الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع: دلالة النص
من المهم جدا بالنسبة للناظر في أقوال النقاد أن ينعم النظر في النصوص المنقولة عنهم، بحيث يضع النص في موضعه المناسب ويأخذ منه دلالته المناسبة لا يزيد ولا ينقص، بقدر الإمكان.
وهو محتاج لهذا النظر في غالب ما ينقل عن النقاد، وعليه فالتأكد من دلالة النص أهم ضوابط النظر في أقوال النقاد، وإنما أخرته لأن الباحث -باستخدامه للضوابط الثلاثة الماضية- قد يستغني عنه، ويفرغ من النص ابتداء قبل النظر في دلالته، كأن يجزم مثلا بعدم ثبوته عمن نسب إليه، أو كونه وقع فيه تحريف، أو سقط منه شيء، أو أن قائله لا يعتمد عليه في النقد، أو ظهر منه التحامل، ونحو ذلك.
والنظر في دلالة النص وماذا يفيد يتقدمه شيئان مهمان، أحدهما: النظر في النص من جهة كونه قصد به الجرح أو التعديل، أو لم يقصد به ذلك، ومعنى هذا أن هناك نصوصا يذكرها بعض الأئمة الذين جمعوا أقوال النقاد، وكذلك بعض الباحثين، يذكرونها في معرض سرد أقوال النقاد في الراوي جرحا أو تعديلا، وهي عند التمعن لا صلة لها بالجرح والتعديل، تتعلق بأمور أخرى في الراوي أو المروي، وقد تقدم نماذج لذلك في المبحث الثاني (سلامة النص) في الكلام على حكاية أقوال النقاد حسب فهم الناقل لنقدهم.
ومن ذلك أيضا أن أحد الباحثين ذكر قول أبي بكر بن عَيَّاش: "كان الأعمش إذا حدث ثلاثة أحاديث قال: قد جاءكم السيل، يقول
أبو بكر: وأنا مثل الأعمش"
(1)
، وقول محمد بن عبيد الطَّنَافِسي:"أكثر ما سمعت من الأعمش في مجلس واحد تسعة أحاديث، أو أحد عشر حديثا، وذلك أنه أتاه عمر الثوري -أخو سفيان- فانبسط إليه، ثم قال: ما هذا السيل؟ "
(2)
، وفسر الباحث هذا على أن الأعمش يمدح نفسه بقوة الحفظ.
وما ذهب إليه الباحث ليس هو المراد من النصين، وإنما المراد بيان عُسْر الأعمش في الرواية، فكان لا يحدثهم في المجلس الواحد إلا بحديث أو حديثين، فإذا زاد على ذلك عدَّه سيلا جارفا، وعُسْر الأعمش في الرواية أمر مشهور
(3)
.
وذكر الباحث أيضا قصة أخرى للأعمش مع أصحابه، فهم منها أن الأعمش يمدح نفسه بقوة الحفظ وتميزه عليهم، فذكر ما رواه عَثَّام بن علي قال:"قيل للأعمش: ألا تموت فنحدث عنك؟ فقال: كم من حُبٍّ أصبهاني قد انكسر على رأسه كِيْزان كثيرة"
(4)
.
والمعنى الصحيح للنص أن أصحاب الأعمش تمنوا -على سبيل الدعابة-أن يموت الأعمش فيحدثون عنه، لأنه مادام حيا فالطلاب سيقصدونه هو، فإذا مات احتاجوا لتلامذته فرووا عنهم، فداعبهم هو بأن هذا لن يتحقق لهم، وسيعمر هو ويموتون قبله، وضرب لهم المثل الذي ذكره.
(1)
"الجامع لأخلاق الراوي"1: 207.
(2)
"ثقات العجلي"1: 432.
(3)
انظر: "الجامع لأخلاق الراوي"1: 207 - 208.
(4)
"سير أعلام النبلاء"6: 235.
وذكر أحد الباحثين -وهو يتكلم عن المرتبة الثانية من مراتب التعديل -ما نصه: "قولهم: فلان يجزئ -أي أنه يكفي بمفرده، وتقوم به الحجة، لاسيما إن قاله أحد المتعنتين، وإن كان يحتمل أعلى من ذلك، فقد قال شعبة: فلان عن فلان مثله لا يجزئ، وسفيان الثوري يجزئ. (النبلاء 7/ 217)، وهذا اللفظ بمفرده أقل أحواله المرتبة الثالثة، ويكون بمعنى لا بأس به، ولكن عند الإطلاق فمحله هنا، والله أعلم".
كذا قال الباحث، وقد أبعد جدا عن فهم المراد من النص، فالنص لا علاقة له بالجرح والتعديل، والباحث تصرف فيه ليوافق ما فهمه منه، فهو هكذا في "النبلاء":"قال وكيع: قال شعبة: فلان عن فلان مثله لا يجزئ، وقال سفيان الثوري: يجزئ".
ومعنى النص أن شعبة يرى أن الراوي إذا روى حديثا بإسناده، ثم رواه بإسناد آخر لا يجزئ أن يقول في المتن: مثله، أي مثل الحديث السابق، بل عليه أن يسوق المتن للإسناد الثاني أيضا، وأما سفيان الثوري فيرى أنه يجزئه أن يقول: مثله
(1)
.
وعكس ما تقدم، أن يكون النص دالا على جرح أو تعديل ثم يخرجه من ينظر فيه عن دلالته إلى معنى آخر، مثال ذلك أن أحد
(1)
وكذا غلط من فهم من النص أن شعبة لا يجزئ عنده الإسناد المعنعن، بل لابد من التصريح بالتحديث، وسفيان تجزئ عنده العنعنة، والصواب في معنى النص ما ذكرته أعلاه، وقد جاء عنهما بألفاظ مختلفة توضح المراد، انظر:"العلل ومعرفة الرجال"2: 455، 4: 169، و"المحدث الفاصل" ص 590، و"الكفاية" ص 212 - 213، و"التمهيد"1: 12 - 13، و"شرح علل الترمذي"2: 587، و"موقف الإمامين البخاري ومسلم من الإسناد المعنعن" ص 77.
الباحثين علق على النص التالي: "حضرت
…
يعرض عليه الحديث عن مشايخه، فعرض عليه حديث عن سفيان بن وكيع، فأبى أن يسمعه"- علق عليه بقوله:"وهذا يعني ترك رواية ذلك الحديث لسقوطه وضعفه الشديد".
كذا قال الباحث، فرَّغ النص من مضمونه الحقيقي إلى شيء آخر، فما قاله غير مقصود من النص، فقد يكون الحديث صحيحا محفوظا، وإنما الغرض منه أن هذا الإمام قد ترك التحديث عن سفيان بن وكيع لضعفه الشديد عنده، فالمقصود الراوي لا المروي.
وقد يواجه الباحث اختبارا صعبا في عبارات وردت عن النقاد؛ إذ يقع اختلاف بين بعض النقاد ممن تأخر عنهم في تفسير كلماتهم، هل أرادوا بها جرحا أو تعديلا، أو ليس كذلك؟
مثال ذلك أن الذهبي قال في ترجمة عُمَارة بن غَزِّيَّة: "ذكره العقيلي بثقاته (كذا في النسخة) في كتاب الضعفاء، وما قال فيه شيئا يلينه أبدا، سوى قول ابن عُيَيْنة: جالسته كم مرة فلم أحفظ عنه شيئا، فهذا تغفل من العقيلي، إذ ظن أن هذه العبارة تليين، لا والله"
(1)
، ونقل هذا ابن حجر عن الذهبي
(2)
.
وما ذكره الذهبي محتمل، ويكون ابن عُيَيْنة أراد بيان واقع الحال، وأنه لم يقدر له أن يسمع منه شيئا في مجالسته له، لكن لكلمة ابن عُيَيْنة تكملة عند العقيلي، يحتمل أن يكون العقيلي أرادها، فروى بإسناده عن علي بن المديني قال: "قلت لسفيان: كنت جالست عُمَارة بن غَزِّيَّة؟
(1)
"الميزان"3: 178.
(2)
"تهذيب التهذيب"7: 423.
قال: نعم، جالسته كم من مرة، فلم أحفظ عنه شيئا، ثم قال لي سفيان: إيش روى؟ قلت: ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال:"من سأل وله أُوْقِيَّة"
(1)
، قال سفيان: هذا؟ وحدثناه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار"
(2)
.
فيحتمل أن يكون العقيلي أخذ من سوق سفيان للحديث عن زيد بن أسلم أن سفيان ينقد عُمَارة بن غَزِيَّة في ذكره هذه اللفظة في حديث أبي سعيد، فحدث سفيان بحديث أبي سعيد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد
(3)
، والحديث له طرق كثيرة جدا إلى أبي سعيد في "الصحيحين" وغيرهما وليس فيه هذه الجملة
(4)
.
وبعد أن كتبت هذا تبين لي أمر آخر في مراد سفيان في تعليل رواية عُمَارة بن غَزِيَّة، فالأقرب أنه يريد أن هذه الجملة إنما تحفظ من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار مرسلا، فحدث به سفيان كذلك
(5)
، وهذا المرسل قد رواه مالك، وسفيان الثوري، وهشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد في قصة له
(6)
، فهذا هو الإسناد المعروف لهذه الجملة.
(1)
أخرجه أبو داود حديث (1628)، والنسائي حديث (2594)، وأحمد 3: 7، 9، وتتمته:"فقد ألحف".
(2)
"الضعفاء الكبير"3: 315.
(3)
وأخرجه أحمد 3: 12، 47 من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم.
(4)
ينظر: "مسند أحمد" تحقيق شعيب الأرناؤوط حديث (10989، 11005، 11400 - 11402، 11890 - 11891) وتخريجها.
(5)
وأخرجه عن سفيان أيضا ابن أبي شيبة 3: 209.
(6)
"موطأ مالك"2: 999، و"سنن أبي داود" حديث (1627)، و"سنن النسائي" حديث (2595)، و"مسند أحمد"5: 430، و"الأموال" لأبي عبيد حديث (1735).
وهذا كله في تفسير مراد سفيان بالإسناد الذي ذكره، وأن العقيلي فهم منه غمز سفيان لعُمَارة، وهو فهم قريب، وأما تحميل الخطأ عُمَارة فهذا يحتاج إلى نظر آخر ليس هنا مجال ذكره.
الثاني: نصوص أئمة النقد في الرواية -وكذا في الأمور الأخرى المتعلقة بنقد السنة- يجب فهمها وتنزيلها على أساس مصطلحاتهم هم، لا على أساس آخر، كالرجوع بها إلى أصل اللغة، ونحو ذلك، فإن لم تكن الكلمة ضمن مصطلح عام فتفسر بمساعدة قرائن الأحوال، مع التأني الشديد في التفسير، وتقليب الكلمة مرات عديدة، حتى يحصل الاطمئنان للمعنى الذي فهم منها.
وإنما قلت ذلك لأن القضية مزلة قدم، فربما تصدى بعض الناظرين في كلام النقاد لتفسير كلامهم فنقلوه من الجرح إلى التعديل، أو العكس، أو فسروه بما هو جرح شديد، وليس كذلك، وقد تقدم في قضية حكاية أقوال النقاد في المبحث الثاني (سلامة النص) نماذج لهذا.
ومن ذلك أيضا أن ابن القطان ذكر قول مالك في شعبة مولى ابن عباس: "ليس بثقة"، ثم عقبه بقوله:"مالك لم يضعفه، وإنما شح عليه بلفظة "ثقة"، وقد كانوا لا يطلقونها إلا على العدل الضابط، كما قال ابن مهدي: حدثنا أبو خَلْدة، فقيل له: كان ثقة؟ قال: بل الثقة شعبة، وسفيان، ففرق بين الثقة وغيره، ويظهر من أقوالهم في هذا أن هذه اللفظة إنما تقال لمن هو في الطبقة العليا من العدالة، وربما قالوا أيضا: ليس بثقة للضعيف أو المتروك، فإذن هو لفظ يَتَفَسَّر مراد مطلقه بحسب حال من قيل فيه ذلك"
(1)
.
(1)
"بيان الوهم والإيهام"5: 325، وقد سقط من النص عبارات أكملها المحقق.
فقوله: "وربما قالوا أيضا
…
" يفهم منه أن أكثر ما يعنون بعبارة "ليس بثقة"، أنه لم يبلغ الدرجة العليا من الثقة، أو في أقل الأحوال يفهم منه ورود ذلك عنهم بكثرة، وما قرره ابن القطان محل تعقب، فهذا إن كان سائغا لغة فالاصطلاح بخلافه، كما قال ابن حجر بعد أن أورد أول كلام ابن القطان: "هذا التأويل غير سائع، بل لفظة "ليس بثقة" في الاصطلاح توجب الضعف الشديد
…
"
(1)
.
وما قرره ابن حجر ظاهر جلي، فإن كانت هذه العبارة غير لائقة بحال شعبه مولى ابن عباس فلابد من البحث عن مخرج آخر غير ما ذهب إليه ابن القطان.
وذكر ابن القطان أيضا قول أبي حاتم في سعد بن سعيد الأنصاري: "مود"، ثم قال:"واختلف في ضبط هذه اللفظة، فمنهم من يخففها، أي هالك، ومنهم من يشددها، أي حسن الأداء"
(2)
.
كذا قال ابن القطان، ووافقه عليه جماعة من الأئمة والباحثين
(3)
، وظاهر جدا أن ابن القطان ذهب إلى معناها من جهة اللغة، فراح يفسرها به، غير أن معناها الاصطلاحي غير ما ذكره، وقد شرح ابن أبي حاتم مراد والده حين نقل عنه هذه اللفظة، قال ابن أبي حاتم:"سمعت أبي يقول: سعد بن سعيد الأنصاري مؤدي، قال أبو محمد: يعني أنه كان لا يحفظ، يؤدي ما سمع"
(4)
.
(1)
"تهذيب التهذيب"4: 347.
(2)
"بيان الوهم والإبهام"3: 34.
(3)
"الميزان"2: 120، و"تهذيب التهذيب"3: 471، و"فتح المغيث"2:128.
(4)
"الجرح والتعديل"4: 84.
ويظهر من نصوص أخرى زيادة إيضاح لتفسير ابن أبي حاتم للكلمة، وأن معناها أنه ليس بحافظ لحديثه، وإنما اعتماده على كتابه، قال أبو داود:"قلت لأحمد: عُقَيْل -هو ابن خالد- عندك أكبر من يونس -هو ابن يزيد الأَيلي-؟ قال: لا أدري، عُقَيْل، ويونس، يؤدون الألفاظ، ومعمر كان يحفظ الألفاظ، لا يؤدي"
(1)
.
وذكر إسحاق بن هانئ أن أحمد سئل عن أصحاب الزهري فقدم مالكا، وبعده معمر، ثم سئل عن يونس، وعُقَيْل، فقال:"هؤلاء يحدثون من كتاب، وكان معمر يحدث حفظا فيحذف منها -من الأحاديث-، وكان أطلبهم للعلم"
(2)
.
وقال أبو طالب: "سئل أحمد: أيما أثبت شَرِيْك، أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل، كان يؤدي ما سمع، كان أثبت من شَرِيْك، قلت: من أحب إليك: يونس، أو إسرائيل، في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل، لأنه صاحب كتاب"
(3)
.
ونقل نحوه عن أحمد أيضا الفضل بن زياد
(4)
.
وقال أبو داود: "قلت لأحمد: إسرائيل أحب إليك شَرِيْك؟ قال: إسرائيل إذا حدث من كتابه لا يغادر، ويحفظ من كتابه"
(5)
.
(1)
"سؤالات أبي داود" ص 269.
(2)
"مسائل إسحاق"2: 207، وانظر: 2: 231، و"المعرفة والتاريخ"2: 200 - 201.
(3)
"الجرح والتعديل"2: 331.
(4)
"المعرفة والتاريخ"2: 168، 174، و"تاريخ بغداد"7:23.
(5)
"سؤالات أبي داود" ص 311، و"تاريخ بغداد"7: 23، و"تهذيب الكمال"2: 520، وقول أحمد:"ويحفظ من كتابه" يحتمل أن يريد به التحديث من الكتاب، ويحتمل أن يريد به أنه حفظ بعد من الكتاب، فقد نصوا على أن إسرائيل كان لا يحفظ، ثم حفظ بعد، كما في "تاريخ الدوري عن ابن معين"2: 29، وهذه طريقة لبعض الرواة غير سريعي الحفظ.
وقال أبو حاتم في محمد بن جعفر غندر: "كان صدوقا، وكان مؤديا، وفي شعبة ثقة"
(1)
.
ومحمد بن جعفر قد قواه الأئمة جدا في كتابه، وخاصة في شعبة
(2)
.
فظهر مما تقدم أن التأدية مصطلح خاص عندهم لمن لا يحفظ، ويحدث من كتابه.
وذكر ابن الأثير عن الشافعي أنه قال: "كان مُجَالِد يُجْلَد"، ثم قال ابن الأثير:"أي كان يتهم ويرمى بالكذب، وقيل: فلان يُجْلَد بكل خير: أي يظن به، فكأنه وضع الظن موضع التهمة"
(3)
.
ونقل هذا عن ابن الأثير أحد الباحثين، وأيده بما رواه عمرو بن علي قال:"سمعت يحيى بن سعيد يقول لعبد الله: أين تذهب؟ قال: إلى وهب بن جرير أكتب السيرة -يعني عن مُجَالِد-، قال: تكتب كذبا كثيرا، لو شئت أن يجعلها لي مُجَالِد كلها: عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله-فعل"
(4)
.
وبنى الباحث على ما تقدم أن ما وقع عند ابن حبان تصحيف، حيث روى بإسناده إلى حَرْمَلة بن يحيى قال: "سمعت الشافعي يقول: الحديث عن حرام بن عثمان حرام، والحديث عن مُجَالِد يُجَالِد
(1)
"الجرح والتعديل"7: 221.
(2)
"المعرفة والتاريخ"2: 156 - 157، و"تهذيب التهذيب"9:96.
(3)
"النهاية"1: 285.
(4)
"الجرح والتعديل"8: 361، و"تهذيب الكمال"27: 222، وفيه:"يقول لعبيد الله".
الحديث، وعن أبي العالية الرياحي رِيَاح"
(1)
، يعني أن الصواب ما ذكره ابن الأثير:"كان مُجَالِد يُجْلَد".
وظاهر جدا أن ابن الأثير فزع إلى اللغة لتفسير كلمة الشافعي كما وصل إليه لفظها، دون النظر في قرائن الأحوال، فإذا صرفنا النظر عن البحث عن الصواب في لفظ الشافعي، إذ يحتمل أن يكون ما رواه ابن حبان هو الصواب، ووقوع التصحيف في العبارة كما هي عنده إلى ما ذكره ابن الأثير قريب جدا، إذا صرفنا النظر عن ذلك، وكان الوارد عن الشافعي هو لفظ ابن الأثير فقط، فحمله على أنه يرمي مُجَالِدا بالكذب فيه نظر كبير، فالظاهر أن الشافعي أراد أن يبين ضعف مُجَالِد باشتقاق كلمة من اسمه، فعل ذلك تفننا، دون النظر إلى معناها اللغوي الدقيق، وقد سئل الشافعي عن مُجَالِد فقال:"هو مُجَالِد"
(2)
، وحال مجالدٍ عند بقية النقاد يبعد تفسير ابن الأثير لكلمة الشافعي، فلم ينقل عن أحد منهم تكذيبه لمجَالِد، وإنما ضعفوه فقط، وأنه كان يخطئ كثيرا، يرفع الموقوف ويصل المرسل، وكلمة يحيى القطان السابقة ليس المقصود بها الكذب المتعمد، وإنما المقصود بها الخطأ -وسيأتي توضيح هذا قريبا-، وأقوال يحيى القطان الأخرى فيه تدل على ذلك
(3)
.
ومن ذلك أيضا أن العراقي جعل قول أبي حاتم المتقدم في عدد من الرواة: "هو على يَدَيْ عَدْل" من ألفاظ التعديل، حملها على
(1)
"المجروحين"3: 10.
(2)
"الكامل"6: 2415 - 2416.
(3)
"التاريخ الكبير"8: 8، و"الجرح والتعديل"8: 361، و"الضعفاء الكبير"4: 232، و"الكامل"6: 2414، و"تهذيب الكمال"27: 221، و"تهذيب التهذيب"10:39.
ظاهرها، فكان ينطقها بكسر الدال، وتعقبه ابن حجر، وأوضح أنها من ألفاظ التجريح الشديد
(1)
، وهو كما قال
(2)
.
وعلق أحد الباحثين على قول شعبة في سَلْم بن قيس البصري: "سَلْم ذاك الذي كان يرى الهلال قبل أن يراه الناس بيومين"- بقوله: "يقصد به شعبة اتهامه بالكذب، كما يظهر".
وما قاله الباحث غير ظاهر من النص بل هو احتمال ضعيف فيه، وتدل النصوص الأخرى في رؤية سلم للهلال على أن شعبة يرميه بالتغفيل وعدم الضبط، لا التهمة بالكذب
(3)
.
وربما يواجه الباحث في قضية تنزيل اللفظة على مصطلح أئمة النقد أنهم استخدموا المصطلح الواحد في معنيين مختلفين فيتضاعف الجهد حينئذ، ويلزمه مزيد تأنّ وإنعام نظر.
فمن ذلك مصطلح (التخليط) قد يراد به الاختلاط الذي هو التغير، وقد يراد به الاضطراب والخطأ
(4)
.
ومنه أيضا مصطلح (الكذب) استخدمه النقاد بمعنى تعمد الكذب، واستخدموه بمعنى الخطأ، وبينهما فرق كبير بالنسبة للراوي الموصوف به، واستخدامه بالمعنيين جارٍ على أصل اللغة
(5)
، وذكر ابن حبان أن أهل الحجاز يسمون الخطأ كذبا
(6)
.
(1)
"تهذيب التهذيب"9: 142، و"فتح المغيث"2:129.
(2)
انظر: ما تقدم في المبحث الأول من الفصل الثاني حول هذه العبارة.
(3)
انظر: ما تقدم في المبحث الثاني (سلامة النص) من هذا الفصل.
(4)
وتقدم شرح هذا في المبحث الثاني من الفصل الأول.
(5)
"لسان العرب"1: 704 - 709.
(6)
"ثقات ابن حبان"6: 114.
ولا شك أن أكثر استخدام النقاد له على المعنى الأول، وأما الثاني فيعبرون عنه بمصطلحات أخرى، كالخطأ، والوهم، والغلط، ومع هذا فإن استخدامهم له بهذا المعنى ليس بالنادر، وأصل ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته المشهورة:"من عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي"
(1)
.
ومن أمثلته في كلام النقاد ما تقدم آنفا في قول يحيى القطان لمن أراد أن يكتب السيرة عن وهب بن جرير، عن مُجَالِد:"تكتب كذبا كثيرا".
وروى عبد الله بن أحمد قال: "سمعت أبي يقول: قال عفان: جاء أبو جُزَي -واسمه نَصَر بن طَرِيف- إلى جرير بن حازم يشفع لرجل يحدثه جرير، فقال جرير: حدثنا قتادة، عن أنس قال: "كانت قَبِيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة"، قال: فقال أبو جُزَي: كذب والله، ما حدثنا قتادة إلا عن سعيد بن أبي الحسن، قال أبي: وهو قول أبي جُزَي، وأخطأ جرير"
(2)
.
وقال أبو مُسْهِر في عمرو بن واقد الدمشقي: "كان يكذب من غير أن يتعمد"
(3)
.
(1)
"صحيح البخاري" حديث 6830.
(2)
"العلل ومعرفة الرجال"1: 543.
(3)
"تاريخ دمشق"46: 443، وانظر:"معرفة الرجال"2: 227.
وانظر نماذج أخرى بهذا المعنى في: "العلل ومعرفة الرجال"2: 70 - 71، و"علل المروذي" ص 155، 249، و"أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص 521، و"الجرح والتعديل"1: 321، 9: 167، و"النهاية في غريب الحديث"4:159.
ومنه أيضا مصطلح (ليس من أصحاب الحديث)، أو (ليس بصاحب حديث)، أو (ليس من أهل الحديث) أو (ليس من فرسان الحديث) - يريدون به تارة أنه ليس من المعتنين بالحديث الضابطين له، فعلى هذا فهو جرح في الراوي، ويقولون: فلان من أصحاب الحديث، فهو توثيق له، وكثيرا ما يريدون به أنه ليس من المعتنين بالحديث رواية ورحلة ونقدا، أي ليس من صيارفة الحديث ونقاده، العارفين بطرق الرواية، وكيفية السماع، ومثله إذا قالوا:(صاحب حديث) أو (هو من أصحاب الحديث)، يعني أن له معرفة بذلك.
فمن استعماله في الجرح والتعديل قول أيوب في فَرْقَد السَّبَخي: "لم يكن صاحب حديث"
(1)
، وكذا قال أحمد فيه:"رجل صالح، ليس هو بقوي الحديث، لم يكن صاحب حديث"
(2)
.
وقال مالك: "ربما جلس إلينا الشيخ فيحدث جل نهاره ما نأخذ عنه حديثا واحدا، وما بنا أن نتهمه، ولكن لم يكن من أهل الحديث"
(3)
.
وقال ابن المبارك: "كان أهل البصرة ينكرون حديث الجَلَد بن أيوب، ويقولون: شيخ ليس بصاحب حديث"
(4)
.
(1)
"أحوال الرجال" ص 171، و"صحيح مسلم"1: 27، و"الجرح والتعديل"7: 81، و"الضعفاء الكبير"3:459.
(2)
"الجرح والتعديل"7: 82.
(3)
"سير أعلام النبلاء"8: 72.
(4)
"المعرفة والتاريخ"3: 47.
وقال أحمد في صالح المُرِّي: "كان صاحب قصص، يقص، ليس هو صاحب آثار وحديث، ولا يعرف الحديث"
(1)
، وكذا قال ابن عدي: "
…
وليس هو بصاحب حديث
…
"
(2)
.
وقال البخاري في عبد العزيز بن يحيى المدني: "ليس من أهل الحديث، يضع الحديث"
(3)
.
ومن استعماله بمعنى المعرفة بالنقد قول خلف بن سالم المُخَرِّمي: "سمعت إسماعيل بن عُلَيَّة يقول: كنا نرى عند حميد -يعني الطويل-، وسليمان -يعني التيمي-، وابن عَوْن، الرجل والرجلين، فنأتي شعبة فنرى الناس عليه، ثم قال خلف: كان أصحاب الحديث يريدون حسن المعرفة بالرجال، وبمعرفة الحديث"
(4)
.
وروى عبد الخالق بن منصور، قال:"سئل يحيى بن معين عن أبي بكر الأعين، فقال: ليس هو من أصحاب الحديث"، عقب عليه الخطيب بقوله:"عنى يحيى بذلك أنه لم يكن من الحفاظ لعلله، والنقاد لطرقه، مثل علي بن المديني ونحوه، وأما الصدق والضبط لما سمعه فلم يكن مدفوعا عنه"
(5)
.
وروى الخطيب أيضا بإسناده عن محمد بن حاتِم الكِنْدي قوله:
(1)
"الجرح والتعديل"4: 396.
(2)
"الكامل"4: 1381.
(3)
"تهذيب الكمال"18: 219.
وانظر نماذج أخرى بهذا المعنى في: "سؤالات ابن الجنيد لابن معين" ص 332، و"الجرح والتعديل"1: 321، 322، 5: 184، 9:167.
(4)
"الجرح والتعديل"1: 176.
(5)
"تاريخ بغداد"2: 182.
"سألت يحيى بن معين عن خلف البزار فسمعته يقول: خلف البزار لم يكن يدري أَيْش الحديث، إنما كان يبيع البِزْر"، ثم عقب عليه الخطيب بقوله:"أحسب أن الكِنْدي سأله عن حفاظ الحديث ونقاده، فأجابه يحيى بهذا القول، والمحفوظ ما ذكرناه من توثيق يحيى له"
(1)
.
وقال ابن معين في يزيد بن هارون: "ليس من أصحاب الحديث، لأنه كان لا يميز، ولا يبالي عمن روى"
(2)
.
وقال البَرْذَعي: "حضرت أبا زرعة، وهو يقرأ على رجل من أهل طوس، وكان الرجل يسأله، فيقول: سعيد بن أسد، عن فلان، فيقرأ عليه، فقال له أبو زرعة: إذا سألت فقل: حديث عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في كذا وكذا، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في كذا وكذا، فجعل الرجل يسأل كما كان يسأل، فقال: الله المستعان! أنا أجهد أن أجعلك من أصحاب الحديث، وأنت تأبى إلا أن تمضي على علاتك"
(3)
.
ومنه أيضا تكرار الاسم أو الكنية، فيستعمل كثيرا في التوثيق والتفخيم، قال سفيان بن عُيَيْنة: "كنت عند الزهري يوما وأتاه ابن جريح، فقال له: يا أبا بكر إني أريد أن أعرض عليك كتابا، فقال الزهري: إن سعدا (يعني ابن إبراهيم الزهري) قد كلمني في ابنيه، وهو
(1)
"تاريخ بغداد"8: 326.
(2)
"تاريخ بغداد"14: 338.
وانظر نماذج أخرى في استخدامه بمعنى النقد في: "العلل ومعرفة الرجال"2: 42، 101، و"سؤالات أبي داود" ص 274، و"سؤالات ابن الجنيد" ص 291، 332، 386، و"ثقات العجلي"2: 243، و"سؤالات الآجري لأبي داود"2: 262، و"المعرفة والتاريخ"2: 182، و"الكامل"1: 133، و"تاريخ بغداد"4: 205 - 206، 8: 319، 12: 211، و"تهذيب الكمال"25:543.
(3)
"أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص 770.
سعد -وربما قال سفيان: وسعد سعد-، فلما خرجت من عند الزهري قال ابن جريج: أما رأيتَه يَفْرُق من سعد؟ "
(1)
.
وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: عفان أثبت من عبد الرحمن بن مهدي، قلت له: أثبت من عبد الرحمن بن مهدي؟ قال: نعم، إلا أن عبد الرحمن رجل ثقة، خيار، صالح، مسلم، وعبد الرحمن عبد الرحمن"
(2)
.
وعلى هذا مشى الترمذي في تفسير كلمة أيوب السَّخْتِيَاني في أبي الزبير المكي، فروى عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عُيَيْنة، عن أيوب قال:"حدثني أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير -قال سفيان بيده يقبضها-"، ثم قال الترمذي:"إنما يعني به الإتقان والحفظ"
(3)
.
غير أن جماعة من الأئمة -منهم أحمد وغيره- فسروا قول أيوب بأنه يريد تضعيفه
(4)
، وقد جاء عن أيوب فيه ما يؤيد تفسير الجماعة لقوله
(5)
.
وكذا فسر نُعَيْم بن حماد صنيع سفيان بن عُيَيْنة في تكراره لاسم أبي الزبير، فقال: "سمعت سفيان يقول: حدثني أبو الزبير، وهو أبو
(1)
"المعرفة والتاريخ"1: 681، وقد وقع فيه:"وسعد بن سعد"، وسياق الكلام يقتضي حذف (بن)، وانظر:"تهذيب التهذيب"3: 465.
(2)
"العلل ومعرفة الرجال"3: 434.
وانظر مثالا آخر في: "المعرفة والتاريخ"1: 686.
(3)
"سنن الترمذي"5: 757.
(4)
"العلل ومعرفة الرجال"1: 542، و"الضعفاء الكبير"4:132.
(5)
"الجرح والتعديل"8: 75، و"الضعفاء الكبير"4: 132، و"الكامل"6: 2134، و"شرح علل الترمذي"2: 571 - 572.
الزبير -أي كأنه يضعفه-"
(1)
.
ومما يواجهه الباحث أيضا أن تكون العبارة غير داخلة في مصطلح عام، ويتحقق الباحث من كونها جرحا أو تعديلا في الراوي، ولكن تحديد المراد بها على وجه الدقة يقع فيه اختلاف، فقد ذكر ابن القطان أسامة بن زيد الليثي، ونقل فيه بعض آراء النقاد، ومن ذلك أن يحيى القطان تركه، وأن أحمد قال فيه:"ليس بشيء، روى عن نافع أحاديث مناكير"، ثم قال ابن القطان:"وعلة يحيى القطان في تركه غير علة أحمد بن حنبل هذه، وذلك ما ذكر عمرو بن علي الفلَّاس في كتابه قال: كان يحيى القطان حدثنا عن أسامة بن زيد، ثم تركه، قال: يقول: سمعت سعيد بن المسيَّب، على النكرة لما قال، انتهى كلامه، وهذا أمر منكر كما ذكر، فإنه بذلك يساوي شيخه ابن شهاب، وذلك لا يصح له"
(2)
.
ونقل هذا ابن حجر، ثم تعقب ابن القطان بقوله:"ولم يرد يحيى القطان بذلك ما فهمه عنه، بل أراد ذلك في حديث مخصوص، يتبين من سياقه اتفاق أصحاب الزهري على روايته عنه، عن سعيد بن المسيَّب بالعنعنة، وشذ أسامة فقال عن الزهري: سمعت سعيد بن المسيَّب، فأنكر عليه القطان هذا لا غير"
(3)
.
وما ذكره ابن حجر محتمل، فهذه طريقة معروفة لأئمة النقد،
(1)
"الجرح والتعديل"8: 75، و"الضعفاء الكبير"4: 133، وانظر:"شرح علل الترمذي"2: 572، و"تهذيب التهذيب"9:443.
(2)
"بيان الوهم والإيهام"4: 84.
(3)
"تهذيب التهذيب"1: 210.
يختصرون بها الكلام، فإذا لم يمكن حمل الكلام على ظاهره يلجأ إليها، وكذلك إذا أمكن حمله على ظاهره وكان هناك قرينة على أن الظاهر غير مراد، ومن لم يفهم طريقتهم يظن في الكلام سقطا، فقد مر أحد الباحثين الفضلاء بقول أحد النقاد:"روى سعيد: "من باع عبدا وله مال"، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عمر، ورواه هشام، وهمام، عن عكرمة -وهو ابن خالد-، عن الزهري"، وعلق عليه الباحث بقوله: "
…
وأما الإسناد الثاني فعلته التعليق والانقطاع، لأنه لم يثبت أن هشاما، وهماما من تلاميذ عكرمة بن خالد، بل شيخهما في هذا الحديث هو قتادة، وقد سقط من الإسناد هنا
…
".
ومن عرف طريقة النقاد في هذا أدرك بسهولة أنه لا سقط في كلام هذا الناقد، ومراده أنهما يرويانه عن قتادة على صفة في الإسناد غير التي يرويها سعيد بن أبي عَرُوبة عنه، ومثل هذا يعرف من السياق، أو من الطرق الأخرى.
ونلاحظ أن ابن حجر في تعقبه على ابن القطان لم يذكر قرينة على ما فهمه من كلام يحيى القطان، فلم يشر إلى الحديث الذي وقع فيه لأسامة بن زيد مخالفة، وحينئذ ما فهمه ابن القطان من كلام يحيى يبقى احتمالا قويا، فقد كان أسامة بن زيد يذكر أنه سمع من سعيد بن المسيَّب، قال يعقوب بن سفيان:"حدثني أبو الطاهر بن السَّرْح، قال: حدثنا ابن وهب، عن أسامة بن زيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: "لا ربا إلا فيما كيل أو وزن، فيما أكل أو شرب"، قال ابن وهب: لم يسمع أسامة إلا هذا الحديث وحده من سعيد بن المسيَّب"
(1)
، فلا يبعد
(1)
"المعرفة والتاريخ"3: 181.
أن يكون يحيى القطان ينكر هذا على أسامة بن زيد.
ويلاحظ أن كل ما تقدم في هذا المبحث كان في الحديث عن عبارات تصدر من النقاد لا تدخل تحت مصطلح معين في الجرح والتعديل، يتأكد الباحث منها هل فيها جرح أو تعديل، أو ليس كذلك، وإذا كان فيها جرح أو تعديل فمن أيهما؟ وما درجته؟ وفي عبارات تدخل تحت مصطلح للأئمة لكنه من المصطلحات غير المشهورة، وقد يكون يستخدم في معنيين، فالباحث ملزم في كل ما تقدم أن ينعم النظر، ويدقق في العبارة، حتى يصل إلى المعنى الذي أراده قائلها، أو يقارب ذلك، ولا يشطح بعيدا.
والقارئ في كتب الجرح والتعديل الأولى -كتب السؤالات والعلل- سيرى كَمًّا غير قليل من هذه العبارات، وكثيرٌ منه لم ينقل في الكتب الجامعة، فمن المناسب جدا للباحث أن يتمرن على معالجة مثل هذه العبارات، فيقوم بتحليلها، وتقليبها على أوجه، حتى يصل إلى التفسير الصحيح لها، وهو محتاج لهذا في مجالات أخرى -غير الجرح والتعديل- يتحدث عنها النقاد
(1)
، فإذا تمرن عليها أيضا تدرج في بناء شخصيته الناقدة، وأمكنه الدخول في مناقشات علمية جادة عميقة، تمنح القارئ ثقة بما يتوصل إليه من نتائج.
(1)
في النية -بعون الله تعالى- أن أتحدث عن هذا الأمر -وهو ضرورة فهم كلام الأئمة النقاد- في مبحث مستقل، وربما يكون هذا في باب خاص بالقواعد العامة لدراسة الأسانيد؛ إذ يحتاج إليه دارس الإسناد، كما يحتاج إليه من يبحث في منهج النقاد في قضية معينة، يجمع من أجله النصوص ويعالجها، أو من يتصدى لتحقيق كتب التراث، فكثير منهم يقحم نفسه في تفسير كلام المؤلف، بغرض إفادة القارئ، فيسيء إليه.
غير أن ما تقدم قصدت به أن يكون توطئة لأمر لا يقل عنه أهمية، بل هو أهم منه من جهة أخرى، وهي كثرة ما يواجه الباحث منه، فهو المقصود الأول بهذا المبحث، وأعني بهذا النظر في دلالة نصوص النقاد التي تدخل ضمن مصطلحات مشهورة متداولة، مثل قولهم: فلان ثقة، أو صدوق، أو ضعيف، أو ليس بشيء، أو متروك الحديث، وما يجري مجراها، فإن هذه الألفاظ قد اصطلح على معناها، وعلى أساس هذه المعاني تم وضع مراتب الجرح والتعديل التي تقدم الحديث عنها في المبحث الثالث من الفصل الثاني، غير أن هذه الأحكام قبل تنزيلها على المصطلح العام تحتاج إلى نظرة شمولية، يراعى فيها سياق الكلام نفسه، وكلام الناقد في الراوي مجتمعا، مضموما إلى كلام النقاد الآخرين.
وسبب الحاجة إلى ذلك أن النقاد في ذلك العصر لشيوع النقد، وكون المستمع لهم من أهل النقد أيضا- يطلقون أحكاما على الرواة ولا يريدون بها الحكم المطلق الذي تفيده بناء على الاصطلاح العام، فتنزيلها عليه مباشرة وقبل النظرة الشاملة قد يؤدي إلى خلل في الحكم النهائي على الراوي، وكثيرا ما ينتج عن هذا التنزيل بروز اختلاف بين كلام الناقد الواحد، أو بين كلام النقاد، ربما أحوج إلى تضعيف رواية، أو نسبة ناقد إلى التشدد أو التساهل، أو إلى قلة الخبرة بالراوي، والحقيقة أنه لا وجود للاختلاف أصلا.
وقد أفاض جماعة من الأئمة والباحثين الذين ينظرون في كلام النقاد الأولين وفق ضوابط النظر-كأبي الوليد الباجي، والذهبي، وابن حجر، والسخاوي، والمعلمي، وشيخنا فضيلة الشيخ عبد العزيز بن
محمد العبد اللطيف- أفاضوا في الحديث عن هذا الجانب المهم من ضوابط النظر في أقوال النقاد، معتمدين في ذلك على كلمات متفرقة للنقاد أنفسهم، وعلى النظر والتأمل.
ولتقريب فهم هذا الموضوع، وتسهيل تطبيقه على الباحث، رأيت أن أجمع شتات الكلام فيه في جهتين، إذا راعاهما الباحث، ودقق النظر فيهما أمكنه التعامل مع كلام النقاد بسهولة.
الجهة الأولى: الراوي نفسه، فينظر الباحث في الراوي الذي يريد دراسة أقوال النقاد فيه هل وثق في بعض حالاته، وضعف في البعض الآخر؟ فإن كان كذلك أمكن تنزيل التوثيق المطلق أو التضعيف المطلق مما ظاهره التعارض على الجانب اللائق به.
وتجزئة حال الراوي قد يكون في أصل شرطي العدالة والضبط، بأن يكون متكلما في الراوي في أحدهما، موثقا في الآخر، وقد يكون في الضبط فقط وتفاوته في الراوي، إما في الزمان، أو المكان، أو الشيوخ، أو بين كتاب الراوي وحفظه، ونحو ذلك.
فأما الأول فإن كثيرا من الرواة موصوفون بالصلاح والفضل والعبادة والخشوع، لكنهم من جهة الضبط والحفظ تكلم فيهم، فلا بعد حينئذ أن يصدر عن الناقد عبارة توثيق مطلق مرتفع أو دونه، وقد يصدر عن هذا الناقد أو عن ناقد آخر في الراوي نفسه عبارة تضعيف مطلق، ولا تعارض بينهما، ويكون المراد بالتوثيق حينئذٍ أنه صادق في نفسه لا يتعمد الكذب.
يدل على هذا أن الناقد ربما جمع بين التوثيق والتضعيف في نص واحد، وقد يشير إلى جهة التوثيق أو التضعيف، كقول أحمد في
الحسن بن أبي جعفر: "كان شيخا صالحا، ولكن كانت عنده أحاديث مناكير، وليس هو بشيء"
(1)
.
وقال عمرو بن علي في يحيى بن أبي أُنَيْسة: "صدوق، وكان يَهِم في الحديث، وقد اجتمع أصحاب الحديث على ترك حديثه إلا من لا يعلم"
(2)
.
وقال في الحسن بن عُمَارة: "رجل صالح صدوق، كثير الخطأ والوهم، متروك الحديث"
(3)
.
وقال ابن معين في أبي بكر بن عَيَّاش: "أبو بكر بن عَيَّاش رجل صدوق، ولكنه ليس بمستقيم الحديث"
(4)
.
وقال البخاري في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "صدوق، إلا أنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه -وضعف حديثه جدا-"
(5)
.
ونقل الترمذي عن البخاري قوله في صالح المُرِّي: "هو ضعيف الحديث، ذاهب الحديث"، ثم قال الترمذي:"صالح المُرِّي رجل صالح ثقة، تفرد بأحاديث عن الثقات، يخاف عليه الغلط"
(6)
.
وقال يعقوب بن شيبة في عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعَم: "ضعيف الحديث، وهو ثقة صدوق رجل صالح"
(7)
، وفي الربيع بن صُبَيْح:
(1)
"مسائل إسحاق بن هانئ"2: 210.
(2)
"الكامل"7: 2645.
(3)
"الكامل"2: 700، و"تاريخ بغداد"7:350.
(4)
"معرفة الرجال"1: 69.
(5)
"تاريخ بغداد"10: 217، وانظر:"العلل الكبير"2: 972.
(6)
"العلل الكبير"2: 968.
(7)
"تهذيب الكمال"17: 106.
"صالح صدوق ثقة، ضعيف جدا"
(1)
.
وقال يعقوب بن سفيان في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "ثقة عدل، في حديثه بعض المقال، لين الحديث عندهم"
(2)
.
وربما جاء البيان عن الناقد في نص مستقل، فقد كان أبو الوليد الطيالسي يوثق قيس بن الربيع، ويثني عليه، وروى عمرو بن علي قال:"قلت لأبي الوليد: ما رأيت أحدا أحسن رأيا في قيس منك، قال: إنه كان ممن يخاف الله عز وجل"
(3)
.
ومن الأمثلة التطبيقية على تنزيل كلام النقاد على هذا إذا كان ظاهره التعارض: كلام ابن معين في الربيع بن صُبَيْح، والمبارك بن فَضَالة، فقد سأله ابن مُحْرِز عن الربيع بن صُبَيْح، فقال:"ثقة"، ثم سأله عن المبارك بن فَضَالة، فقال:"ليس به بأس، لم يكن بالكذوب، ليس منهما إلا قريب من صاحبه"
(4)
.
وقال عثمان الدارمي: "سألت يحيى بن معين عن الربيع بن صُبَيْح، فقال: ليس به بأس -كأنه لم يُطْرِه-، قلت: هو أحب إليك أو المبارك؟ قال: ما أقربهما"
(5)
.
(1)
"تهذيب الكمال"9: 93.
(2)
"تهذيب التهذيب"9: 303.
(3)
"الجرح والتعديل"7: 97.
وانظر نصوصا أخرى بهذا المعنى في: "أحوال الرجال" ص 289 - 290، و"أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص 338، 372، 385، 414، 464، 483، و"تهذيب الكمال"4: 491 - 492.
(4)
"معرفة الرجال"1: 78، 113، وانظر: 1: 94.
(5)
"تاريخ الدارمي عن ابن معين" ص 111.
ووثقهما في رواية الدُّوري
(1)
.
وقال في رواية المفَضَّل الغَلَّابي: "صالحان"
(2)
.
وروى عنه ابن أبي خَيْثَمة توثيقه للمبارك بن فَضَالة، وروى عنه أيضا تضعيفه له
(3)
، وكذا ضعف الربيع بين صُبَيْح في روايته
(4)
.
وسأله عبد الله بن أحمد عن المبارك بن فَضَالة، فقال:"ضعيف الحديث، مثل الربيع بن صُبَيْح في الضعف"
(5)
.
وقد تقدم في المبحث الأول أن ابن أبي حاتم جعل هذا اختلافا حقيقيا عن يحيى بن معين، وطلب الترجيح بين أقواله من كلام النقاد الآخرين، ولكن يمكن للناظر أن يجعل هذا الاختلاف غير حقيقي، بحمل التوثيق على العدالة، فإنهما مشهوران بالصلاح والعبادة، والربيع أشهرهما، وأما التضعيف فيحمل على الحفظ والضبط، وقد قال الشافعي:"كان الربيع بن صُبَيْح رجلاً غَزَّاءً، وإذا مدح الرجل بغير صناعته فقد وُهِص -يعني دُقَّ-"
(6)
.
ومن الأمثلة على هذا أيضا غَسَّان بن عبيد الموصلي، وثقه في رواية الدوري، وابن أبي خَيْثَمة، وضعفه في الحديث في رواية ابن الجُنَيْد، وقال في رواية الحسين بن حِبَّان: "أتيناه فإذا هو لا يعرف
(1)
"تاريخ الدوري عن ابن معين"2: 162، 548.
(2)
"تاريخ بغداد"13: 214.
(3)
"تاريخ بغداد"13: 215.
(4)
"الجرح والتعديل"3: 464.
(5)
"العلل ومعرفة الرجال"3: 10.
(6)
"الجرح والتعديل"3: 364، و"آداب الشافعي ومناقبه" ص 224، والتفسير من أبي حاتم، وهو في "تهذيب التهذيب"3: 247: "أي دق عنقه".
الحديث، إلا أنه لم يكن من أهل الكذب، ولكنه لا يعقل الحديث"
(1)
.
وعكس ذلك -وهو توثيق الراوي مع الكلام فيه في شيء من عدالته- كثير جدا، أشهر من أن يمثل له، وقد تقدم أن النقاد يتتبعون سيرة الراوي، فإن وجدوا فيه شيئا يخل بالعدالة أو المروءة تكلموا فيه
(2)
، ثم قد يكون ما في الراوي له أثر على روايته، كالكذب في الحديث، أو ارتكابه أمرا يدل على رقة في الدين يخشى منه الكذب معه، فهذا مسقط للراوي وإن كان حافظا ضابطا، فرب حفاظ للحديث متروكون، وقد يكون ما في الراوي ليس له تأثير على روايته، لكونه ثقة في نفسه، مثل كثير من أنواع الابتداع، والعمل للسلطان، وأخذ الأجرة على التحديث، فالناقد يوثق الراوي، ويبين ما فيه مما يراه هو مخلا بالعدالة أو المروءة، وقد تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثاني أن الناقد ربما ترك أمثال هؤلاء مع توثيقه لهم، وتركه لهم من باب التأديب والزجر.
وأما الثاني -وهو الكلام في ضبط الراوي في بعض حالاته، كالزمان، أو المكان، أو الشيوخ، ونحو ذلك- فقد تقدم الكلام على تفصيل حال الراوي في مبحث مستقل في الفصل الأول.
والمقصود هنا أن الناقد قد يطلق التوثيق أو التضعيف ومقصوده في حالة خاصة للراوي هي موضوع تسليم، فلا يكون هناك اختلاف، وقد كان النقاد يخرجون كلام من سبقهم على هذا الأصل، إن أمكن ذلك.
مثاله ما رواه عباس الدوري قال: "سمعت يحيى يقول: قد سمع
(1)
"تاريخ الدوري عن ابن معين"2: 469، و"تاريخ بغداد"12:327.
(2)
انظر: المبحث الأول من الفصل الأول.
يحيى بن سعيد القطان من الجُرَيْري، وكان لا يروي عنه، قال يحيى بن معين: قال عيسى بن يونس: قد سمعت من الجُرَيْري، فقال لي يحيى بن سعيد القطان: لا ترو عنه"، ثم عقبه عباس بقوله: "إنما مذهب يحيى بن سعيد القطان عندنا في هذا -يقول- إن الجُرَيْري قد كان اختلط، لا أنه ليس بثقة"
(1)
.
ونقل يعقوب بن شيبة، عن زكريا بن عدي، عن ابن المبارك قوله:"سِمَاك ضعيف في الحديث"، ثم قال يعقوب:"روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديما مثل شعبة، وسفيان، فحديثهم عنه صحيح مستقيم، والذي قاله ابن المبارك إنما يُرى أنه فيمن سمع منه بأَخَرة"
(2)
.
وروى البَرْذَعي، عن أبي زرعة قوله:"ابن نافع الصائغ عندي منكر الحديث، حدث عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بين بيتي ومنبري
…
"، وأحاديث غيرها مناكير، وله عند أهل المدينة قدر في الفقه
…
"
(3)
، وروى ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة قوله فيه:"لا بأس به"
(4)
.
فهذا الاختلاف عن أبي زرعة يمكن تفسيره بحمل التضعيف على التحديث من الحفظ، وكونه لا بأس به أي إذا حدث من كتابه، فهذه حال عبد الله بن نافع
(5)
.
(1)
"تاريخ الدوري عن ابن معين"2: 195، 4:163.
(2)
"تهذيب الكمال"12: 120.
(3)
"أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص 375.
(4)
"الجرح والتعديل"5: 184.
(5)
"تهذيب التهذيب"6: 51.
ومما يصلح مثالا لذلك أيضا الروايات عن يحيى بن معين في عطاء بن السائب.
ورد بعض كلام النقاد إلى بعض النظر إلى اختلاف حال الراوي إنما ينفع إذا لم ينص الناقد على استواء حاله عنده، فأما إذا نص فلا فائدة حينئذٍ، كما في حال شَرِيْك بن عبد الله القاضي، فقد ذهب جماعة من الأئمة إلى أنه تغير حفظه لما استُقْضِي
(1)
، وكان يحيى بن سعيد يضعفه ولا يروي عنه، وقال له قائل: يقولون: إن شَرِيْك اإنما خلَّط بآخره، فقال:"لم يزل مخلطا"
(2)
.
ومحمد بن مسلم الطائفي، جاء توثيقه مطلقا عن بعض النقاد
(3)
، وجاء عن عبد الرحمن بن مهدي أن كتبه صحاح
(4)
، وعن ابن معين قوله: "لم يكن به بأس،
…
كان إذا حدث من حفظه -يقول- كأنه يخطئ، وكان إذا حدث من كتابه فليس به بأس"
(5)
.
وروى عبد الله بن أحمد، عن أبيه قوله:"ما أضعف حديثه -وضعفه أبي جدا-"
(6)
.
فتضعيف أحمد هذا لا يصلح حمله على التحديث من الحفظ، لما رواه الميموني قال:"سمعت أحمد يقول: إذا حدث محمد بن مسلم من غير كتاب -يعني أخطأ-، قلت: الطائفي؟ قال: نعم، ثم ضعفه على كل حال من كتاب وغير كتاب، فرأيته عنده ضعيفا"
(7)
.
(1)
"تهذيب التهذيب"4: 333.
(2)
"الجرح والتعديل"4: 366، و"الكامل"4:1322.
(3)
"الكامل"6: 2138، و"تهذيب التهذيب"9:444.
(4)
"التاريخ الكبير"1: 224.
(5)
"تاريخ الدوري عن ابن معين"2: 537.
(6)
"العلل ومعرفة الرجال"1: 189، 2:172.
(7)
"الضعفاء الكبير"4: 134.
وعلى هذا فهو ضعيف عند أحمد، وهو إذا حدث من حفظه أشد ضعفا.
وكان بعض النقاد يفصل في حال ابن لهيعة، فما رواه المتقدمون عنه أصلح مما رواه المتأخرون، وربما عزوا ذلك إلى تغير ابن لهيعة، وجاء عن ابن معين إطلاق القول بتضعيفه
(1)
، ولا يصلح رد قول ابن معين إلى قول من فصل في حاله، لما رواه ابن مُحْرِز قال:"سألت يحيى بن معين عن ابن لهيعة فقال: ليس هو بذاك، وسمعت يحيى مرة أخرى يقول: ابن لهيعة ضعيف الحديث، وسمعته مرة أخرى: ابن لهيعة في حديثه كله ليس بشيء، وسمعت يحيى مرة أخرى يقول -وسئل عن حديث ابن لهيعة- قال: ابن لهيعة ضعيف في حديثه كله لا في بعضه"
(2)
.
وقال ابن الجُنَيْد: "
…
قلت ليحيى: فسماع القدماء والآخرين من ابن لهيعة سواء؟ قال: نعم، سواء واحد"
(3)
.
وروى يزيد بن الهَيْثَم عنه قوله: "ابن لهيعة ليس بشيء، تغير أو لم يتغير"
(4)
.
وغير خاف أن التدقيق في رد بعض النصوص إلى بعض باستخدام تجزئة حال الراوي أمر لابد منه، فليس المقصود هو التخلص من
(1)
"تاريخ الدوري عن ابن معين"2: 327، و"تاريخ الدارمي عن ابن معين" ص 153، و"تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين" ص 97، و"الضعفاء الكبير"2: 295، و"الكامل"4: 1462، و"تهذيب التهذيب"5:374.
(2)
"معرفة الرجال"1: 67، وانظر: 1: 101، 2:39.
(3)
"سؤالات ابن الجنيد" ص 393.
(4)
"تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين" ص 108.
الاختلاف، وقد رأيت أحد الباحثين نظر في أقوال النقاد في المبارك بن فَضَالة، وأن منهم من ضعفه، ومنهم من وثقه مع رميه بالتدليس، ثم قال:"فالذي يظهر أنه ثقة مدلس، وتضعيف من ضعفه لأجل تدليسه".
والناظر في أقوال النقاد يدرك بسهولة أن بعض من ضعفوه نصوا على أن ضعفه من قبل حفظه، وأنه كان يخطئ
(1)
، فلا يفيد ما ذكره الباحث شيئا.
الجهة الثانية: كلام النقاد أنفسهم، وتوسعهم في استخدام الألفاظ، والخروج بها عن الاصطلاح العام لها، وأكثر ما يكون ذلك بين ألفاظ التعديل نفسها، أو بين ألفاظ الجرح.
فنرى كثيرا استخدام لفظ ثقة، وصدوق، وليس به بأس، وصالح الحديث، ونحو ذلك، كل منها في معنى الآخر، مع أنها في الأصل على مراتب متفاوتة، كما مضى شرحه في المبحث الثالث من الفصل الثاني، فهذا في التعديل.
من ذلك أن الأئمة يطلقون أحيانا كلمة (صدوق) على من هو في الدرجة العليا من الثقة والضبط، فقد تقدم في المبحث الثالث من هذا الفصل وصف ابن المديني لعفان بن مسلم، وأبي نُعَيْم، بأنهما صدوقان.
ووصف أحمد أبا بكر بن أبي شيبة صاحب "المصنف" بأنه صدوق
(2)
.
(1)
"تهذيب التهذيب"10: 29 - 31.
(2)
"العلل ومعرفة الرجال"1: 384، وانظر: 2: 91، 3: 40، 350.
وقال ابن معين في عمرو بن علي الفلَّاس: "صدوق"
(1)
.
وكذا قال أبو زرعة في الليث بن سعد، فقيل له: يحتج بحديثه؟ قال: "أي لعمري"
(2)
.
وقال أبو حاتم في كل من عمرو بن علي الفلاس، ومسلم بن الحجاج، وأبي زرعة الدمشقي:"صدوق"، زاد في عمرو:"كان أرشق من علي بن المديني"
(3)
.
وكل هؤلاء حفاظ ثقات أثبات.
وقد أكثر أبو حاتم من إطلاق وصف (صدوق) على أمثال هؤلاء ونحوهم.
ومن ذلك أيضا قول أحمد في أبي رَوْق عطية بن الحارث: "ثقة، مقارب الحديث"
(4)
، وقال مرة:"ليس به بأس"
(5)
.
وقال عبد الله بن أحمد في أبي الجَحَّاف داود بن أبي عوف: "قلت له: (يعني لأبيه): ثقة؟ قال: نعم، صالح"
(6)
.
وقال أحمد أيضا في صَدَقة بن خالد الدمشقي: "ثقة ثقة ثبت، أثبت من الوليد بن مسلم، وهو صالح الحديث"
(7)
.
وقال في إسماعيل السُّدِّي: "ليس به بأس، هو عندي
(1)
"تاريخ بغداد"12: 211.
(2)
"الجرح والتعديل"7: 180.
(3)
"الجرح والتعديل"5: 161، 267، 6:249.
(4)
"سؤالات أبي داود" ص 305.
(5)
"العلل ومعرفة الرجال"2: 51.
(6)
"العلل ومعرفة الرجال"2: 351.
(7)
"العلل ومعرفة الرجال"2: 20.
ثقة
…
"
(1)
.
وقال أبو داود: "قلت لأحمد: إسماعيل بن سالم؟ قال: بخ، وسمعت أحمد يقول: إسماعيل بن سالم صالح الحديث، قلت له: هو أكبر أو مُطَرِّف؟ قال: هو أكبر"
(2)
، وقال فيه في رواية أخرى:"ليس به بأس"
(3)
، وقال مرة:"ثقة ثقة بخ"
(4)
.
وقال ابن معين في سَيَّار صاحب جعفر بن سليمان: "كان صدوقا، ثقة، ليس به بأس، ولم أكتب عنه شيئا قط"
(5)
.
وقال ابن الجُنَيْد: "قلت ليحيى بن معين: عبد الرحمن بن عبد الله الدَّشْتَكي؟ فقال: رازي لا بأس به، قلت: عمرو بن قيس؟ قال: لا بأس به، قلت: ثقتان؟ قال: ثقتان"
(6)
.
وقال أبو زرعة الدمشقي: "قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم (دُحَيْم): ما تقول في علي بن حَوْشَب الفَزَاري؟ قال: لا بأس به، قلت: ولم لا تقول: ثقة، ولا أعلم إلا خيرًا؟ قال: قد قلت لك إنه ثقة"
(7)
.
وقال أبو حاتم في أبي الزِّناد: "ثقة، صالح الحديث"
(8)
.
(1)
"علل المروذي" ص 66.
(2)
"سؤالات أبي داود" ص 299.
(3)
"علل المروذي" ص 113.
(4)
"العلل ومعرفة الرجال"2: 495، وانظر: 1: 415، و"الجرح والتعديل"2:172.
(5)
"معرفة الرجال"1: 96.
(6)
"سؤالات ابن الجنيد" ص 324، وانظر:"الكفاية" ص 60.
(7)
"تاريخ أبي زرعة الدمشقي"1: 395.
(8)
الجرح والتعديل"5: 49.
وانظر نماذج أخرى في: "سؤالات أبي داود" ص 413 فقرة 410، وص 319 فقرة 432، وص 326 فقرة 455، وص 338 فقرة 500 - 501 و"علل المروذي" ص 67 فقرة 65 - 66، وص 116 فقرة 193، وص 128 فقرة 225، وص 205 فقرة 375، 377، وص 207 فقرة 385، وص 208 فقرة 386، وص 227 فقرة 440، وص 248 فقرة 502، و"سؤالات ابن الجنيد لابن معين" ص 275 فقرة 16، وص 281 فقرة 34، و"معرفة الرجال"1: 92 فقرة 350 - 351، وص 93 فقرة 359، وص 94 فقرة 396، 371 - 372، وص 95 فقرة 374، وص 97 فقرة 405.
ومثل هذا يقال في عبارات الجرح، يتوسعون في استخدامها، فكلمة ضعيف، يطلقونها على من ضعفه محتمل، وعلى من هو شديد الضعف، بل ربما أطلقها الناقد على من هو متهم بالكذب عنده، وكذلك ليس بقوي.
ومن أمثلة ذلك قول أحمد في أبي حمزة ميمون القَصَّاب: "ضعيف الحديث"
(1)
، وقال مرة:"متروك الحديث"
(2)
، وقال في رواية:"ليس هو بشيء"
(3)
، وقال مرة:"ليس هو بالقوى، وهو ضعيف"
(4)
.
وقال ابن معين في صِلَة بن سليمان الواسطي: "كان كذابا، ترك الناس حديثه"
(5)
، وقال أيضا:"ليس بثقة"، وقال أيضا:"ضعيف"
(6)
.
وقال أبو حاتم في عمر بن حفص العبدي: "ضعيف الحديث، ليس بقوي، هو علي يَدَيْ عَدْل"
(7)
.
ولا شك أن التوسع في عبارات التعديل، أو في عبارات الجرح
(1)
"العلل ومعرفة الرجال"3: 124.
(2)
"العلل ومعرفة الرجال"2: 488.
(3)
"مسائل إسحاق"2: 216.
(4)
"مسائل إسحاق"2: 227.
(5)
"تاريخ الدولي عن ابن معين"2: 271، و"الكامل"4:1406.
(6)
"الكامل"4: 1406.
(7)
"الجرح والتعديل"6: 103، وانظر في معنى قوله:"هو على يدي عدل" ما تقدم في المبحث الأول من الفصل الثاني.
أمره سهل بالنسبة للتوسع في عبارات الجرح والتعديل معا، فإن هذا موجود أيضا في كلام النقاد، وخاصة بين أدنى عبارات التوثيق، وأعلى عبارات الجرح، وقد يقع بين عبارات التوثيق العالية، وبين عبارات الجرح، وهذا يحتاج إلى مزيد انتباه وتأمل، فكلمة ثقة، وصدوق، ولا بأس به- قد يطلقها الناقد على راو ضعيف، ولا يعني بذلك ارتفاعه عن الضعف، وإنما يعني أن له حظا من وصف الثقة رفعه عن أن يكون متروك الحديث، وهكذا يقال في عبارات الجرح، مثل ضعيف، أو ليس بقوي- قد يطلقها الناقد على راو ثقة عنده، ويقصد أن فيه شيئا من الضعف، فليس هو في المرتبة العليا من الثقة.
ومن أمثلة ذلك يزيد بن عطاء الواسطي قال فيه أحمد: "كان ثقة، مقارب الحديث"
(1)
، وقال في رواية:"ليس به بأس -ثم قال-: حديثه مقارب"
(2)
، وفي رواية:"ليس بحديثه بأس"
(3)
، وفي رواية:"ليس بالقوي في الحديث"
(4)
.
وإسماعيل بن زكريا الخُلْقاني، وثقه أحمد في رواية الفضل بن زياد
(5)
، وقال في رواية أبي داود:"ما كان به بأس"
(6)
، وفي رواية عبد الله: "حديثه حديث مقارب
(7)
، وفي رواية الميموني: "أما
(1)
"سؤالات أبي داود"321.
(2)
"العلل ومعرفة الرجال"2: 488.
(3)
"تهذيب الكمال"32: 211.
(4)
"الكامل"7: 2727.
(5)
"المعرفة والتاريخ"2: 170.
(6)
"تاريخ بغداد"6: 216.
(7)
"العلل ومعرفة الرجال"2: 496.
الأحاديث المشهورة التي يرويها فهو فيها مقارب الحديث صالح، ولكن ليس ينشرح الصدر له، ليس يعرف هكذا -يريد بالطلب-"
(1)
، وفي رواية أحمد بن ثابت:"ضعيف الحديث"
(2)
.
وبنحو ما جاء عن أحمد فيه جاء عن ابن معين
(3)
.
ويظهر من العرض السابق لقضية توسع النقاد في استخدام الألفاظ أنه يتبين بعد جمع أقوال الناقد كلها، وضمها إلى أقوال النقاد الأخرى، ومع هذا فهناك أحوال يكثر فيها استخدام التوسع في الألفاظ، فلابد أن يقف الباحث معها لأول وهلة، وإن كان لم ينظر بعد في أقوال الناقد الأخرى، وفي أقوال النقاد الآخرين، وهذه الأحوال هي:
أولا: حكاية أقوال النقاد، فقد جرى التوسع حين يحكي التلميذ قول شيخه، أو يحكي الناقد قول ناقد آخر، فقد يقول في راو: ضعفه فلان، أو تكلم فيه فلان، أو جرحه فلان، ويعني بذلك تضعيفه له تضعيفا خفيفا، ويقول هذه العبارات أو نحوها في راو ويعني بذلك تجريحه له تجريحا شديدا، فقد يكون رماه بالكذب، وربما كانت الحكاية بصيغة نقل النص.
مثال ذلك قول ابن عدي في آخر ترجمة أبان بن أبي عَيَّاش: "وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق، كما قال شعبة"، وشعبة قد جَرَّحَه
(1)
"علل المروذي" ص 239، و"الضعفاء الكبير"1: 78، و"تاريخ بغداد"6:217.
(2)
"الكامل"1: 312.
(3)
"تاريخ الدوري عن ابن معين"2: 34، و"سؤالات ابن الجنيد" ص 475، و"معرفة الرجال"1: 85، و"تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين" ص 88، 111، و"علل المروذي" ص 215، و"الجرح والتعديل"2: 170، و"الكامل"1: 311، و"تاريخ بغداد"6:216.
تجريحا شديدا، ذكر ابن عدي شيئا منه في أول الترجمة
(1)
.
وقول ابن عدي في ترجمة بشر بن نُمَيْر: "وهو ضعيف كما ذكروه"، وأقوال النقاد التي ساقها ابن عدي تدل على أنه مترك الحديث عندهم
(2)
.
وقوله في بركة بن محمد الحلبي: "وله من الأحاديث البواطيل عن الثقات غير ما ذكرته، وهو ضعيف كما قال عبدان"، وقد روى ابن عدي في أول ترجمته بعد أن روى لعبدان حديثا في إسناده بركة قول عبدان:"هات حديث المسلمين، أنا قد رأيت بركة هذا بحلب، وتركته على عمد، ولم أكتب عنه، لأنه كان يكذب"
(3)
.
ومثله في التعديل، قد يقول: وثقه فلان، ولا يعني بذلك أنه قال فيه: ثقة، فقد يكون قال فيه: لا بأس به، أو صدوق، أو صالح الحديث، ونحو ذلك، وقد يقول: قواه فلان، أو رفعه، أو أثنى عليه، أو رأيته يطريه، ونحو ذلك، في راو، ويقولها في راو آخر، وليس عبارة الناقد واحدة فيهما.
ثانيا: التوثيق والتضعيف الجماعي، وأعني به أن يصف الناقد مجموعة من الرواة جملة واحدة بأنهم ثقات، فهذا يقع التسامح فيه كثيرا، فقد يكون بينهم من هو في درجة الصدوق، أو صالح الحديث، بل قد يكون فيهم سيء الحفظ، والضعيف غير المتروك، وهكذا يقال في التضعيف، قد يصف الناقد جماعة من الرواة بوصف واحد، وبينهم
(1)
"الكامل"1: 372 - 378.
(2)
"الكامل"2: 440 - 441.
(3)
"الكامل"2: 479 - 480.
عند التدقيق تفاوت.
ومن صور هذا:
* قول النقاد: شيوخ فلان كلهم ثقات، أو إذا روى فلان عن شيخ وسماه فهو ثقة، أو فلان لا يروي إلا عن ثقة، ونحو ذلك، وقد تقدم شرح هذا في المبحث الثاني من الفصل الثاني.
* أن يسأل الناقد عن جماعة من الرواة كالإخوة -مثلا-، أو يذكرهم ابتداء، فيصدر حكما شاملا لهم، بتوثيق أو تضعيف، وقد يكون بينهم تفاوت في الدرجة حتى عند الناقد نفسه، وقد تقدم ذكر نماذج للأحكام الجماعية في مبحث المقارنة بين الرواة في المبحث الثالث من الفصل الأول.
* قول الناقد في ذكر مخالفة لراو: خالفه حفاظ ثقات، أو خالفه ثقات، ثم يسردهم.
كما في قول الدارقطني في تعليل حديث روي عن قتادة، عن أنس: "اتفق عليه معمر، وأبو عَوَانة، وسعيد بن أبي عَرُوبة، وسعيد بن بشير، فرووه عن قتادة، عن أبي العالِيَة، وتابعهم عليه سَلَم بن أبي الذَّيَّال، عن قتادة فأرسله، فهؤلاء خمسة ثقات
…
"
(1)
.
وسعيد بن بشير المذكور قال فيه الدارقطني: "ليس بقوي في الحديث"
(2)
، وضعفه الجمهور من قبل حفظه
(3)
.
ووصف جماعة فيهم الحجاج بن أرطاة بأنهم حفاظ
(1)
"سنن الدارقطني"1: 163.
(2)
"سنن الدارقطني"1: 135.
(3)
"تهذيب التهذيب"4: 8.
ثقات
(1)
، وقد قال في حجاج:"ضعيف"
(2)
، وقال أيضا:"لا يحتج به"
(3)
، و"لا يحتج بحديثه"
(4)
.
وكذلك وصف جماعة فيهم علي بن غُرَاب بأنهم حفاظ ثقات
(5)
، وعلي بن غُرَاب قال فيه هو:"كوفي يعتبر به"
(6)
، وهو شيعي مختلف فيه
(7)
.
* وصف الناقد لرواة إسناد بأنهم ثقات، فهذا يكثر منه البزار، والدارقطني، وغيرهما.
ومما يتنبه له في قضية الأحكام الجماعية أن بعض الناقلين لأقوال النقاد قد يذكر قول الناقد في الراوي مفردا، وعند التدقيق يتبين أنه إنما حكم عليه بهذا الحكم مجموعا مع غيره، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في آخر المبحث الأول من هذا الفصل.
ثالثا: التوثيق والتضعيف النسبي، ويقصد به أن الناقد حيث يصدر حكمه على الراوي لم يصدره بإطلاق، بل قصد به حالة معينة للراوي، أو قاله وهو يقارنه بغيره، فهذا الحكم تارة يكون على ظاهر اللفظ، وتارة يكون بملاحظة النسبية، وهذا هو المراد هنا، ويندرج تحته ثلاث صور:
(1)
"سنن الدارقطني"1: 89.
(2)
"سنن الدارقطني"2: 179، 207، 4:250.
(3)
"سنن الدارقطني"1: 327، 2: 108، 155، 3:253.
(4)
"سنن الدارقطني"1: 79.
(5)
"تهذيب التهذيب"7: 372.
(6)
"سؤالات البرقاني للدارقطني" ص 52.
(7)
"تهذيب التهذيب"7: 371.
الصورة الأولى: توثيق الراوي أو تضعيفه في شيء معين، كروايته عن شيخ بعينه، أو عن أهل بلد معين، أو في فترة زمنية معينة، أو فيما حدث به في بلد معين، أو يفرق بين حفظه وكتابه، على ما تقدم شرحه في المبحث الثاني من الفصل الأول.
فهذا لابد فيه من التدقيق في كلام الناقد؛ إذ يحتمل أن تكون النسبية مقصودة، فقد يكون الراوي في الحال الذي وثق فيه في أعلى مراتب التعديل، وحينئذٍ فتضعيفه في بعض حالاته لابد أن يراعى فيه حالته العامة؛ إذ يحتمل أن يكون مقصود الناقد أنه في تلك الحالة دون ما هو عليه الراوي أصلا، لا تضعيفه على ما جرى عليه الاصطلاح.
وعكسه كذلك أن يقوى الراوي في بعض حالاته بالنسبة للبعض الآخر، أي أنه أحسن حالا من هذه، لا أنه ارتفع فيها عن حيز الضعف.
فعند تحديد درجة الراوي في إحدى حالتيه لابد -بالإضافة إلى التدقيق في ألفاظ الناقد نفسها من مراعاة حاله الأخرى، ويتأكد هذا إذا كان الناقد قد استخدم أفعل التفضيل، فقد تكون على غير بابها أصلا.
مثال ذلك الإمام الأوزاعي، هو في عموم حاله في الذروة العليا من الثقة والضبط، ولكن تكلم بعض النقاد في روايته عن يحيى بن أبي كثير، وذلك أنه احترق ما كتبه عنه، وقيل: ضاع
(1)
، فصار يحدث بما
(1)
"مسائل أبي داود" ص 419، 420، و"سؤالات الآجري لأبي داود"2: 202، و"المعرفة والتاريخ"2: 409، و"مسند أبي عوانة"1: 321، و"شرح علل الترمذي"2:746.
حفظه- فوقع في أغلاط، قال أحمد:"حديث الأوزاعي عن يحيى مضطرب"
(1)
، وقال أيضًا:"لم يكن يحفظه جيدا، فيخطئ فيه، وكان يروي عن يحيى، عن أبي قِلَابة، عن أبي المُهَاجِر، وإنما هو أبو المُهَلَّب"
(2)
.
وذكر لأحمد حديث الأوزاعي، عن يحيى عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: متى كنت نبيا؟
…
"، فقال: "هذا منكر، هذا من خطأ الأوزاعي، هو كثيرا ما يخطئ عن يحيى بن أبي كثير
…
"
(3)
، وكذا أشار أبو داود إلى خطئه في روايته عن الأوزاعي
(4)
.
فهذا الكلام في رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير يراعي فيه حال الأوزاعي بصفة عامة، فقد كان حافظا متثبتا، وأخطأ في بعض حديثه عن يحيى بن أبي كثير، فهو فيه أيضا ثقة، بل هو عندهم معدود في كبار أصحاب يحيى بن أبي كثير، كما نص عليه جماعة من النقاد، منهم أحمد، وأبو داود، وابن معين، وعلي بن المديني، وأبو زرعة، وأبو حاتم
(5)
.
(1)
"مسند يعقوب بن شيبة" ص 68.
(2)
"شرح علل الترمذي"2: 645، وانظر:"سؤالات الآجري لأبي داود"2: 202.
(3)
"علل المروذي" ص 150، والحديث أخرجه الترمذي حديث (3609)، والحاكم 2: 609، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان"2: 226، والبيهقي في "دلائل النبوة"2: 130، من طرق عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي به.
(4)
"سؤالات الآجري لأبي داود"2: 202.
(5)
"تاريخ الدوري عن ابن معين"2: 618، 653، و"سؤالات الآجري لأبي داود"2: 38، و"الجرح والتعديل"9: 60، 61.
ونص جماعة من النقاد على أن أبا معاوية محمد بن خازم الضرير هو المقدم في الأعمش بعد سفيان الثوري
(1)
، وأما في غير الأعمش فقد تكلم في روايته، قال أحمد:"أبو معاوية الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظا جيدا"
(2)
.
وهذا المعنى توارد عليه جمع من النقاد غير أحمد، منهم ابن المديني، ومحمد بن عبد الله بن نُمَيْر، وعثمان بن أبي شيبة، وعبد الرحمن بن خِرَاش
(3)
.
وقد نصوا على بعض شيوخه، فقال أبو داود:"قلت لأحمد: كيف حديث أبي معاوية، عن هشام بن عروة؟ قال: فيها أحاديث مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم "
(4)
.
وقال أبو داود أيضا: "سمعت أحمد يقول: كان أبو معاوية يخطئ في غير شيء عن عبيد الله
…
"
(5)
.
وكذا قال ابن معين: "روى أبو معاوية، عن عبيد الله بن عمر أحاديث مناكير"
(6)
.
فهذا الكلام في أبي معاوية لا ينظر إليه وحده، بل لابد من مراعاة حاله في الأعمش، فهو فيه ثقة ثبت، وهو في غيره ثقة أيضا، مع ماله من أوهام، قال ابن مُحْرِز:"سألت يحيى عن أبي معاوية، قلت: كيف هو في غير حديث الأعمش؟ فقال: ثقة، ولكنه يخطئ"
(7)
.
(1)
"شرح علل الترمذي"2: 715، و"تهذيب التهذيب"9: 138 - 139.
(2)
"العلل ومعرفة الرجال"1: 378، 2:374.
(3)
"تهذيب الكمال"25: 128 - 132، و"شرح علل الترمذي"2:812.
(4)
"مسائل أبي داود" ص 404.
(5)
"مسائل أبي داود" ص 404.
(6)
"تاريخ الدوري عن ابن معين"2: 512.
(7)
"معرفة الرجال"1: 96، 157.
وتكلم الأئمة كثيرا في حفظ شَرِيْك بن عبد الله، وأنه يخطئ كثيرا إذا حدث من حفظه، وخاصة بعد توليه القضاء
(1)
، وقد نص أحمد على أن من كتب عنه بواسط من كتابه فحديثه أصح، وأشار إلى ذلك ابن المديني وغيره
(2)
.
ومع هذا فتقوية شَرِيْك في كتابه يراعى فيه الكلام في حفظه، فتحديثه من كتابه أقوى، ولكنه مع ذلك يخطئ أيضا، قال ابن أبي حاتم:"سألت أبا زرعة، عن شَرِيْك يحتج بحديثه؟ قال: كان كثير الحديث، صاحب وهم، يغلط أحيانا، فقال له فضل الصائغ: إن شَرِيْكا حدث بواسط بأحاديث بواطيل، فقال أبو زرعة: لا تقل: بواطيل"
(3)
.
وقد قال يحيى بن سعيد القطان: "نظرت في أصول شَرِيْك، فإذا الخطأ في أصوله"
(4)
، وفي رواية:"رأيت تخليطا في أصول شَرِيْك "
(5)
.
وسئل أبو حاتم عنه وعن أبي بكر بن عَيَّاش أيهما أحفظ؟ فقال: "هما في الحفظ سواء، غير أن أبا بكر أصح كتابا"
(6)
.
وما يقال في شَرِيْك يقال مثله في جماعة كثيرين من الرواة، كابن لهيعة، قد قوى بعض الأئمة روايته قبل تغيره، وخص بعضهم ذلك
(1)
"شرح علل الترمذي"2: 759، و"تهذيب التهذيب"4:336.
(2)
انظر: ما تقدم في المبحث الثاني من الفصل الأول.
(3)
"الجرح التعديل"4: 367.
(4)
"الضعفاء الكبير"2: 195.
(5)
"الكامل"4: 1322.
(6)
"الجرح والتعديل"9: 350.
برواية العبادلة: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وأنها أصح من روايته بعد تغيره
(1)
، فذهب بعض الباحثين إلى تصحيح حديثه أو تحسينه من رواية هؤلاء عنه، ولا يظهر ذلك، فإن المقصود بتقوية روايته قبل تغيره: أي بالنسبة لروايته في آخر عمره، فإنه ضعف جدا، وصار يقرأ كل ما دفع إليه، سواء كان من حديثه أو لم يكن، فرواية المتقدمين عنه أقل ضعفا، صالحة للاعتبار.
وقد تقدم في المبحث الثاني من الفصل الأول ذكر نماذج لمن كان ثقة في حال، وتكلم في روايته في حال أخرى، أو زادوا في تقويته في حال أخرى، ومن هو أصلا ضعيف، قووه في بعض حالاته، أو زادوا في تضعيفه، ومنه يدرك ضرورة مراعاة النسبية في مثل هذه الأحوال.
الصورة الثانية: مقارنة الراوي بغيره، فقد درج النقاد كثيرا على القيام بالمقارنة بين الرواة، إما لأنهم سئلوا عنهم جميعا، أو لتقريب مرادهم للسامع، وقد تقدم شرح ذلك وتفصيله في المبحث الثالث من الفصل الأول.
والذي يهمنا هنا هو أن تلك المقارنات يلزم للاستفادة منها جيدا ملاحظة النسبية فيها، فالناقد بصدد مقارنة بين راويين أو أكثر، ولا شك أن هذا يختلف عن إطلاق حكم مستقل في الراوي.
ومراعاة النسبية هنا تكون أولا بالتدقيق في كلام الناقد، إذ يحتمل أن يكون أقحم في المقارنة أمورا أخرى غير درجة الراوي، مثل كثرة محفوظه، أو صلاحه وفضله، أو فقهه، أو نحو ذلك، وهذا أيضا قد
(1)
"تهذيب التهذيب"5: 373 - 379.
تقدم شرحه بأمثلته في ذلك المبحث.
ثم -وهذا هو المهم- تراعى النسبية في ألفاظ الناقد المتعلقة بدرجته في الرواية؛ إذ قد يطلق الناقد توثيق أحدهما ومقصوده بالنسبة للآخر، ولو حكم عليه مفردا لم يوثقه، أو يضعفه كذلك ومقصوده بالنسبة للآخر.
قال أبو الوليد الباجي موضحا ذلك: "اعلم أنه قد يقول المعدل: فلان ثقة، ولا يريد أنه ممن يحتج بحديثه، ويقول: فلان لا بأس به، ويريد أنه يحتج بحديثه، وإنما ذلك حسب ما هو فيه ووجه السؤال له، فقد يسأل عن الرجل الفاضل في دينه المتوسط حديثه، فيقرن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يريد أنه ليس من نمط من قرن به، وأنه ثقة بالإضافة إلى غيره، وقد يسأل عنه غير هذا الوجه فيقول: لا بأس، فإذا قيل: أهو ثقة؟ قال: الثقة غير هذا
…
وقد روى عباس بن محمد الدوري، عن ابن معين أنه قال: محمد بن إسحاق ثقة، وليس بحجة، وأصل ذلك أنه سئل عنه، وعن موسى بن عُبَيْدة الرَّبَذي: أيهما أحب إليك؟ فقال: محمد بن إسحاق ثقة، وليس بحجة، فإنما ذهب إلى أنه أمثل في نفسه من موسى بن عُبَيْدة الرَّبَذي
…
"
(1)
.
ومن صريح الأمثلة لما تقدم قول عثمان الدارمي: "سألته (يعني ابن معين) عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، كيف حديثهما؟ فقال:
(1)
"التعديل والتجريح"1: 283 - 288، وقد لخص هذا الفصل بن حجر في مقدمة "لسان الميزان"1:17.
ليس به بأس، قلت: هو أحب إليك أو سعيد المَقْبُري؟ فقال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف".
(1)
وقد ظهر لي أن أحكام النقاد على راو -وإن جاءت مطلقة- تتأثر كثيرا بمن حوله، فإذا كان الراوي له أقران من الحفاظ الأثبات، أو كان أهل بيته كذلك، وهو دونهم قليلا، بدا الكلام فيه أشد مما يناسب حاله لو كان فردا، ذلك أن الناقد حين يطلق القول فيه في ذهنه قوة أقرانه، أو أهل بيته، وقد يفهم ذلك من السؤال الذي طرح عليه، وعكسه كذلك، قد يقوى النقاد راويا، وهم يلاحظون أقرانه، أو أهل بيته ممن هم دونه، وهذه مسألة دقيقة، أراها بحاجة إلى مزيد تأمل.
ومن أمثلة مراعاة الأئمة المتأخرين للتوثيق والتضعيف النسبي حين نظرهم في أقوال النقاد قول ابن القطان في سعد بن سعيد الأنصاري: "ضعيف، ولكن معنى ذلك أنه بالنسبة إلى من فوقه، وبالقياس إلى من هو أقوى منه، وقد أخرج له مسلم رحمه الله"
(2)
.
وقال الدارقطني بعد أن ذكر حديثا للحسن بن عبيدالله النخعي خالفه فيه الأعمش: "الحسن ليس بالقوي، ولا يقاس بالأعمش"
(3)
، فذكر ابن حجر أن هذا تضعيف له بالنسبة للأعمش
(4)
.
ومما يحتاج إلى التنبه له في المقارنة بين الرواة ما تقدم التنبيه عليه في الصورة الأولى وهو استخدام النقاد كثيرا لأفعل التفضيل، وهي
(1)
"تاريخ الدارمي عن ابن معين" ص 173 - 174.
(2)
"بيان الوهم والإيهام"5: 378.
(3)
"العلل"2: 204.
(4)
"تهذيب التهذيب"2: 292.
تتفاوت تفاوتا كبيرا بحسب من قيلت فيه، بل ربما كانت على غير بابها، وقد يحتاج الناقد إذا استخدمها إلى بيان مراده، خشبة أن يفهم منها معنى آخر، فقد يقول الناقد: فلان أوثق من فلان، ثم ينبه إلى أن الأدنى أيضا ثقة، خشية أن يفهم من كلامه غير ذلك، أو يقول: فلان أصح حديثا من فلان، أو أحب إلي من فلان، ثم ينبه إلى أن الأعلى أيضا ضعيف، وإنما ذلك بالنسبة للآخر.
سئل أحمد عن حَرِيْز بن عثمان، وصفوان بن عمرو، فقال:"حَرِيْز أحب إلي، وأعجب إلى من صفوان، وما بصفوان بأس"
(1)
.
وقال عبد الله بن أحمد: "سألته عن محمد بن سالم أبي سهل، فقال: هو شبه المتروك، [و] سألته عن أشعث بن سَوَّار، فقال: هو أمثل من محمد بن سالم، ولكنه على ذاك ضعيف -يعني الأشعث"
(2)
.
وقال إسحاق بن هانئ: "سألته عن الربيع بن بدر، فقال: لا يسوى حديثه شيئا، ثم قال: الربيع بن بدر، ومثنى بن الصَّبَّاح، أحب إلي من عطاء بن عجلان، ولا يكتب حديثه"
(3)
.
وقال إسحاق أيضا: "سألته عن النَّضْر بن إسماعيل مؤذن مسجد الكوفة، فقال: ضعيف الحديث، وقال: هو مثل محمد بن السَّمَّاك، إلا أن محمد بن السَّمَّاك كان أثبت منه"
(4)
.
(1)
"العلل ومعرفة الرجال"2: 38.
(2)
"العلل ومعرفة الرجال"1: 415.
(3)
" مسائل إسحاق"2: 231.
(4)
"مسائل إسحاق"2: 239.
وقال أيضا: "قلت لأبي عبد الله: أبو حمزة ميمون الذي روى عن إبراهيم؟ قال: ليس هو بشيء، قلت له: فأيما أصح حديثا هو أو عُبَيْدة؟ قال: عُبَيْدة عندي أصح حديثا"
(1)
.
وعُبَيْدة هذا هو ابن مُعَتِّب، وقد قال فيه أحمد:"ترك الناس حديثه"
(2)
.
وقال الحسين بن حِبَّان: "سألت أبا زكريا -يعني يحيى بن معين- قلت: إذا اختلف أبو الوليد، وعفان، في حديث عن حماد بن سلمة، فالقول قول من هو؟ قال: القول قول عفان، قلت: فإن اختلفوا في حديث عن شعبة؟ قال: القول قول عفان، قلت: وفي كل شيء؟ قال: نعم، عفان أثبت منه وأَكْيَس، وأبو الوليد ثقة ثبت"
(3)
.
وقال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى يقول: عَبَّاد بن العَوَّام ثقة صدوق، مأمون، مَقْنَع، جائز الحديث، هو والله أوثق من يزيد بن هارون، أفيزيد ليس ثقة؟ بلى والله إنه لثقة، وإن عَبَّادا لأوثق منه"
(4)
.
وقال أيضا: "سمعت يحيى وقيل له: ابن عجلان مثل عبيد الله بن عمر؟ فقال: ابن عجلان ثقة، وعبيد الله أثبت منه"
(5)
.
وقال أيضا: "سمعت يحيى وقيل له: كَثِير بن زيد مدني؟ قال:
(1)
"مسائل إسحاق"2: 216.
(2)
"العلل ومعرفة الرجال"2: 549، وانظر: 3: 484.
(3)
"تاريخ بغداد"12: 272.
(4)
"معرفة الرجال"1: 104.
(5)
"معرفة الرجال"1: 116.
نعم، ضعيف، وكَثِير بن عبد الله بن مِلْحَة أيضا ضعيف، كلاهما، ولكن ذاك خير من هذا"
(1)
.
وسئل أبو زرعة، عن محمد بن سلمة بن كُهَيْل، فقال:"هو عندي قريب من يحيى بن سلمة، إلا أن يحيى ضعيف جدا، ومحمد عندي ضعيف، إلا أن محمدا قل من روى عنه"
(2)
.
الصورة الثالثة: تتركب من الصورتين السابقتين، فالراوي يقارن بغيره ولكن في حالة معينة كروايتهم عن شيخ معين، أو في التحديث من الحفظ والكتاب.
فهذا أيضا تلاحظ فيه النسبية، أولا من جهة احتمال أن يكون المقارن لحظ معنى آخر غير القوة في الرواية، مثل كثرة الرواية عن الشيخ، أو العلم بأحواله، ونحو ذلك، وهذا قد تقدم شرحه في المبحث الثالث من الفصل الأول، وثانيا -وهو المقصود هنا- أن يكون المقارن حين أطلق العبارة أراد حال أحدهما بالنسبة للآخر في الشيء الذي جرت المقارنة فيه بينهما، فلابد من ملاحظة حال كل منهما مفردا، وحال من وضع أساسًا للمقارنة، وعطف عليه الآخر.
ومن أمثلة ذلك ما رواه المفَضَّل الغَلَّابي عن ابن معين في موسى بن عُقْبة: "ثقة، كانوا يقولون في روايته عن نافع: فيها شيء"، قال الغَلَّابي:"وسمعت يحيى بن معين يضعف موسى بن عُقْبة بعض التضعيف"
(3)
.
(1)
"معرفة الرجال"1: 70.
(2)
"أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص 349.
(3)
"تهذيب الكمال"29: 120.
فهذا تضعيف نسبي، يلاحظ فيه قوة موسى بن عُقْبة في غير نافع، كما يلاحظ فيه أقران موسى بن عُقْبة من أصحاب نافع الكبار، يدل على هذا قول ابن معين نفسه في رواية ابن الجُنَيْد، قال ابن الجُنَيْد:"سئل يحيى وأنا أسمع عن موسى بن عُقْبَة، فقال: مدني ثقة، قال يحيى بن معين: ليس موسى بن عُقْبَة في نافع مثل مالك، وعبيد الله بن عمر"
(1)
.
ومن أمثلة ذلك أيضا ما رواه ابن مُحْرِز قال: "سمعت يحيى وسئل عن أصحاب سفيان من هم؟ قال: المشهورون: وكيع، ويحيى، وعبد الرحمن، وابن المبارك، وأبو نُعَيْم، هؤلاء الثقات، قيل له: فأبو عاصم، وعبد الرزاق، وقَبِيْصَة، وأبو حذيفة؟ قال: هؤلاء ضعفاء"
(2)
.
فتضعيف المذكورين في سفيان الثوري لابد فيه من ملاحظة شيئين: حال هؤلاء في غير الثوري، ثم حالهم في الثوري مقارنة بالمذكورين قبلهم، وهم الطبقة الأولى من أصحاب الثوري، وهم فيه ثقات أثبات، فهذا الضعف نسبي إذن، فهم الطبقة الثانية من أصحابه، وقد قال ابن أبي خَيْثَمة: "سمعت يحيى بن معين وسئل عن أصحاب الثوري أيهم أثبت؟ قال: هم خمسة: يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك، وأبو نُعَيْم الفضل بن دُكَيْن، فأما الفِرْيابي، وأبو حذيفة، وقَبِيْصَة، وعبيد الله، وأبو عاصم،
(1)
"سؤالات ابن الجنيد" ص 309، و"انظر:"تاريخ الدوري عن ابن معين"2: 594، و"تاريخ الدارمي عن ابن معين" ص 204، و"تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين" ص 109.
(2)
"معرفة الرجال"1: 109.
وأبو أحمد الزُّبَيْرِي، وعبد الرزاق، وطبقتهم، فهم كلهم في سفيان بعضهم قريب من بعض، وهم ثقات كلهم، دون أولئك في الضبط والمعرفة"
(1)
.
وقال الدارمي بعد أن سأله عن جماعة من كبار أصحاب سفيان، وعن غيرهم:"قلت: فيحيى بن يمان؟ فقال: أرجو أن يكون صدوقا، قلت: فكيف هو في حديثه؟ فقال: ليس بالقوي، قلت: فعبيد الله بن موسى؟ فقال: ثقة، ما أقربه من ابن اليمان، قلت: فقَبِيْصَة، فقال: مثل عبيد الله، قلت: فالفارِيَابي؟ قال: مثلهم، قلت: فعبد الرزاق في سفيان؟ فقال: مثلهم، قلت: وأبو حذيفة؟ فقال: مثلهم، قلت: فيعلى؟ فقال: ضعيف في سفيان، ثقة في غيره"
(2)
.
وذكر ابن حجر قول أحمد في قَبِيْصَة بن عُقْبَة: "كان كثير الغلط، وكان ثقة لا بأس به، وهو أثبت من أبي حذيفة، وأبو نُعَيْم أثبت منه"، ثم قال ابن حجر: "هذه الأمور نسبية
…
"
(3)
.
وفي النصوص السابقة عن ابن معين مثال جيد للتوثيق والتضعيف الجماعي، فإن أصحاب سفيان من الطبقتين ليسوا في درجة واحدة، بل بينهم تفاوت، وهذا يكثر في تحديد طبقات الأصحاب، يذكرهم الأئمة إجمالا على طبقات، ثم يفاضلون أيضا بين أصحاب الطبقة الواحدة.
هذا ما تيسر لي جمعه والحديث عنه من ضوابط النظر في نصوص
(1)
"شرح علل الترمذي"2: 722، وانظر:"الجرح والتعديل"6: 39.
(2)
"تاريخ الدارمي عن ابن معين" ص 62.
(3)
"هدي الساري" ص 436، وانظر:"تاريخ بغداد"12: 474، و"تهذيب الكمال"23: 484 - 486.
النقاد في الجرح والتعديل، وقد يكون هناك غير ما ذكرت، مما قد فاتني التنبه له، أو تعمدت إغفاله لقلة الحاجة إليه، أو أنه يندرج تحت ما ذكر.
وأختم الحديث عن هذا الموضوع المهم بثلاث مسائل تتعلق بعموم الضوابط السابقة.
المسألة الأولى: في شرح الضوابط والتمثيل لها أكثرت من التعويل على حال الراوي، وأنها تساعد على النظر في إسناد النص، أو في سلامته، أو في قائله، أو في دلالته، وهذا أمر قد يشكل على البعض تصوره، إذ نحن نريد معرفة حال الراوي من نصوص النقاد، ونحن الآن نعالج نص الناقد بالنظر في حال الراوي، فهذا دور في الاستدلال ظاهر.
وغير خاف أن هذا اعتراض صحيح، ولابد من الانفصال عنه، وطريقة ذلك أن يقال: ما نعالجه ونحتاج فيه إلى النظر في حال الراوي هو جزء من نصوص النقاد في الراوي، والحال التي يُعَوَّل عليها في معالجة هذا النص أو تلك النصوص هي عموم حال الراوي من نصوص النقاد الأخرى المتضافرة في الدلالة على حاله، فهو رد للجزء إلى الكل، وينقطع الدور حينئذ.
يضاف إلى ذلك أمر آخر، وهو أن النظر إلى حال الراوي كثيرا ما يكون عاملا مساعدا، أي ليس الاعتماد عليه وحده، ومثل هذا يتسامح فيه في وقوع نوع من الدور في الاستدلال.
وهذا لا يمنع من التأكيد على ضرورة التأني في الاستفادة من حال الراوي في معالجة نصوص النقاد، إذ قد يكون الدور حقيقيا كاملا، لقلة النصوص الأخرى عن النقاد في الراوي، وخلو النص موضع النظر
عن العوامل المساعدة.
المسألة الثانية: الضوابط السابقة هي في النظر في أقوال النقاد في عصر النقد -عصر الرواية-، وعليه فلا يدخل في هؤلاء النقاد المتأخرون، كالمِزِّي، والذهبي، وابن رجب، وابن حجر، وغيرهم، فهؤلاء ليسوا نقادا بالمعنى المراد للكلمة، أي أن استخدامهم لوسائل نقد الرواة الماضية في الفصل الأول محدود جدا، وإنما نظرهم في أقوال النقاد في تلك الفترة، فإذا قال الذهبي -مثلا- عن راو ما إنه ثقة، أو صدوق، ونحو ذلك، فإنما يريد أنه ثقة حسب اجتهاده في نصوص النقاد، وتطبيق الضوابط السابقة عليها.
فالباحث وهو ينظر في نصوص النقاد وفق الضوابط السابقة يستعين باجتهاد الأئمة المتأخرين، وقد يجد تفاوتا بين ما توصل إليه كل منهم، بل قد يجد تفاوتا بين أقوال الواحد منهم، وإن كان هذا في الغالب اختلاف عبارة أكثر من كونه اختلافا حقيقيا في نتيجة الاجتهاد، وعلى الباحث أن يلقي باله لتطبيقات هؤلاء الأئمة لتلك الضوابط، ليتدرب عليها، فكثيرا ما ينصون على الدليل الذي اعتمدوه في الجمع بين الروايات، أو في رد بعضها، أوفي الترجيح بينها، وهذه هي الضوابط.
ولهذا السبب يذهب كثير من الباحثين والمشرفين على إعداد الرسائل العلمية إلى أنه لا بأس أن يعتمد الباحث على حكم إمام متأخر، كالذهبي، وابن حجر، ويستندون في ذلك إلى أن الباحث سيقوم لو أراد أن يصل إلى حكم في الراوي بتطبيق ضوابط هؤلاء الأئمة، وحينئذٍ فإمامتهم ترجح أن يكون قولهم هو الصواب.
وليس عندي اعتراض كبير على هذا الرأي، لكن يلزم التنبه لأمرين، الأول: أن هؤلاء الأئمة يلجؤون إلى الاختصار كثيرا في عرض نتيجة الحكم على الراوي، مراعاة لمنهجهم في تأليف كتاب مختصر جدا، مثل "الكاشف" للذهبي، أو "التقريب" لابن حجر، ومراعاة أيضا لكونهم يعطون حكما عاما على الراوي، دون الخوض في التفاصيل، وعليه فإنهم يدعون -أحيانا- في خلاصة الحكم النص على استثناء حالة معينة للراوي، كتضعيفه في شيخ معين له، أو أكثر، ومن تتبع أحكام هذين الإمامين لم تعوزه الأمثلة على ذلك.
وعلى هذا فالباحث -مع اكتفائه بحكم الأئمة المتأخرين- يلزمه الوقوف على أقوال النقاد المتقدمين، فقد يكون فيها شيء يحتاجه الباحث في حديثه الذي يبحث فيه، لا يصح له إغفاله.
مثال ذلك الإمام عبد الرزاق، قال فيه ابن حجر:"ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع"
(1)
.
ففي عبد الرزاق -أخذا من كلام الأئمة- استثناء لم يشر إليه ابن حجر، فروايته عن عبيد الله بن عمر العمري متكلم فيها، وكذلك بعض سماعه من سفيان الثوري، كما تقدم شرحه في المبحث الثاني من الفصل الأول، ومثل هذا ليس بالقليل.
الثاني: تتأثر اجتهادات هؤلاء الأئمة في النظر في نصوص النقاد بالقدر الذي يقف عليه الناظر منهم في هذه النصوص، وخاصة في غير المشهورين من الرواة، فابن حجر مثلا يحكم على أحد الرواة بحكم في
(1)
"التقريب" ص 354.
"تقريب التهذيب" استخلصه من نصوص النقاد التي ساقها في "تهذيب التهذيب"، ولكنه مع حرصه التام على ذكر كل ما يقف عليه من كلام النقاد، ما كان في أصل كتابه وهو "تهذيب الكمال" للمزي، أو ما زاده عليه مغلطاي في كتابه "إكمال تهذيب الكمال"، أو ما وقف عليه هو بنفسه- مع هذا فقد فاته الشيء الكثير من نصوص النقاد، وقد يكون ما فاته ذا أثر كبير في استخلاص الحكم على الراوي، وهذا أكثر ما يظهر في غير المشهورين من الرواة
(1)
.
وقد اتضح مما تقدم أن ما يفعله كثير من الباحثين في نقلهم لنصوص النقاد فيمن يترجمون له بقولهم مثلا: وثقة أحمد، وابن معين، والذهبي، أو قولهم: قال أبو داود، والعجلي، وابن حجر:"ثقة"- ينبئ عن عدم تصور معنى توثيق أحمد، وابن معين، وأبي داود، والعجلي، ومعنى توثيق الذهبي، وابن حجر.
وأدق من ذلك أن بعض الباحثين حين يتصدى لشرح مصطلح ما قد ينصب الاختلاف في معناه بين ناقد متقدم، وبين إمام متأخر، فيقول مثلا: قولهم: منكر الحديث، فيه قولان، الأول: لأحمد، والبخاري، وسائر النقاد المتقدمين، ثم يذكر معناه عندهم، الثاني: للذهبي، ثم يذكر معناه عنده.
وقد رأيت من يفعله، وغير خاف أن الذهبي حين أطلق معنى هذا المصطلح ليس مراده أن يخالف الأولين، وأن يأتي بجديد، وإنما هو اجتهد ونظر في إطلاق الأولين لهذا المصطلح، فشرح مرادهم به،
(1)
انظر مقدمة التحقيق لكتاب: "تاريخ الدارمي عن ابن معين"، وكتاب "سؤالات ابن الجنيد لابن معين"، وكتاب "تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين"، وكلها لأحمد نور سيف.
سواء وفق في هذا الاجتهاد أو كان الصواب بخلاف ما ذهب إليه.
وقضية استفادة الناقد من كلام من تقدمه من النقاد بدأت مبكرة جدا، كما تقدم شرحه في المبحث الرابع من الفصل الأول، وكلما تأخر الزمن زادت ضرورة نظر الناقد في أقوال من سبقه، ولهذا نجد من تأخر عن القرن الثالث قليلا -كابن حبان، وابن عدي، والدارقطن- نظره في غالب الرواة خليط من سبر أقوال النقاد قبله، ومن نظره هو في أحاديث الراوي، ثم اختيار رأي له هو.
وأما المتأخرون فنظرهم -كما أسلفت- تمخض في كلام النقاد في الراوي.
الثالثة: لا يختلف اثنان من المشتغلين بعلم السنة على أهمية الجرح والتعديل في نقد السنة، غير أن هذا لا يمنع من القول إنه جزء من النقد، وليس النقد كله، فدرجة الراوي حين النظر في الإسناد كله، ثم في الأسانيد الأخرى- حلقة في سلسلة حلقات، يتوصل بها أخيرا إلى الحكم على الحديث، وفي كثير من الأحاديث ليس لدرجة الراوي تأثير كبير على هذا الحكم، لسبب بسيط جدا، وإن كان خفي تصوره على أكثر المتصدين لنقد السنة في عصرنا وقبله أيضا، وهذا السبب هو أن الحكم على الحديث سابق عند النقاد الأولين على الحكم على الراوي، فالحكم الذي يصدره الناقد على الراوي من أهم وسائله -كما تقدم شرحه في المبحث الأول من الفصل الأول- النظر في أحاديث الراوي، ومقارنتها بحديث غيره، لمعرفة ما أصاب فيه وما أخطأ، وما شاركه فيه غيره مما تفرد به، فالحكم بالخطأ على أول حديث يقف عليه الناقد إذن ليس مبنيا على درجة الراوي، فالراوي لم يتحدد
درجته عند الناقد بعد، حتى يفرغ من النظر في أحاديثه.
وهذا يفسر قول النقاد كثيرا عن حديث ما: حديث منكر، أو خطأ، وفلان ثقة، أو لا بأس به، فالحديث إذن منكر، أو خطأ بغض النظر عن درجة راويه.
والإشكال الكبير الواقع في الدراسات النقدية هو قلب الصورة، أي الاعتماد على درجة الرواة في الحكم على أحاديثهم اعتمادا كليا أو شبه كلي، وربما زادوا على ذلك برد كلام النقاد استنادا إلى هذه الدرجة.
وهذه القضية ليست من السهولة بحيث أعالجها في هذه العجالة، ولذلك فإنني سوف أعود إلى تأكيدها وشرحها في مناسبات قادمة، فهي قطب الرحى بالنسبة للدراسات النقدية للسنة النبوية.
وغرضي من ذكرها هنا ما رأيته من عمل بعض الباحثين في التدقيق جدا في درجة الراوي، وكثرة التعقب على الأئمة المتأخرين كالذهبي، وابن حجر، فيما استخلصوه من أحكام على الرواة، فإذا قال الواحد منهم: فلان صدوق، تعقبه الباحث بأنه ثقة له أوهام، أو ثقة يهم، أو إذا قال: صدوق، قال: بل صدوق يخطئ، أو إذا قال: لين الحديث، تعقبه بأنه صالح الحديث، ونحو ذلك، فيقع التدقيق في عبارات متقاربة جدا، هي محل نظر واجتهاد، ولا تأثير لها يذكر في الحكم النهائي على الحديث.