الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع السادس والأربعون
علم رسم الخط
النوع السادس والأربعون
علم رسم الخط
ألف في ذلك رئيس هذا الفن الشيخ أبو عمرو الداني كتاباً نفيساً ذكر فيه ما سمعه من مشايخه، وما رواه عن الأئمة الأعلام في مرسوم خط المصحف المكي والمدني والكوفي والبصري والشامي، وسائر مصاحف العراق المصطلع عليها قديماً، مما اتفقوا فيه واختلفوا، وفصل ذلك فصولاً، ونوعه أنواعاً، في كتاب حسن في بابه.
وكتابة خط المصحف سنة وطريقة لا يعدل عنها، وقد سئل مالك
- رحمه الله: هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى.
وقال أيضاً - وقد سئل عن الحروب على القرآن، كالواو، والألف -: أترى أن يغير في المصحف؟ قال لا.
قال الحافظ القسطلاني رحمه الله تعالى:
والمراد: المزيد في القرآن: الرسم غير الملفوظ به، كـ:{يأولى الألبب} [البقرة: 179]، {وأولت} [الطلاق: 4]، و {الربوا} [البقرة: 275].
وقال بعضهم: هذا كاف في الصدر الأول - والعلم غض حي - وأما
الآن فقد يخشى الالتباس، ولذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله تعالى -: لا يجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى لاصطلاح الأئمة، لئلا يوقع في تغيير من الجهال.
وهذا لا ينبغي إجراؤه على إطلاقه، لئلا يؤدي إلى دروس العلم، ولا يترك شيء أحكمه السلف مراعاة لجهل الجاهلين، لا سيما وهو أحد الأركان التي عليها مدار القراءات.
وقد قال البيهقي - في شعبه -: من كتب مصحفاً فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا بها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير شيئاً مما كتبوه، فإنهم كانوا أكثر علماً، وأصدق قلباً ولساناً، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكاً عليهم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد أرشدنا الله تعالى بقوله: {آلم (1) ذلك الكتب} [البقرة: 1 - 2] مع قوله: {وكتبه ورسله} [البقرة: 285] إلى أن طريق تخليد كتابه العزيز تدوينه بالكتابه، وأيد ذلك قوله عليه السلام / فيما رواه الطبراني، وأبو نعيم في [90 أ/ هـ] الحلية، وغيرها من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: قيدوا العلم بالكتاب، أي:
بالكتابة له - وهما مصدرا (كتب) - فدل هذا على مشروعية كتابة القرآن العظيم وغيره من العلوم الإسلامية، فصارت الكتابة هي السبب إلى تخليد كل فضيلة، والوسيلة إلى توريث كل حكمة جليلة، وحرزاً مودعاً لا يضيع المستودع فيه، وكنزاً لا يعتريه نقص لما تصطفيه، وعمدة يرجع إليها عند النسيان، إذ لا يطرأ عليها ما يطرأ على الأذهان، لأنها المعتمدة؛ بل تكون لرد الشارد كالمستند، تنقل علوم الأولين والآخرين، وتلحق آثار
الأمم السابقة والقرون الماضية، تخاطبك بلسان الحال عند تعذر المقال فكأن الميت حي بهذا الاعتبار، والمفقود موجود بتجدد الأخبار، توقفك على أخبار الأجواد ومواقف الشجعات الأطواد.
إني سألت عن الكرام فقيل لي
…
إن الكرام رهائن الأرماس
ذهب الكرام وجودهم ونوالهم
…
وحديثهم إلا من القرطاس
وقد قال أبو الحسين ابن فارس في كتاب: "فقة اللغة": روي أن أول من كتب الكتاب العربي، والسرياني، والكتب كلها: آدم عليه السلام قبل موته بثلاثمئة سنة، كتبها في طين وطبخه، فلما أصاب الأرض الغرق وجد كل قوم كتاباً فكتبوه، فأصاب إسماعيل عليه السلام الكتاب العربي.
وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول: أول من وضع الكتاب العربي إسماعيل انتهى.
وقد أخرج هذين الأثرين ابن أشتة في كتاب المصاحف.
قال: والخط توفيقي، لقول الله تعالى:{الذى علم بالقلم (4) علم الإنسن ما لم يعلم (5)} [العلق: 4 - 5]، وقال تعالى:{ن والقلم وما يسطرون (1)} [القلم: 1].
وليس ببعيد أن يقوم آدم أو غيره من الأنبياء عليهم السلام على الكتابة وزعم قوم أن العرب العاربة لم تعرف هذه الحروف بأسمائها، وأنهم لم يعرفوا نحواً ولا إعراباً ولا رفعا ً ولا نصباً ولا جزماً ولا همزاً. والحق أن أسماء هذه الحروف داخلة في الأسماء التي علم الله آدم عليه السلام.
قال: وما اشتهر أن أبا الأسود أول من وضع العربية، أو أن الخليل أول من وضع العروض فلا ينكر، وإنما يقال: إن هذين العلمين كانا قديمين، وأتت عليهما الأيام فقلا في أيدي الناس، ثم جددهما هذان الإمامات.
ومن الدليل على عرفان القدماس ذلك، كتابتهم للمصحف على الذي نقله
النحويون في ذوات الواو، والياء، والهمز، والمد والقصر، فكتبوا ذوات الياء بالياء، وذوات الوار بالواو، وذوات الألف بالألف، ولم يصوروا الهزة إذا كان قبلها ساكن في مثل: الخبء، كما سيأتي ذلك - إن شاء الله تعالى - فصار ذلك كله حجة.
وقد ذكر ابن هشام "صاحب السير" في كتاب التيجان عن وهب: أن الله / تعالى أنزل على هود عليه السلام هذه الأحرف: أ، ب، ت، ث، .... ، إلى الياء، تسعة وعشرون حرفاً، لفضل اللسان العربي على العجمي والسرياني والعبراني، وأنزل عليه: يا هود، إن الله آثرك وذريتك بسيد الكلام، وبه يكون لكم استطالة وفضيلة على جميع العباد، حتى يختم الله نبوته بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وعن مجاهد عن الشعبي قال: سألت المهاجرين: من أين تعلمتم
الكتاب؟ قالوا: من أهل الحيرة. سألناهم: من أين تعلموها؟ قالوا من أهل الأنبار.
وقال أبو بكر بن أبي داود، عن علي بن حرب، عن هشام بن محمد بن السائب، قال: تعلم بشر بن عبد الملك الكتابة من أهل الأنبار، وخرج إلى مكة، فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية.
وقال غير على بن حرب: علم سفيان بن حرب الخط، وعلم
سفيان بن حرب عمر بن الخطاب / رضي الله عنه وجماعة من قريش، وتعلم معاوية من عمه سفيان.
وقال ابن هشام: أول من كتب الخط العربي حمير بن سبأ، علمه مناماً. انتهى.
وقد كان خطاً كوفياً ثم استنبط منه نوع نسب إلى ابن مقلة، ثم آخر نسب إلى علي بن البواب، وعليه استقر رأي الكتاب.