المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌نماذج من الإسرائيليات - الدخيل في التفسير - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 التعريف بالدخيل في التفسير وأنواعه - الإسرائيليات (1)

- ‌تمهيد

- ‌تعريف الدخيل والأصيل

- ‌أنواع الدخيل، وفائدته

- ‌كيف نشأ الدخيل

- ‌معنى الإسرائيليات، والعلاقة بين الدخيل والإسرائيليات

- ‌الدرس: 2 الإسرائيليات (2)

- ‌أقسام الإسرائيليات:

- ‌أسباب تفشي الإسرائيليات، وخطورتها على أمة الإسلام

- ‌أقطاب الرواية الإسرائيلية:

- ‌الدرس: 3 الإسرائيليات (2) - نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (1)

- ‌تابع أقطاب الرواية الإسرائيلية

- ‌نماذج من الإسرائيليات

- ‌الدرس: 4 نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (2)

- ‌تسلل الإسرائيليات إلى كتب التفسير

- ‌حكم رواية الإسرائيليات

- ‌قصة موسى عليه السلام مع بنات شعيب، وما ورد في تعيين أسمائهم

- ‌الدرس: 5 نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (3)

- ‌قصة عصا موسى عليه السلام، وقضية الأجلين

- ‌بعض مواقف موسى عليه السلام مع فرعون

- ‌قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش

- ‌قصة "إرم ذات العماد

- ‌فتنة سليمان عليه السلام

- ‌الدرس: 6 نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (4)

- ‌المسوخ من المخلوقات في روايات بني إسرائيل

- ‌ما ورد في بناء الكعبة المشرفة

- ‌الإسرائيليات في قصة التابوت

- ‌شجرة طوبَى

- ‌الدرس: 7 نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (5)

- ‌قصة ذي القرنين:

- ‌قصة يأجوج ومأجوج

- ‌قصة الذبيح ابن إبراهيم عليه السلام

- ‌الدرس: 8 نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (6)

- ‌قصة سليمان عليه السلام

- ‌الإسرائيليات التي وردت في قصة أيوب عليه السلام

- ‌الدرس: 9 نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (7)

- ‌تعقيب على قصة "إرم ذات العماد

- ‌الإسرائيليات التي وردت في سؤال موسى ربه الرؤية

- ‌موقف موسى من ألواح التوراة، وغضبه عند إلقائها

- ‌الدرس: 10 نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (8)

- ‌الإسرائيليات التي وردت في تفسير آية: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا}

- ‌الإسرائيليات التي وردت في قصة أصحاب الكهف

- ‌الإسرائيليات التي وردت في قصة يوسف عليه السلام

- ‌الدرس: 11 نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (9)

- ‌تابع الإسرائيليات التي وردت في قصة يوسف عليه السلام

- ‌الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة

- ‌الدرس: 12 نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (10)

- ‌تابع الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة

- ‌الإسرائيليات التي وردت في قصة "بلقيس"، وما حدث لنبي الله سليمان عليه السلام

- ‌الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم عليه السلام

- ‌الدرس: 13 نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (11)

- ‌تابع الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم عليه السلام

- ‌الإسرائيليات التي وردت في قصة نوح عليه السلام

- ‌الإسرائيليات التي وردت في قصة داود عليه السلام

- ‌الدرس: 14 نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (12)

- ‌تابع الإسرائيليات التي وردت في قصة داود عليه السلام

- ‌الإسرائيليات التي وردت في قصة موسى عليه السلام

- ‌الدرس: 15 نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (13)

- ‌الإسرائيليات التي وردت في قصة إدريس عليه السلام

- ‌الإسرائيليات التي وردت في قصة إلياس عليه السلام

- ‌الإسرائيليات التي وردت في قصة إبراهيم عليه السلام

- ‌الدرس: 16 نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (14)

- ‌تابع الإسرائيليات التي وردت في قصة إبراهيم عليه السلام

- ‌الإسرائيليات التي وردت في قصة لوط عليه السلام

- ‌الدرس: 17 الدخيل في المنقول عن طريق الأحاديث الموضوعة (1)

- ‌تعريف الحديث الموضوع

- ‌علامات الحديث الموضوع

- ‌الدرس: 18 الدخيل في المنقول عن طريق الأحاديث الموضوعة (2) - نماذج من الأحاديث الموضوعة في التفسير (1)

- ‌تابع علامات الحديث الموضوع

- ‌حكم رواية الحديث الموضوع

- ‌الأحاديث الموضوعة في فضائل سور القرآن

- ‌ما جاء في فضل يونس عليه السلام، وما ورد في إهلاك قوم لوط

- ‌ما قيل عن عقوق الوالدين

- ‌الدرس: 19 نماذج من الأحاديث الموضوعة في التفسير (2)

- ‌تابع ما قيل عن عقوق الوالدين

- ‌الآثار والأحاديث الموضوعة والضعيفة في أسباب نزول الآيات

- ‌الدرس: 20 نماذج من الأحاديث الموضوعة في التفسير (3) - والدخيل في التفسير بالرأي

- ‌تابع الآثار والأحاديث الموضوعة والضعيفة في أسباب نزول الآيات

- ‌بعض القراءات الموضوعة

- ‌التفسير بالرأي

- ‌الدرس: 21 أنواع الدخيل في الرأي (1)

- ‌معنى الدخيل في الرأي

- ‌الدخيل عن طريق الفرق المبتدعة

- ‌الدرس: 22 أنواع الدخيل في الرأي (2)

- ‌تابع الدخيل عن طريق الفرق المبتدعة

- ‌الدخيل عن طريق الإلحاد

- ‌الدخيل عن طريق التفسير الصوفي

- ‌الدخيل عن طريق التفسير العلمي

الفصل: ‌نماذج من الإسرائيليات

بهذا نكون قد طُفنا بنماذج من التفاسير على اختلاف ألوانها، منها ما أكثر من الإسرائيليات دون تنبيه، ومن العلماء من أكثر في تفسيرهم من الإسرائيليات ونبه عليها، ومنهم من أقل، ومنهم من حاربها حربًا ظاهرة.

‌نماذج من الإسرائيليات

نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني:

قصة هاروت وماروت، قول الله -جل وعلا-:{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (البقرة: 102).

نعم هذه الآية ورد فيها إسرائيليات كثيرة، الإمام الثعالبي والنسفي ومن سار في فلكهم، ونقل منهم، نقلوا كثيرًا من الإسرائيليات في هذه القصة، والمعلوم أن هذه الآية إنما وردت في بيان ما يحدث أيام سليمان، سنبدأ بتفسيرها الصحيح، ثم نذكر ما تورط فيه أصحاب التفاسير من القصص والإسرائيليات.

هذه الآية هي في سورة البقرة، وتفسيرها الصحيح: أن اليهود الذين أوتوا التوراة، نبذوا القرآن بعدما لزمهم تلقيه بالقبول، ولذلك قبل هذه الآية نعى الله

ص: 53

عليهم وذكر مثالبهم، فقال:{وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (البقرة: 101) ثم قال: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} .

إن اليهود الذين أوتوا التوراة لم يصدقوا بالقرآن، ورموه وراء ظهورهم استغناء عنه، وقلة التفات إليه، كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} أي: نبذ اليهود كتاب الله، واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرأها الشياطين على عهد سليمان عليه السلام وفي زمان ملكه، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيبَ، يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دونوا منها في كتب يقرؤونها، ويعلمونها للناس.

وفشا ذلك في أيام سليمان عليه السلام حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب، وكانوا يقولون: هذا علم سليمان، وما تم لسليمان مُلكُه إلا بهذا العلم، وبه سخر الجن، وسخر الإنس، وسخر الريح، وسخر الحيوان، وسخر وسخر قال الله تعالى:{وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} قال هذا تكذيبًا للشياطين، ودفعًا لما قالته بهتانًا عن سليمان من اعتقاد السحر والعمل به، وأنه سخر الجن وغيرهم بهذا السحر، فنطقت الآية:{وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} كفروا لاستعمال السحر، وتدوينه وتعليمه للناس وإغوائهم.

ثم قالت الآية: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} الجمهور على أن "ما" هنا: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} عطف على السحر؛ أي: أن الجن يعلمون الناس السحرَ، ويعلمونهم ما أنزل على الملكين، أو عطف على:

ص: 54

{مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ} ، {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} أي: اتبعوا ما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت.

عن هاروت وماروت، هم علمان من الملائكة، أنزل عليهما علم السحر؛ ابتلاءً من الله للناس، من تعلمه منهم وعمل به كان كافرًا إن كان فيه رد ما لزم فيه شرط الإيمان، إلى آخره.

ثم قالت الآية: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} أي: وما يعلم الملاكان أحدًا حتى يقولا له وينصحاه بقولهم: إنما نحن فتنة، نزلنا ابتلاء واختبارًا للخلق من الله، فلا تكفر بتعلم السحر والعمل به على وجه يكون كفرًا، فتعليم السحر كان هذا فتنةً واختبارًا لهؤلاء الناس، كان الناس يتعلمون السحر من الملكين، وهذا السحر له أثر كانوا يفرقون به بين المرء وزوجه أي: في علم السحر الذي يكون سببًا في التفريق بين الزوجين، وهذا لا يحدث إلا بقضاء الله وقدره بأن يحدث عنده خلاف زوجي أو نشوذ أو ضرر، وهذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى.

{وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ} أي: بالسحر. {مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} بعلمه ومشيئته.

هذا هو التفسير الصحيح، هاروت وماروت ملكَان، أُنزلَا من السماء لبيان أن سليمان لا يتعامل بالسحر، وإنما نزَل الملكان بالسحر ليعلمَا الناسَ أن سليمان له معجزات وأنه إنما سخر الجن وعالم الريح والطير والحيوان وغيرَ ذلك معجزةً، ولم يكن هذا بتأثير السحر.

كما قال بعض العلماء: إن تعليم الملكين للناس لهذا السحر كان أيضًا للعلاج والتخلص به مما وقع من السحرة والشياطين في إيذاء الناس، فكأن التعليم لاختبار الناس، ولبيان الفرق بين السحر والمعجزة، وأن سليمان إنما يتعامل بالمعجزات من ربه، وليس بالسحر، كما أن هذا العلم يستفيد منه الناس في دفع الأذى ودرأ المفاسد، والتخلص من ضرره.

ص: 55

ذكر المفسرون كثيرًا من الإسرائيليات، فالإمام النسفي وغيره ممن نقل عنهم يقول: إن هاروت وماروت كانَا ملَكين، اختارتهما الملائكة لتركب فيهما شهوة؛ حيث إن الملائكة عيرت بني آدم بأنهم أفسدوا في الأرض وقتلوا وكذا وكذا، فكانَا يحكمان في الأرض، ويصعدان بالليل، الملكان، فهويا زهرة فحملتهما على شرب الخمر، فوقعا في جريمة الزنا، فرآهما إنسان فقتلاه، فاختارَا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فهما يعذَّبان منكوسين في جب ببلدة ببابل، وسميت ببابل لتبلبل الألسنة بها.

هذا في كتاب النسفي، ونقله عن غيره، والحقيقة ما ذكره النسفي في هذه القصة هو خلاصة ما ذكره المتقدمون، ومنهم ابن جرير الطبري وغيرهم من المفسرين، الذين نقلوا القصة عن الثعلبي وعن غيره.

وقد رُوِيَ في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل وغيرهم، ذكرت في كتب التفسير من المتقدمين والمتأخرين وتناقلها الناس.

الرد على هذه الإسرائيليات:

لا ينبغي أبدًا أن يشك مسلم عاقل فضلًا عن أهل العلم في أن ما ذكر في قصة هاروت وماروت باطل، قال الإمام ابن الجوزي: إنها موضوعة. قال: وما رُفع في هذه القصة حدثنا الفرج بن فضالة أن هذا الشخص ضعفه يحيى، وقال ابن حبان: إنه يقلب الأسانيد ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة، كما أن سند ابن داود ضعفه أبو داود والنسائي، وهذا يدل على أن هذه الرواية موضوعة. ألحقها الفرج بن فضالة بسند صحيح.

ص: 56

قال الثعالبي في تفسيره: قال عياض: وأما ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت، وما روي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما في خبرها وابتلائها، فاعلم -أكرمك الله- أن هذه الأخبار لم يرد منها سقيم -أي: ضعيف- ولا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هو بشيء يؤخذ بقياس، والذي منه في القرآن اختلف فيه المفسرون، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود وافتراءاتهم، كما نصه الله في الآية:{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} .

قال الإمام الفخر الرازي بعدما ذكر القصة بروايتها: واعلم أن هذه الرواية فاسدة، مردودة غير مقبولة؛ لأنه ليس في كتاب الله ما يدل على ذلك، بل فيه ما يبطلها من وجوه:

الأول: الدلائل الدالة على عصمة الملائكة، فالله يقول في صفة الملائكة:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (النحل: 50) هذه الآية تتناول جميعَ الملائكة في فعل جميع المأمورات، وترك جميع المنهيات؛ لأن كل من نهى عن فعل فقد أمر بتركه، فهل ما وصف به هاروت وماروت في هذه الرواية الباطلة يعد من قبيل الخوف من الله وامتثال أمره؟

ثانيًا: قال تعالى في وصف الملائكة: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} (الأنبياء: 26، 27).

ثالثًا: قال في شأنهم: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} (الأنبياء: 20) وما كانت صفته كذلك لا يصدر عنه الذنب، وقوله تعالى:{جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا} (فاطر: 1) فهم رسل الله، والرسل معصومون عن كل نقص وعيب، لا يليق بهم لقوله في تعظيمهم:{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} (الحج: 75).

ص: 57

الثاني: أن قولهم: إنما خيرَا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاسد، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب؛ لأن الله تعالى خير بينهما من أشرك طول عمره، فكيف يبخل عليهما بذلك؟. هذا كلام الإمام الرازي.

الثالث: أن من أعجب الأمور قولهم: إنهما يعلمان السحر في حال كونهما معذبين، ويدعوان إليه وهما يعاقبان.

أما الإمام القرطبي، فقد قال في قصة هاروت وماروت: قلنا: هذا أثر ضعيف، وبعيد عن ابن عمر وغيره، لا يصح منه شيء، فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناءُ الله على وحيه وسفراؤه إلى رسله. ثم ذكر نحو ما سبق عن الإمام الرازي في عصمتهم.

الإمام ابن كثير: فقد حكم بوضع المرفوع من هذه القصة، قال: وهذا منشؤه روايات إسرائيلية أخذت عن كعب الأحبار وغيره، وألصقها زنادقة أهل الكتاب بالإسلام زورًا وبهتانًا، والشهاب العراقي نص على أن من اعتقد في هاروت وماروت أنهما ملكان يعذبان على خطيئتهما، فهو كافر بالله العظيم.

وقال صاحب (الميزان) بعدما ذكر أسانيد الروايات: وهذه قصة خرافية تنسب إلى الملائكة المكرمين، الذين وصَّى القرآن على نزاهة ساحتهم، وطهارة وجودهم عن الشرك، والمعصية أغلظ الشرك وأقبح المعصية، وهو: عبادة الصنم والقتل والزنا وشرب الخمر، كل هذا نسب إليهم، وتنسب إلى كوكب الزهرة أنها امرأة زانية مسخت، إنها لأضحوكة، ثم كيف للعقل أن يقبل أن المرأة الفاجرة الزهرة ترفع إلى السماء وتكرم وتصير كوكبًا مضيئًا.

هذا إشارة إلى تفاصيل هذه الرواية في الكتب التي ذكرتها مفصلة.

ص: 58

قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد عن خالد عن كذا عن كذا سمعت عليًّا رضي الله عنه. كل هذا يدل على أن الروايات نقلوها عن الصحابة والتابعين كذبًا، يقول علي: كانت الزهراء امرأة جميلة من أهل فارس، وأنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت عليهما، إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به أحد يعرج به إلى السماء، فعلماها فتكلمت به فعرجت إلى السماء، فَمُسخت كوكبًا، وما هذا الكوكب الذي زعموا إلا في مكانه من يوم أن خلق الله السموات والأرض، وأن السماء لما خلقت خُلِقَ فيها كواكب ونجوم وسيارة هي: زحل والمشترى وعطارد والزهرة والشمس والقمر وغيرها: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (يس: 40) فالزهرة موجودة من قبل خلق آدم، وأقسم الله بها في قوله تعالى:{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ} (التكوير: 15، 16).

ومما يدل على كذب هذه الروايات أيضًا أنها مختلفة، وبينها اضطراب وتعارض وروايات متناقضة، هذه روايات أخرى جاءت في بعض الروايات قال كعب: والذي نفس كعب بيده ما استكملا يومهما الذي نزلَا فيه حتى أتيا ما حرما الله عليهما. وجاء في رواية أخرى عن كعب الأحبار: فأنزلهما إلى الأرض، فركب فيهما الشهوة، فما مر بها شهر حتى فتنا بامرأة اسمها بالنبطية "بيدخت" وبالفارسية "ناصيل" وبالعربية "الزهرة" الأثر انظر إليه، التعارض واضح وظاهر، وليس فيها رواية أصح من الأخرى.

أيضًا يقول: إن نزول الملكين هاروت وماروت كان بعد زمن سليمان، كما هو ظاهر الآية، وظاهر كلام الإمام النسفي، وجاء في بعض الروايات عن الربيع بن أنس أنهم كانوا في زمن إدريس عليه السلام وما جاء أنهما قصدا إلى إدريس عليه السلام فأخبراه بأمرهما، وسألاه أن يشفع لهما إلى الله -تعالى- ومن المعلوم أنه بين إدريس وسليمان زمن طويل.

ص: 59

مما يدل على كذب الرواية أيضًا الحديث الموضوع الذي رفع عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الزهرة، فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت". قال فيه ابن كثير: لا يصح، وهو منكر جدًّا.

قال المحققون لتفسير ابن كثير: إن الحديث الذي رُفع إلى النبي في شأن الزهرة -أو الزُّهرة- حديث مشكوك في سنده، والأحاديث التي رويت عن السلف لا تخرج عما جاء في هذا الحديث، وهي، وإن صح بعض أسانيدها، فهي من السمعيات التي لا تثبت إلا بخبر عن المعصوم، فالروايات من الإسرائيليات التي لا تستند إلى برهان أو إلى دليل، ومن هنا يظهر لك أيها الباحث أن الروايات في هذا وفي هذه القصة كلها من الإسرائيليات.

ثانيًا: نأخذ نموذجًا آخر، ألا وهو ما ورد في قصة أيوب عليه السلام هذا الرسول الذي مدحه الله في كتابه بأنه كان من الصابرين، الآيات في شأن أيوب وردت في أكثر من سورة، قال تعالى:{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} (الأنبياء: 83، 84) وقال تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} (ص: 41 - 44).

واضح في هذه الآيات أن أيوب عليه السلام اختبره ربه بالمرض، فدعا ربه بأدب: أنت أرحم الراحمين، إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجاب الله له دعاءه، كشف عنه الضر، آتاه أهله، ومثلهم معهم، والآيات الأخرى:

ص: 60

{أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} فالله أمره أن يركض برجله في الأرض، فخرج له مغتسل بارد، تطهر منه واغتسل وشفاه ربه، وعاد إليه، ووهب له أهله، وما كان قد فقد منه في حياته.

ولما كان أيوب عليه السلام قد تغيبت عنه زوجه في بعض المواقف، وحلف أن يضربها، فالله جل جلاله بين له أن يضربها بحِزمة من الأعواد الخفيفة، فقال:{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} الضغث: هي مجموعة من الأعواد الصغيرة، كحزمة صغيرة، ينفذ الوعد أو يفي بما قال في ضرب زوجته بشيء غير مؤذٍ، ولا يحنث، وأثنى عليه القرآن:{إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} .

ورد في هذه القصة إسرائيليات كثيرة، ووردت في كتب التفسير مثلما ذكرنا في ابن جرير، و (الكشف والبيان) للثعلبي ويمكن (الوسيط) أيضًا للواحدي، وتناقلها المفسرون والكثير من المفسرين كالرازي والقرطبي وغيرهما ذكروا القصة لبيان الإسرائيليات فيها.

نقول:

أولًا: قالوا: سبب بلائه ذبح شاة فأكلها وجاره جائع. هذا كلام لا يعقل أنه رأى منكرًا فسكت عليه. الرأي الصحيح في هذه البلوى في سبب بلائه أن الله -جل وعلا- ابتلاه لرفع درجاته بلا زلة سبقت، كما قال ربنا في محكم كتابه:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} (العنكبوت: 2) الاختبار وارد لرفع الدرجات.

ثانيًا: قالوا: من الإسرائيليات في امرأته، قالوا: إن امرأته باعت ضفائر شعرها برغيفين؛ لتطعم زوجها الذي لم يجد القوت. هذا الكلام غير مقبول؛ لأن الله -جل وعلا- أكرم من أن يعرض نبيه إلى هذا الحال، فالأنبياء إنما يُبعثون من أوساط الناس، وأكرم الناس، فأين كان أهله وذووه؟ كيف حال المؤمنين حولَه؟ هل تخلوا عنه في بلائه ومحنته؟ لا بد أن الأقارب يحيطون بالإنسان.

ص: 61

ثالثًا: قالوا في الإسرائيليات: إن الخلاف في عدد أولاده وأمواله وعقاره كبير. كلامهم لا نحكم عليه بصدق، ولا كذب، البعض بالغ والبعض قلل، كلام يتناقض، وكذا ما قيل في مدة بلائه كلام كثير، بعضهم قال: سنوات عديدة سبعين سنة وأكثر من ذلك.

رابعًا: قالوا في قوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} قالوا: إن الشيطان قد سلط على ماله وعلى ولده وعلى جسده حتى نال منه، والصحيح في معنى الآية هو أن أيوب عليه السلام ما كان يوسوس به الشيطان إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء، وكان يحمله على الكراهة والجزع، فكان يلتجأ -أي: أيوب- إلى الله في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء عنه، وبالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل.

خامسًا: في الروايات التي ذكرت، ذكرت أن مرضه -مرض سيدنا أيوب- كان منفرًا، قيل: إنه صار به المرض إلى درجة أنتن فيها جسده، فأخرجه أهل القرية من القرية إلى كُناسة خارج القرية لا يقربه أحد إلا زوجته. كلام باطل؛ لأن الأنبياء معصومون من كل مرض منفر، أو كل مرض معد، وعن كل ما يبعد الناس عنهم، تجوز عليهم نعم الأحوال العادية، الأمراض العادية، لكن غير المنفرة؛ لأن الله -جل وعلا- كلفهم بالبلاغ والرسالة ودعوة الناس، فهذا الكلام يتناقض مع هذه الأسس في حق الرسل.

سادسًا: ما قيل: إن امرأة أيوب كانت تخدم الناس، وأنها باعت شعرها وضفائرها، فحلف أن يضربها. هذا الكلام من الإسرائيليات.

فالصحيح أن زوج أيوب امرأته ذهبت في حاجة له لقضاء مصلحة لإحضار طعام أو شيء فغابت عليه، وكان حاله لا يتحمل هذا الغياب الطويل، فحلَف عليها ليضربنها. الإسرائيليات في هذا كثيرة، والحقيقة إن الكلام في شأن أيوب كلام

ص: 62

كثير، لا يتسع المقام لذكره مفصلًا، وإلا قرأنا صفحات كثيرة، ووجدنا أقوالًا يطول الحديث عنها.

بالرجوع إلى كتب التفسير تعرف القصة بما فيها من الكلام عن سبب بلائه، كفى قول الله -جل وعلا- عنه إنه كان صابرًا:{نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} .

نعود إلى قصة موسى عليه السلام:

نموذج ثالث من الإسرائيليات، وقصة موسى في القرآن الكريم كثيرة، تعددت مواقفها، وكثرت آياتها حتى إن موسى عليه السلام ذكر في القرآن أكثر من مائة مرة، على ما أذكر 134 مرة، وهذا يدل على أن حياة موسى مع قومه مليئة بالدروس والعِظات، ومنهج دعوة كامل، كما أن موسى أرسل إلى بني إسرائيل، وبنو إسرائيل قوم اكتملت عندهم جميع الأمراض: العقلية والبدنية والنفسية والتكذيب، كل المواقف التي تناوئ الدعوة وقعت منهم، ولذلك لو تأملت القرآن الكريم، وعرفت أن فيه خمسة وعشرين رسولًا، فأكثر من نصف هذا العدد كان موجهًا لبني إسرائيل، تقريبًا ثلاثة عشر رسولًا من المذكورين في القرآن الكريم، كلهم أرسلوا إلي بني إسرائيل.

على أية حال، الإسرائيليات في قصص موسى كثيرة، تبعًا لكثرة ذكر موسى، ومواقف قومه، وما وقع من فرعون، وما وقع من موسى مع قومه كلام كثير.

قصة موسى عليه السلام: اختلفوا في عدد القتلى الذين ذبحهم فرعون في طلب موسى، كما نعرف، الله جل جلاله قال في محكم كتابه:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} (القصص: 7) كان فرعون قد رأى رؤية وحكاها للكهنة أن رؤيا

ص: 63

أزعجته، فقالوا له: سيولد ولد في ملكك يكون زوال دولتك وملكك على يديه، فأمر بقتل المواليد، ولما انتبه المقربون منه إلى أن قتل المواليد عدة سنين سيقضي على القوة العاملة؛ لأن الموجودين سينالهم الكِبر والشيخوخة، والدولة بحاجة إلى قوة جديدة، فخفف الحكم، يقتل المواليد عامًا، ويبقيهم عامًا آخر.

شاءت إرادة الله أن يولد موسى في العام الذي فيه أمر بقتل المواليد، وشاءت إرادة الله أن ينقل موسى إلى بيت فرعون، وأن يتربى بين يديه وفي حِجره، وهو الذي يحمله ويربيه، ولما امتنع موسى عن الإرضاع كان فرعون هو الذي يسعى على طلب مَن ترضعه، ويدفع الميزانية كاملةً لتربية موسى ورعايته وحضانته وهو في بيت أمه، ويعود موسى إلى بيت فرعون؛ بدلًا من أن يكون قرة عين لهذه الأسرة، بل كان كما أخبر الحق -جل وعلا- إن موسى جاء إليهم ليكون لهم عدوًّا وحزنًا.

قال الإمام النسفي -وهو أحد رواة الإسرائيليات-: روي أنه في طلب موسى ذُبِحَ تسعون ألف وليد؛ يعني: حرصًا من فرعون على أن يقضي على الوليد الذي سيولد ويعيش ويكون دمار فرعون وذهاب مُلكه على يدي هذا الوليد، أمر بقتل المواليد.

اختلف الناس أصحاب الإسرائيليات في هذا العدد، البعض قال: تسعون ألف وليد قتل، هذه الرواية ذكرها عدد من المفسرين: الزمخشري في (الكشاف) والفخر الرازي في (مفاتح الغيب) حتى الإمام النيسابوري في تفسيره على (هامش الطبري) والعلامة الألوسي أيضًا ذكر هذا العدد، هذه الرواية حددت عددًا من القتلى، يختلف مع العدد الذي ذكره رواة أُخر، الإمام الثعلبي في روايته عن وهب بن عتبة قال الثعلبي: وقال وهب: بلغني أنه ذبح في طلب موسى سبعون ألف وليد.

ص: 64

والملاحظ أن الروايتين مصدرهما واحد، وهو رواة أهل الكتاب، والقرآن الكريم لم يبين عددًا لهؤلاء القتلى حتى ولو بالإشارة، إنما ذكر أنه أمر أو علم من القرآن أن فرعون كان جبارًا، وكان طاغيةً، فالقرآن حتى ولو بالإشارة لم يشر إلى كثرة عدد القتلى حتى نفهم منه هذا التحديد، إنما قال ربنا:{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} (القصص: 4).

والأشياء التي لم يبينها القرآن وأجملها، ولم يفصل دقائقها، يجب أن نقف عندها تمامًا.

هذا ما وجهنا إليه علماؤنا أن ما يذكره القرآن مجملًا، نقف عند إجماله، ولا نتعمق أو نتكلف التفصيل، فربما لا نسلم من الزلل.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله أعلم.

ص: 65