الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس عشر
(نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (13))
الإسرائيليات التي وردت في قصة إدريس عليه السلام
-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
سيدنا إدريس عليه السلام هو أحد الرسل الذين ذكروا في القرآن الكريم، والقرآن الكريم تناول بعض الرسل بكثير من المواقف، ومناهج الدعوة، ومواقف أقوامهم؛ كموسى، ونوح، وإبراهيم، وعيسى عليه السلام وهناك من الرسل من تناولتهم آيات قليلة، فلم يكن لهم ذكر إلا في مواضع معدودة في القرآن الكريم؛ من هؤلاء سيدنا إدريس عليه السلام ولنبدأ بموجز عنه:
هو إدريس بن ي ارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام وسواء هذا النسب هو صحيح يقينًا أو من كلام كتاب التاريخ، وكتاب السير، هو على كل حال قريب من أبينا آدم عليه السلام وواضح أنه إذا كان بينه وبين أبيه آدم خمسة آباء، فهو يقينًا قبل سيدنا نوح عليه السلام ذكر أن اسمه في التوراة سيدنا "أخنوخ" وفي الترجمة العربية بنفس المعنى كتب هذا أصحاب قصص الأنبياء، كالشيخ عبد الوهاب النجار، وغيره.
الآيات التي تحدثت عن سيدنا إدريس كما قلت قليلة قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (مريم: 56، 57).
قال الإمام أبو السعود عند قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} ، هو شرف النبوة والزلفى عند الله تعالى، وقيل: علو الرتبة بالذكر الجميل في الدنيا، كما جاء في قوله تعالى، عن رسولنا عليه الصلاة والسلام:{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك} (الشرح: 4)، وقيل:{وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} ، قيل: في الجنة، وقيل: السماء السادسة، أو الرابعة.
روي عن كعب وغيره في بسبب رفع إدريس عليه السلام: أنه سئل ذات يوم في حاجة، فأصابه وهج الشمس، فقال: يا رب، إني قد مشيت فيها يومًا، وقد أصابني
منها ما أصابني، فكيف من يحملها مسيرة خمسمائة عام، في يوم واحد؟! اللهم خفف عن هـ من ثقلها وحرها، فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يُعرف، فقال: يا رب ما الذي قضيت فيه، فقال: إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها، فأجبته، قال: يا رب اجعل بيني وبينه خلة، فأذن الله تعالى له فرفعه إلى السماء.
الدخيل في هذا كما قال زميلنا الدكتور على حسن رضوان: أقول ما ذكره أبو السعود من أقوال في معنى الآية محتملة المعنى المراد منها؛ إذ إن الذي أنبأت عنه الآية يحتمل عدة احتمالات: يحتمل أن يكون العلو معنويًّا، وهو علو الرتبة بشرف النبوة، أو بالذكر الجميل في الدنيا -كما قال أبو السعود- ويحتمل أن يكون العلو حسيًّا ب رفعه إلى السماء، وإن كنت أميل إلى الرأي الثاني لما في ذلك من خبر صحيح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم يؤيده، وهو ما ثبت في (الصحيحين) عن أنس رضي الله عنه في حديث المعراج أنّه صلى الله عليه وسلم رأى إدريس في السماء الرابعة، الحديث في (البخاري) " كتاب: مناقب الأنصار، باب " المعراج ".
وإليه ذهب الفخر الرازي في تفسيره حيث قال: إن المراد به الرفعة في المكان إلى موضع عالٍ وهذا أولى؛ لأن الرفعة المقرونة بالمكان تكون رفعة في المكان لا في الدرجة.
أما القول بأن إدريس عليه السلام في الجنة أدخلها بعد أن أذيق الموت وأحيي، فهو خبر موضوع والمتهم به إبراهيم بن عبد الله المصيصي؛ إذ إن الهيثمي أورده في (مجمع الزوائد) من حديث أم سلمة، وعزاه للطبراني في (الأوسط)، وقال: في إسناده إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي، وهو متروك؛ انظر (مجمع الزوائد) " كتاب: ذكر الأنبياء " للهيثمي.
قلت - كلام للدكتور علي رضوان -: قال عنه الذهبي في (الميزان): هذا رجل كذاب، وقال الحاكم: أحاديثه موضوعه، وأما ما ذكره أبو السعود في سبب رفع إدريس عليه السلام من أنه مشى يومًا في الشمس فأصابه وهجها، فسأل ربه أن يخفف ثقلها عما يحمله فاستجاب له، ولما أصبح الملك وجد من خفتها وحرها ما لا يعرف، فسأل ربه عن ذلك فقال له ربه: إن عبدي إدريس سألني تخفيف حملها عنك، فأجبته، فقال: يا رب اجعل بيننا خلة، فأذن له فرفعه إلى السماء، فلا يشك عاقل في أنه من أخبار كعب الإسرائيلية التي نقلها عن أهل الكتاب والتي لا تصح سندًا ولا مخبرًا ومن ثم فلا يسوغ نقلها ولا روايتها.
وهذا الذي ذكره أبو السعود سبقه إليه من سبقه من المفسرين؛ ابن جرير الطبري، فقد روى عن كعب الأحبار أيضًا خبرًا يتعلق بنفس السبب، ولكن بسياق آخر، قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يسار قال: سأل ابن عباس كعب، وأنا حاضر، قال: ما قول الله تعالى لإدريس: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} ، فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه أني رافع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن تزداد عملًا، فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إنَّ الله أوحى إليَّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملًا، فحمله بين جناحيه، ثم صعد به إلى السماء، فلما كانت السماء الرابعة تلقاهم ملك الموت، منحدرًا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو ذا على ظهري، فقال ملك الموت: العجب، بعثت، وقيل: اقبض لي روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة، وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، ف ذلك قوله تعالى:{وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} . . قال ابن كثير: هذا من أخبار كعب الأحبار.
وفي رواية لكعب أنّ إدريس قال للملك: هل لك أن تسأل ملك الموت، كم بقي من أجلي كي أزداد من العمل؟ وفيه أنه لما سأله قال: لا أدري، حتى أنظر، فنظر ثم قال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلى طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه، فإذا هو قد قبض عليه السلام وهو لا يشعر به، هذه من الإسرائيليات.
ورواه ابن أبي حاتم عن السدي بنحو هذا السياق، وفي القرطبي، قال السدي: إنه نام ذات يوم -أي سيدنا إدريس- واشتد عليه حر الشمس، فقال: وهو منها في كرب، فقال: اللهم خفف عن ملك الشمس حرها، وأعنه على ثقلها، ثم ذكر نحو حديث كعب، قال ابن كثير: وهذا من أخبار كعب الأخبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة، والله أعلم.
وفي ذلك دلالة واضحة على أن ما ذكر من الإسرائيليات التي يذكرها الرواة عن أهل الكتاب، فهي من الإسرائيليات، على أن رواية السدي يكفي في إبطالها نسبتها إليه، فهو من عرف عنه الكذب، وعدم الثقة بمروياته؛ ولذلك قال عنه الإمام البخاري: سكتوا عنه لا يكتب حديثه، وقال ابن معين عنه: ليس بثقة، وقال النسائي: متروك، وقال ابن حبان: كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات لا يحل كتابة أحاديثه.
أما حديث كعب، فقد ساقه الحافظ ابن كثير في (التفسير)، نقلًا عن ابن جرير، ووصفه بأنه أثر غريب عجيب، ثم حكم عليه كما أسلفت الآن، بأنه من الإسرائيليات، وقال: إن فيه نكارة شديدة، وتبعه في ذلك الحافظ ابن حجر، حيث قال تعقيبًا على هذا الخبر: وهذا من الإسرائيليات والله أعلم بصحة ذلك.
نتساءل الآن ما الرأي الصحيح في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} ، نقول: الأسلم تفويض علم ذلك إلى الله تعالى، وقد قال البخاري: ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس، أن إلياس هو إدريس واستأنسوا في ذلك بما جاء في حديث الزهري، عن أنس في الإسراء، أنه لما مر به عليه السلام قال:((مرحبًا بالأخ الصالح))، ولم يقل كما قال آدم وإبراهيم: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح، فلو كان في عمود نسبه، لقال له كما قالاه له، وقال الحافظ ابن كثير بعد أن نقل ذلك: وهذا لا يدل، ولا بد؛ لأنه قد لا يكون الراوي حفظ جيدًا، أو لعله قاله له على سبيل الهضم والتواضع، ولم ينتسب له في مقام الأبوة كما انتسب لآدم أبي البشر، وإبراهيم الذي هو خليل الرحمن وأكبر أولي العزم بعد محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
مما تقدم يبدو واضحًا أن ما ذكره أبو السعود، والمفسرون الآخرون في سبب رفع إدريس عليه السلام أن هذا من الإسرائيليات التي لا حاجة لنا بها ومن التزايدات التي لا أصل لها، وفي الكتاب الكريم والسنة الصحيحة غنية عن الغرائب، والآراء الاجتهادية، ويكفينا في هذا المقام، أن نعتقد أن الله سبحانه وتعالى كرم إدريس، ورفعه مكانًا عليًّا؛ سواء كانت الرفعة في الدرجة أم في المكان؛ يعني معنويًا أو حسيًّا، الآية صرحت بهذه الدرجة، ولم تفصح لنا عن كنهها وكيفيتها إلى آخر الكلام، فيجب الإيمان بها كما يجب الوقوف عند القدر الذي أخبر الله به دون تفصيل ما لم يرد به نص قرآني صريح، أو خبر متواتر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لنا الأخذ بالظن في عقيدة مثل هذه، وحينئذٍ نأخذ بما قام عليه الدليل القاطع، لا بما يحكيه القصاصون والإسرائيليون.
هذا باختصار ما تناقله أكثر المفسرين في شأن إدريس عليه السلام.