الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[كِتَابُ الزَّكَاةِ] [
الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ تَرْكُ الزَّكَاةِ وَتَأْخِيرُهَا بَعْدَ وُجُوبِهَا]
الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ: تَرْكُ الزَّكَاةِ، وَتَأْخِيرُهَا بَعْدَ وُجُوبِهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ) قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -:{وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} [فصلت: 6]{الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 7] سَمَّاهُمْ الْمُشْرِكِينَ، وَقَالَ - تَعَالَى -:{وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180]، وَقَالَ تَعَالَى:{يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 35] .
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ» أَيْ وَيُوَسَّعُ جِسْمُهُ لَهَا كُلِّهَا وَإِنْ كَثُرَتْ.
كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: «كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْإِبِلُ؟ قَالَ وَلَا صَاحِبُ إبِلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا وَمِنْ حَقِّهَا حَلْبُهَا يَوْمَ وُرُودِهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ: أَيْ مَكَان أَمْلَسَ، أَوْفَرَ: أَيْ أَسْمَنَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ فَصِيلًا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: وَلَا
صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ مِنْهَا عَقْصَاءُ: أَيْ مُلْتَوِيَةُ قَرْنٍ، وَلَا جَلْحَاءُ: أَيْ لَا قَرْنَ لَهَا، وَلَا عَضْبَاءُ: أَيْ بِالْمُعْجَمَةِ مَكْسُورَةُ قَرْنٍ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا أَيْ هِيَ لِلْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِمَنْزِلَةِ الْحَافِرِ لِلْفَرَسِ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ وِزْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً: أَيْ بِكَسْرِ النُّونِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ أَيْ مُعَادَاةً لَهُمْ فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ وَلَا يُقْطَعُ طِوَلُهَا أَيْ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ: حَبْلٌ تُشَدُّ بِهِ قَائِمَتُهَا وَتُرْسَلُ لِتَرْعَى أَوْ يُمْسَكُ طَرَفُهُ وَتُرْسَلُ، فَاسْتَنَّتْ أَيْ بِالتَّشْدِيدِ: جَرَتْ بِقُوَّةٍ شَرَفًا أَيْ بِالْمُعْجَمَةِ فَرَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ: شَوْطًا، وَقِيلَ نَحْوُ مِيلٍ، أَوْ شَرَفَيْنِ إلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٌ وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إلَّا كَتَبَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْحُمُرُ؟ قَالَ مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ إلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7]{وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 8] » .
وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ: أَيْ بِضَمِّ الرَّاءِ وَبِالْمُعْجَمَةِ وَبِالْمَدِّ: صَوْتُ الْبَعِيرِ، يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، أَيْ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَبِالْمُعْجَمَةِ وَبِالْمَدِّ صَوْتُ الْغَنَمِ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَقَرَةٌ لَهَا صِيَاحٌ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا» .
وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ: «هُمْ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ الْأَكْثَرُونَ إلَّا مَنْ قَالَ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُوتُ وَيَتْرُكُ غَنَمًا أَوْ إبِلًا أَوْ بَقَرًا لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا إلَّا جَاءَتْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ حَتَّى تَطَأَهُ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحَهُ بِقُرُونِهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَ عَلَيْهِ أُولَاهَا» .
وَابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إلَّا مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ حَتَّى يُطَوَّقَ بِهِ عُنُقُهُ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى -: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] » .
وَالطَّبَرَانِيُّ وَقَالَ تَفَرَّدَ بِهِ ثَابِتٌ أَيْ وَهُوَ ثِقَةٌ، وَبَقِيَّةُ رُوَاتِهِ لَا بَأْسَ بِهِمْ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهُوَ أَشْبَهُ: «إنَّ اللَّهَ عز وجل فَرَضَ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ بِقَدْرِ الَّذِي يَسَعُ فُقَرَاءَهُمْ وَلَنْ يُجْهَدَ الْفُقَرَاءُ إنْ جَاعُوا وَعَرُوا إلَّا بِمَا يُضَيِّعُ
أَغْنِيَاؤُهُمْ؛ أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ يُحَاسِبُهُمْ حِسَابًا شَدِيدًا وَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا» .
وَأَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنِ حِبَّانَ وَخُزَيْمَةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «آكِلُ الرِّبَا وَمُوكِلُهُ وَشَاهِدُهُ إذَا عَلِمَا، وَالْوَاشِمَةُ، وَالْمُسْتَوْشِمَةُ وَلَاوِي الصَّدَقَةِ أَيْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهَا، أَوْ الْمُمَاطِلُ بِهَا وَالْمُرْتَدُّ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَالْأَصْبَهَانِيّ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَهُ وَكَاتِبَهُ وَالْوَاشِمَةَ، وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَمَانِعَ الصَّدَقَةِ وَالْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ فِيهِ مَطْعُونٌ فِيهِ: «وَيْلٌ لِلْأَغْنِيَاءِ مِنْ الْفُقَرَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُونَ ظَلَمُونَا حُقُوقَنَا الَّتِي فُرِضَتْ عَلَيْهِمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُدْنِيَنَّكُمْ، وَلِأُبَاعِدَنهُمْ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} [المعارج: 24] {لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 25] » .
وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا: «عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَأَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ، فَأَمَّا أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَالشَّهِيدُ وَمَمْلُوكٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ» وَفِي لَفْظٍ: «وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ لَمْ يَشْغَلْهُ رِقُّ الدُّنْيَا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ وَفَقِيرٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ. وَأَمَّا أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَأَمِيرٌ مُسَلَّطٌ وَذُو ثَرْوَةٍ مِنْ مَالٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي مَالِهِ وَفَقِيرٌ فَخُورٌ» . وَصَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أُمِرْنَا بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَمَنْ لَمْ يُزَكِّ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» .
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُؤْتِ الزَّكَاةَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ يَنْفَعُهُ عَمَلُهُ» .
وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا: «مَنْ تَرَكَ بَعْدَهُ كَنْزًا مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يَتْبَعُهُ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ أَنَا كَنْزُك الَّذِي خَلَّفْت فَلَا يَزَالُ يَتْبَعُهُ حَتَّى يُلْقِمَهُ يَدَهُ فَيَقْضِمَهَا ثُمَّ يَتْبَعُهُ سَائِرُ جَسَدِهِ» .
وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «إنَّ الَّذِي لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ: أَيْ الزَّبِيبَتَانِ فِي شِدْقَيْهِ، وَقِيلَ هُمَا النُّكْتَتَانِ السَّوْدَاوَانِ فَوْقَ
عَيْنَيْهِ، قَالَ فَيَلْزَمُهُ أَوْ يُطَوِّقُهُ يَقُولُ أَنَا كَنْزُك أَنَا كَنْزُك» .
وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ مُرْسَلًا: «أَرْبَعٌ فَرَضَهُنَّ اللَّهُ فِي الْإِسْلَامِ فَمَنْ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ لَمْ يُغْنِينَ عَنْهُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَ بِهِنَّ جَمِيعًا الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَصِيَامُ رَمَضَانَ وَحَجُّ الْبَيْتِ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ: «مَا تَلِفَ مَالٌ فِي بَرٍّ وَلَا بَحْرٍ إلَّا بِحَبْسِ الزَّكَاةِ مَانِعُ الزَّكَاةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ» .
وَالْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ: «مَا خَالَطَتْ الصَّدَقَةُ أَوْ قَالَ الزَّكَاةُ مَالًا إلَّا أَفْسَدَتْهُ» أَيْ مَا تُرِكَتْ فِي مَالٍ وَلَمْ تُخْرَجْ مِنْهُ إلَّا أَهْلَكَتْهُ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، أَوْ الْمُرَادُ أَنَّ مَنْ أَخَذَهَا وَهُوَ غَنِيٌّ فَوَضَعَهَا مَعَ مَالِهِ أَهْلَكَتْهُ وَهَذَا تَفْسِيرُ أَحْمَدَ رضي الله عنه. وَالْبَزَّارُ:«ظَهَرَتْ لَهُمْ الصَّلَاةُ فَقَبِلُوهَا وَخَفِيَتْ لَهُمْ الزَّكَاةُ فَأَكَلُوهَا أُولَئِكَ هُمْ الْمُنَافِقُونَ» . وَصَحَّ: «مَا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ إلَّا حَبَسَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْقَطْرَ» . وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ «إلَّا ابْتَلَاهُمْ اللَّهُ بِالسِّنِينَ» .
وَفِي أُخْرَى عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خِصَالٌ خَمْسٌ، إنْ
اُبْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَنَزَلَتْ بِكُمْ أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إلَّا فَشَتْ فِيهِمْ الْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلَافِهِمْ، وَلَمْ يُنْقِصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إلَّا مُنِعُوا الْمَطَرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَا نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَأْخُذُ بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ يَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ إلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ قَرِيبٍ مِنْ الْحَسَنِ وَلَهُ خَمْسُ شَوَاهِدَ: «خَمْسٌ بِخَمْسٍ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا خَمْسٌ بِخَمْسٍ؟ قَالَ: مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ، وَمَا حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَّا فَشَا فِيهِمْ الْمَوْتُ، وَلَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ إلَّا حُبِسَ عَنْهُمْ الْقَطْرُ، وَلَا طَفَّفُوا الْمِكْيَالَ إلَّا حُبِسَ عَنْهُمْ النَّبَاتُ وَأُخِذُوا بِالسِّنِينَ» ، وَهِيَ جَمْعُ سَنَةٍ، وَهُوَ الْعَامُ الْمُقْحَطُ الَّذِي لَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ فِيهِ شَيْئًا وَقَعَ مَطَرٌ أَوْ لَا. وَصَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فِي قَوْله تَعَالَى فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} [التوبة: 35] قَالَ: لَا يُكْوَى رَجُلٌ يَكْنِزُ فَيَمَسُّ دِرْهَمٌ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارٌ دِينَارًا، يُوَسَّعُ جِلْدُهُ حَتَّى يُوضَعَ كُلُّ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ عَلَى حِدَتِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ اللَّهُ - تَعَالَى - الْجِبَاهَ وَالْجُنُوبَ وَالظُّهُورَ بِالْكَيِّ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ الْبَخِيلَ إذَا رَأَى الْفَقِيرَ عَبَسَ وَجْهُهُ وَزَوَى مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَأَعْرَضَ لِجَنْبِهِ، فَإِذَا قَرُبَ مِنْهُ وَلَّاهُ ظَهْرَهُ فَعُوقِبَ بِكَيِّ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لِيَكُونَ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. وَعَنْهُ قَالَ:" مَنْ كَسَبَ طَيِّبًا خُبْثُهُ مَنْعُ الزَّكَاةِ، وَمَنْ كَسَبَ خَبِيثًا لَمْ تُطَيِّبْهُ الزَّكَاةُ ".
وَالشَّيْخَانِ عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: «جَلَسْت فِي مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: بَشِّرْ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ» أَيْ بِفَتْحٍ فَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ: حِجَارَةٌ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ «ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضٍ» أَيْ بِضَمِّ النُّونِ فَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ: غُضْرُوفُ كَتِفِهِ «وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ فَيَتَزَلْزَلُ ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إلَى سَارِيَةٍ وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إلَيْهِ وَأَنَا لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ، فَقُلْت لَا أَرَى الْقَوْمَ إلَّا قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْت، قَالَ إنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا، قَالَ لِي خَلِيلِي، قُلْت مَنْ خَلِيلُك؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، أَتُبْصِرُ أَحَدًا. قَالَ فَنَظَرْتُ إلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ وَأَنَا أَرَى
رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ قُلْت نَعَمْ، قَالَ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ إنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا، لَا وَاَللَّهِ لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ فِي دِينٍ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ عز وجل» .
وَالطَّبَرَانِيُّ: «الزَّكَاةُ قَنْطَرَةُ الْإِسْلَامِ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَالْخَطِيبُ: «حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ وَدَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَأَعِدُّوا لِلْبَلَاءِ الدُّعَاءَ» .
التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ: «إذَا أَدَّيْت زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ أَدَّيْت مَا عَلَيْك» .
وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ: «إذَا أَدَّيْت زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ أَذْهَبْت عَنْك شَرَّهُ» .
وَابْنُ عَدِيٍّ: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَزِيدُ الْمَالَ إلَّا كَثْرَةً» .
وَالْبَيْهَقِيُّ: «كُلُّ مَا أَدَّيْت زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا تَحْتَ الْأَرْضِ، وَكُلُّ مَا لَا تُؤَدِّي زَكَاتَهُ فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا» .
وَأَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» .
وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَلَفْظُهُمَا: «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ أَتَتَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي أَيْدِيهِمَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لَهُمَا أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُ؟ فَقَالَتَا لَا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ قَالَتَا لَا قَالَ فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ سَنَدُهَا حَسَنٌ نَحْوُ ذَلِكَ. وَفِي آخِرِهَا: «أَمَا تَخَافَانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ أَسْوِرَةً مِنْ نَارٍ أَدِّيَا زَكَاتَهُ» وَهَذَا كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عز وجل: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} [التوبة: 35] الْآيَةَ. وَصَحَّ: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «رَأَى فِي يَدِ عَائِشَةَ حَلَقَاتٍ مِنْ وَرِقٍ فَقَالَ مَا هَذَا؟ قَالَتْ أَتَزَيَّنُ
لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ؟ قَالَتْ لَا، قَالَ هِيَ حَسْبُكِ مِنْ النَّارِ» . وَصَحَّ أَيْضًا:«أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَقَلَّدَتْ قِلَادَةً مِنْ ذَهَبٍ قُلِّدَتْ فِي عُنُقِهَا مِثْلَهَا مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ جَعَلَتْ فِي أُذُنِهَا خُرْصًا مِنْ ذَهَبٍ جُعِلَ فِي أُذُنِهَا مِثْلُهُ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَصَحَّ أَيْضًا: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُحَلِّقَ جَنْبَيْهِ حَلْقَةً مِنْ نَارٍ فَلْيُحَلِّقْهُ حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَوِّقَ جَنْبَيْهِ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَلْيُطَوِّقْهُ طَوْقًا مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُسَوِّرَ جَنْبَيْهِ بِسِوَارٍ مِنْ نَارٍ فَلْيُسَوِّرْهُ بِسِوَارٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ فَالْعَبُوا بِهَا» .
وَهَذِهِ كَأَحَادِيثَ أُخَرَ بِمَعْنَاهَا مَحْمُولَةٌ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّ الْحُلِيَّ لِلنِّسَاءِ كَانَ مُحَرَّمًا أَوَّلَ الْإِسْلَامِ فَوَجَبَتْ زَكَاتُهُ أَوْ عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ أَسْرَفْنَ فِيهِ، وَالْحُلِيُّ إذَا أَسْرَفْنَ فِيهِ يَلْزَمُهُنَّ زَكَاتُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا كَالضَّبَّةِ الصَّغِيرَةِ لِزِينَةٍ وَالْكَبِيرَةِ لِحَاجَةٍ.
وَفِي حَدِيثٍ: «أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ أَمِيرٌ مُسَلَّطٌ وَذُو ثَرْوَةٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ مِنْ مَالِهِ وَفَقِيرٌ فَخُورٌ» .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَلَمْ يَحُجَّ أَوْ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلَمْ يُزَكِّ سَأَلَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ اتَّقِ اللَّهَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَإِنَّمَا يَسْأَلُ الرَّجْعَةَ الْكُفَّارُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَأَتْلُو عَلَيْك بِذَلِكَ قُرْآنًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} [المنافقون: 10] أَيْ أُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ {وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10] أَيْ أَحُجَّ.
وَحُكِيَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ التَّابِعِينَ خَرَجُوا لِزِيَارَةِ أَبِي سِنَانٍ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ وَجَلَسُوا عِنْدَهُ قَالَ قُومُوا بِنَا نَزُورُ جَارًا لَنَا مَاتَ أَخُوهُ وَنُعَزِّيهِ فِيهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ: فَقُمْنَا مَعَهُ وَدَخَلْنَا عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ فَوَجَدْنَاهُ كَثِيرَ الْبُكَاءِ وَالْجَزَعِ عَلَى أَخِيهِ فَجَعَلْنَا نُعَزِّيهِ وَنُسَلِّيهِ وَهُوَ لَا يَقْبَلُ تَسْلِيَةً وَلَا عَزَاءً، فَقُلْنَا لَهُ: أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ سَبِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَى مَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى فِيهِ أَخِي مِنْ الْعَذَابِ؛ فَقُلْنَا لَهُ قَدْ أَطْلَعَك اللَّهُ عَلَى الْغَيْبِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَمَّا دَفَنْته وَسَوَّيْت عَلَيْهِ التُّرَابَ وَانْصَرَفَ النَّاسُ جَلَسْتُ عِنْدَ قَبْرِهِ وَإِذَا صَوْتٌ مِنْ قَبْرِهِ يَقُولُ آهْ أَفْرَدُونِي وَحِيدًا أُقَاسِي الْعَذَابَ قَدْ كُنْت أَصُومُ قَدْ كُنْت أُصَلِّي، قَالَ فَأَبْكَانِي كَلَامُهُ فَنَبَشْت عَنْهُ التُّرَابَ لِأَنْظُرَ
مَا حَالُهُ وَإِذَا الْقَبْرُ يَلْمَعُ عَلَيْهِ نَارًا وَفِي عُنُقِهِ طَوْقٌ مِنْ نَارٍ فَحَمَلَتْنِي شَفَقَةُ الْأُخُوَّةِ وَمَدَدْت يَدِي لِأَرْفَعَ الطَّوْقَ مِنْ رَقَبَتِهِ فَاحْتَرَقَتْ أَصَابِعِي وَيَدِي ثُمَّ أَخْرَجَ إلَيْنَا يَدَهُ فَإِذَا هِيَ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقَةٌ، قَالَ فَرَدَدْت عَلَيْهِ التُّرَابَ وَانْصَرَفْت فَكَيْفَ لَا أَبْكِي عَلَى حَالِهِ وَأَحْزَنُ عَلَيْهِ؟ فَقُلْنَا فَمَا كَانَ أَخُوك يَعْمَلُ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ كَانَ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ مِنْ مَالِهِ، قَالَ فَقُلْنَا هَذَا تَصْدِيقُ قَوْلِهِ:{وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] وَأَخُوك عُجِّلَ لَهُ الْعَذَابُ فِي قَبْرِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ وَأَتَيْنَا أَبَا ذَرٍّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَذَكَرْنَا لَهُ قَضِيَّةَ الرَّجُلِ وَقُلْنَا لَهُ يَمُوتُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَلَا نَرَى فِيهِمْ ذَلِكَ، فَقَالَ أُولَئِكَ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ وَإِنَّمَا يُرِيكُمْ اللَّهُ فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ لِتَعْتَبِرُوا. قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -:{فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [الأنعام: 104] .
وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ: «إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يُبْغِضُ الْبَخِيلَ فِي حَيَاتِهِ السَّخِيَّ عِنْدَ مَوْتِهِ» . وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ: «إيَّاكُمْ وَالشُّحَّ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا» .
وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَالتِّرْمِذِيُّ: «خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ» .
وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ: «شِرَارُ النَّاسِ الَّذِي يُسْأَلُ بِاَللَّهِ وَلَا يُعْطِي» .
وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَأَبُو دَاوُد: «شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ» .
وَالْخَطِيبُ: «الشَّحِيحُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» .
وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: «صَلَاحُ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالزُّهْدِ وَالْيَقِينِ وَيَهْلَكُ آخِرُهَا بِالْبُخْلِ وَالْأَمَلِ» .
وَالْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ: «طَعَامُ السَّخِيِّ دَوَاءٌ وَطَعَامُ الشَّحِيحِ دَاءٌ» .
وَابْنُ عَسَاكِرَ: «أَقْسَمَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَخِيلٌ» .
وَأَبُو يَعْلَى: «مَا مَحَقَ الْإِسْلَامَ مَحْقَ الشُّحِّ شَيْءٌ» .
وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: «نَجَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْيَقِينِ وَالزُّهْدِ، وَيَهْلَكُ آخِرُهَا بِالْبُخْلِ وَالْأَمَلِ» .
وَالدَّيْلَمِيُّ: «الْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِمَنْ تَرَكَ عِيَالَهُ بِخَيْرٍ وَقَدِمَ عَلَى رَبِّهِ بِشَرٍّ» . وَسَمَّوَيْةِ: «لَا تَجْتَمِعُ خَصْلَتَانِ فِي مُؤْمِنٍ الْبُخْلُ وَالْكَذِبُ» .
وَالْخَطِيبُ: «إنَّ السَّيِّدَ لَا يَكُونُ بَخِيلًا» .
وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ: «بَرِئَ مِنْ الشُّحِّ مَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ وَقَرَى الضَّيْفَ وَأَعْطَى فِي النَّائِبَةِ» .
وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ مَعَهُ خَصْلَتَانِ الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ. قَلْبُ الشَّيْخِ شَابَ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ حُبِّ الْعَيْشِ وَالْمَالِ» . وَابْنُ عَدِيٍّ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ» .
وَالدَّيْلَمِيُّ: «إنَّ اللَّهَ عز وجل لَيَغْضَبُ لِلسَّائِلِ الصَّدُوقِ كَمَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ» .
وَابْنُ جَرِيرٍ: «إيَّاكُمْ وَالْبُخْلَ فَإِنَّ الْبُخْلَ دَعَا قَوْمًا فَمَنَعُوا زَكَاتَهُمْ وَدَعَاهُمْ فَقَطَعُوا أَرْحَامَهُمْ وَدَعَاهُمْ فَسَفَكُوا دِمَاءَهُمْ» . وَأَيْضًا: «إيَّاكُمْ وَالشُّحَّ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الشُّحُّ، أَمَرَهُمْ بِالْكَذِبِ فَكَذَبُوا وَأَمَرَهُمْ بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا» .
وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْخَطِيبُ: «الْبُخْلُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ فِي فَارِسَ وَوَاحِدٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ» .
وَأَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ: «خَلَقَ اللَّهُ اللُّؤْمَ فَحَفَّهُ بِالْبُخْلِ وَالْمَالِ» .
وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهَنَّادٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ: «لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا» . وَابْنُ عَدِيٍّ: «لَا يَجْتَمِعُ الْإِيمَانُ وَالْبُخْلُ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ أَبَدًا» .
تَنْبِيهَاتٌ: مِنْهَا: عَدُّ مَنْعِ الزَّكَاةِ كَبِيرَةً هُوَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ لِمَا عَلِمْت مَا فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ ذَلِكَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْعِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْغَصْبِ وَنَحْوِهِ تَقْيِيدُهُ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ. قِيلَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ يَأْتِي هُنَا لَكِنَّهُ تَحْدِيدٌ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ. انْتَهَى.
وَأَقُولُ: لَوْ سَلَّمْنَا مَا يَأْتِي فِي نَحْوِ الْغَصْبِ لَا نَقُولُ بِهِ هُنَا لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُفَوَّضَةٌ إلَى الْمَالِكِ، فَلَوْ سُومِحَ فِي مَنْعِ الْبَعْضِ بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ كَبِيرَةٍ أَدَّاهُ ذَلِكَ إلَى مَنْعِ الْكُلِّ كَمَا قَالُوهُ فِي أَنَّ شُرْبَ قَطْرَةٍ مِنْ الْخَمْرِ كَبِيرَةٌ مَعَ تَحَقُّقِ عَدَمِ الْإِسْكَارِ فِيهَا، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ قَلِيلَهَا يُؤَدِّي إلَى كَثِيرِهَا فَفُطِمَ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْمَالُ إذْ مَحَبَّةُ النَّفْسِ لِتَكْثِيرِهِ تَدْعُو إلَى أَنَّهُ لَوْ سُهِّلَ لَهَا فِي قَلِيلِهِ اتَّخَذَتْهُ ذَرِيعَةً إلَى مَنْعِ كَثِيرِهِ.
فَاتَّضَحَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ هُنَا بَيْنَ مَنْعِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَأَمَّا عَدُّ تَأْخِيرِهَا بَعْدَ وُجُوبِهَا بِشَرْطِهِ فَهُوَ صَرِيحُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ وَأَبُو يَعْلَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ:«إنَّ لَاوِيَ الصَّدَقَةِ» أَيْ مُؤَخِّرَهَا «مِنْ جُمْلَةِ الْمَلْعُونِينَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم» وَمِنْ ثَمَّ جَزَمَ بَعْضُهُمْ بِعَدِّهِ كَبِيرَةً.
وَمِنْهَا: مَرَّ فِي أَحَادِيثَ تَوَعُّدٌ شَدِيدٌ عَلَى تَحَلِّي النِّسَاءِ بِالذَّهَبِ وَقَدَّمْتُ الْإِشَارَةَ إلَى الْجَوَابِ عَنْهَا، وَنَزِيدُهُ هُنَا بَسْطًا، وَهُوَ أَنَّهُ أُجِيبَ عَنْهَا بِأَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ لِثُبُوتِ إبَاحَةِ تَحْلِيَتِهِنَّ بِالذَّهَبِ.
ثَانِيهَا: أَنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ دُونَ مَنْ أَدَّاهَا بِنَاءً عَلَى وُجُوبِهَا فِيهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَبِعَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا فِيهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالظَّاهِرُ مِنْ الْآيَاتِ يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِينَ الَّذِينَ أَوْجَبُوهَا، وَالْأَثَرُ يُؤَيِّدُهُ.
وَمَنْ أَسْقَطَهَا ذَهَبَ إلَى النَّظَرِ، وَمَعَهُ طَرَفٌ مِنْ الْأَثَرِ. وَالِاحْتِيَاطُ أَدَاؤُهَا انْتَهَى. ثَالِثُهَا: حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ تَزَيَّنَتْ بِهِ وَأَظْهَرَتْهُ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ: «أَمَا إنَّهُ لَيْسَ مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تَتَحَلَّى ذَهَبًا وَتُظْهِرُهُ إلَّا عُذِّبَتْ بِهِ» نَعَمْ صَحَّ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْنَعُ أَهْلَهُ الْحِلْيَةَ وَالْحَرِيرَ، وَيَقُولُ: إنْ كُنْتُنَّ تُحْبِبْنَ حِلْيَةَ الْجَنَّةِ وَحَرِيرَهَا فَلَا تَلْبَسْنَهُمَا فِي الدُّنْيَا» .
رَابِعُهَا: أَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ مَا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنْ الْغِلْظَةِ - كَمَا مَرَّ - الْمُؤَدِّي إلَى الْإِسْرَافِ وَهُوَ فِي حُلِيِّ النَّقْدِ يُحَرِّمُهُ.
وَمِنْهَا: سَبَقَ فِي الْأَحَادِيثِ ذَمُّ الْبُخْلِ، وَالْإِشَارَةُ إلَى آفَاتِهِ وَغَوَائِلِهِ؛ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْبُخْلَ - شَرْعًا - هُوَ مَنْعُ الزَّكَاةِ وَأُلْحِقَ بِهَا كُلُّ وَاجِبٍ، فَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ كَانَ بَخِيلًا، وَعُوقِبَ بِمَا مَرَّ فِي الْأَحَادِيثِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَحَدَّهُ قَوْمٌ بِأَنَّهُ مَنْعُ الْوَاجِبِ، فَمَنْ أَدَّى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَيْرُ بَخِيلٍ، وَهَذَا غَيْرُ كَافٍ، إذْ مَنْ يَرُدُّ اللَّحْمَ أَوْ الْخُبْزَ إلَى قَصَّابٍ أَوْ خَبَّازٍ لِنَقْصِ حَبَّةٍ يُعَدُّ بَخِيلًا اتِّفَاقًا، وَكَذَا مَنْ يُضَايِقُ عِيَالَهُ فِي لُقْمَةٍ أَوْ تَمْرَةٍ أَكَلُوهَا مِنْ مَالِهِ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَهُمْ مَا فَرَضَ لَهُمْ الْقَاضِي، وَمَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ رَغِيفٌ فَحَضَرَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يُشَارِكُهُ فِيهِ فَأَخْفَاهُ عَنْهُ عُدَّ بَخِيلًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْبَخِيلُ الَّذِي يَسْتَصْعِبُ كُلَّ الْعَطِيَّةِ، وَهُوَ قَاصِرٌ فَإِنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَسْتَصْعِبُ كُلَّ عَطِيَّةٍ وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْبُخَلَاءِ لَا يَسْتَصْعِبُ نَحْوَ الْحَبَّةِ، أَوْ الْكَثِيرَ فَقَطْ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي الْبُخْلِ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْجُودِ مَا هُوَ؟ فَقِيلَ هُوَ عَطَاءٌ بِلَا مَنٍّ، وَإِسْعَافٌ عَلَى غَيْرِ رَوِيَّةٍ، وَقِيلَ: عَطَاءٌ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَقِيلَ السُّرُورُ بِالسَّائِلِ، وَالْفَرَحُ بِعَطَاءِ مَا أَمْكَنَ، وَقِيلَ عَطَاءٌ عَلَى رَوِيَّةِ أَنَّهُ وَمَالَهُ لِلَّهِ، وَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ مُحِيطٍ بِحَقِيقَةِ الْبُخْلِ وَالْجُودِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْإِمْسَاكَ حَيْثُ وَجَبَ الْبَذْلُ بُخْلٌ وَالْبَذْلَ حَيْثُ وَجَبَ الْإِمْسَاكُ تَبْذِيرٌ، وَبَيْنَهُمَا وَسَطٌ هُوَ الْمَحْمُودُ، وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّخَاءِ وَالْجُودِ، فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُؤْمَرْ إلَّا بِالسَّخَاءِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ:{وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا} [الإسراء: 29] أَيْ بِالْغَلِّ {مَحْسُورًا} [الإسراء: 29] أَيْ بِالْبَسْطِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان: 67] فَالْجُودُ وَسَطٌ بَيْنَ الْإِسْرَافِ وَالْإِقْتَارِ وَبَيْنَ الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ؛ وَكَمَالُهُ أَنْ لَا يَكُونَ نَاظِرًا بِقَلْبِهِ إلَى مَا أَعْطَاهُ بِوَجْهٍ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَعْلَقَ قَلْبُهُ مِنْ الْمَالِ إلَّا بِصَرْفِهِ فِيمَا يُحْمَدُ صَرْفُهُ؛ ثُمَّ الْوَاجِبُ بَذْلُهُ فِيهِ إمَّا شَرْعًا وَإِمَّا مُرُوءَةً وَعَادَةً، فَالسَّخِيُّ هُوَ الَّذِي لَا يَمْنَعُهَا وَإِلَّا فَهُوَ الْبَخِيلُ، لَكِنَّ مَانِعَ وَاجِبِ الشَّرْعِ كَالزَّكَاةِ وَنَفَقَةِ الْعِيَالِ أَبْخَلُ وَأَقْبَحُ مِنْ مَانِعِ وَاجِبِ الْمُرُوءَةِ كَالْمُضَايَقَةِ وَالِاسْتِقْصَاءِ فِي الْمُحَقَّرَاتِ، وَاسْتِقْبَاحُ هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ فَيُسْتَقْبَحُ مِنْ ذَوِي الْمَالِ وَمَعَ الْجَارِ وَالْأَهْلِ وَالصَّدِيقِ مَا لَا يُسْتَقْبَحُ مَعَ أَضْدَادِهِمْ.
وَلِلْبُخْلِ دَرَجَةٌ ثَالِثَةٌ وَهِيَ مَا لَوْ كَثُرَ مَالُهُ وَهُوَ قَائِمٌ بِوَاجِبَيْ الشَّرْعِ وَالْمُرُوءَةِ ثُمَّ أَمْسَكَ عَنْ الْإِنْفَاقِ مِنْهُ فِي وُجُوهِ الْقُرُبَاتِ لِيَكُونَ عُدَّةً لَهُ عَلَى النَّوَائِبِ، وَإِيثَارًا لِهَذَا الْغَرَضِ الْفَانِي عَلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ لَوْ أَنْفَقَ مِنْ الثَّوَابِ الْبَاقِي، وَالدَّرَجَاتِ الْعَلِيَّةِ، وَالْمَرَاتِبِ الْمُرْضِيَةِ فَهَذَا بَخِيلٌ أَيُّ بَخِيلٍ، لَكِنْ عِنْدَ الْأَكْيَاسِ دُونَ عَامَّةِ الْخَلْقِ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ إمْسَاكَهُ لِلنَّوَائِبِ مُهِمًّا، عَلَى أَنَّهُمْ رُبَّمَا اسْتَقْبَحُوا مِنْهُ حِرْمَانَهُ لِفَقِيرٍ بِجِوَارِهِ وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ، وَيَخْتَلِفُ اسْتِقْبَاحُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ مِقْدَارِ مَالِهِ وَشِدَّةِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ وَصَلَاحِهِ، ثُمَّ إنَّهُ هُوَ بِأَدَاءِ ذَيْنِكَ الْوَاجِبَيْنِ يَبْرَأُ مِنْ الْبُخْلِ وَلَا يَثْبُتُ لَهُ الْجُودُ مَا لَمْ يَبْذُلْ زِيَادَةً عَلَيْهِمَا لِنَيْلِ الْفَضِيلَةِ لَا لِطَمَعٍ فِي ثَنَاءٍ أَوْ خِدْمَةٍ أَوْ مُكَافَأَةٍ، وَيَكُونُ وُجُودُهُ بِحَسَبِ مَا اتَّسَعَتْ لَهُ نَفْسُهُ مِنْ قَلِيلِ الْبَذْلِ وَكَثِيرِهِ.
وَمِنْهَا: يَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَ الْبَرَاءَةَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ التَّنَصُّلُ مِنْ دَاءِ الْبُخْلِ حَذَرًا مِمَّا فِيهِ مِنْ الْمُهْلِكَاتِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِمَعْرِفَةِ سَبَبِهِ وَعِلَاجِهِ، فَسَبَبُهُ حُبُّ الْمَالِ: إمَّا لِحُبِّ الشَّهَوَاتِ الَّتِي لَا وُصُولَ إلَيْهَا إلَّا بِهِ مَعَ طُولِ الْأَمَلِ، إذْ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ بَعْدَ يَوْمٍ لَا يَبْقَى عِنْدَهُ مِنْ أَثَرِ الْبُخْلِ شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ، وَإِمَّا لِحُبِّ ذَاتِ الْمَالِ وَلِذَلِكَ تَرَى مَنْ تَيَقَّنَ أَنَّ مَعَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ مَا يَزِيدُ عَلَى كِفَايَتِهِ لَوْ عَاشَ الْعُمُرَ الطَّبِيعِيَّ، وَأَنْفَقَ نَفَقَةَ الْمُلُوكِ وَلَا وَارِثَ لَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مِنْ الْبُخْلِ وَمَنْعِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا بِمَكَانٍ فَيَكْنِزُهُ تَحْتَ الْأَرْضِ عَالِمًا بِأَنَّهُ يَمُوتُ بَلْ رُبَّمَا عِنْدَ مَوْتِهِ يَبْتَلِعُهُ، وَمَرَضُ مِثْلِ هَذَا عَسِرٌ عِلَاجُهُ بَلْ مُحَالٌ
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَحُبُّ الشَّهَوَاتِ يُعَالَجُ بِالْقَنَاعَةِ بِالْيَسِيرِ وَبِالصَّبْرِ، وَيُعَالَجُ طُولُ الْأَمَلِ بِكَثْرَةِ ذِكْرِ الْمَوْتِ، وَالنَّظَرِ فِي مَوْتِ الْأَقْرَانِ وَطُولِ تَعَبِهِمْ فِي جَمْعِ الْمَالِ وَضَيَاعِهِ بَعْدَهُمْ فِي أَقْبَحِ الْمَعَاصِي وَأَقْرَبِ زَمَنٍ.
وَيُعَالَجُ الِالْتِفَاتُ إلَى الْوَلَدِ بِاسْتِحْضَارِ الْخَيْرِ السَّابِقِ: «إنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ وَرَثَتَهُ فِي خَيْرٍ وَقَدِمَ عَلَى اللَّهِ بِشَرٍّ» وَبِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْوَلَدِ رِزْقًا لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَكَمْ مِمَّنْ لَمْ يُخَلِّفْ لَهُ أَبُوهُ فَلْسًا صَارَ غَنِيًّا وَمَنْ خَلَّفَ لَهُ الْقَنَاطِيرَ الْمُقَنْطَرَةَ صَارَ فَقِيرًا فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ، وَبِأَنْ يَتَأَمَّلَ فِي أَحْوَالِ الْبُخَلَاءِ وَأَنَّهُمْ عَلَى مُدْرَجَةِ الْمَقْتِ وَالْبُعْدِ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ وَلِذَلِكَ تَجِدُ النُّفُوسَ تَنْفِرُ عَنْهُمْ بِالطَّبْعِ وَتَسْتَقْبِحُهُمْ، حَتَّى إنَّ بَعْضَ الْبُخَلَاءِ يَسْتَقْبِحُ كَثِيرَ الْبُخْلِ مِنْ غَيْرِهِ وَيَسْتَثْقِلُ كُلَّ بَخِيلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَيَغْفُلُ عَنْ أَنَّهُ مُسْتَثْقَلٌ وَمُسْتَقْذَرٌ فِي قُلُوبِ النَّاسِ كَمَا أَنَّ الْبُخَلَاءَ عِنْدَهُ كَذَلِكَ، وَيَتَأَمَّلُ فِي الْمَنَافِعِ الَّتِي يُقْصَدُ لَهَا الْمَالُ فَلَا يَحْفَظُ مِنْهُ إلَّا مَا يَحْتَاجُهُ وَمَا زَادَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدَّخِرَ ثَوَابَهُ وَبِرَّهُ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - بِإِخْرَاجِهِ فِي مَرْضَاتِهِ. وَمَنْ أَمْعَنَ تَأَمُّلَهُ فِي هَذِهِ الْأَدْوِيَةِ انْصَقَلَ فِكْرُهُ وَانْشَرَحَ قَلْبُهُ فَيُجَانِبُ الْبُخْلَ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ أَوْ بَعْضِهَا بِحَسَبِ كَمَالِ اسْتِعْدَادِهِ وَنَقْصِهِ، وَيَنْبَغِي لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يُجِيبَ أَوَّلَ خَاطِرِ الْإِنْفَاقِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ رُبَّمَا زَيَّنَ لِلنَّفْسِ الرُّجُوعَ عَنْهُ وَلِذَلِكَ خَطَرَ لِبَعْضِ الْأَكَابِرِ، - قِيلَ أَبُو بَكْرٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ -: التَّصَدُّقُ بِثَوْبِهِ وَهُوَ فِي الْخَلَاءِ فَخَرَجَ فَوْرًا وَتَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمَّا خَرَجَ سُئِلَ فَقَالَ خَشِيت أَنَّ الشَّيْطَانَ يُثْنِي عِنَانَ عَزْمِي، وَلَا تَزُولُ صِفَةُ الْبُخْلِ إلَّا بِالْبَذْلِ تَكَلُّفًا كَمَا لَا يَزُولُ الْعِشْقُ إلَّا بِالسَّفَرِ عَنْ مَحَلِّ الْمَعْشُوقِ.
وَمِنْهَا: لِلْمَالِ فَوَائِدُ دِينِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّةٌ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - سَمَّاهُ خَيْرًا فِي قَوْلِهِ عز وجل: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} [البقرة: 180] وَامْتَنَّ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَفِي حَدِيثٍ:«كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا» ، أَمَّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا الدِّينِيَّةُ فَمِنْ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَاتِ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا إلَّا بِهِ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَبِهِ يُتَقَوَّى عَلَى الْعِبَادَاتِ كَالْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَسْكَنِ وَالْمَنْكَحِ وَضَرُورَاتِ الْمَعِيشَةِ إذْ لَا يَتَفَرَّغُ لِلدِّينِ إلَّا مَنْ كُفِيَ ذَلِكَ وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ لِلْعِبَادَةِ إلَّا بِهِ عِبَادَةٌ، بِخِلَافِ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ فَإِنَّهُ مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا. وَمِنْ فَوَائِدِهِ الدِّينِيَّةِ مَا يَصْرِفُهُ مِنْ صَدَقَةٍ - وَفَضَائِلُهَا مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ أَلَّفْتُ فِيهَا كِتَابًا حَافِلًا -، أَوْ هَدَايَا وَضِيَافَاتٍ وَنَحْوِهِمَا لِلْأَغْنِيَاءِ - وَفِيهِمَا فَضَائِلُ مَعَ أَنَّهُ يَكْتَسِبُ بِهِمَا الْأَصْدِقَاءَ وَصِفَةَ السَّخَاءِ أَوْ -، وِقَايَةِ عِرْضٍ مِنْ نَحْوِ شَاعِرٍ أَوْ مَارِقٍ، وَفِي خَبَرٍ:«إنَّ مَا وُقِيَ بِهِ الْعِرْضُ صَدَقَةٌ» - أَوْ أُجْرَةِ مَنْ يَقُومُ بِأَشْغَالِك إذْ لَوْ بَاشَرْتهَا فَاتَتْ مَصَالِحُك الْأُخْرَوِيَّةُ، إذْ عَلَيْك مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ
وَالذِّكْرِ وَالْفِكْرِ مَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقُومَ بِهِ غَيْرُك فَتَضْيِيعُك الْوَقْتَ فِي غَيْرِهِ خُسْرَانٌ، أَوْ فِي خَيْرٍ عَامٍّ: كَبِنَاءِ مَسَاجِدَ، أَوْ رُبُطٍ، أَوْ قَنَاطِرَ، أَوْ سِقَايَاتٍ بِالطُّرُقِ، أَوْ دُورٍ لِلْمَرْضَى، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْقَافِ الْمُرْصَدَةِ لِلْخَيْرَاتِ، وَهَذِهِ مِنْ الْخَيْرَاتِ الْمُؤَبَّدَةِ الدَّائِمَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ الْمُسْتَجْلِبَةِ بَرَكَةَ أَدْعِيَةِ الصَّالِحِينَ إلَى أَوْقَاتٍ مُتَمَادِيَةٍ، وَنَاهِيكَ بِذَلِكَ خَيْرًا.
فَهَذِهِ جُمْلَةُ فَوَائِدِ الْمَالِ فِي الدِّينِ سِوَى مَا فِيهِ مِنْ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ كَالْعِزِّ، وَكَثْرَةِ الْخَدَمِ، وَالْأَصْدِقَاءِ، وَتَعْظِيمِ النَّاسِ لَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْمَالُ مِنْ الْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ لِلْمَالِ آفَاتٌ كَثِيرَةٌ دِينِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّةٌ، فَالدِّينِيَّةُ أَنَّهُ يَجُرُّ إلَى الْمَعَاصِي لِلتَّمَكُّنِ بِهِ مِنْهَا، إذْ مِنْ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تَجِدَ، وَمَتَى اسْتَشْعَرَتْ النَّفْسُ الْقُدْرَةَ عَلَى مَعْصِيَةٍ انْبَعَثَتْ دَاعِيَتُهَا إلَيْهَا فَلَا تَسْتَقِرُّ حَتَّى تَرْتَكِبَهَا، وَيَجُرُّ أَيْضًا ابْتِدَاءً إلَى التَّنَعُّمِ بِالْمُبَاحَاتِ حَتَّى يَصِيرَ إلْفًا لَهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَوَصَّلْ إلَيْهِ إلَّا بِسَعْيٍ أَوْ كَسْبٍ حَرَامٍ لَاقْتَرَفَهُ تَحْصِيلًا لِمَأْلُوفَاتِهِ إذْ مَنْ كَثُرَ مَالُهُ كَثُرَ احْتِيَاجُهُ إلَى مُعَاشَرَةِ النَّاسِ وَمُخَالَطَتِهِمْ، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ أَنَّهُ يُنَافِقُهُمْ وَيَعْصِي اللَّهَ فِي طَلَبِ رِضَاهُمْ أَوْ سَخَطِهِمْ، فَتَثُورُ الْعَدَاوَةُ وَالْحِقْدُ، وَالْحَسَدُ، وَالرِّيَاءُ، وَالْكِبْرُ، وَالْكَذِبُ، وَالْغِيبَةُ، وَالنَّمِيمَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَاصِي وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَحْوَالِ السَّيِّئَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَقْتِ وَاللَّعْنِ، وَيَجُرُّ أَيْضًا إلَى مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ ذَوِي الْأَمْوَالِ وَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِإِصْلَاحِ مَالِهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَكُلُّ مَا شَغَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ شُؤْمٌ وَخُسْرَانٌ مُبِينٌ، وَهَذَا هُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ فَإِنَّ أَصْلَ الْعِبَادَاتِ وَسِرَّهَا ذِكْرُ اللَّهِ وَالتَّفَكُّرُ فِي جَلَالِهِ وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي قَلْبًا فَارِغًا، وَمُحَالٌ فَرَاغُهُ مَعَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ إصْلَاحِ الْمَالِ وَالِاعْتِنَاءِ بِتَحْصِيلِهِ وَدَفْعِ مَضَارِّهِ وَذَلِكَ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ، فَهَذِهِ جُمَلُ الْآفَاتِ الدِّينِيَّةِ؛ سِوَى مَا يُقَاسِيهِ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ مِنْ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ وَالْهَمِّ وَالْغَمِّ الدَّائِمِ وَالتَّعَبِ فِي دَفْعِ الْخَسَارِ وَتَجَشُّمِ الْمَصَاعِبِ وَالْمَشَاقِّ فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَكَسْبِهَا، فَإِذًا تِرْيَاقُ الْمَالِ أَخْذُ نَحْوِ الْقُوتِ مِنْهُ، وَصَرْفُ الْبَاقِي إلَى وُجُوهِ الْخَيْرِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ سُمُومٌ وَآفَاتٌ.
إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْمَالُ لَيْسَ بِخَيْرٍ مَحْضٍ وَلَا شَرٍّ مَحْضٍ، بَلْ هُوَ سَبَبٌ لِلْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا يُمْتَدَحُ تَارَةً لَا مَحَالَةَ وَيُذَمُّ أُخْرَى، لَكِنْ مَنْ أَخَذَ مِنْ الدُّنْيَا أَكْثَرَ مِمَّا يَكْفِيهِ فَقَدْ أَخَذَ حَتْفَهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ كَمَا وَرَدَ، وَلَمَّا مَالَتْ الطِّبَاعُ إلَى الشَّهَوَاتِ الْقَاطِعَةِ عَنْ الْهُدَى، وَكَانَ الْمَالُ آلَةً فِيهَا عَظُمَ الْخَطَرُ فِيمَا يَزِيدُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَاسْتَعَاذَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ شَرِّهِ حَتَّى