الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في حقيقة غلو الناس في الصالحين وغيرهم
…
فصل
قال العراقي الملحد: (وأما قول العامي من المسلمين: يا عبد القادر أدركني، ويا بدوي المدد مثلاً، فيحمل على المجاز العقلي، كما يحمل عليه قول القائل: هذ الطعام أشبعني، وهذا الماء أرواني، وهذا الدواء شفاني، فإن الطعام لا يشبع والماء لا يروي. والدواء لا يشفي حقيقة، بل المشبع والمروي والشافي الحقيقي هو الله تعالى وحده، وإنما تلك أسباب عادية ينسب لها الفعل، لما يرى من حصوله بعدها في الظاهر) .
والجواب أن يقال: قد تقدم في كلام شيخ الإسلام قوله: فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال أن هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، إلى آخر كلامه.
وتقدم قوله: "وأيضاً فإن من جعل بينه وبين الله
وسائط يتوكل عليهم، ويدعوهم، ويسألهم: كفر إجماعاً".
وقال صنع الله الحلبي: فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح، أو غير ذلك في كشف كربة، وقضاء حاجة تأثيراً، فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير، وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، فحاشا لله أن تكون أولياء الله بهذه المثابة، فهذا ظن أهل الأوثان، كذا أخبر الرحمن:{هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} ، {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ، {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ} [يس:23] ، فإن ذكر من ليس من شأنه النفع، ولا دفع الضر، مع نبي وولي، وغيره على وجه الأمداد منه: إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره. انتهى.
وقال الإمام ابن عقيل في "فنونه": لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وتخليقها، وطلب الحوائج، وطلب الحوائج من الموتى، ودس الرقاع في القبور فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا. انتهى.
وقوله: (فيحمل على المجاز العقلي) .
فيقال لهذا الملحد: الجواب من وجوه:
الأول: أن هذه الألفاظ دالة دلالة مطابقة على اعتقاد التأثير من غير الله تعالى.
والثاني: لو سلم هذا المحمل لاستحال الارتداد، وانسد باب الردة، الذي يعقده الفقهاء في كل مصنف، وكتاب من كتب أهل المذاهب الأربعة، وغيرها، فإن المسلم الموحد متى صدر منه قول أو فعل موجب للكفر يجب حمله على المجاز، والإسلام والتوحيد قرينة على ذلك المجاز.
والثالث: أنه يلزم على هذا أن لا يكون المشركون الذين نطق كتاب الله بشركهم مشركين، فإنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق، الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، لكن كانوا يعبدون الأصنام، لتقربهم إلى الله زلفى، فالاعتقاد المذكور قرينة على أن المراد بالعبادة ليس معناه الحقيقي، بل المراد هو المعنى المجازي، أي: التكريم مثلاً، فما هو جوابكم، فهو جوابنا.
والرابع: أن هؤلاء الذين أولتم عنهم في تلك
الألفاظ الدالة على تأثير غير الله، فما تفعلون في أعمالهم الشركية من دعاء غير الله، والاستغاثة والنذر والذبح، فإن الشرك لا يتوقف على اعتقاد تأثير غير الله، بل إذا صدر من أحد عبادة من العبادات لغير الله صار مشركاً، سواء اعتقد ذلك الغير مؤثراً أم لا.
وقد تقدم الكلام على الأسباب العادية، وما يقال فيها، فيما مضى.
وأما قوله: (ومعظم الأمة أجمعوا على جواز التوسل به صلى الله عليه وسلم، وبغيره من الصحابة والصالحين، فقد صدر من كثير من الصحابة والعلماء من السلف والخلف) .
فأقول: أما أجماعهم على جواز التوسل بهم التوسل الشرعي بدعائهم وشفاعتهم في حال حياتهم فهذا حق، وأما بعد وفاتهم فمعاذ الله، وقد تقدم بيانه.
وأما التوسل الشركي فهم مجمعون على كفر فاعله، بعد قيام الحجة عليه، لا ينكره إلا مكابر.
وقوله: (واجتماع أكثرهم على الحرام والإشراك لا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، وقيل المتواتر: "لا
تجمع أمتي على ضلالة " ولقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس} [آل عمران: 110] ، فكيف تجتمع كلها أو أكثرها على ضلالة) .
فأقول: المقصود بالأمة في الحديث1 هم أهل السنة والجماعة، وهم الفرقة الناجية المنصورون إلى قيام الساعة وهم المعنيون بقوله في الحديث2 الصحيح:"وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة" قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: "من كنا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، فمن كان على مثل ما كان عليه أصحاب
1 أخرج ابن ماجه من حديث أنس: " إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم" قال البوصيري في "الزوائد" 2/1303: "وفي إسناده أبو خلف الأعمى، واسمه حازم بن عطاء. وهو ضعيف. وقد جاء الحديث بطرق في كلها نظر. قاله شيخنا العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي اهـ.
وأخرج الحاكم 1/116 عن ابن عباس مرفوعاً "لا يجمع الله أمتي -أو قال- هذه الأمة على ضلالة، ويد الله على الجماعة".
وهذا الحديث جيد بطرقه. وانظر لجمعها تعليق الشيخ الفاضل محمد بن ناصر العجمي حفظه الله تعالى على "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج البيضاوي" للحافظ العراقي ص 69 -إلى- ص 74.
2 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2/332، وأبو داود في سننه –كتاب السنة- 5/4، والترمذي في سننه –كتاب الإيمان- 5/25، وابن ماجه في =
...............................................................................................................
= سننه –كتاب الفتن- 2/1321، وابن حبان في صحيحه –كما في الموارد- ص 454، والآجري في الشريعة ص 15، ومحمد بن نصر في السنة ص 17-18، والحاكم في المستدرك 1/6 و128، والإسفرائيني في الفرق بين الفرق ص 4و5. جميعهم من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
الحديث بدون قوله: (كلها في النار إلا واحدة و
…
من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي
…
) .
وإسناده حسن رجاله ثقات سوى محمد بن عمرو بن علقمة قال الذهبي في الميزان 3/673: شيخ مشهور، حسن الحديث، مكثر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وقد أخرج له الشيخان متابعة اهـ.
والحديث قال عنه الترمذي: "حسن صحيح" وصححه الحاكم وابن حبان، وقد روى هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، انظر المقاصد الحسنة للسخاوي ص 158 ونظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني ص 32-33-34.
وأما زيادة: (كلها في النار إلا واحد وهي الجماعة) فقد ثبتت من حديث معاوية رضي الله عنه عند الإمام أحمد في مسنده 4/102، وأبي داود -في سننه كتاب السنة- 5/5، والآجري في الشريعة ص18، والحاكم في مستدركه 1/128، وغيرهم وقال الحاكم عقب هذا الحديث: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث، وأقره الذهبي. وصححه الشاطبي في الاعتصام.
ووردت هذه الزيادة من حديث أنس عن الإمام أحمد 3/120 والآجري في الشريعة ص 16 و17.
ووردت أيضاً عن سعد بن أبي وقاص عند الآجري في الشريعة 17-18.
وأما زيادة (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي اليوم) أخرجها الآجري في الشريعة ص 15-16. عن عبد الله بن عمرو، والطبراني في الصغير 1/256 عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من الأمة الذين إجماعهم حجة، وهم الفرقة الناجية، قليلاً كانوا أو كثيراً، بخلاف عباد القبور المتخذين الأنبياء والأولياء والصالحين ولائج يدعونهم مع الله، ويشركونهم في عبادته، ويستغيثون بهم في المهمات والملمات، ويطلبون منهم الحاجات وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، فهؤلاء ليسوا من أمة الإجابة الذين استجابوا لله وللرسول، بل هؤلاء مجتمعون على خلاف الكتاب والسنة، مخالفون لما عليه الأمة من أهل السنة والجماعة، مجمعون على الضلالة.
وقد قال الفضيل بن عياض ما معناه، الزم طرق الهدى، ولا يغرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين.
وقال بعض السلف: إذا وافقت الشريعة، ولا حظت الحقيقة، فلا تبال، وإن خالف رأيك جميع الخليقة.
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في "إغاثة اللهفان":
فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق، ولا من
فقده إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول: {الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} [النساء: 69] فتفرد العبد في طريق طلبه دليل على صدق طلبه إلى أن قال:
وما أحسن ما قال أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل في كتاب "الحوادث والبدع": حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلاً والمخالف له كثيراً، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، ولا تنظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم.
قال عمرو بن ميمون الأودي: صحبت معاذاً باليمن، فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يوماً من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها، فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، فقلت: يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثونا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة، وتحضني عليها، ثم تقول: صل الصلاة وحدك، وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي النافلة. قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنت أظنك أفقه أهل هذه القرية. تدري ما
الجماعة؟ قلت: لا. قال: إن جمهور الناس الذي فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك.
وقال نعيم بن حماد: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ.
وعن الحسن قال: السنة -والذي لا إله إلا هو- بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها، رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في أترافهم، ولا مع أهل البدع، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا.
وكان محمد بن أسلم الطوسي -الإمام المتفق على إمامته- من أتبع الناس للسنة في زمانه، حتى قال: ما بلغني سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عملت بها، ولقد حرصت أن أطوف بالبيت راكباً فما مكنت من ذلك.
وسئل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذي جاء فيهم الحديث: "إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم" من السواد الأعظم؟ قال: محمد بن أسلم الطوسي هو السواد الأعظم. انتهى.
وكلام العلماء في الجماعة الذين هم السواد الأعظم كثير جداً، وذكروا أنهم هم الذين كانوا على ما كان عليه
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو ذهبنا نذكر أقوالهم لخرجنا عن المقصود بالاختصار.
والمقصود أن الأمة التي لا تجمع على ضلالة هم أهل السنة والجماعة، وإن قلوا وأن الأكثرين هم الذين قال الله فيهم:{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116]، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103] .