الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في كيد الدولة العثمانية
…
فصل
قال العراقي: (ولما رأت الدولة العثمانية1 اعتداء عبد الرحمن هذا وبغيه، وتطاوله على صادقها ومخلصها الأمير ابن رشيد، ونزع عبد الرحمن إلى الأجانب، أرسلت كتيبة من عساكرها المنصورة صحبة الأمير ابن رشيد لقطع دابر أولئك المارقين، وقمع بغيهم واعتدائهم، وإطفاء شرر فتنتهم المستطير، فصادمت العساكر المنصورة الجماعة الباغية حزب ابن سعود قرب بلدة البكيرية من بلاد القصيم. فوقعت بين الجمعين ملحمة كبرى، انجلت عن هزيمة الفئة الباغية جماعة ابن سعود، وامتلاك العساكر أحد عشر راية من راياتهم. وقد كان –والحق يقال- لحضرة الأمير ابن رشيد وجيشه في هذه الملحمة خدمة في قمع الأعداء تشكر، وبسالة يخلد ذكرها ولا تنكر، وأما المنهزمون فهم اليوم متحصنون ببعض تلك البلاد، والعساكر المنصورة مع جيش الأمير ابن رشيد محدقون
1 في ط المنار، الرياض:"العلية".
بهم ومجدون في تنكيلهم وكبح جماحهم. وفقهم الله تعالى لذلك) .
والجواب أن يقال: ليس الأمر كما زعم هذا العراقي، بل حقيقة الحالة أنه لما رأت الدولة العثمانية أنه قد وقع بين العرب حروب عديدة، وملاحم شديدة، طمعت في بلاد العرب بواسطة الانتصار لابن رشيد، كما أخذت الأحساء والقطيف بغياً وعدواناً بواسطة الانتصار لعبد الله بن فيصل على أخيه سعود.
وقد كان من المعلوم أنها لا تمشي مع أحد لحظ نفسه، وإنما تمشي لحظ نفسها، ولكن لا يشعر تائه بمصابه، لأنه ما دخل الأمر من بابه:
فجاءوا بأسباب من الكيد مزعج
…
مدافعهم يزجي الوحوش رنينها
وظنوا أنهم لمن عاداهم من الناس سيقهرون، وأنهم لمن حاربهم سيغلبون، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21] ، فأقبل بتلك العساكر والعربان، يقودهم البغي والعدوان، والأشر والبطر والطغيان {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة:32] حتى نزل بأدنى قرى القصيم، وأنزل الله عليهم بها من رجزه عقاصاً عظيماً، ووباء وخيماً، فقتل بعض أولئك
الطغام، وبقي منهم خلق كثير، وجمع غفير، ولم يعتبروا بما حل بهم ودها، وما نزل بهم من النوى.
فنهض إليهم الإمام عبد العزيز بمن معه من المسلمين، وهم لا يبلغون معشار أولئك المعتدين، ونزل "البصر"، فارتحل ابن رشيد ونزل بالشيحيات، وسار عبد العزيز بالمسلمين فنزل البكيرية، فلما كان من الغد وانتصف النهار، ولم يلق كيداً من أولئك الأشرار، وظن المسلمون أنه لا يكون في ذلك الوقت مقاتلة من الأغيار، فتفرقوا في النخيل والأشجار، فانتهز ابن رشيد هذه الفرصة، وعبأ عساكره وجنوده، ونشر راياته وبنوده، وجاؤوا كما قال الله تعالى:{بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال:47] ، فوقعت بين الطائفتين وقعة عظيمة، وملحمة كبيرة جسمية، وكان المسلمون قد نهضوا إليهم على غير تعبئة، وكانت العساكر والجنود الطاغية قد نهضوا بأجمعهم في نحر أهل الرياض ومن معهم من أهل النواحي غير أهل القصيم، فانكشف المسلمون بعد أن جاءتهم الخيل من خلفهم {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران:141] ، قال الله تعالى:{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] الآية. ولم يقتل من المسلمين على التحقيق إلا نحواً1 من ثمانين رجلاً، وقد قتل من
1 كذا والصواب لغة (نحوٌ) .
العسكر وجند ابن رشيد خلق كثير، ولما كان في آخر النهار قبل غروب الشمس ظهرت جموع أهل القصيم، وهم لا يعلمون بانكشاف أهل العارض لأنهم في خب منخفض، فحملوا على العساكر العثمانية والجنود الرشيدية، وقد اجتمع بأهل القصيم من أهل الرياض عصابة في ذلك اليوم فهزموهم شر هزيمة، وقتلوا في ذلك اليوم منهم مقتلة عظيمة، وأخذوا كثيراً من مطارحهم وخيامهم ومدافعهم، وقد قتل من العسكر ومن أهل الجبل نحواً1 من خمسمائة مقاتل.
فلما علم أهل القصيم بانكشاف المسلمين تركوا ما أخذوه مما لا يطيقون حمله، ورجعوا إلى أوطانهم وأماكنهم، ولم يتراجع الفريقان إلا بعد أيام، فرجع ابن رشيد وعسكره إلى معسكرهم في "الشيحيات" واستولى على البكيرية.
واجتمع المسلمون في عنيزة، ثم نهض إليهم عبد العزيز بالمسلمين، وقدم جمعاً إلى البكيرية، فهجموا عليهم ليلاً وهرب من فيها من جند ابن رشيد، وملكوا سورها وقصورها، فلما كان آخر الليل التقى الجمعان قريباً من البكيرية، فهزمهم المسلمون هزيمة
1 كذا والأظهر لغة (نحوٌ) .
عظيمة، ونزل المسلمون البكيرية، فرجف الله بابن رشيد وعساكره فارتحلوا منهزمين، وركبتهم خيول المسلمين يأخذون ويقتلون، حتى نزل بالشنانة من أعالي قرى القصيم، ونزل عبد العزيز الرس، ولم يكن بينهم مزاحفة، إنما هو بالخيل مناوشة ومراوحة، ثم لما طال المقام، وخاف ابن رشيد تفرق قومه لطول المقام، ولأن المسلمين لا يدعونهم ينتشرون لرعي إبلهم وجيوشهم، وأكلوا ما في الشنانة حتى النخيل، فارتحل من الشنانة ونزل بماء يقال له "المقوعي" فنهض المسلمون إلى قصر هناك قريباً منهم يقال له قصر ابن عقيل، فالتقى الجمعان، وتصادم الفريقان، وكانت الدائرة للمسلمين على ابن رشيد وذويه، وهزموهم شر هزيمة، وأخذوا من الأموال والمتاع والإبل والغنم ما لا يحصى، ولا يعد ولا يستقصى، وأخذوا نحوا من عشرة أيام يغدون ويروحون إلى المعركة يأخذون من الأموال والمتاع ما لا يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، فلله الحمد وله الشكر وله الثناء الحسن الجميل، لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه أحد من خلقه.
وأما زعمه أن عبد الرحمن بن فيصل تطاول على مخلص الدولة وصادقها ابن رشيد فنعم، هو مخلصها وصادقها، ونحن إن شاء الله مخلصون لله في عبادته،
الصادقون في جهاد أعدائه، فإنه هو وعمه الذين بغوا علينا، فأبادهم الله تعالى بأيدينا، فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه.
وأما دعوى هذا العراقي نزوع الإمام عبد الرحمن إلى الأجانب، ويعني بالأجانب طائفة النصارى الإنكليز فمعاذ الله من ذلك، ويأبى الله والمؤمنون إلا منابذتهم، ومعاداتهم ومحاربتهم، وكيف يكون ذلك وقد قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً} [المائدة: 57-58] الآية. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51] الآية. وقال تعالى: {تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة:80] الآية.
وإنما ينزع إليهم ويتخذهم أولياء من حكم قوانينهم، والتزمها على نفسه، ونفذها في رعيته، وجعل وزراءه ووكلاءه منهم، وجعل لهم قناصل في أماكنه ودياره، فنعوذ بالله من رين الذنوب وانتكاس القلوب.
وإذا تحقق المنصف ما ذكرناه، واتضح له ما بيناه، مما كان وجرى، وما حصل من الأمور بعد تلك الوقعات،
والدواهي المعضلات، بقدوم المشير "أحمد فيضي باشا" بجنوده وعساكره وعسكر المدينة إلى القصيم، مما لو ذكره العراقي لأوضحناه على جليته: عرف أن البسالة كل البسالة التي يجب أن تشكر وتذكر، وأن ينشر ذكرها في الخافقين ولا ينكر، مقامات الرئيس المفخم، والمقدام المعظم، والهزبر الغشمشم عبد العزيز بن الإمام المكرم عبد الرحمن بن فيصل، لا من نعتوه بها ممن ليس لها بأهل.
لقد من مولانا وأفضل وارتضى
…
لنا ملكاً منا سمي المناقبِ
فشام المعالي وارتضاها وأمها
…
بهمته العليا وجرد شوازبِ
وبيض قواض يختلي الهام حدها
…
وقود الهجان اليعملات النجائب
فتى همه العليا وشأو مرامها
…
فأم إلى هاماتها والغوارب
فتى ليس يثني همه ومرامه
…
طوال العوالي أو طوال السباسبِ
يخوض عباب الموت –والموت ناقع
…
إذا استعرت نار الوغى في الكتائب
ويركب هول الخطب –والخطب معضل
…
وقد هابه شوس الملوك المصاعب
يرد لهام الجيش وهو عرمرم
…
ويحطمه بالمرهفات السوالب
لقد فات أبناء الزمان وفاقهم
…
بنيل المعالي الساميات المراتب
وجود وإقدام إذا احتنك الفضا
…
وضاق بحال الصافنات السلاهب
وأحجم أهلوها بيوم عصبصب
…
به النقع يسمو كارتكام السحائب
هنالك لا تلقاه إلا كضيغم
…
هزبر أبي شبلين حجن المخالب
ترى جثث الأبطال صرعى بغابه
…
تراوحها الأشبال من كل ساغب
كذا الملك الشهم الهمام فإنما
…
كماة العدى جزراً له بالقواضب
ترى عافيات الطير يعصبن فوقه
…
لتحظى بأشلاء العدو المشاغب
وتتبعه غرثى السباع لعلها
…
تروح بطاناً من لحوم المحارب
وقد وثقت أن لا تعود خوامصاً
…
وأن لها جزراً كماة الكتائب
فنلنا المنى من بعد أن كادت العدى
…
تحيط بنا من كل قطر وجانب
بعبد العزيز بن الإمام ابن فيصل
…
حليف العلى نسل الكرام الأطايب
فلله من ندب همام مهذب
…
أغاظ العدى من عجمها والأعارب
ومن ألمعي أحوذي ومصقع
…
بليغ بما قد شاءه في المقانب
يقود أسوداً في الحروب ضياغماً
…
تغير على الأعدا كأسد سواغب
حنيفية في دينها حنفية
…
وليس لهم إلا العلم من مآرب
سما بهمو نحو المعالي سميدع
…
أبيّ وفيّ فاضل ذو مناقب
إذا هو أعطى ذمة لم يخس بها
…
وما كان ذا غدر وليس بكاذب
فإن رمت أخباراً له ووقائعاً
…
فسل شمراً عنها بصدق المضارب
وحرباً وسل عنها مطيراً وغيرهم
…
من العجم والأعراب من كل ناكب
فمزقهم أيدي سبا فتفرقوا
…
فما بين مقتول وما بين هارب
وما بين منكوب وقد خال أنه
…
بقوته قد حاز كل المآرب
فما نال إلا الخزي والعار والردى
…
وآب حسيراً خاسئاً غير راغب
بلطف من المولى له وإعانة
…
على كثرة الأعدا له والمحارب
وعز وإسعاف على كل من بغى
…
عليه وتسديد لدى كل نائب
ونصر له بالرعب في كل مأزق
…
من الملك العلام مولى المواهب
إذا أم أمراً واعتلى متسامياً
…
تمزقت الأعداء من كل جانب
وما ذاك إلا أنه لا ترده
…
طوال العوالي أو طوال السباسب
ولا غرو من هذا ولا بدع إنما
…
حواها من الشوس الكرام الأطايب
ومن والد سامي الذري ذي مآثر
…
حسان وأخلاق يفاع المراتب
له فتكات بالأعادي شهيرة
…
يقصر عن تعدادها كل كاتب
أدام لنا ربي بهم كل بهجة
…
على السنن الحاوي لكل المطالب
وسنة خير العالمين محمد
…
نبي الهدى السامي لأعلى المناقب
عليه صلاة الله ثم سلامه
…
بعد وميض البرق جنح الغياهب
وأصحابه والآل ما حن راعد
…
وما انهل وبل من خلال السحائب