الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: الوسائل المساعدة على تمييز الرواة
هناك وسائل عدة تعين الباحث على تمييز الرواة، يعتمد حسن الاستفادة منها على جهد الباحث، ومدى اطلاعه عليها، ودقته في التعامل معها، وإنما يصلب عود الباحث في هذه الناحية بكثرة التطبيق والمران، والصبر والتحمل، وعدم الملل والسآمة، والبعد عن التقليد ومتابعة الآخرين دون بحث، ثم التأني في الجزم بتعيين الراوي موضع البحث.
ويمكن تلخيص هذه الوسائل في ستة أنواع:
النوع الأول: الولادة والوفاة:
من أهم وسائل تمييز الرواة وعدم الخلط بينهم النظر في ولادة الراوي الذي وقع في البال أنه هو الذي في الإسناد، والنظر كذلك في وفاة من فوقه في الإسناد، للتأكد من إدراكه له، ثم في وفاة هذا الراوي وولادة من دونه في الإسناد، للتأكد أيضا، وإن لم يتهيأ في الحالتين أو إحداهما معرفة سنة الولادة والوفاة فيلجأ إلى تحديد الطبقة، بالاستعانة بالكتب التي لها عناية بذلك، مثل "التاريخ الأوسط" للبخاري، فإنه قسمه إلى فصول، وجعل كل عشر سنوات في فصل مستقل، ومثل "طبقات ابن سعد"، "وطبقات خليفة بن خياط، وكتاب "تقريب التهذيب" لابن حجر، فقد اعتنى بذلك.
ونلاحظ بكثرة استعانة النقاد بهذه الوسيلة في تمييز الرواة في الحالة المعينة، ومن ذلك قول أحمد: "كل شيء روى ابن جريج، عن
عمر بن عطاء، عن عكرمة، فهو عمر بن عطاء بن وَرَاز، وكل شيء روى ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن ابن عباس، فهو عمر بن عطاء بن أبي الخُوَار، كان كبيرًا، قيل له: أيروي ابن أبي الخُوَار، عن عكرمة؟ قال: لا، من قال: عمر بن عطاء بن أبي الخُوَار فقد أخطأ
…
"
(1)
.
والناظر في النماذج التي سقتها في المبحث الأول يدرك بسهولة أنه كان بالإمكان تفادي الوقوع في خطأ تعيين الراوي بالنظر في الولادة والوفاة، أو في الطبقة.
فالباحث الذي فسر سَوَّار بن عبد الله الذي يروي عنه ابن أبي الدنيا وقد ولد سنة 208 هـ بأنه سَوَّار بن عبد الله المتوفى سنة 156 هـ لم يراجع الولادة والوفاة، وإلا لم يفسره به، ولأدرك خطأه بسهولة.
وكذلك الباحث الذي يحقق كتابا يروي فيه مؤلفه عن سفيان، ثم يفسره المحقق بأنه سفيان الثوري، والمؤلف ولد بعد وفاة الثوري بسنوات.
ومثله من فسر أبا بكر بن إسحاق الفقيه الذي يروي عنه الحاكم بأنه ابن خزيمة، والحاكم لم يدرك ابن خزيمة، وإنما ولد بعد وفاته بعشر سنوات.
ومن ذلك أن أحد الباحثين ذكر حديثا رواه أبو حفص ابن شاهين قال: حدثنا جعفر بن أحمد، أنا الشَّحَّام، ثنا عبد الأعلى بن واصل، ثنا محمد بن الصلت
…
(2)
.
(1)
"تهذيب الكمال"21: 464، وانظر أيضا:"تاريخ الدوري عن ابن معين"2: 432.
(2)
"نصب الراية"2: 297.
ثم قال الباحث: "وأشار الحافظ ابن حجر في "نزهة الألباب في الألقاب" 1: 396 إلى أن الشَّحَّام هو عثمان بن مسلم، ولم أقف عليه".
كذا قال الباحث، وابن حجر إنما ذكر أن الشحام لقب عثمان بن مسلم، لكنه لم يذكر أنه الذي في الإسناد كما يوهمه كلام الباحث، ثم لو نظر الباحث في ترجمة عثمان الشَّحَّام لأدرك أنه لا يصح تفسير الذي في الإسناد به، فإن عثمان هذا يروي عن عكرمة مولى ابن عباس، وأبي رجاء العطاردي، وغيرهما، ويروي عنه إسرائيل بن يونس، ويحيى القطان، ووكيع، وغيرهم
(1)
، فأين هو من طبقة شيوخ شيوخ ابن شاهين المتوفى سنة 385؟ وهذا على فرض صواب الإسناد، وأنه لم يقع فيه تحريف
(2)
.
والباحث بعد طول مران سيتكون لديه حصيلة من الضوابط مبنية على النظر في الولادة والوفاة، أو ما يقوم مقامهما، فتقوم هذه الضوابط لديه مقام البحث في الحالة المعينة، وفائدتها حينئذ اختصار والوقت.
مثال ذلك أن يعرف الباحث أن ابن أبي شيبة، وأحمد، ومن في طبقتهم، إذا قالوا: حدثنا سفيان، لا يمكن أن يكون سفيان الثوري، كما
(1)
وقول الباحث إنه لم يقف عليه لا يعفيه، فمحقق "نزهة الألباب" قد أحال في ترجمته إلى "كنى الدولابي"، و"أنساب السمعاني"، وإن كان قد أبعد النجعة في هذا، إذ هو من رجال مسلم، مترجم في "تهذيب التهذيب"7: 160، وقد اختلف في اسم أبيه.
(2)
يظهر لي أن الإسناد وقع فيه تحريف، وأن الصواب هكذا: حدثنا جعفر بن حمدان الشحام، حدثنا عبد الأعلى بن واصل
…
، فيكون الشحام هو شيخ ابن شاهين، وهو يروي عن طبقة عبد الأعلى بن واصل، انظر:"تاريخ بغداد"7: 211.
وقع تفسيره به خطأ من بعض الباحثين، لأنهم لم يدركوه.
ويعرف الباحث -مثلا- أن البخاري، ومسلما، وابن ماجه، إذا قالوا: حدثنا ابن نُمَيْر، فهو محمد بن عبد الله بن نُمَيْر، وليس والده عبد الله، وكلاهما يعرف بابن نُمَيْر، لكنهم لم يدركوا الأب، وأما إذا روى أحمد، وابن معين، وابن أبي شيبة، ومن في طبقتهم، عن ابن نُمَيْر فهو الأب.
وإذا روى النسائي عن رجل، عن حماد، فهو ابن زيد، وليس ابن سلمة، إذ لم يدرك أحدا من أصحاب حماد بن سلمة.
وظاهر مما تقدم أن النظر في الولادة والوفاة، أو الطبقة، إنما يفيد في نفي أن يكون هذا الراوي هو الموجود في الإسناد، وذلك في حال عدم الإدراك، أما إفادته الجزم بتعيين الراوي في حال اتحاد الطبقة، وكونه يمكن أن يروي عمن فوقه، ويروي عنه من دونه، فذلك مخصوص بحال أن يتم تصفية الرواة المشتبه بهم، فلم يبق إلا واحد هو الذي يمكن تفسيره به، أما إذا لم يتم ذلك، وكان في الرواة أكثر من واحد في الطبقة الواحدة فلا يجزم بتعيين أحدهم.
ثم هناك أمر آخر قد يعترض به على النفي أيضا، وهو أن رواية الراوي عمن لم يدركه موجودة بكثرة، وهو ما يعرف بالإرسال، فقد يكون الراوي هو الموجود في الإسناد وإن لم يدرك من فوقه، أو لم يدركه من دونه.
ومثاله ما عرض للأئمة مما نحن بصدده أن أبا حاتم سئل عن حديث رواه عبد الله العمري، عن حميد الطويل، عن رجل من أهل البصرة قال: "سئل ابن عمر عن رجل واقع أهله قبل أن يرمي