الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نعتقد أنه لم يكن السجن عقوبة على كلمة، وإنما هو بلاء ورفعة درجة، ثم كيف يتفق هذا الحديث الضعيف، وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في (الصحيحين)، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي)) وفى لفظ للأمام أحمد: ((لو كنت أنا لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت العذر)).
الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة
ومن الإسرائيليات التي ذكرها المفسرون عند الآيات عند قوله -تعالى-: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ} (المائدة: 112 - 115).
اختلف العلماء في المائدة أنزلت أم لا؟ وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا على نزولها، وهذا هو ظاهر القرآن؛ فقد وعد الله -سبحانه- ووعده محقق لا محالة في قوله:{إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} .
وذهب الحسن ومجاهد إلى أنها لم تنزل؛ وذلك لأن الله -سبحانه- لما توعدهم على كفرهم بعد نزولها بالعذاب البالغ غاية الحد؛ خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا وقالوا: لا نرُيدها فلم تنزل، ولا ندري ما الحامل لهم على هذا، وقد أحيطت المائدة كما قال شيخنا الدكتور محمد أبو شهبة: أحيطت المائدة بأخبار
كثيرة، أغلب الظن أنها من الإسرائيليات، ورويت عن وهب ابن منبه وكعب الأحبار وسَلمان وابن عباس ومقاتل والكلبي وعطاء وغيرهم، بل رووا في ذلك حديثًا عن عمار بن ياسر، عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال:"إنها نزلت خبزًا ولحمً، وأمروا ألا يخونوا ولا يدخروا لغد" وفي رواية بزيادة "ولا يخبئوا" فخانوا وادخروا ورفعوا لغد؛ فمسخوا قردة وخنازير.
ورفع مثل هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم غلط ووهم من أحد الرواة على ما أرجح؛ فقد روى هذا ابن جرير في تفسيره مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح، وقد نص على أن المرفوع لا أصل له الإمام أبو عيسى الترمذي، فقال بعد أن روى الروايات المرفوعة: هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن خلاس، عن عمار بن ياسر موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة، وبعد أن ذكر رواية موقوفة عن أبي هريرة، قال:"وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة، ولا نعرف للحديث المرفوع أصلًا". انظر (سنن الترمذي) في كتاب التفسير باب سورة "المائدة".
وقد اختلفت المرويات في هذ؛ فروى العوفي عن ابن عباس أنها -أي: المائدة- خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا، إذا شاءو، وقال عكرمة، عن ابن عباس: كانت المائدة سمكة وأريغفة، وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أُنزلت على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم، وقال كعب الأحبار: نزلت المائدة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل الطعام إلا اللحم، وقال وهب ابن منبه: أنزلها الله من السماء على بني إسرائيل؛ فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة فأكلوا ما شاءوا من دروب شتى؛ فكان يقعد عليها أربعة آلاف، وإذا أكلوا أنزل الله مكان ذلك لمثلهم، فلبثوا على ذلك ما شاء الله عز وجل-
وقال وهب أيضًا: نزل عليهم أقرصة من شعير، وأحوات -جمع حوت أي سمك- وحشى الله بين أضعافهن البركة؛ فكان قوم يأكلون ثم يخرجون ثم يجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون حتى أكل جميعهم وأفضلوا، وهكذا لم يتفق الرواة على شيء مما يدل على أنها إسرائيليات مبتدعة، وليس مرجعها إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم والحق أبلج والباطل لجلج لا يتفق عليه غالبًا.
وسنكتفي بذكر الرواية الطويلة التي ذكرها ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده)، عن وهب ابن منبه، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه وخلاصته: أن الحوارين لما سألوا عيسى ابن مريم المائدة كره ذلك؛ خشية أن تنزل عليهم؛ فلا يؤمنوا بها؛ فيكون فيها هلاكهم، فلما أبوا إلا أن يدعو لهم الله لكي تنزل دعا الله؛ فاستجاب له؛ فأنزل الله -تعالى- سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منضدة من السماء، تهوي إليهم وعيسى عليه السلام يبكي خوفًا من الشرط التي اتخذ عليهم فيها، فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يديه، والحواريون حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا رائحة مثلها قط، وخرّ عيسى عليه الصلاة والسلام والحواريون سجدًا شكرًا لله تعالى.
وأقبل اليهود ينظرون إليهم فرأوا ما يغمهم ثم انصرفو، فأقبل عيسى عليه السلام ومن معه ينظرونها؛ فإذا هي مغطاة بمنديل، قال عليه السلام من أجرؤنا على كشفه وأوثقنا بنفسه وأحسننا بلاءً عند ربه حتى نراها ونحمد ربنا سبحانه وتعالى ونأكل من رزقه الذي رزقنا؛ فقالوا: يا روح الله وكلمته، أنت أولى بذلك فقام واستأنف وضوءًا جديدًا، ثم دخل مصلاه وصلى ركعات ثم بكى طويلًا ودعا الله -تعالى- أن يأذن له في الكشف عنه، ويجعل لها وقومه فيها بركة ورزقًا ثم انصرف وجلس حول السفرة وتناول المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين، وكشف عنها؛ فإذا
عليها سمكة ضخمة مشوية ليس عليها بواسير -أي: قشر- وليس في جوفها شوك يسيل السمن منها -أي: الدهن- قد نُضض حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعلى رأسها خل وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر خمس رمانات، وفي رواية: على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد -قديد: يعني لحم مجفف.
فقال شمعون -رأس الحواريين- لعيسى: يا روح الله وكلمته أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية؛ فقال له شمعون: لا، وإله إسرائيل ما أردت بهذا سؤالًا يا بن الصديقة، فقال عيسى عليه السلام: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الجنة، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهر، فقالوا: يا روح الله وكلمته إنا نحب أن يرينا الله آية في هذه الآية، فقال عليه السلام: سبحان الله -تعالى- أما اكتفيتم؟ ثم قال: يا سمكة، عودي بإذن الله -تعالى- حية كما كنت؛ فأحياها الله وعادت حية طرية، يا سمكة، عودي بإذن الله -تعالى- كما كنت مشوية فعادت، ثم دعاهم إلى الأكل فامتنعوا حتى يكون هو البادئ فأبى، ثم دعا لها الفقراء والزمنى -أي: كبار السن- وقال: كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم واحمدوا الله -تعالى- الذي أنزلها لكم؛ فيكون مهنئوها لكم وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم بسم الله -تعالى- واختتموه بحمد الله ففعلو، فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ.
ونظر عيسى والحواريون؛ فإذا ما عليها كهيئته إذ نزلت من السماء لم ينقص منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون فاستغنى كل فقير أكل منه، وبرئ كل زمن أكل منه، وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات.
يعلق على هذه القصة فيقول: هذا مما يضعف القصة ويدل على الاختلاق، وإلا فكيف يطلبونها ثم يمتنعون عن الأكل؛ لأن عيسى لم يبدأ به تعليق على كلام هذه القصة، وكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبل إليها بنو إسرائيل يسعون من كل مكان، يزاحم بعضهم بعضًا؛ فلما رأى ذلك جعلها نوبًا تنزل يومًا ولا تنزل يومً، ومكثوا على ذلك أربعين يومًا تنزل عليهم غبًّا عند ارتفاع النهار، فلا تزال موضوعة يؤكل منها حتى إذا قالوا -أي: جلسوا في وقت القيلولة وسط النهار- ارتفعت عنهم إلى جو السماء وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى تتوارى عنهم.
هناك تعليق على هذ؛ فالقرآن الكريم يدل دلالة واضحة على أن المائدة لم تنزل إلا مرة واحدة، وهذا الكلام يدل على تكرار نزولها، وهذا أيضًا يدل على اختلاف تفاصيل القصة، وهذا واضح أنها من تزايدات بني إسرائيل.
بقية الكلام: فأوحى الله -تعالى- إلى عيسى عليه الصلاة والسلام أن اجعل رزق لليتامى والمساكين والزمنى دون الأغنياء من الناس؛ فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء وغمصوا ذلك حتى شكوا فيها في أنفسهم، وشككوا فيها الناس وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته وقذف وساوسه في قلوب المرتابين؛ فلما علم عيسى ذلك منهم قال: هلكتم وإله المسيح، سألتم نبيكم أن يطلب المائدة لكم إلى ربكم؛ فلما فعل وأنزلها عليكم رحمة ورزقًا وأراكم فيها
الآيات والعبر؛ كذبتم بها وشككتم فيها؛ فأبشروا بالعذاب؛ فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله -تعالى.
وأوحى الله -تعالى- إلى عيسى عليه السلام: إني آخذ المكذبين بشرطي؛ فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين؛ فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين؛ فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير؛ فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات.
قال العلامة ابن كثير في تفسيره بعد ذكره: هذا أثر غريب جدًّ؛ ما معني غريب؟ الغريب ما تفرد به رواته في كل السند أو بعضه، ومنه الصحيح، ومنه غير الصحيح وهو الغالب والكثير. هذا أثر غريب جدًّا قطعه ابن أبي حاتم من مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم وأكمل والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا كلام العلامة ابن كثير.
أقول -شيخنا الشيخ أبو شهبة-: ومن هذه الروايات الغريبة دخل البلاء على الإسلام والمسلمين؛ لأن غالبها لا يصح؛ ولذلك قال الإمام الجليل أحمد بن حنبل: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب؛ فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء.
وقال الإمام مالك رضي الله عنه: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس.
وقال ابن المبارك: العلم الذي يجيئك من هاهنا وهاهنا -يعني المشهور الذي رواه الكثيرون- رواها البيهقي في (المدخل).
وروي عن الزهري أنه قال: ليس من العلم ما لا يُعرَف، إنما العلم ما عُرِف وتواطأت عليه الألسن. انظر في هذا (تدريب الراوي) للإمام السيوطي.
ويقول شيخنا: وأحب أن أنبه إلى أن أصل القصة ثابت بالقرآن الذي لا شك فيه، وإنما موضع الشك في كل هذه التزايدات التي هي من الإسرائيليات.
وقد ذكر المفسرون جميعًا كل ما يدور حول قصة المائدة، وإن اختلفوا في ذلك قلة وكثرة؛ انظر (تفسير ابن جرير) عند هذه الآيات و (الدر المنثور)، والزمخشري والفخر الرازي، و (تفسير أبي السعود) وحتى ابن كثير والبغوي والألوسي والقرطبي، ذكروا كل هذه القصة، إلا أنّ الإمام القرطبي قال: في هذا الحديث مقال، ولا يصح من قبل إسناده.
ولا زلنا نتابع قبل أن نتبين التفسير الصحيح للآيات؛ فنتابع يقول شيخنا: وأحب أن أنبه إلى أن أصل القصة ثابت، والمفسرون جميعًا قد ذكروا كل ما يدور حول قصة المائدة، وإن اختلفوا في ذلك قلة وكثرة، والعجب أن أحد لم ينبه على أصل هذه المرويات -هذا كلام شيخنا الدكتور محمد أبي شهبة- أن أحد لم ينبه على أصل هذه المرويات، والمنبع الذي نبعت منه حتى الإمامين الجليلين ابن كثير والألوسي وهما من العلماء الأثبات النقاد، وإن كان ابن كثير قد أشار من طرف خفي إلى عدم صحة معظم ما روي، ولعلهم اعتبروا ذلك مما يباح روايته، ويحتمل الصدق والكذب؛ فذكروه من غير إنكار له، وكان عليهم أن ينزهوا التفسير عن هذا وأمثاله. هذا كلام شيخنا.
وقد شكك في القصة الطويلة التي اختصرناها الإمام القرطبي شكك فيها؛ فقال: قلت: في هذا الحديث مقال، ولا يصح من قبل إسناده. ثم عرض بعد لما روي مرفوعًا وموقوفًا، وذكر ما قاله الإمام الترمذي من أن الموقوف أصح، وأن المرفوع لا أصل له.
وصلي الله على سيدنا محمد، وعلي اّله وصحبه وسلم