المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثالث: قائل النص - الجرح والتعديل - اللاحم

[إبراهيم اللاحم]

فهرس الكتاب

- ‌ ماذا يمكن أن يستفيده الباحث المتخصص من هذه السلسلة

- ‌الأول: فهم كلام الأئمة

- ‌الثاني: تفهم كلام الأئمة

- ‌الثالث: إتقان عرض التخريج والدراسة

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الأول: الحكم على الراوي

- ‌ مدخل:

- ‌المبحث الأول: وسائل الحكم على الراوي

- ‌أولا: التأمل في أفعال الراوي وتصرفاته، والنظر في سيرته

- ‌ثانيا: إلقاء الأسئلة على الراوي

- ‌ثالثًا: اختبار الراوي وامتحانه:

- ‌الأولى: تلقين الراوي

- ‌الثانية: المذاكرة:

- ‌رابعًا: النظر في أصول الرواة وكتبهم:

- ‌خامسًا: النظر في أحاديث الراوي ومروياته:

- ‌1 - اعتداله أو مجازفته في الرواية:

- ‌2 - مشاركته لغيره أو تفرده:

- ‌3 - ثباته أو اضطرابه فيما يرويه:

- ‌4 - موافقته أو مخالفته لغيره:

- ‌المبحث الثاني: اختلاف حال الراوي

- ‌الأولى: توثيق الراوي أو تضعيفه في شيخ معين، أو في شيوخ معينين:

- ‌الثانية: توثيق الراوي في روايته عن أهل بلد معين، وتضعيفه في روايته عن أهل بلد آخر:

- ‌الثالثة: توثيق الراوي أو تضعيفه في رواية أهل بلد معين عنه:

- ‌الرابعة: توثيق الراوي أو تضعيفه في صفة معينة في الرواية:

- ‌الخامسة: تقوية الراوي إذا حدث من كتابه، وتضعيفه إذا حدث من حفظه:

- ‌السادسة: تضعيف الراوي في آخر عمره، وتقويته قبل ذلك:

- ‌المبحث الثالث: مقارنة الراوي بغيره

- ‌القسم الأول: المقارنة المطلقة

- ‌الضرب الأول: أن تكون المقارنة فيه بين راو أو أكثر وبين من سواه بإطلاق

- ‌الضرب الثاني: أن يقيد الناقد من يقارن الراوي بهم بشيء ما، كأن يقيدهم بأهل بلد الراوي، أو بمن رآهم الناقد

- ‌القسم الثاني: المقارنة المقيدة بشيء معين كبلد، أو شيخ:

- ‌المبحث الرابع: عوائق الحكم على الراوي

- ‌أولاً: اشتباه الراوي بغيره على الناقد

- ‌ثانيًا: تعارض وسائل الحكم على الراوي

- ‌ثالثًا: نقد النقد

- ‌رابعًا: انعدام وسائل الحكم على الراوي أو ضعفها

- ‌الفصل الثاني: أحكام النقاد على الرواة ومراتبها

- ‌مدخل:

- ‌المبحث الأول: الأحكام النظرية على الرواة

- ‌القسم الأول: ما وصلنا من أحكام أطلقها الأئمة على الرواة

- ‌القسم الثاني: حركات وإشارات تصدر من النقاد حين يرد ذكر بعض الرواة

- ‌المبحث الثاني: الأحكام العملية على الرواة

- ‌القسم الأول: الانتقاء العام للرواة

- ‌القسم الثاني: الانتقاء الخاص للرواة:

- ‌المبحث الثالث: مراتب أحكام النقاد على الرواة

- ‌الفصل الثالث: ضوابط النظر في أحكام النقاد على الرواة

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: ثبوت النقل عمن نسب إليه

- ‌المبحث الثاني: سلامة النص

- ‌الصورة الأولى: حكاية معنى النص

- ‌الصورة الثانية: بتر النص

- ‌الصورة الثالثة: تحريف النص

- ‌المبحث الثالث: قائل النص

- ‌المبحث الرابع: دلالة النص

- ‌الفصل الرابع: تمييز رواة الإسناد

- ‌مدخل:

- ‌المبحث الأول: كثرة وقوع الاشتباه بين الرواة

- ‌المبحث الثاني: أسباب وقع الخلط بين الرواة

- ‌المبحث الثالث: الوسائل المساعدة على تمييز الرواة

- ‌النوع الأول: الولادة والوفاة:

- ‌النوع الثاني: الشيوخ والتلاميذ:

- ‌النوع الثالث: كتب الأطراف:

- ‌النوع الرابع: طرق الحديث الأخرى:

- ‌القسم الأول: الطرق إلى المؤلفين

- ‌القسم الثاني: الطرق بعد المؤلفين

- ‌النوع الخامس: النظر في متن الحديث وإسناده:

- ‌النوع السادس: ضوابط في تمييز الرواة:

- ‌المصادر والمراجع

الفصل: ‌المبحث الثالث: قائل النص

‌المبحث الثالث: قائل النص

من المهم جدا بالنسبة للناظر في أقوال النقاد أن يكون قد عرف قدرا كافيا مما يتعلق بهؤلاء النقاد، في سيرتهم، ومنزلتهم في الرواية والنقد، وطبقاتهم.

ولهذا الغرض درج بعض المؤلفين في الجرح والتعديل على الحديث عن هؤلاء النقاد في مقدمة كتبهم، فاختار ابن أبي حاتم (ت 328 هـ) نماذج للنقاد، وترجم لهم تراجم موسعة، بحيث جاءت مقدمته في مجلد مستقل من المطبوع.

كما فعل هذا أيضا ابن حبان (ت 354 هـ) في مقدمة كتابه "المجروحين"

(1)

، حيث خصص فصلا منها للحديث عن مشاهير النقاد.

وسرد ابن عدي في مقدمة كتابه "الكامل في ضعفاء الرجال"

(2)

عددا كبيرا ممن استجاز لنفسه الكلام في الرجال، أو من نصب نفسه لذلك، ابتداء من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصره، فبلغ بهم خمسة وسبعين ناقدا، مع إشارته إلى أنه لم يستقص، وترجم لبعضهم تراجم متفاوتة، وذكر شيئا من أخبارهم، وقال بعد ذلك:"ذكرت لكل واحد منهم البعض من فضائلهم، والمعنى الذي به يستحقون الكلام في الرجال، ولأجله يسألونهم، وتسليم الأئمة لهم ذلك".

(1)

"المجروحين"1: 34 - 60.

(2)

"الكامل"1: 61 - 147.

ص: 375

ثم خص الحاكم (ت 405 هـ) المشهورين من المزكين لرواة الأخبار بمؤلف مستقل، فبلغ بهم أربعين ناقدا، وجعلهم على عشر طبقات، في كل طبقة أربعة منهم، ابتدأهم أيضا بطبقة الصحابة رضوان الله عليهم

(1)

.

ثم جاء الذهبي (ت 748 هـ) فجمع أسماء النقاد في رسالة سماها: "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل"

(2)

، فبلغ بهم إلى عصره نحو سبعمئة وخمسة عشر ناقدا، رتبهم على طبقات، وهو يشير بعد كل طبقة -في الغالب- إلى أنه إنما يذكر من حضره اسمه، وقد ترك غيره، ومما قاله بعد سرده للطبقة الخامسة، طبقة البخاري ومسلم:"وخلق كثير لا يحضرني ذكرهم، ربما كان يجتمع في الرحلة المئتان والثلاثمئة بالبلد الواحد، فأقلهم معرفة كأحفظ من في عصرنا"

(3)

.

غير أن هؤلاء النقاد الذين ذكرهم الذهبي والذين لم يذكرهم ممن صدر منهم النقد ليسوا على درجة واحدة في كثرة النقد وقلته، فمنهم المكثر جدا، ومنهم من يعز النقل عنه، ثم ليسوا أيضا في منزلة واحدة في النقد، بل منهم من تكلم في نقده، إما مطلقا، أو في بعض

(1)

"معرفة علوم الحديث" ص 52.

(2)

حقق هذه الرسالة شيخنا عبد الفتاح أبو غدة، ضمن "أربع رسائل في علوم الحديث"، طبعها عدة مرات.

وقد لخص هذه الرسالة السخاوي في كتابه "فتح المغيث"4: 356 - 360، وفي كتابه:"الإعلان بالتوبيخ" ص 706 - 723، وعن هذين الكتابين أفردها شيخنا عبد الفتاح أبو غدة، وطبعها ضمن الرسائل الأربع المشار إليها.

(3)

"ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" ص 197.

ص: 376

الأحيان، والمشهورون منهم أيضا يوجد تفاوت بينهم في منهج النقد.

ولا سبيل -إطلاقا- في هذه العجالة إلى تفصيل الكلام في النقاد، وبيان مراتبهم ومنازلهم في النقد، وشرح الشروط الواجب توافرها في الناقد، وكيف وقع الإخلال بها من بعض النقاد

(1)

، لكنني هنا أشير إشارة مجملة إلى بعض الضوابط التي تحكم النظر في الناقد نفسه.

وأول ما ينبغي معرفته هنا شروط الناقد للرواة لقبول قوله في غيره، وهي تتلخص في خمسة شروط:

1 -

الورع التام، وتقوى الله تعالى، فلا يتكلم في شخص لعداوة بينهما، أو لحسد، أو لخلاف مذهبي، أو لكونه تكلم فيه، ونحو ذلك، ولا يوثق شخصا لقرابة، أو لصلة بينهما، ونحو ذلك.

2 -

أن يكون ثقة في نفسه، فلا يقبل قول من يتهم بالكذب، أو يرتكب مفسقا، أو من هو ضعيف في ضبطه وحفظه.

3 -

الاعتدال والوسطية في المنهج، فلا يعرف عنه إسراف في الجرح، ولا تساهل مفرط في التعديل.

4 -

الحفظ الواسع للروايات والطرق، ليتمكن بذلك من سبر حال الراوي، وتطبيق وسائل فحص الرواة عليه.

5 -

الخبرة التامة في نقد الرواة، ومدارسة النقاد ومذاكرتهم،

(1)

في النية تخصيص باب للكلام على (أئمة النقد وكتبهم) أفصل فيه ما أجملته هنا، وأضم إليه الحديث عن النقاد في مجال نقد المرويات نفسها، وكذلك الحديث عن كتب النقاد، والكتب التي جمعت كلامهم، وهو أحد أجزاء هذه السلسلة، أسأل الله تعالى أن ييسر ذلك بحوله وقوته.

ص: 377

ليعرف بذلك ما يصلح أن يكون قدحا في الراوي، وما يصلح أن يكون مدحا له.

وتطبيق هذه الشروط على الناقد يتولاه النقاد أنفسهم، ولا يقال: هذا دور، فنحن نريد التأكد من وجود هذه الشروط في الناقد، والناقد هو الذي يبين لنا ذلك، لأنا نقول: الدور منقطع بكون الحاكم على الناقد وبيان قيمة أقواله في النقد هم مجموعة النقاد.

ومثال ذلك أربعة من النقاد كانوا في عصر واحد، وهم: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو نُعَيْم الفضل بن دُكَيْن، وعفان بن مسلم البصري، فالأولان التف حولهما التلاميذ، وسألوهما أسئلة كثيرة جدا، وقيدوا كل حرف قالاه، وسجلوا مواقفهما العملية من الرواة، وتلاميذهما ممن لديهم ملكة نقدية، كأحمد، وابن معين، وابن المديني، وعمرو الفلَّاس، وأبي خَيْثَمة زهير بن حرب، وغيرهم، فكانوا يراجعونهما فيما يرونه يحتاج إلى مراجعة، ويرفضون بعض آرائهما

(1)

، فاعتبارهما من كبار النقاد إذن نستطيع أن نقول إنه صدر عن مجموعة النقاد.

وأما الآخران فتلامذتهما هم أنفسهم تلامذة الأولين، وليست منزلتهما في النقد كمنزلة الأولين، مع أن الظاهر كثرة كلامهما على الرواة، لكن لم يدون منه إلا القليل، ولم يعتن بكلامهما كما فعل مع يحيى، وعبد الرحمن، والذي أنزلهما هذه المنزلة هم تلامذتهم النقاد أيضا، وقد بين علي بن المديني سبب ذلك، قال الآجُرِّي: "قلت لأبي

(1)

تقدم شيء من هذا في المبحث الرابع من الفصل الأول.

ص: 378

داود: بلغك عن عفان إنه ليكذب وَهْب بن جرير؟ فقال: حدثني عباس العَنْبَري قال: سمعت عليا يقول: أبو نُعَيْم، وعفان، صدوقان، لا أقبل كلامهما في الرجال، هؤلاء لا يدعون أحدا إلا وقعوا فيه"

(1)

.

وسيأتي قريبا عن أحمد ما يؤيد هذا، وكذا جاء عن أبي خَيْثَمة زهير بن حرب

(2)

.

ولا يقال إن المعروف بالشدة من هؤلاء الأربعة هو يحيى القطان، وذلك لأن الشدة التي عرف بها لا تخرج عن النقد المقبول، فالذين تشدد معهم يحيى القطان هم في الغالب محل للكلام، فتشدده بناء على منهج ارتضاه وسلكه في هؤلاء، وقد مضى ما يوضح ذلك، ويأتي قريبا زيادة إيضاح.

وأما تشدد عفان، وأبي نُعَيْم، فيظهر من كلام ابن المديني، وأحمد، أنه لم يسلم منه أحد، وإن لم يكن موضعا للكلام فيه

(3)

.

وذكر ابن معين سببا آخر في أبي نُعَيْم بخصوصه، وهو تأثير معتقده -وهو ما عليه أهل الكوفة من التشيع- على أحكامه على الرواة

(4)

.

وهكذا يقال في النقاد قبل طبقة هؤلاء الأربعة وبعدها، إنما يبين منزلة الناقد في النقد: المعتنون به في وقتهم، المدركون له،

(1)

"سؤالات الآجري لأبي داود"2: 16.

(2)

"تاريخ بغداد"8: 403.

(3)

انظر نماذج من نقد هذين الإمامين: "سؤالات ابن الجنيد لابن معين" ص 322، و "أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص 744 - 745، و"تاريخ بغداد"8:403.

(4)

"سؤالات ابن الجنيد" ص 469.

ص: 379

فاجتماع العشرات من النقاد على توجيه الأسئلة في الرواة إلى أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين - مثلا- هو الشهادة لهما على جلالتهما في النقد، وعلو كعبهما فيه.

ثم إذا تحققنا من قبول الناقد واعتماده في الجرح والتعديل، صار قوله أيضا معتمدا في بيان منزلة غيره في النقد، ويكتفى بقوله، ولا يشترط أن يبلغنا ذلك عن مجموعة من النقاد.

ولهم مصطلحات في بيان كون الشخص ناقدا أو غير ناقد، من ذلك قولهم: فلان من أصحاب الحديث، وربما قالوا: من كبار أصحاب الحديث، أو ليس من أصحاب الحديث

(1)

، وقولهم: فلان يفهم هذا الشأن، أو فلان عارف، أو يعرف.

ويمكن للباحث أيضا أن يستفيد من كلام الأئمة المتأخرين، ممن اعتنى بكلام النقاد، وأدمن النظر فيه، كالذهبي، وابن عبد الهادي، وابن رجب، وابن حجر، فلهم كلمات في بعض النقاد يوضحون فيها مناهجهم، ومنزلتهم في النقد.

إذا تبين هذا فإن الذين تكلموا في الرواة بالنسبة لتوافر الشروط فيهم أو عدمه على ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: من عرفنا أنهم أخلوا ببعض الشروط، فمتى وصلنا عن أحد النقاد أنه أخل بشرط من هذه الشروط أو أكثر، بحيث لم يتوافر في الناقد، فينظر في هذا الشرط، ودرجة الإخلال به.

(1)

وربما استعملوا هذا المصطلح في درجة الراوي توثيقا أو تضعيفا، وسيأتي الحديث عن هذا في المبحث الرابع.

ص: 380

فمن الشروط ما يسقط الإخلال به نقد الناقد بالكلية، وهو كونه ثقة في نفسه غير متهم بالكذب، فمتى اتهم الناقد في رواياته بالكذب والوضع سقط نقده، كما في حال أبي مريم عبد الغفار بن القاسم الكوفي، كان عارفا بالرجال، وهو أحد الذين تتلمذ عليهم شعبة في النقد، لكن آل أمره إلى أن اتهم بالكذب والوضع، ورموه بالتشيع المفرط

(1)

، فأهملت أقواله، وربما ذكروها على سبيل الرد، كما في قول أبي داود:"قلت لأحمد: عمير بن سعيد؟ قال: لا أعلم به بأسا، قلت له: فإن أبا مريم قال: تسألني عن عمير الكذاب؟ -قال: وكان عالمًا بالمشايخ-، فقال أحمد: حتى يكون أبو مريم ثقة -ثم تكلم بكلامه-"

(2)

.

وتشبه حاله حال عبد الله بن سلمة البصري الأفطس، كان يتكلم بلامبالاة، ويُكَذِّب الثقات الحفاظ، واتهم بالكذب، فترك حديثه ونقده، قال أحمد:"ترك الناس حديثه، كان يجلس إلى أزهر، فيحدث أزهر، فيكتب على الأرض: كذب، كذب، وكان خبيث اللسان"

(3)

.

وقال البَرْذَعي: "وسمعته (يعني أبا زرعة) وذكر عبد الله بن سلمة الأفطس، فقال: كان عندي صدوق (كذا)، ولكنه كان يتكلم في عبد الواحد بن زياد، ويحيى القطان، وذكر له يونس بن أبي إسحاق، فقال: لا ينتهي يونس حتى يقول: سمعت البراء، قال لي أبو زرعة:

(1)

"علل المروذي" ص 91، و"معرفة الرجال"2: 210، و"الجرح والتعديل"6: 53، و"الميزان"2: 640، و"اللسان"4:42.

(2)

"سؤالات أبي داود" ص 292.

(3)

"العلل ومعرفة الرجال"2: 494، 3: 127، 128.

ص: 381

فانظر كيف يرد أمره (كذا في النسخة)، قال أبو زرعة: كل من لم يتكلم في هذا الشأن على الديانة فإنما يُعْطِب نفسه، كل من كان بينه وبين إنسان حقد أو بلاء يجوز أن يذكره! ! ، كان الثوري، ومالك، يتكلمون في الشيوخ على الدين فنفذ قولهم، ومن يتكلم فيهم على غير الديانة يرجع الأمر عليه"

(1)

.

وكذلك إذا تكلم في النقد دون خبرة وعلم، فلا يقبل قوله، كما قال ابن أبي حاتم موضحا منهجه في كتابه "الجرح والتعديل":"وقصدنا بحكايتنا الجرح والتعديل في كتابنا هذا إلى العارفين به العالمين له، متأخرا بعد متقدم، إلى أن انتهت بنا الحكاية إلى أبي وأبي زرعة رحمهما الله، ولم نحك عن قوم قد تكلموا في ذلك لقلة معرفتهم به"

(2)

.

ومن الشروط ما يضعف الإخلال به قول الناقد، وإن لم يسقطه بالكلية، مثل كون الناقد متكلما فيه، لكنه من قبل حفظه، فلم يتهم بالكذب، فهذا يقبل قوله إذا وافق غيره من النقاد المعتبرين، أو خلا الراوي من توثيق وتضعيف سوى قول هذا الناقد، ومن أقوى الأمثلة على هذا الصنف أبو الفتح الأزدي، له مصنف كبير في الضعفاء، لكنه قد تُكلم فيه، فيورد الأئمة -كالذهبي، وابن حجر- كلامه في الرواة، وربما اعترضوا عليه لهذا السبب، نقل الذهبي قوله في أَبَان بن إسحاق المدني:"متروك"، ثم قال الذهبي: "لا يترك، فقد وثقه أحمد،

(1)

"أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص 329، وانظر:"المعرفة والتاريخ"3: 47 - 48، 49، و"اللسان"3:292.

(2)

"الجرح والتعديل"2: 38.

ص: 382

والعجلي، وأبو الفتح يسرف في الجرح، وله مصنف كبير إلى الغاية في المجروحين، جمع فأوعى، وجَرَّح خلقا بنفسه لم يسبقه أحد إلى التكلم فيه، وهو المتكلم فيه"

(1)

.

وقال الذهبي أيضا في ترجمة السَّرِي بن يحيى البصري: "قال أحمد: ثقة، ثقة، وقال أبو الفتح الأزدي: حديثه منكر، فآذى أبو الفتح نفسه، وقد وقف أبو عمر ابن عبد البر على قوله هذا فغضب أبو عمر، وكتب بإزائه: السري بن يحيى أوثق من مؤلف الكتاب -يعني الأزدي- مئة مَرَّة"

(2)

.

ونقل الذهبي في الحارث بن سُرَيْج النَّقَّال الفقيه أقوال الأئمة المتقدمين في تضعيفه واتهامه، ثم قال:"وقال أبو الفتح الأزدي: تكلموا فيه حسدا، كذا قال الأزدي بجهل"

(3)

.

ونقل ابن حجر توثيق بعض الأئمة لأحمد بن شَبِيْب الحَبَطِي شيخ البخاري، ثم قال:"قال أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث، غير مرضي، ولا عبرة بقول الأزدي لأنه هو ضعيف، فكيف يعتمد في تضعيف الثقات؟ "

(4)

.

(1)

"ميزان الاعتدال"1: 5.

(2)

"ميزان الاعتدال"1: 118.

(3)

"ميزان الاعتدال"1: 433، وانظر أيضا: 1: 61، 208، 294، 420، 569، 3: 185، 222، و"سير أعلام النبلاء"12: 348، 13: 389، 16:348.

(4)

"هدي الساري" ص 389، وانظر:"تهذيب التهذيب"1: 36، وقد نقده ابن حجر في مواضع أخرى، انظر:"هدي الساري" ص 392، 400، 402.

وللدكتور عبد الله مرحول السوالمة دراسة لأبي الفتح الأزدي ومنهجه، بعنوان:(الحافظ أبو الفتح الأزدي بين الجرح والتعديل) نشر في مجلة جامعة الملك سعود عام 1412 هـ، ص 429 - 476، ولم يبتعد فيها كثيرا عن موقف الأئمة من جرحه وتعديله.

ص: 383

ومثل هذا يقال في المتشددين، يقبل قولهم في التضعيف إذا وافق غيرهم من النقاد المعتبرين، كما يقبل قولهم في التوثيق، ويعد منقبة للراوي، مثل قول أحمد بن حنبل لابنه صالح حين قدم من البصرة:"لم لم تكتب عن عمرو بن مرزوق؟ فقال: نُهيت، فقال: عفان كان يرضى عمرو بن مرزوق، ومن كان يرضي عفان؟ "

(1)

.

وعلق الذهبي على قول ابن المديني المتقدم في عفان، وأبي نُعَيْم، بقوله:"يعني أنه لا يختار قولهما في الجرح لتشديدهما، فأما إذا وثقا أحدا فناهيك به"

(2)

.

الصنف الثاني: من لم يبلغنا عن النقاد بيان منزلته في النقد، وهؤلاء خلق كثير، غير أن أكثرهم من المقلين جدا من النقد، فهؤلاء يستأنس بكلامهم إذا وافق قول غيرهم من النقاد المعتمدين، أو لم يكن في الراوي غير ما ورد عنهم، وأما إذا عارض قولهم قول ناقد معتمد فلا التفات إلى نقدهم.

مثال ذلك قول خالد بن خِدَاش: "قال لي الدَّرَاوَرْدي، ومَعْن، وعامة أهل المدينة: لا ترد عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، إنه لا يدري ما يقول، ولكن عليك بعبد الله بن زيد"

(3)

.

فقول الدَّرَاوَرْدي، ومَعْن بن القاسم، في عبد الرحمن بن زيد، وأخيه عبد الله، لائق بحالهما، فإن عبد الله مع تضعيف بعض الأئمة له

(1)

"الجرح والتعديل"6: 264.

(2)

"سير أعلام النبلاء"10: 250.

(3)

"علل المروذي" ص 233.

ص: 384

أحسن حالا من أخيه عبد الرحمن

(1)

.

الصنف الثالث: النقاد الذين توافرت فيهم شروط النقد، فاعتمد كلامهم في الرواة، وهم خلق كثير أيضا، ويمكن تقسيمهم من حيث واقع الحال ثلاثة أقسام:

القسم الأول: غير المشهورين منهم، وهم الذين تكلموا في الرواة على الندرة، مع إمامتهم ومعرفتهم بالنقد، بل منهم من تتلمذ عليه من النقد من هو من النقاد المشهورين، مثل أبي كامل مُظَفَّر بن مُدْرِك، وأبي سلمة منصور بن سلمة الخزاعي، والهَيْثَم بن جَمِيل، تتلمذ عليهم أحمد، وابن معين، وغيرهما في النقد

(2)

، ومثل أبي سعيد مولى بني هاشم، تتلمذ عليه علي بن المديني

(3)

.

ومن هذا القسم أيضا: عبد الله بن عثمان البصري صاحب شعبة

(4)

، ويحيى بن آدم الكوفي

(5)

، ووُهَيْب بن خالد البصري

(6)

، وأبو إسحاق الأقرع

(7)

، والحسن بن علي الحُلْواني

(8)

، وخلف بن سالم

(1)

"تهذيب التهذيب"5: 222، 6:177.

(2)

"العلل ومعرفة الرجال"1: 493، 2: 553، 596، 3: 72، و"تاريخ الدوري عن ابن معين"2: 571، و"تاريخ بغداد"6: 29، 13: 70، 125، 14:56.

(3)

"المعرفة والتاريخ"2: 182.

(4)

"تهذيب التهذيب"5: 317.

(5)

"مسند أحمد"5: 287 و"الضعفاء الكبير"3: 17.

(6)

"الجرح والتعديل"9: 35، و"سير أعلام النبلاء"8: 74، و"تهذيب التهذيب"11:169.

(7)

"العلل ومعرفة الرجال"2: 41، 42، 56.

(8)

"سؤالات الآجري لأبي داود"2: 288.

ص: 385

المُخَرِّمي

(1)

.

وقلة المروي عن الواحد من هؤلاء من النقد قد يكون لأنه هو لم يشأ استخدام علمه، وقد يكون لأسباب أخرى، ولا أطيل بتفصيل هذا هنا.

القسم الثاني: الذين اشتهر كلامهم في الرواة، ونقل عنهم -على تفاوت بينهم -، قدر لا بأس به من النقد إذا ما قورنوا بالقسم الأول، مثل سفيان الثوري، ومالك، وسفيان بن عُيَيْنة، ووكيع بن الجراح، والشافعي، وسليمان بن حرب، ومحمد بن عبد الله بن نُمَيْر، وأبي بكر بن أبي شيبة، وغيرهم.

القسم الثالث: المشهورون بالنقد، الذين تكلموا في أكثر الرواة، أو في الكثير من الرواة، مثل شعبة، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن سعد، وأحمد، وابن معين، وابن المديني، وزهير بن حرب، ومحمد بن عبد الله بن عَمَّار، وعمرو الفلَّاس، والجوزجاني، والبخاري، وأبي داود، ويعقوب بن شيبة، والترمذي، وأبي حاتم، وأبي زرعة، ويعقوب بن سفيان، وزكريا الساجي، والبزار، وصالح جَزَرَة، والنسائي، والعقيلي، وابن حبان، وابن عدي، والدارقطني، والحاكم، وغيرهم.

ومن هؤلاء من وصلنا كلمهم في الرواة المتكلم فيهم فقط، لكونهم صنفوا في ذلك، كالعقيلي، وابن عدي، أو في الثقات فقط كالعجلي.

(1)

"الجرح والتعديل"1: 176، و"معرفة علوم الحديث" ص 17، 108، و"الكفاية" ص 167.

ص: 386

فهذا الصنف بأقسامه الثلاثة عليه المعول في نقد الرواة، ومن لم يصلنا من كلامهم شيء -أو وصل القليل- يستفاد منهم من جهة أخرى، وهي انتقاؤهم واختيارهم لمشايخهم الذين يروون عنهم، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثاني من الفصل الثاني.

والنظر في هؤلاء النقاد تحكمه أمور ثلاثة تحتها تفاصيلها:

الأمر الأول: هناك عوامل عديدة تساهم في تكوين الناقد، وتنمية ملكته النقدية، منها الزمن الذي يعيش فيه، والوسط الذي تربى فيه، واطلاعه على الطرق والروايات، ونظرته إلى الروايات وما وقع فيها من خلل، وآماله في تنقية السنة، والقدر الذي يمكن الوصول إليه في ذلك، بالإضافة إلى الصفات النفسية التي يتصف بها.

وقد أدى هذا إلى الاختلاف في المنهج الذي يحكم به على الراوي بعد استخدام وسائل الحكم عليه، فبعض الأئمة إذا سبر حديث الراوي فرآه يغلط في حديث أو حديثين ليَّنه وغمزه بذلك، فهذا نوع من التشدد

(1)

.

وبعض الأئمة إذا روى عن الراوي اثنان ارتفعت جهالته، وقد جاء هذا عن محمد بن يحيى الذهلي

(2)

، وهو قول البزار

(3)

، والدارقطني، وصرح الدارقطني بأن عدالته تثبت برواية اثنين عنه

(4)

، بل إن ابن حبان إذا كان دون الراوي ثقة، وفوقه ثقة، ولم يأت بحديث

(1)

"ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" ص 171.

(2)

"الكفاية" ص 98.

(3)

"البحر الزخار"1: 111، 209.

(4)

"سنن الدارقطني"3: 174، و"فتح المغيث"2:51.

ص: 387

منكر، ولم يعلم فيه جرحا فهو ثقة عنده

(1)

، وكل هذا بإطلاقه فيه تسامح، وقد تقدم من كلام يحيى بن معين وغيره أن ارتفاع الجهالة عن الراوي برواية غيره لابد فيها من النظر في الراوي عنه، هل ينتقي شيوخه أو لا؟ مع مراعاة أمور أخرى

(2)

.

ووصف الناقد بالتشدد أو الاعتدال أو التساهل موجود في نصوص النقاد أنفسهم، في وصف بعضهم لبعض، كما في كلام ابن المديني والترمذي، في الموازنة بين يحيى بن سعيد القطان وغيره من النقاد، وقد تقدم ذكره في المبحث الثاني من الفصل الثاني.

ومن ذلك أيضا قول الجوزجاني في عثمان البُرِّي: "كذاب، كذبه الثوري على سهولته"

(3)

.

وبناء على ما تقدم تم تقسيم النقاد إلى ثلاث فئات

(4)

:

الفئة الأولى: المتشددون في النقد، ويمثل لهم بشعبة، ويحيى بن سعيد القطان، والجوزجاني، وأبي حاتم الرازي، والنسائي

(5)

.

(1)

"الثقات"1: 12 - 13، وانظر:"لسان الميزان"1: 14.

(2)

انظر: المبحث الثاني من الفصل الثاني، و"شرح علل الترمذي"1: 376 - 381.

(3)

"أحوال الرجال" ص 166.

(4)

أصل هذا التقسيم للذهبي في "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" ص 171، و"الموقظة" ص 83.

(5)

ينظر في تشدد هؤلاء: "تاريخ بغداد"1: 243، و"مجموع فتاوى ابن تيمية"23: 318، 24: 350، و"ميزان الاعتدال"1: 29، 115، 215، 266، 2: 43، 412، و"سير أعلام النبلاء"6: 320، 7: 26، 194، 8: 295، 9: 183، 228، 558، 10: 250، 584، 614، 11: 26، 98، 13: 81، 260، 14: 131، و"الموقظة" ص 83، و"النكت على كتاب ابن الصلاح"1: 482، و"هدي الساري" ص 387، 461.

ص: 388

الفئة الثانية: المعتدلون في النقد، وهؤلاء هم عامة أئمة النقد، كمالك، وابن المبارك، وابن مهدي، وأحمد، وابن معين، وابن المديني، والبخاري، وأبي داود، وأبي زرعة، وابن عدي، وغيرهم.

الفئة الثالثة: المتساهلون في النقد، ويمثل لهم بالعجلي، والترمذي، ويعقوب بن سفيان، والبزار، والحاكم.

وهذا تقسيم إجمالي، فقد يوجد بين أصحاب الفئة الواحدة شيء من التفاوت، فمثلا في الفئة الأولى ينفرد يحيى بن سعيد القطان بكونه أكثرهم تشددا، وقد سبقت الإشارة إلى تشدده عند الحديث عن شرطه في الراوي الذي يترك حديثه في المبحث الثاني من الفصل الثاني.

والغرض من هذا التقسيم لخصه الذهبي بقوله بعد أن ذكر الفئة الأولى: "فهذا إذا وثق شخصا فعض على قوله بناجذيك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلا فانظر: هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه، ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق، فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسرا، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلا: هو ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب"

(1)

.

ومثّل الذهبي للتشدد والاعتدال بقوله: "بالاستقراء: إذا قال أبو حاتم: ليس بالقوي، يريد بها أن هذا الشيخ لم يبلغ درجة القوي

(1)

"ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" ص 172.

ص: 389

الثبت، والبخاري قد يطلق على الشيخ: ليس بالقوي، ويريد أنه ضعيف"

(1)

.

ومثل ما قال الذهبي في الموقف من أحكام المتشدد يقال في المتساهل، وقد جمعهما السخاوي بكلمة موجزة حيث قال:"ولوجود التشدد ومقابله نشأ التوقف في أشياء من الطرفين"

(2)

، فإذا وثق المتساهل شخصا قد ضعفه غيره من المعتدلين توقف في توثيقه، وإذا ضعف شخصا قد ضعفه غيره من المعتدلين توقف في توثيقه، وإذا ضعف شخصا بعبارة لينة سهلة لم يعارض بها قوة عبارة من معتدل، كما في قول البزار في محمد بن الحسن بن زَبَالة المخزومي:"لين الحديث، لأنه روى أحاديث لم يتابع عليها، وقد حدث عنه جماعة من أهل العلم"

(3)

، فمحمد بن الحسن في قول عامة النقاد دون قول البزار هذا بكثير، فمنهم من رماه بالكذب والوضع

(4)

، فقول البزار إذا عرفت طريقته في اختيار عبارات التجريح لا معارضة بينه وبين أقوال الأئمة، ومثله قوله في السَّرِي بن إسماعيل:"ليس بالقوي، وقد حدث عنه الزهري وجماعة كثيرة، واحتملوا حديثه"

(5)

.

وفي قول الذهبي عمن ضعفه المتشدد دون بيان السبب، مع توثيق غيره:"فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب"- إشارة إلى أمر هام جدا في قضية التشدد والتساهل، وهي أن التشدد هنا ليس معناه تضعيف من هو ثقة مطلقا، وليس التساهل توثيق

(1)

"الموقظة" ص 83.

(2)

"فتح المغيث"4: 365.

(3)

"البحر الزخار"1: 134.

(4)

"تهذيب التهذيب"9: 115.

(5)

"البحر الزخار"1: 141، و"تهذيب التهذيب"3:459.

ص: 390

الضعفاء مطلقا، وإلا لخرج المتشدد والمتساهل عن دائرة النقد المقبول، كما تقدم قريبا شرح هذا، وإنما المقصود بالتشدد أن الراوي محلٌّ للنقد والتجريح بأمر يسير، لا يخرجه عن دائرة التوثيق، فينزله المتشدد عن ذلك، أو يكون محلا للنقد والتجريح بأمر متوسط، فينزله المتشدد إلى التضعيف، وهكذا يقال في التساهل، يوثق المتساهل من هم عند الأئمة المعتدلين في المراتب المتوسطة، أو يختار في تجريح الضعيف جدا والمتروك عبارات سهلة لينة، كلين الحديث، أو ليس بالقوي، كما تقدم آنفا بين البخاري وأبي حاتم، وبين البزار وأئمة آخرين، وتقدم أيضا في المقارنة بين منهج يحيى بن سعيد القطان، ومنهج عبد الرحمن بن مهدي وغيره، في حدّ الراوي الذي يترك حديثه في المبحث الثاني من الفصل الثاني.

ثم إن الذهبي قد جعل يحيى بن معين من أصحاب الفئة الأولى وهم من عرفوا بالتشدد، وكذا ذكر تشدده في النقد ابن حجر

(1)

، ولم أتابعهما في ذلك، وذكرته في النقاد المعتدلين، إذ ظهر لي أنه ليس بالمتشدد بالمعنى المراد هنا، فتشدده في العبارة لا في الحكم، بمعنى أنه قد يصدر حكما على راو، ويصدر أحمد حكما عليه بعبارة مختلفة، والمؤدى واحد، ولا شك أن هذا يفعله ابن معين، وقد مضى التمثيل لعباراته القوية التي بالغ فيها

(2)

.

وعرف عن يحيى أيضا مواجهته للرواة بالنقد، وعدم مداراتهم، وربما تكلم في بعض الأئمة الكبار في أشياء نقلت عنهم لا تصح،

(1)

"النكت على كتاب ابن الصلاح" 1: 482.

(2)

انظر: ما تقدم في المبحث الأول من الفصل الثاني.

ص: 391

أولهم فيها تأويل، ولعل سبب ذلك كله ولعه الشديد بالنقد، فقد أمعن فيه بما لا مزيد عليه، وله كلمات مأثورة في الدافع له إلى ذلك، وأنه يفعله احتسابا، ومع ذلك فقد لقي من الناس عناء

(1)

، وأما رفيقه أحمد فكان في الجملة أخف منه عبارة، وأرفق بالرواة، فكان كما قال الذهبي:"سأله جماعة من تلامذته عن الرجال، وجوابه بإنصاف واعتدال، وورع في المقال"

(2)

.

الأمر الثاني: حين يريد أحد النقاد من هؤلاء استخدام وسائله للحكم على راو -وهي الوسائل التي تقدم شرحها في الفصل الأول- قد يتهيأ له من العوامل المساعدة ما يجعل حكمه أقرب إلى الصواب من غيره ممن لم يتهيأ له ذلك العامل المساعد، ومن هذه العوامل:

* قرب الزمن بين الناقد وبين الراوي، ولهذا كان من لقي الشخص وأخذ عنه أعرف به من غيره، وتعليل ذلك ظاهر، فهو أقرب إلى الإحاطة بحديثه، وأقدر على اختبار ضبطه، والنظر في سيرته، وكلما بعد الزمن زادت الوسائط بين الناقد وبين الراوي، فظهر احتمال تحميل الناقد عهدة الخطأ في أحاديث على هذا الراوي، وقد تكون العهدة على غيره، واحتمال نقل أشياء عنه لا تصح.

والناظر في أقوال النقاد يدرك بسهولة اعتماد الواحد منهم على

(1)

"العلل ومعرفة الرجال"1: 363 - 364، و"علل المروذي" ص 74، 135، و"المعرفة والتاريخ"1: 728، ومقدمة "تاريخ الدوري عن ابن معين" لأحمد نور سيف 1: 63 - 77، ومقدمة "نسخة يحيى بن معين برواية الصوفي" لعصام السناني ص 99 - 112.

(2)

"ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" ص 185.

ص: 392

من تقدمه في الزمن، كما في قول علي بن المديني:"إذا اجتمع يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، على ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن، لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد"

(1)

.

وليس معنى ذلك أن المتأخر يوافق المتقدم تقليدا، بل هو يستخدم الوسائل أيضا في نقد الراوي، وربما خالف من سبقه، كما تقدم شرحه

(2)

، وإنما المقصود أن المتأخر يضع في اعتباره حين ينظر في الوسائل التي يحكم بها على الراوي قول من سبقه، إن كان قد بلغه، ولهذا فإن من تأخر منهم -كالعقيلي، وابن حبان، وابن عدي- يسوق في ترجمة الراوي أقوال من تقدم من النقاد، ثم يذكر بعض حديث الراوي، ثم يصدر حكمه هو، ويبقى هو ناقدا أصيلا في الرواة الذين لقيهم أو عاصرهم.

* قرب المكان، فقد تعارف المحدثون على أن يعتني المحدث أولا بأهل بلده ومروياتهم، ثم بعد ذلك يرحل إلى البلاد الأخرى، ثم بعد رحلته يعود إلى بلده

(3)

، فالحاصل من كل هذا أن الناقد يكون اطلاعه على أحوال أهل بلده أقوى من غيره من الغرباء، وقد أولى النقاد أنفسهم هذا الجانب عنايتهم، فكانوا يسألون الناقد عن شيوخ بلده ومروياتهم، ويعتمدون عليه، مثل مالك في أهل المدينة، كما تقدمت الإشارة إليه في كلام لأحمد

(4)

.

(1)

"تاريخ بغداد"1: 243.

(2)

في المبحث الرابع من الفصل الأول.

(3)

انظر: "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"2: 223 - 248.

(4)

تقدم هذا في المبحث الثاني من الفصل الثاني.

ص: 393

وقال علي بن الحسين بن الجُنَيْد في محمد بن عبد الله بن نُمَيْر الكوفي: "كان أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، يقولان في شيوخ الكوفيين ما يقول ابن نُمَيْر فيهم"

(1)

.

وقال ابن معين في أبي مُسْهِر عبد الأعلى بن مُسْهِر الدمشقي: "كل من ثبت أبو مُسْهِر من الشاميين فهو مثبت"

(2)

.

وقال الخليلي في عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدُحَيْم: "يعتمد عليه في تعديل شيوخ الشام وجرحهم"

(3)

.

ومن تطبيقات ذلك ما روى عبد الله بن عثمان المَرْوَزي، قال:"قال عبد الله (يعني ابن المبارك): أهل البصرة ينكرون حديث الجَلْد بن أيوب، ويقولون: شيخ ليس بصاحب حديث، قال ابن المبارك: وأهل مصره أعلم به من غيرهم"

(4)

.

وسأل محمد بن عبد الله الحضرمي الكوفي المعروف بمُطَيَّن أحمد بن حنبل، عن يحيى الحِمَّاني الكوفي: أكان ثقة؟ فقال أحمد: "أنتم أعرف بمشايخكم"

(5)

.

وقال المروذي: "سألته (يعني أحمد) عن قَطَن الذي روى عنه مغيرة، فقال: لا أعرفه إلا بما روى عنه مغيرة، قلت: إن جريرا ذكره بذكر سوء، قال: لا أدري، جرير أعرف به وببلده"

(6)

.

(1)

"الجرح والتعديل"1: 320، 7:307.

(2)

"سير أعلام النبلاء"10: 231.

(3)

"الإرشاد"1: 450.

(4)

"المعرفة والتاريخ"3: 47.

(5)

"تاريخ بغداد"14: 170.

(6)

"علل المروذي" ص 78.

ص: 394

وقال العجلي في عبد السلام بن حرب: "هو عند الكوفيين ثقة ثبت، والبغداديون يستنكرون بعض حديثه، والكوفيون أعلم به"

(1)

.

وقال الآجُرِّي: "سألت أبا داود عن عَتَّاب بن بَشِير، فقال: سمعت أحمد يقول: تركه عبد الرحمن بن مهدي بأَخَرَة، قال أبو داود: ورأيت أحمد كف عن حديثه، وذاك أن الخَطَّابي حدثه عنه بحديث، فقال لي أحمد: أبو جعفر -يعني النُفَيْلي- يحدث عنه؟ قلت: نعم، قال: أبو جعفر أعلم به -يعني النُفَيْلي-"

(2)

.

* القرب في أمور أخرى، كالقرابة، أو الرفقة في طلب الحديث، كما في قول ابن معين لما بلغه أن سَعْدُوْيَه يثني على داود بن عمرو الضَّبِّي:"سَعْدُوْيَه أعرف بمن كان يطلب الحديث معه منا"

(3)

.

الأمر الثالث: وهو ضد الذي قبله، أي أن الناقد -مع إمامته في النقد وتقدمه فيه في الجملة-قد يظهر في نقده لبعض الرواة تخلف شرط من شروط الناقد الماضية، فيعامل حينئذٍ في نقده هذا كما لو كان الشرط قد تخلف فيه جملة، فيقدم كلام غيره عليه، ويتأنى في اعتماده إذا لم يكن فيه جرح ولا تعديل لغيره.

وهذا الأمر يقضي على مبررات تقديم قول الناقد دائما، بمعنى أن الناقد قد يكون معه سبب خاص يوجب تقديمه، كأن يكون من أهل بلد الراوي، ولكن قام سبب آخر في الناقد يمنع من قبول كلامه، أو قد يكون متشددا ووثق راويا، ولكن تبين من نقده أنه قد تخلف فيه أحد

(1)

"إكمال تهذيب الكمال"8: 272.

(2)

"سؤالات الآجري لأبي داود"2: 262، وانظر:"سؤالات أبي داود" ص 273.

وانظر أيضا نماذج أخرى في: "أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص 582 - 583، و"ثقات العجلي"2:94.

(3)

"معرفة الرجال"1: 74.

ص: 395

الشروط، فلا يفيد توثيقه مع تشدده.

وللأمر الثالث هذا صور، من أهمها:

* التحامل على الراوي، ومعناه: أن يتكلم في راو بتحامل وعدم إنصاف، فيطلق فيه جرحا لا يناسبه، ثم قد يكون هذا سجية من الناقد في رواة أهل بلد معين، أو ناحية معينة، وربما كان هذا البلد بلد الناقد نفسه، إما بسبب اعتقاده هو لمذهب مخالف لما عليه أولئك، فيتأثر حين كلامه فيهم بما يعتقد، وقد يكون هذا البلد هو بلد الناقد، والأسباب مختلفة.

فمن ذلك قول شعبة في سعد بن إبراهيم الزهري المدني: "ما رأيت رجلا أوقع في رجال أهل المدينة من سعد بن إبراهيم، ما كنت أرفع له رجلا منهم إلا كذبه، فقلت له في ذلك، فقال: إن أهل المدينة قتلوا عثمان"

(1)

.

وقال ابن الجُنَيْد: "سألت يحيى بن معين، عن الربيع بن حبيب أبي سلمة، فقال: شيخ بصري ثقة، فقلت: إن يحيى القطان سئل عنه، قال: هو نحو عمر بن الوليد الشَّنِّي، فقال يحيى: الربيع بن حبيب ثقة، وعمر بن الوليد ثقة، ثم قال لي يحيى بن معين: لم يكن عامة مشايخ البصريين يسوون عند يحيى بن سعيد شيئا، فذكر هماما وغيره"

(2)

.

وأشار جماعة من الأئمة إلى أن أبا إسحاق الجوزجاني فيه انحراف عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه

(3)

، وذكر ابن حجر -

(1)

"المعرفة والتاريخ"3: 31، و"الكامل"1:70.

(2)

"سؤالات ابن الجنيد" ص 322.

(3)

"ثقات ابن حبان"8: 82، و"الكامل"1: 305، و"سؤالات السلمي للدارقطني" ص 332، و"تاريخ دمشق"7: 278، و"تذكرة الحفاظ"2:549.

ص: 396

وأشار إليه ابن عدي قبله- أن الجوزجاني يتحامل على أهل الكوفة

(1)

، ودافع عن الجوزجاني بعض الباحثين، لكن المتأمل في عبارات الجوزجاني في حقهم يرى مصداق ما قاله ابن حجر.

ومن غريب ما وقع لأحد النقاد من الانحراف عن جماعة معينة ما ذكره ابن معين عن أبي مُسْهِر عبد الأعلى بن مُسْهِر الدمشقي، قال ابن الجُنَيْد:"سمعت يحيى بن معين وذكر أبا مُسْهِر، فقال: كان يبغض الموالي، قال لي يوما: عندك حديث في الموالي في عيبهم؟ قلت ليحيى: فممن كان أبو مُسْهِر؟ قال: كان عربيا غَسَّانيا"

(2)

.

وقد يكون التحامل على شخص بعينه، وأكثر ما يكون هذا بين الأقران، فالنقاد بشر لا يُدَّعى فيهم العصمة، كما قال الذهبي، وقد يصدر من الواحد منهم في حال الغضب، أو مقابلة إساءة بمثلها ما يعرف منه أن الناقد لم ينصف، ولهذا قال غير واحد من الأئمة إن كلام الأقران بعضهم ببعض يطوى ولا يروى

(3)

.

* المحاباة، وهو ضد الذي قبله، أي أن الناقد يعطي الراوي درجة فوق ما يستحق لأمر دفعه إلى ذلك، دون أن يشعر في كثير من

(1)

"الكامل"1: 305، و"لسان الميزان"1: 16، و"تهذيب التهذيب"1: 182، و"هدي الساري" ص 390، 406، 446.

(2)

"سؤالات ابن الجنيد" ص 306.

(3)

انظر في هذه المسألة: "جزء القراءة خلف الإمام" ص 33، و"المعرفة والتاريخ"1: 660، 2: 466، و"الكامل"6: 2297، و"تاريخ بغداد"3: 45، 370، و"جامع بيان العلم وفضله" 2:، و"ميزان الاعتدال"1: 111، 2: 418، 479، و"سير أعلام النبلاء"4: 558، 5: 275، 399، 448، 7: 40، 142، 11: 82، 431، 12: 61، 284، 13: 230، 14: 42، 505، و"تهذيب التهذيب"8: 82، 9:276.

ص: 397

الأحيان، كأن يكون شيخا له، أو رحل إليه، أو تفرد عن أقرانه بالرواية عنه، أو أحسن إليه

(1)

.

قال الذهبي: "وقد يكون نفس الإمام فيما وافق مذهبه، أو في حال شيخه- ألطف منه فيما كان بخلاف ذلك، والعصمة للأنبياء وحكام القسط"

(2)

.

وهاتان الصورتان -التحامل، والمحاباة- كالقطرة في البحر، فهما نادرتان جدا بالنسبة لعموم كلام النقاد في الرواة، وما تحلوا به من الإنصاف والعدل، ولكن قد يحتاج إلى النظر فيهما في أحيان قليلة

(3)

.

* قلة الخبرة بالراوي، فالرواة كثيرون جدا، لا يجمعهم زمان ولا مكان، ووسائل الحكم عليهم واسعة أيضا، كما تقدم شرحها في الفصل الأول، والناقد قد تعوزه الوسائل للحكم على الراوي فيصرح بأنه لا يعرفه، وربما حكم عليه اعتمادا على غيره، كما تقدم إيضاحه، وليس بالغريب أن يعتقد الناقد تمكنه من الوسيلة، فيصدر حكمه عليه، ولا يكون في حقيقة الأمر متمكنًا.

وهذا أيضا قد يكون في أهل بلد معين، أو ناحية معينة، يعرف عن الناقد عدم خبرته بهم، كما في قول إسماعيل القاضي المالكي:"إنما يعتبر بمالك في أهل بلده، فأما الغرباء فليس يحتج به فيهم"

(4)

.

(1)

انظر نماذج لهذا في: "العلل ومعرفة الرجال"2: 349 - 350، و"سؤالات البرذعي لأبي زرعة" ص 474 - 475، 698، و"المعرفة والتاريخ"2: 137، 163، و"سير أعلام النبلاء"11:447.

(2)

"الموقظة" ص 84.

(3)

انظر: "التنكيل"1: 52 - 59.

(4)

"شرح علل الترمذي"1: 380.

ص: 398

وكذا جاء معناه عن أحمد

(1)

.

وقال الآجُرِّي: "قلت لأبي داود: أيما أعلم بالرجال: يحيى (يعني ابن معين)، أو علي بن عبد الله (يعني ابن المديني)؟ قال: يحيى عالم بالرجال، وليس عند علي من خبر أهل الشام شيء"

(2)

.

وذكر الذهبي مثل هذا عن البخاري، وأنه ليس بالخبير برجال الشام

(3)

، وقال ابن رجب:"والبخاري رحمه الله يقع له في "تاريخه" أوهام في أخبار أهل الشام"

(4)

.

وقد يكون هذا في راو بعينه، يظهر أن الناقد لم يتمكن من وسيلة الحكم عليه كما ينبغي، ومع ذلك أصدر حكمه عليه، ولهذا قرائن، منها أن يكون نظر في بعض حديثه، كما قال ابن المديني في عبد السلام بن حرب:"كنت أستنكر بعض حديثه، حتى نظرت في حديث من يكثر عنه، فإذا حديثه مقارب، عن مغيرة والناس، وذلك أنه كان عسرا، فكانوا يجمعون غرائبه في مكان، فكنت أنظر إليها مجموعة فأستنكرها"

(5)

.

ومنها أن يستنكر عليه شيئا، والعهدة فيه على غيره، كما في صنيع العقيلي في (عمر بن الحكم بن ثوبان)، فقد ذكر في ترجمته حديثا خطأ، لكن العهدة فيه على من دونه وهو موسى بن عُبَيْدة

(6)

.

(1)

"سؤالات أبي داود" ص 222، وانظر:"سير أعلام النبلاء"8: 68.

(2)

"سؤالات الآجري لأبي داود"2: 313.

(3)

"تاريخ الإسلام" ص 354 حوادث سنة 101 - 120.

(4)

"جامع العلوم والحكم" ص 244.

(5)

"سير أعلام النبلاء"8: 298.

(6)

"الضعفاء الكبير"3: 152، وللعقيلي وهم آخر في هذه الترجمة تقدمت الإشارة إليه في المبحث الأول من هذا الفصل.

ص: 399

ومثله صنيع ابن حبان في ترجمة (علي بن موسى الرضا)

(1)

.

وكأن يذكر الناقد في ترجمته أحاديث ليست له، وإنما هي لآخر يوافق اسمه، اشتبها عليه، كما في صنيع ابن حبان في ترجمة (عَبَّاد بن راشد)

(2)

، وصنيع ابن عدي في ترجمة (عثمان بن عبد الرحمن الجمحي البصري)

(3)

.

وكذلك إذا ظهر من كلام الناقد أنه تناقض في حكمه على الراوي، كما يقع من ابن حبان كثيرا، حيث يذكر الراوي في "الثقات"، ويذكره في "المجروحين" بعبارة شديدة، مثل ذكره لعَوْبَد بن أبي عِمْران الجَوْني في "ثقاته"

(4)

، وذكره له في "المجروحين"، وقال فيه:"كان ممن ينفرد عن أبيه بما ليس من حديثه توهما على قلة روايته، فبطل الاحتجاج بخبره"

(5)

.

ولهذا قال ابن حجر: "ذكره ابن حبان في "الثقات" بقلة توفيق"

(6)

.

والصورة الأخيرة هذه -أعني قلة الخبرة بالراوي- يفزع إليها كثيرا حين يتفرد الناقد عن الجمهور في حكمه على راو، ولم يظهر لذلك سبب بين، فتلقى عهدة ذلك على أن الناقد لم يحكم نظره في هذا الراوي كما ينبغي، ولذلك أمثلة كثيرة جدا، وربما كان في كلام

(1)

"المجروحين"2: 106، و"الميزان"3: 158، و"تهذيب التهذيب"7:388.

(2)

"المجروحين"2: 163، و"تهذيب التهذيب"5: 93، 101.

(3)

"الكامل"5: 1809، و"الميزان"3: 44، 47.

(4)

"الثقات"8: 526.

(5)

"المجروحين"2: 191.

(6)

"لسان الميزان"4: 387.

ص: 400

الناقد ما يشير إلى أنه لم يَخْبُره جيدا، كما في قول أبي داود:"قلت لأحمد: كيف حديث عبد الحميد -يعني ابن سليمان-؟ قال: ما أدري، إلا أنه -ما أرى- كان به بأسا، وكان مكفوفا، وكان ينزل مدينة أبي جعفر"

(1)

.

وعبد الحميد هذا اتفق النقاد على تضعيف حديثه

(2)

.

وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي: "ثقة، وقد كتبت عنه"

(3)

.

وجمهور العلماء على تضعيف حديثه، بل كذبه أحمد، والدارقطني

(4)

، وخرج المعلمي توثيق ابن معين له على أنه -وأمثاله ممن لقيهم ابن معين فقواهم وليسوا كذلك- قد استقبل ابن معين بأحاديث صحيحة، فظن أن حديثه مستقيما

(5)

، وهذا هو معنى ما ذكرت آنفا من أن الإمام قد يظن أنه خَبَر الراوي، ولا يكون كذلك.

(1)

"سؤالات أبي داود" ص 220.

(2)

"تهذيب التهذيب"6: 116.

(3)

"الجرح والتعديل"8: 65.

(4)

"العلل ومعرفة الرجال"2: 171، و"الضعفاء والمتروكون" ص 348، و"تهذيب التهذيب"9:407.

(5)

"التنكيل" ص 69.

وانظر نماذج أخرى لتفردات بعض النقاد في: "علل المروذي" ص 67 - 68، و"سير أعلام النبلاء"6: 191، 361، و"تهذيب التهذيب"1: 489 ترجمة (بكير بن الأخنس)، و 7: 375 ترجمة (علي بن المبارك)، و 8: 332 ترجمة (القاسم بن مالك)، و 9: 103 ترجمة (محمد بن الحسن الصنعاني) و 11: 289 ترجمة (يحيى بن المهلب).

ص: 401