الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
49 - باب: ما جاء فى حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم
ــ
(باب ما جاء فى حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو هنا بالمدّ من الحياة، ومنه الحياء للمطر، لكنه مقصور، وبحسب حياة القلب يزداد الحياء، فكلما كان القلب حيا كان الحياء أتم.
وهو لغة: تغير وانكسار يعترى الإنسان من خوف ما يعاب به.
وشرعا: خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويحضّ على ارتكاب الحسن، ومجانبة التقصير فى الحق.
وهو أقسام: منها: حياء الكرم: كاستحيائه صلى الله عليه وسلم أن يقول لمن طوّلوا القيام عنده فى وليمة زينب انصرفوا، وفيه نزلت: وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ. . . الآية.
حياء المحبّ من محبوبه: حتى إذا خطر بقلبه هاج الحياء منه، فيخجل من غير أن يدرى سببه.
وحياء العبودية: بأن يشهد تقصيره فيها، فيزداد خوفه وخجله.
وحياء المرء من نفسه: بأن تشرف همته فيستحى من رضى نفسه بالنقص فيجد نفسه مستحيا من نفسه، حتى كأن له نفسين فيستحى. فهذا أكمل أنواع الحياء، إذ المستحى من نفسه أقدر بالاستحياء من غيره.
والحياء المحمود: من جملة الخلق الحسن فإفراده بباب للتنبيه على عظم شأنه، والاعتناء له، لأن به ملاك الأمر، وحسن المعاشرة للخلق، والمعاملة للحق، ومن ثمّ قال صلى الله عليه وسلم:«الحياء خير كله» (1). وقال: «إن لم تستح فاصنع ما شئت» (2).
(1) رواه مسلم فى الإيمان (37)، وأبو داود (4796)، والإمام أحمد فى مسنده (4/ 426،436، 440،442،445،446)، وابن أبى شيبة فى المصنف (8/ 335)، والطبرانى فى الكبير (18/ 171،202،205،222)، وفى الصغير (1/ 85)، والبخارى فى التاريخ الكبير (3/ 30)، والشجرى فى أماليه (2/ 196)، وابن عدى فى الكامل (3/ 892،945)، وأبو نعيم فى الحلية (2/ 251)، (6/ 262)، وكذلك فى المسند المستخرج على مسلم (1/ 152، 153)، والعقيلى فى الضعفاء (2/ 201).
(2)
رواه البخارى فى الأنبياء (3483)، والإمام أحمد فى المسند (4/ 121،122)، (5/ 273)، =
343 -
حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن قتادة قال:
سمعت عبد الله بن أبى عتبة، يحدث عن أبى سعيد الخدرى قال:
«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ حياء من العذراء فى خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه فى وجهه» .
ــ
343 -
(أشد حياء): آثره على إحيا لأن المبالغة فيه أكثر. (من العذراء): البكر لأن عذرتها وهى جلدة بكارتها باقية. (فى خدرها): هو-بكسر الخاء المعجمة-ستر يجعل لها فى جنب البيت، تكون فيه وحدها، حتى من النساء، وهى فيه أشد حياء منها خارجه، إذ الخلوة مظنة وقوع الفعل بها، فعلم أن المراد الحالة التى تعتريها عند دخول أحد عليها فيه، لا التى تكون عليها حالة انفرادها، أو اجتماعها بمثلها فيه.
وفيه: بيان عظيم حيائه صلى الله عليه وسلم، وأن الحياء من الأوصاف المحمودة المطلوبة المرغبّ فيها، وهو كذلك، إذ هو شعبة من شعب الإيمان، كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:«والحياء شعبة من الإيمان» (1). وروى البخارى «أنه من الإيمان، وأنه لا يأتى إلا بخير» (2). قال
= والطبرانى فى الكبير (17/ 235)، والخطيب فى التاريخ (12/ 136)، من حديث عبد الله ابن مسعود رضى الله عنه.
343 -
إسناده صحيح: رواه البخارى فى المناقب (3562)، وفى الأدب (6102،6119)، ومسلم فى الفضائل (2320)، وابن ماجه فى الزهد (4180)، وأحمد فى المسند (3/ 71،79،88،91،92)، والطيالسى فى مسنده (2222)، وابن سعد فى الطبقات الكبرى (1/ 368)، وأبو بكر بن أبى شيبة فى المصنف (8/ 336)، والطبرانى فى الكبير (18/ 206)، والخرائطى فى مكارم الأخلاق (49)، والبيهقى فى دلائل النبوة (1/ 316)، وكذلك فى السنن (10/ 192،199)، وأبو الشيخ فى أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم (ص 38)، كلهم من طرق عن قتادة به فذكره نحوه.
(1)
رواه البخارى فى الإيمان (9)، ومسلم فى الإيمان (35)، وأبو داود فى السنة (4676)، والنسائى (8/ 110)، وابن ماجه (57)، والإمام أحمد فى المسند (2/ 414،442)، وابن أبى شيبة فى المصنف (8/ 334)، والبغوى فى شرح السنة (1/ 29)، والخطيب فى التاريخ (4/ 338)، (6/ 292،293)، وابن منده فى الإيمان (66).
(2)
رواه البخارى فى الأدب (6117)، ومسلم فى الإيمان (37)، والإمام أحمد فى مسنده (4/ 427)، والطبرانى فى الكبير (18/ 206)، والبغوى فى شرح السنة (13/ 173)، والخطيب فى التاريخ (11/ 295).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القاضى عياض وغيره: إنما جعل الحياء من الإيمان، وإن كان غريزة، لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم. وقال القرطبى: الحياء المكتسب: هو الذى جعله الشارع من الإيمان، وهو المختلق دون الغريزى، غير أن من كان فيه غريزة منه، فإنها تعينه على المكتسب، حتى يكاد أن يكون غريزيا. وقد جمع له صلى الله عليه وسلم النوعان، فكان الغريزى أشد حياء من البكر فى خدرها. وروى عنه:«كان من حيائه لا يثبت بصره فى وجه أحد» .
واعلم: أن الحياء إنما يتمدح به حيث لم ينته بصاحبه إلى ضعف وجبن وخروج عن الحق، وإلا كان مذموما، وحياؤه صلى الله عليه وسلم كان منزّها عن جميع ذلك. فقد قال ابن عمر:
«ما رأيت لا أشجع ولا أعبد من رسول الله صلى الله عليه وسلم» . وقال أنس «كان أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس» (1)، وذكر قصة «فزع أهل المدينة فانطلق ناس قبل الصّوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا وقد سبقهم وحده، واستبرأ الخبر على فرس لأبى طلحة عرى والسيف فى عنقه، وهو يقول: لن تراعوا» : أى روعا مستقرا أو روعا يضرّكم، وكان ذلك الفرس تطوفا أى: ضيق الخطى، فلما قال: وجدناه بحرا صار واسع الجرى. ببركة ركوبه. وصرع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركانة ثلاث مرات متواليات، بشرط إن صرع أسلم، فزاد تعجبه لشدة قوته وقصد النّاس له لذلك، وصارع جمعا غيره منهم ابن الأسود الجهمى فصرعه، مع أنه بلغ من شدّته أنه كان يقف على جلد البقرة، ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتفرى الجلد، ولم يتزحزح منه. وفى الحديث «إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم»: أى جعلناه قدّامنا واستقبلنا العدو به وقمنا خلفه ومر فى باب الشعر ركوبه للبغلة فى الحرب، وأن ذلك دليل أى دليل على عظم شجاعته.
(1) رواه الإمام أحمد فى المسند (3/ 147)، والبغوى فى شرح السنة (13/ 258)، وأبو الشيخ فى أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم (59،60)، والبيهقى فى الدلائل (1/ 325)، وأبو نعيم فى الحلية (9/ 19)، وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (6/ 43)، عن أنس قال: كان أحسن الناس وجها، وأنورهم لونا، وكان أجود الناس وكان أشجع الناس. . وذكر القصة.
344 -
حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن منصور، عن موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمى، عن مولى لعائشة، قال: قالت عائشة:
«ما نظرت إلى فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم-أو قالت: ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قطّ» .
ــ
344 -
(الخطمى): بفتح أوله المعجم نسبة إلى خطم قبيلة من العرب. (أو): شك المشكوك فيه لفظ. (نظرت ورأيت): لا. (قط): بل الظاهر ذكرها فى الروايتين. وهذا من كمال حيائه صلى الله عليه وسلم، إذ لم يفعل ما يقتضى نظرها لفرجه، بل فعلها (1) ما يقتضى منعها من رؤيته، وهو عظيم حيائه، إذ لا تتجرئ المرأة على رؤية عورة زوجها، إلا من استهتاره فى ذلك وعلمها رضاه ويؤيده رواية:«ما رأيت منه ولا رأى منى» تعنى:
الفرج، وبهذا أعنى قولى: إذ لم [إلى آخره](2) يندفع قول شارح، لا وجه لذكر هذا فى باب حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أجاب عما لا ينفع، على أنه زعم أن فيه خفاء والله أعلم.
…
344 - إسناده ضعيف: للجهالة بمولى عائشة رضى الله عنها. ورواه ابن ماجه فى الطهارة (662)، وفى النكاح (1922)، وأحمد فى المسند (6/ 93، 190)، وابن سعد فى الطبقات (1/ 384)، من طريق سفيان به فذكره، وقال البوصيرى فى الزوائد: وهذا إسناده ضعيف.
(1)
فى (ش): [فعل].
(2)
الزيادة من: [ش].