الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإسرائيليات التي وردت في قصة إلياس عليه السلام
-
فمن الإسرائيليات التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير ما ذكروه في قصة إلياس عليه السلام عند تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِين * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُون * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِين * وَاللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِين * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُون * إِلَاّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِين * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِين * سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِين * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِين} (الصافات: 123 - 132).
روى البغوي، والخازن، وصاحب (الدر المنثور) الإمام السيوطي، وغيرهم؛ عن ابن عباس، والحسن وكعب الأحبار ووهب بن منبه مرويات تتعلق بإلياس عليه السلام قال صاحب (الدر المنثور): أخرج ابن عساكر عن الحسن رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِين} ، قال: إن الله تعالى بعث إلياس إلى بعلبك، وكانوا قومًا يعبدون الأصنام، وكانت ملوك بني إسرائيل متفرقة على العامة، كل ملك على ناحية يأكلها، وكان الملك الذي كان إلياس معه يقوّم له أمره، ويقتدي برأيه، وهو على هدى من بين أصحابه، حتى وقع إليه م قوم من عبدة الأصنام، فقالوا له: ما يدعوك إلا إلى الضلالة والباطل، وجعلوا يقولون له: اعبد هذه الأصنام، هذه الأوثان التي تعبد الملوك، وهم على ما نحن عليه يأكلون ويشربون، وهم في ملكهم يتقلبون، وما تنقص دنياهم من ربهم الذي تزعم أنه باطل، وما لنا عليهم من فضل، فاسترجع إلياس، فقام شعر رأسه وجلده، فخرج عليه إلياس.
قال الحسن: وإن الذي زين لذلك الملك امرأته، وكانت قبله تحت ملك جبار، وكان من الكنعانين في طول وجسم وحسن، فمات زوجها، فاتخذت تمثالًا على صورة بعلها من الذهب، وجعلت له حدقتين من ياقوتتين وتوجته بتاج مكلل بالدر والجوهر، ثم أقعدته على سرير تدخل عليه فتدخنه وتطيبه وتسجد له، ثم تخرج عنه، فتزوجت بعد ذلك هذا الملك الذي كان إلياس معه، وكانت امرأة فاجرة، قد قهرت زوجها، ووضعت البعل في ذلك البيت، وجعلت سبعين ساجنًا فعبدوا البعل - السجنة: الساجن هو الخادم الذي يقوم على خدمة الأصنام، جعلت سبعين ساجنًا فعبدوا البعل - فدعاهم إلياس إلى الله فلم يزدهم ذلك إلا بعدًا.
فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك، وعبادة غيرك، فغير ما بهم من نعمتك، فأوحى الله إليه: إني قد جعلت أرزاقهم بيدك، فقال: اللهم أمسك عنهم القطر ثلاث سنين، فأمسك الله عنهم القطر، وأرسل إلى الملك فتاه "اليسع" -اليسع هذا قد نشأ على يديه- فقال له: قل له: إن إلياس يقول لك: إنك اخترت عبادة البعل، على عبادة الله، واتبعت هوى امرأتك، فاستعد للعذاب والبلاء، فانطلق اليسع، فبلغ رسالته للملك، فعصمه الله تعالى من شر الملك، وأمسك الله عنهم القطر حتى هلكت الماشية والدواب، وجهد الناس جهدًا شديدًا، وخرج إلياس إلى ذروة جبل، ف كان الله يأتيه برزق، وفجر له عينًا معينًا لشرابه وطهوره، حتى أصاب الناس الجهد، فأرسل الملك إلى السبعين، فقال لهم: سلوا البعل أن يفرج ما بنا، فأخرجوا أصنامهم فقربوا لها الذبائح وعطفوا عليها وجعلوا يدعون حتى طال ذلك بهم، فقال لهم الملك: إن إله إلياس كان أسرع إجابة من هؤلاء، فبعثوا في طلب إلياس، فأتى، فقال: أتحبون أن يفرج عنكم؟ قالوا: نعم، قال: فأخرجوا أوثانكم، فدعا إلياس عليه السلام ربه أن
يفرج عنهم، فارتفعت سحابة مثل الترس -الترس يعني ثياب يلبسه المحارب، يعني جاءت سحابة تغطي المكان - وهم ينظرون ثم أرسل الله عليهم المطر، فتابوا ورجعوا.
قال: وأخرج ابن عساكر عن كعب رضي الله عنه قال: أربعة أنبياء اليوم أحياء؛ اثنان في الدنيا: إلياس والخضر، واثنان في السماء عيسى وإدريس، قال: وأخرج ابن عساكر عن وهب رضي الله عنه قال: دعا إلياس عليه السلام ربه أن يريحه من قومه، فقيل له: انظر يوم كذا وكذا، فإذا رأيت دابة لونها مثل لون النار، فاركبها فجعل يتوقع ذلك اليوم، فإذا هو بشيء قد أقبل على صورة فرس، لونه كلون النار، حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به، فكان آخر العهد به، فكساه الله الريش، وكساه النور، وق ط ع عنه لذة المطعم والمشرب فصار في الملائكة عليه السلام.
قال: وأخرج ابن عساكر عن الحسن رضي الله عنه قال: إلياس عليه السلام موكل بالفيافي، والخضر عليه السلام موكل بالجبال، وقد أ ُ عطي الخلد في الدنيا، إلى الصيحة الأولى -أي: إلى النفخة الأولى- وأنهم يجتمعان كل عام بالموسم. كلام لا دليل عليه، يدعي أنَّ إلياس يلتقي مع الخضر عليهما السلام وكل عام يجتمعان هذا كلام رواه هؤلاء عن ابن عساكر.
وأخرج الحاكم عن كعب رضي الله عنه قال: كان إلياس صاحب جبال وبرية، يخلو فيها يعبد ربه عز وجل وكان ضخم الرأس، خميص البطن، دقيق الساقين، في صدره شامة حمراء، وإنّما رفعه الله إلى أرض الشام، لم يصعد به إلى السماء، وهو الذي سماه الله ذا النون. كل هذا من روايات السيوطي في (الدر).
التعقيب على هذا لشيخنا الدكتور محمد أبو شهبة يقول: وكل هذا من أخبار بني إسرائيل وتزايداتهم، واختلاقاتهم، وما روي منها عن بعض الصحابة
والتابعين، فمرجعه إلى مسلمة أهل الكتاب؛ ككعب ووهب وغيرهما، وقد رأيت كيف تضارب وتناقض كعب ووهب؛ فكعب يقول: لم يصعد به إلى السماء، ويزعم أنه ذو النون، ووهب يقول: إنه رفعه إلى السماء، وصار في عداد الملائكة عليهم السلام، وأ ن بعض الروايات تقول: إنه الخضر، والبعض الآخر يقول: إنه غير الخضر، إلى غير ذلك من الاضطرابات والأباطيل، كزعم مختلق الروايات الأولى؛ أن الله أوحى إلى إلياس إني قد جعلت أرزاقهم بيدك، بينما في بعض الروايات الأخرى أن الله أبى عليه ذلك مرتين وأجابه في الثالثة، وهكذا الباطل يكون مضطربًا لجلجًا، وأما الحق فهو ثابت أبلج، وواضح.
ولم يقف الأمر عند نقل هذه الإسرائيليات عمن ذكرنا، بل بلغ الافتراء ببعض الزنادقة والكذابين إلى نسبة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم كي يؤيد به أكاذيب بني إسرائيل وخرافاتهم، وكي يعود ذلك بالطعن على صاحب الرسالة العامة الخالدة - صلوات الله وسلامه عليه - قال السيوطي (الدر): وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخضر هو إلياس".
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في (الدلائل) وضعفه عن أنس رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلًا، فإذا رجل في الوادي يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة المغفورة المثاب لها، فأشرفت على الوادي، فإذا رجل طوله ثلاثمائة ذراع وأكثر فقال: من أنت؟ قلت: أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين هو؟ قلت: هو ذا يسمع كلامك، قال: فأته وأقرئه مني السلام، وقل له: أخوك إلياس يقرئك السلام، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فجاء حتى عانقه وقعدا يتحدثان، فقال له: يا رسول الله إني إنما آكل في كل سنة يومًا، وهذا يوم
فطري فكل أنت وأنا فنزلت عليهما مائدة من السماء وخبز وحوت وكرفس، فأكلا وأطعماني وصليا العصر، ثم ودعني وودعته، ثم رأيته مر على السحاب، نحو السماء.
قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الإمام الذهبي: بل هذا حديث موضوع، قبح الله من وضعه، ثم قال -أي الذهبي-: وما كنت أحسب ولا أجوز أن الجهل يبلغ بالحاكم أن يصحح مثل هذا. وأخلق بهذا أن يكون موضوعًا، كما قاله الإمام الحافظ الناقد البصير الإمام الذهبي، هذه القصة أيضًا لها أطراف أُخر تناولها كثير من المفسرين يمكن جمع أطرافٍ منها فيما يلي:
قال الطبري عن تسمية إلياس: هو إلياس بن ياسين بن فنحاص، ينتهي نسبه إلى هارون، أخي موسى، فهو إسرائيلي من سبط هارون، وفي (العجائب) للكرماني: أنه ذو الكفل، وعن وهبٍ أنه عمّر كما عمّر الخضر، ويبقى إلى فناء الدنيا، وسبق القول عن ابن عساكر عن الحسن أن إلياس موكل بالفيافي، والخضر موكل بالبحار -هذا اختلاف في الروايات الفيافي؛ أي: الصحاري والخضر موكل بالبحار- والجزائر وأنهما يجتمعان كل عام.
وحديث اجتماعه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الأسفار وأكله معه من مائدة نزلت عليهما عليهما السلام من السماء خبز وكذا وكذا، والصلاة صليا العصر معًا، هذا مما رواه الحاكم وصححه، ولكن سبق القول بأنه موضوع كما عقب شيخنا الإمام الذهبي.
قال العلامة ال ألوسي: وكل ذلك من التعمير أنه معمر، وأنه يلتقي مع الرسول وكذا، وأكل كل هذا، وما بعده لا يعول عليه. وحديث الحاكم ضعفه البيهقي، وسبق القول أن الذهبي قال: إنه موضوع قبح الله تعالى من وضعه.
وأخرج كثيرون: عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر، عن ابن مسعود: أن إلياس هو إدريس. ونُقل عنه أنه قرأ -يعني عبد الله بن مسعود-: "وإن إدريس لمن المرسلين"، كأن الآية:{وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِين} ، هناك قراءة لابن مسعود:"وإن إدريس لمن المرسلين"، والحكم بأنه إدريس هذا قول الضحاك أيضًا، قال ال ألوسي: والمستفيض في القراءة عن ابن مسعود أنه قرأ كالجمهور: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِين} ، نعم قرأ ابن وثاب والأعمش والمنهال بن عمرو، والحكم بن عتيبة الكوفي كذلك، ثم أخذ العلامة الألوسي يرد القول بزعم أنّ إلياس هو إدريس، الذي قال الله عنه:{وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} لأنَّ إدريس كان بعد آدم بقليل كما سبق في ذكر نسبه أول القصة، هو قريب من آدم بينه وبين أبيه آدم أربعة أجداد له أو خمسة، وكان قبل نوح بيقين وبزمان، كما ذكر المؤرخون.
فهو على ما قيل -والكلام للعلامة ال ألوسي: اسمه أخنوخ بن يزد بن مهلا ئ يل بن أنوش بن قنان بن شيث بن آدم؛ لا بأس هذا السند يعني إن اتفق مع ما سبق أو اختلف قليلًا، فهو من ولد آدم، قبل نوح.
وفي (المستدرك) عن ابن عباس: أن بينه وبين نوح ألف سنة. وعن وهب: أنه جد نوح. كل هذا يؤكد أن إدريس كان قبل نوح عليه السلام.
يقول العلامة ال ألوسي: وهذا يمثل إشكالًا؛ لأن الآية تبين أنَّ إلياس من ذرية نوح، أو إبراهيم، فهو غير إدريس الذي عرف بأنه قبل نوح بزمان يقينًا، أما الآية فهي قوله تعالى:{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِين} (الأنعام: 83 - 85).
فقوله تعالى: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ} ، الضمير فيها إما أن يكون لإبراهيم؛ لأن الكلام فيه، وإما أن يكون لنوح؛ لأنه أقرب، ولأن يونس ولوطًا ليسا من ذرية إبراهيم، وعلى التقديرين تقدير أن يكون الضمير {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ} إما لإبراهيم أو لنوح لا يتسنى نظم إلياس، المراد به إدريس، الذي هو قبل نوح؛ يعني هذا يدل على أنّ إلياس من بعد نوح، ومن بعد إبراهيم، ومن ذريتهما بزمانٍ وزمان، أو من ذرية أحدهما، أما إدريس المذكور أولًا، فكان قبل نوح.
فيقول العلامة ال ألوسي: فنظم إلياس المراد به إدريس الذي هو قبل نوح هذا طبعًا يتناقض، فالله تبارك وتعالى قال عنه:{إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُون} الكلام استكمالًا لما ورد: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُون} (الصافات: 124)، الكلام عن إلياس:{أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِين} (الصافات: 25) استنكار من نبي الله إلياس لقومه، أتدعون بعلًا -أي: أتعبدون بعلًا، وهو اسم صنمٍ لهم قيل: كان من ذهب طوله عشرون ذراعًَا وله أربعة أوجه، فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة ساد ن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوفه، ويتكلم بشريعة الضلال، والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس، هذا كلام موجود.
وقيل: بعلًا، هو اسم امرأة، أتتهم بضلالة فاتبعوها، قال ال ألوسي: واستأنس له بقراءة بعضهم: "أتدعون بعلاء" بالمد فالكلمة فيها ألف التأنيث الممدودة على وزن حمراء.
وذكر ابن كثير: أن إلياس هو ابن نسيّ بن فنحاص ينتهي نسبه إلى هارون، ولعل هذا نقل عما ذكره الطبري، ثم قال: بعثه الله في بني إسرائيل وكانوا قد عبدوا صنمًا، وكفروا بالله ورسله، ثم قد نشأ على يديه اليسع، فأمر إلياس أن يذهب