قلوبهم لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث -كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبد البر- لا ينكر عليهم، بل يشاركهم ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة
…
"
(1)
.
ومن المهم جدا هنا أن يدرك الباحث معنى (مشاركة أهل الفن)،
(1)
"فتح المغيث" 1: 274.
فهي عبارة تطلق في كافة العلوم، فيكثر في تراجم العلماء قولهم فيه: مشارك في الفقه، أو أصول الفقه، أو التفسير، أو اللغة، أو الحديث، ويقولون على سبيل الإجمال: مشارك في كثير من العلوم، أو في علوم أخرى.
ومعنى هذا الوصف أنه ليس من أهل الفن المختصين به، لكنه يستطيع السير معهم، ويعرف مصطلحاتهم، ويفهم لغتهم، ويربط بين أحكامهم وبين قواعدهم التي يسيرون عليها في ذلك العلم، ولكثرة ممارسته لهذه القواعد يستطيع أن يوازن بين أقوالهم عند الاختلاف، ويشرح دليل هذا، ودليل هذا، وفق قواعدهم، وربما شاركهم في الأحكام، فرجح عند الاختلاف، واستدل للراجح، وناقش المرجوح.
والذي أقوله هنا -وأرجو أن يتأمله الباحث جيدا- أننا في هذا العصر في فن (نقد السنة) لا نستطيع تجاوز درجة المشاركة، ومن وصلها بعد جهد طويل وصبر وخبرة واسعة فقد بلغ الغاية.
ووصف المشارك ينبني عليه أشياء في نقد السنة، من أهمها أن أحكام الباحث على الأحاديث إنما تدور حول أحكام أهل النقد الأولين في عصر الرواية، فمهمة الباحث إذن التنقيب الشديد عنها، تصريحا أو تلميحا، فمتى رآهم متفقين على حكم، لم يجز له أن يخالفهم، وإن انقدح في ذهنه غير ذلك، وكذلك إذا وقف على حكم لإمامين أو ثلاثة مثلا لا يصح له أن يخالفهم، بل أقول إنه إذا وقف على حكم واحد منهم ولم يجد له مخالفا لزمه الوقوف عنده.
وإذا وجد الباحث أن الأئمة قد اختلفوا فله عمل في الاستدلال للقولين، إن لم يكونوا فعلوا ذلك، أو بعضهم، والموازنة بين قوليهم،
وقد يرجح بين القولين إن رأي في نفسه القدرة، وتحمّل تبعة ذلك شرعًا، فحكمه فتوى، يشترط له ما يشترط للفتوى.
وللباحث المشارك نظر في أحاديث لم يقف على حكم للأئمة فيها، بعد أن بذل غاية وسعه في البحث عنه، فيجتهد في الحكم، مطبقا قواعد الأئمة، مستخدما جميع ما يلوح له من قرائن تربطه بأحكامهم.
وهو في كل ذلك معترف بتقصيره، مدرك لمنزلته بالنسبة لأولئك النقاد، مستخدما معهم عبارات الإجلال والإكبار، إن ناقش أحدا منهم ناقشه بأدب واحترام، يطرح رأيه بطريقة تليق بحاله، خائف وجل، مبتعد عن العبارات التي توحي بالثناء على النفس.
وغير خاف أن ما تقدم يحتاج إلى مجاهدة للنفس، وترويض لها، فهي ضعيفة، تواقة لكل ما تظنه يرفع من شأنها، وإن كان بغير حق، فالمتأمل في كتابات بعض الباحثين الذين يتعاطون نقد السنة يرى عجبا: تسامقا وتعالما، وعبارات خشنة في حق الأئمة، لا تليق بآحاد الناس.
ويجد القارئ الكريم في هذه السلسلة ما يعينه على الالتزام بما أرشدته إليه، حيث حرصت في كل موضوع منها على بيان العمل الذي يستطيع الباحث أن يقوم به، وكذلك إبراز منزلة أولئك النقاد، وما اختصوا به، فعلت ذلك في الجرح والتعديل، والاتصال والانقطاع، ومقارنة المرويات، وخصوصًا في هذا الأخير، فقد عقدت فصلا في بيان الوسائل التي كانت في حوزتهم، وفقدت فيمن بعدهم.
كما خصصت قسمًا كاملا من هذه السلسلة للحديث عن أئمة