الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[بَابُ الْغَصْبِ] [
الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ الْغَصْبُ]
الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ) : الْغَصْبُ، وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ ظُلْمًا أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ «عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ ظَلَمَ قَيْدَ شِبْرٍ مِنْ أَرْضٍ: أَيْ قَدْرَهُ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» . قِيلَ أَرَادَ طَوْقَ التَّكْلِيفِ لَا طَوْقَ التَّقْلِيدِ، وَهُوَ أَنْ يُطَوَّقَ حَمْلَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ يُخْسَفُ بِهِ الْأَرْضُ فَتَصِيرُ الْبُقْعَةُ فِي عُنُقِهِ كَالطَّوْقِ. وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِهِ خَبَرُ الطَّبَرَانِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ الْآتِي قَرِيبًا، وَخَبَرُ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ:«مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى سَبْعِ أَرَضِينَ» . وَمُسْلِمٌ: «لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ إلَّا طَوَّقَهُ اللَّهُ إلَى سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَرْضِ شِبْرًا بِغَيْرِ حَقِّهِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» . وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ كَلَّفَهُ اللَّهُ عز وجل أَنْ يَحْفِرَ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ بِهِ سَبْعَ أَرَضِينَ ثُمَّ يُطَوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ» . وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ: «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا إلَى الْمَحْشَرِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ: «مَنْ ظَلَمَ مِنْ الْأَرْضِ شِبْرًا كُلِّفَ أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءَ، ثُمَّ يَحْمِلَهُ إلَى الْمَحْشَرِ» . وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ: «مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ» . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ «عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ ظُلْمٍ أَظْلَمُ، فَقَالَ: ذِرَاعٌ مِنْ الْأَرْضِ يَنْتَقِصُهَا الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَيْسَ
حَصَاةٌ مِنْ الْأَرْضِ يَأْخُذُهَا إلَّا طُوِّقَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى قَعْرِ الْأَرْضِ، وَلَا يَعْلَمُ قَعْرَهَا إلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهَا» . وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ:«أَعْظَمُ الْغُلُولِ عِنْدَ اللَّهِ ذِرَاعٌ فِي الْأَرْضِ تَجِدُونَ الرَّجُلَيْنِ جَارَيْنِ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي الدَّارِ فَيَقْتَطِعُ أَحَدُهُمَا مِنْ حَظِّ صَاحِبِهِ ذِرَاعًا إذَا اقْتَطَعَهُ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ «مَنْ غَصَبَ رَجُلًا أَرْضًا ظُلْمًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» . وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ: «مَنْ أَخَذَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شِبْرًا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» . قَالَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ. تَنْبِيهٌ: اعْتَبَرَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ فِي كَوْنِ الْغَصْبِ كَبِيرَةً أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الْمَغْصُوبُ رُبْعَ دِينَارٍ. وَحَكَى الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْمُعْتَزِلَةِ اشْتَرَطَ أَنْ يَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. وَعَنْ الْجُبَّائِيِّ أَنَّهُ اشْتَرَطَ أَنْ يَبْلُغَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. وَعَنْ الْجُبَّائِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ اشْتَرَطَ بُلُوغَهُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ. وَعَنْ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُمْ اشْتَرَطُوا بُلُوغَهُ دِرْهَمًا. وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: إنْ كَانَ شَيْئًا تَافِهًا فَصَغِيرَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبَهُ لَا غِنَى بِهِ عَنْهُ فَكَبِيرَةٌ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَاشْتِرَاطُ رُبْعِ دِينَارٍ هُوَ مَا فِي إشْرَافِ الْهَرَوِيِّ وَغَيْرِهِ وَنُسَخِ الرَّافِعِيِّ الصَّحِيحَةِ وَوَقَعَ فِي نُسَخٍ مِنْهُ وَفِي الرَّوْضَةِ أَنْ يَبْلُغَ دِينَارًا وَهُوَ تَحْرِيفٌ مِنْ نَاقِلِهِ انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: كَوْنُ شَهَادَةِ الزُّورِ كَبِيرَةً كَمَا فِي الْخَبَرِ ظَاهِرٌ إنْ وَقَعَتْ فِي مَالٍ خَطِيرٍ، فَإِنْ وَقَعَتْ فِي مَالٍ يَسِيرٍ كَزَبِيبَةٍ أَوْ تَمْرَةٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ الْكَبَائِرِ فَطْمًا عَنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ، كَمَا جُعِلَ شُرْبُ قَطْرَةٍ مِنْ الْخَمْرِ كَبِيرَةً وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَفْسَدَةُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُضْبَطَ ذَلِكَ الْمَالُ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ.
قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَيَشْهَدُ لِلثَّانِي مَا سَبَقَ عَنْ الْهَرَوِيِّ. وَقَالَ فِي التَّوَسُّطِ: وَأَلْحَقَ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَغَيْرِهِمْ بِالْبَاطِلِ مِنْ الْكَبَائِرِ، كَأَخْذِهَا رِشْوَةً، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ رُبْعَ دِينَارٍ أَوْ لَا، وَكَذَا أَطْلَقَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ أَكْلَ مَالِ الْيَتَامَى وَأَخْذَ الرِّشْوَةِ وَجَرَى عَلَى إطْلَاقِهِ فِيهَا وَفِي الْخِيَانَةِ فِي كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ الشَّيْخَانِ. وَفِي نَصِّ الشَّافِعِيِّ مَا يَشْهَدُ لَهُ وَذَلِكَ يُورِثُ ضَعْفَ التَّقْيِيدِ فِي الْمَغْصُوبِ بِرُبْعِ دِينَارٍ انْتَهَى.
وَقَالَ أَيْضًا: وَقَوْلُ صَاحِبِ الْعُدَّةِ وَمَنْعُ الزَّكَاةِ كَبِيرَةٌ، قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْعِ الْقَلِيلِ مِنْهَا وَالْكَثِيرِ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَقِيَاسُ اعْتِبَارِ الْهَرَوِيِّ وَغَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ الْمَغْصُوبُ رُبْعَ دِينَارٍ أَنَّ مَنْعَ مَا دُونَ ذَلِكَ. لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، وَلَكِنَّهُ تَحْدِيدٌ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: لَا مُسْتَنَدَ لَهُ ظَاهِرٌ. بَلْ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَصْبَ الْحَبَّةِ وَسَرِقَتَهَا كَبِيرَةٌ انْتَهَى. وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ مَالًا حَرَامًا، وَلَوْ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ أَكْلٍ فَسَقَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ: يَفْسُقُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَابْنُ الْجُبَّائِيِّ بِدِرْهَمٍ فَصَاعِدًا انْتَهَى.
وَكَأَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ لَمْ يَعْتَدَّ بِمُقَابَلَةِ الْبَغَوِيِّ وَالْهَرَوِيِّ وَغَيْرِهِمَا السَّابِقَةِ لِضَعْفِ مَدْرَكِهَا وَلِأَنَّهُ لَا مُسْتَنَدَ لَهَا كَمَا تَقَرَّرَ. إذْ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي وَعِيدِ الْغَاصِبِ وَشَاهِدِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَالرِّشْوَةِ وَالْمُطَفِّفِ وَالسَّارِقِ وَمَانِعِ الزَّكَاةِ مُطْلَقَةٌ فَتَتَنَاوَلَ قَلِيلَ ذَلِكَ وَكَثِيرَهُ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا إلَّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ إذْ الْحُكْمُ بِالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الْمُقْتَضِي لِلْكَبِيرَةِ عَلَى أَحَدِ التَّعَارِيفِ السَّابِقَةِ إنَّمَا يُتَلَقَّى مِنْ الشَّارِعِ، فَإِذَا صَحَّ وَعِيدٌ شَدِيدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ وَجَبَ إجْرَاءُ ذَلِكَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَعَدَمُ تَقْيِيدِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ سَمْعِيٌّ أَيْضًا، وَحَيْثُ لَا دَلِيلَ لِذَلِكَ فَلَا مُسْتَنَدَ لِذَلِكَ التَّحْدِيدِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، فَبَانَ أَنَّ الْوَجْهَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَيْدَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا ضَعِيفٌ وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِكَوْنِهَا كَبَائِرَ وَأَنَّ فَاعِلَهَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ بَيْنَ الْقَلِيلِ مِنْهَا وَالْكَثِيرِ. نَعَمْ الشَّيْءُ التَّافِهُ جِدًّا الَّذِي تَقْضِي الْعَادَةُ بِالْمُسَامَحَةِ بِهِ كَزَبِيبَةٍ أَوْ عِنَبَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ غَصْبَهُ صَغِيرَةٌ، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ السَّابِقَ ذِكْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الَّذِي إنْ لَمْ نَحْمِلْهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ حَمَلْنَاهُ عَلَى إجْمَاعِ الْأَكْثَرِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ