الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ، وَصِفَتِهِ
وَفُروضُهُ سِتَّةٌ؛ غَسْلُ الْوَجْهِ، وَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْهُ، وَغَسْلُ الْيَدَينِ. وَمَسْحُ الرَّأْسِ، وَغَسْل الرِّجْلَينِ،
ــ
بابُ فَرْضِ الوُضُوءِ وصِفَتِه
(وفُرُوضُه سِتَّةٌ؛ غَسْلُ الوَجْهِ)، وهو فَرْضٌ بالإِجْماعِ، والأَصلُ فيه قولُه تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية (1).
82 - مسألة؛ قال: (والفَمُ والأَنْفُ مِنه)
لدُخُولِهِما في حَدِّه على ما يَأْتِي.
83 - مسألة؛ قال: (وغَسْلُ اليَدَينِ)
-وهو الفرضُ الثاني؛ لقولِه تعالى: {وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (1).
84 - مسألة؛ قال: (ومَسْحُ الرَّأْسِ)
وهو الفرضُ الثالثُ.
(وغَسْلُ الرِّجْلَينِ) وهو الفرضُ الرابعُ؛ لقولِه تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} (1). لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ العلماء في وُجُوبِ غَسْلِ الوَجْهِ واليَدَين؛ لما ذكرْنا مِن النَّصِّ، وكذلك مَسْحُ الرَّأْسِ واجِبٌ بالإِجماعِ في الجُمْلَةِ، مع اخْتِلافِ الناس في قَدْرِ الواجِبِ مِنه. فأمّا غَسْل الرِّجْلَينِ، فهو فَرْضٌ في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. قال
(1) سورة المائدة 6.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي لَيلَى (1): أجْمَعَ (2) أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم على غَسْلِ القَدَمَينِ. ورُوِيَ عن عليٍّ، أنَّه مَسَحَ على نَعْلَيه وقَدَمَيه، ثم دَخَلَ المَسْجِدَ، ثم خَلَعَ نَعْلَيه، ثم صَلَّى. وحُكِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: ما أجِدُ في كتابِ الله إلَّا غَسْلَتَينِ ومَسبْحَتَين. وحُكِيَ عن الشَّعْبِيِّ، أنَّه قال: الوُضُوءُ مَمْسُوحان ومَغْسُولان؛ فالْمَمْسُوحان يَسْقُطان في التَّيَمُّمِ. وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، أنَّه ذُكِرَ له قولُ الحَجّاجِ: اغْسِلُوا القَدَمَين ظاهِرَهُما وباطِنَهُما، وخَلِّلُوا ما (3) بينَ الأصابعِ، فإنَّه ليس شيءٌ مِن ابنِ آدَمَ أقربَ إلى الخَبَثِ مِن قَدَمَيه. فقال أنَسٌ: صَدَقَ اللهُ وكَذَبَ الحَجّاجُ. وتَلا هذه الآيةَ: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} وحُكِيَ عن ابنِ جَرِيرٍ (4)، أنَّه قال: هو مُخَيَّرٌ بينَ المَسْحِ والغَسْلِ (5). ولم نَعْلَمْ أحدًا مِن
(1) أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الإمام الحافظ، كان أصحابه يعظمونه كأنه أمير، توفي سنة اثنتين وثمانين وقيل سنة ثلاث. سير أعلام النبلاء 4/ 262 - 267.
(2)
في م: «اجتمع» .
(3)
سقطت من: «م» .
(4)
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، المفسر المؤرخ، كان من أفراد الدهر؛ علما، وذكاء، وكثرة تصانيف، وكان من كبار أئمة الاجتهاد، توفي سنة عشر وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء 14/ 267 - 282.
(5)
نص عبارة الطبري: «فإذا كان المسح المعنيان اللذان وصفنا: من عموم الرجلين بالماء، وخصوص بعضهما به، وكان صحيحا بالأدلة الدالة التي سنذكرها بعد، أن مراد الله من مسحهما العموم، وكان لعمومهما بذلك معنى الغسل والمسح، فبَيِّن صواب قرأة القراءتين جميعا، أعني النصب في الأرجل والخفض؛ لأن في عموم الرجلين بمسحهما بالماء غسلُهما، وفي إمرار اليد وما قام مقام اليد عليهما مسُحهما، فوجه صواب قراءة من قرأ ذلك نصبا لما في ذلك من معنى عمومها بإمرار الماء عليهما. ووجه صواب قراءة من قرأه خفضا، لما في ذلك من إمرار اليد عليهما، أو ما قام مقام اليد، مسحا بهما.
تفسير الطبري (شاكر) 10/ 63.
ولعل نقل المؤلف عن ابن جرير في القسم المفقود من كتابه اختلاف الفقهاء.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أهلِ العلمِ قال بجَوازِ مَسْحِ الرِّجْلَين غيرَ مَنْ ذَكَرْنا، واحْتَجُّوا بظاهِرِ الآيَةِ، وبما روَى ابنُ عباسٍ، قال: تَوَضَّأَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فأدْخَلَ يَدَه في الإِناءِ، فتَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مَرَّةً واحدةً، ثم أدْخَلَ يَدَه، فصَبَّ على وَجْهِه مَرَّةً واحِدَةً، وصَبَّ على يَدَيه مَرَّةً مَرَّةً، ومَسَحَ برَأْسِه وأُذُنَيه مَرَّةً، ثم أَخَذَ كَفًّا مِن ماءٍ، فرَشَّ على قَدَمَيه وهو مُنْتَعِلٌ (1). رواه سعيدٌ. ورَوَى سعيدٌ، عن هُشَيمٍ، أنبأنا يَعْلَى بنُ عَطاءٍ، عن أبيه، قال: أخْبَرَني أَوْسُ بنُ أوسٍ الثَّقَفِيُّ، أنَّه رأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أتَى كِظامَةَ قومٍ (2) بالطَّائِفِ، فتَوَضَّأَ ومَسَحَ على قَدَمَيه (3). قال هُشَيم: كان هذا في أوَّلِ الإِسْلامِ. ولَنا، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ وعثمانَ وَصَفا وُضُوءَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقالا: فغَسَلَ قَدَمَيه. وفي حديثِ عثمانَ: ثم غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيه ثَلاثًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهما (4). وحَكَى عليٌّ وُضُوءَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: ثم غَسَلَ
(1) ذكر السيوطي في أول مسند ابن عباس حديثًا مقاربا لهذا يختلف معه في بعض ألفاظه. الجامع الكبير 2/ 444، وذكر أنَّ ابن أبي شيبة أخرجه، وهو عنده في: باب في الوضوء كم هو مرة، من كتاب الطهارات 1/ 9. وانظر: باب مسح الأذنين مع الرأس إلخ، من كتاب الطهارة. المجتبى من سنن النسائي 1/ 63.
وأخرج الحديث بنحو مما ورد هنا أبو داود، في: باب الوضوء مرتين، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 30.
(2)
الكظامة: الميضأة، وفم الوادي، وبئر بجنب بئر بينهما مجرى ببطْن الأرض.
(3)
أخرجه أبو داود، في: باب حدثنا مسدد وعباد بن موسى، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 36. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 8.
(4)
حديث عبد الله بن زيد برواياته، أخرجه البخاري، في: باب مسح الرأس كله، وباب غسل الرجلين إلى الكعبين، وباب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة، وباب مسح الرأس مرة واحدة، وباب الغسل والوضوء في المخضب إلخ، وباب الوضوء من التور، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 58 - 61. ومسلم، في: باب في وضوء النبيِّ صلى الله عليه وسلم، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 210، 211. وأبو داود، في: باب صفة وضوء النبيَّ صلى الله عليه وسلم، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود، 1/ 27. والترمذي، في: باب المضمضة والاستنشاق من كف واحدة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 46، 47. والنسائي، في: باب حد =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رِجْلَيه إلى الكَعْبَين، ثَلاثًا ثَلاثًا (1). وعن عمرَ، رضي الله عنه، أنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ، فتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ مِن قَدَمِه، فأَبْصَرَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال:«ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ» . فرَجَعَ ثم صَلَّى. رواه مسلم (2). وعن عبد اللهِ بن عَمْرٍو، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى قومًا يَتَوَضَّئُونَ وأعْقَابُهُمْ تَلُوحُ (3)، فقال:«وَيلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» . رواه مسلم (4). وقد
= الغسل، وباب صفة مسح الرأس، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 61. وابن ماجه، في: باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد، وباب ما جاء في مسح الرأس، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 149، 150. والدارمي، في: باب الوضوء مرتين، وباب ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ لرأسه ماءً جديدا، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 180. والإمام مالك، في: باب العمل في الوضوء، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 18. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 38، 39، 41، 42.
وحديث عثمان أخرجه البخاري، في: باب الوضوء ثلاثا، وباب المضمضة في الوضوء، من كتاب الوضوء. وفي: باب سواك الرطب واليابس للصائم، من كتاب الصوم. صحيح البخاري 1/ 51 - 53، 3/ 40. ومسلم، في: باب صفة الوضوء وكماله، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 204، 205. والنسائي، في: باب المضمضة والاستنشاق، وباب حد الغسل، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 56، 57، 68. وابن ماجه، في: باب ثواب الطهور، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 105. والدارمي، في: باب الوضوء ثلاثا، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 176. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 58 - 61، 67، 68، 74.
(1)
أخرجه النسائي، في: باب صفة الوضوء، من كتاب الطهارة 1/ 60. والإمام أحمد، في المسند: 1/ 110.
(2)
في: باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 215. كما أخرجه أبو داود، في: باب تفريق الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 39. وابن ماجه، في: باب من توضأ فترك موضعا لم يصبه الماء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 218. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 21، 23. كما أخرجه أبو داود وابن ماجه، عن أنس، في الموضعين السابقين. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 146.
(3)
تلوح: أي تلمع.
(4)
في: باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 214. كما أخرجه البخاري، في: باب رفع صوته بالعلم، وباب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم، من كتاب العلم، وفي: باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 35، 52. وأبو داود، في: باب في إسباغ الوضوء، من كتاب الطهارة، سنن أبي داود 1/ 22 والنسائي، في: باب إيجاب غسل الرجلين، من كتاب الطهارة المجتبى 1/ 66. وابن ماجه، في: باب غسل العراقيب، من كتاب الطهارة. سنن ابن =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَكَرْنا أمْرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالتَّخْلِيلِ، وأنَّه كان يَعْرُكُ أصابِعَه بِخِنْصَرِه بَعْضَ العَرْكِ، وهذا كلُّه يَدُلُّ على وُجُوبِ الغَسْلِ؛ لأنَّ المَمْسُوحَ لا يَحْتاجُ إلى الاسْتِيعابِ والعَرْكِ. وأمّا الآيةُ، فقد رَوَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّه كان يَقْرأُ. {وَأَرْجُلَكُمْ} (1). قال: عادَ إلى الغَسْلِ (2). ورُوِيَ عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ والشَّعْبِيِّ قِراءَتُها كذلك. وهي قِراءةُ ابنِ عامِرٍ، فتَكُونُ مَعْطُوفةً على اليَدَينِ، ومَن قَرَأَ بالجَرِّ فللمُجاوَرَةِ، كقولِه تعالى:{إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} (3). جَرَّ أَلِيمًا، وهو صِفَةٌ للعَذابِ على المُجاوَرَةِ. وقولِ الشّاعرِ (4):
فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَينِ مُنْضِجٍ
…
صَفِيفَ شِوَاءٍ أو قَدِيرٍ مُعَجَّلِ
فجَرَّ قَدِيرًا مع العَطْفِ للمُجاوَرَةِ. وإذا احْتَمَلَ الأمْرَين وجَبَ الرُّجُوعُ إلى فِعْلِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لأنّه مُبَيِّنٌ، يُبَيِّنُ بفِعْلِه تارَةً، وبقَوْلِه أُخْرَى. ويَدُلُّ على صِحَّةِ هذا قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، في حديث عَمْرِو بنِ عَبَسَةَ (5):«ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ» (6) فثَبَتَ بهذا أنَّ الله تعالى إنَّما أمَرَه
= ماجه 1/ 154. والدارمي، في: باب ويل للأعقاب من النار، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 179. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 193، 201، 205، 211، 226.
(1)
بعد هذا في حاشية الأصل: «بالنصب» .
(2)
أي عاد الأمر إلى الغسل. انظر: تفسير الطبري. 10/ 55.
(3)
سورة هود 26.
(4)
البيت لامرئ القيس من معلقته المشهورة، وهو في ديوانه 22. وهو من الشواهد النحوية. انظر: معجم شواهد العربية للأستاذ عبد السلام هارون 1/ 305.
(5)
عمرو بن عَبَسَةَ بن عامر السلمي، أبو نجيح، أسلم قديما بمكة، وكان أخا أبي ذر لأمه، توفي في أواخر خلافة عثمان. تهذيب التهذيب 8/ 69.
(6)
ذكر الحديث بطوله السيوطي، في الجامع الكبير 2/ 582. وقال: «أخرجه سعيد بن منصور.