الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في حكم التوسل والإستغاثة والزيارة والشرك
…
فصل
قال العراقي: (الوهابية، ونفيها التوسل: ذكرنا فيما سبق تكفير الوهابية لمن خالف بدعتها من جميع المسلمين، ونسبتها إياهم إلى الشرك الأكبر، وقد آن لنا أن نذكر ههنا ما اتخذته ذريعة لتكفيرهم من الأمور: فمنها: الاستغاثة بالأنبياء والأولياء، والتوسل بهم إلى الله تعالى، وزيارة قبورهم، فهي قد نفت ذلك وحرمته، وشددت النكير على المستغيثين والمتوسلين والزائرين فكفرتهم وعدتهم مشركين، كعباد الأوثان، بل جعلتهم أسوأ حالاً منهم، حيث قالت: إن المشركين السابقين كانوا مشركين في الألوهية فقط، وأما مشركوا المسملين -تعني بهم من خالفها منهم- فقد أشركوا في الألوهية والربوبية، وقالت أيضاً: إن الكفار في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشركون دائماً، بل تارة يشركون، وتارة يوحدون الله، ويتركون دعاء الأنبياء والصالحين، وذلك أنهم إذا كانوا في السراء دعوهم، واعتقدوا بهم، وإذا أصابهم الضر والشدائد
تركوهم وأخلصوا لله الدين، وعرفوا أن الأنبياء والصالحين لا يملكون ضراً ولا نفعاً) .
والجواب على سبيل النقض -وسيأتي الجواب على ما يجيب به عما قالت الوهابية- أن نقول:
أما الاستغاثة بالأنبياء والأولياء فهي من الشرك الأكبر، لأن الاستغاثة طلب الغوث، ومن طلب من ميت أو غائب ما لا يقدر عليه إلا الله كان مشركاً، لأن الاستغاثة من أنواع العبادة، فصرفها لغيره شرك.
قال شيخ الإسلام: ومن أعظم الشرك أن يستغيث الرجل بميت أو غائب -كما ذكره السائل- ويستغيث به عند المصائب: يا سيدي فلان، كأنه يطلب منه إزالة ضره، أو جلب نفعه، وهذا حال النصارى في المسيح وأمه وأحبارهم ورهبانهم.
ومعلوم أن خير الخلق وأكرمهم على الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأعلم الناس بقدره وحقه أصحابه، ولم يكونوا يفعلون شيئاً من ذلك لا1 في مغيبه، ولا يعد مماته
…
إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
وأما التوسل بهم إلى الله، كأن يسأل الله تعالى
1 سقطت "لها" من ط الهند.
بجاههم أو بحرمتهم، فهذا ليس بشرك، بل هو من البدع المحرمة، والذرائع المفضية إلى ما هو أكبر من ذلك.
وأما زيارة قبورهم على الوجه الشرعي، فلا مانع منه. ونسبته إلى الوهابية كذب عليهم. وأما مع شد الرحل فبدعة محرمة، فإن تضمنت زيارتهم دعاءهم والاستغاثة بهم، والالتجاء إليهم، فهو الشرك الأكبر المخرج عن الملة، وأدلة ذلك الآيات التي ذكرها فيما يأتي.
وأما كون مشركي أهل هذه الأزمان أسوأ حالاً من مشركي الجاهلية: فنعم، لأن الكفار الأولين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، فيقرون أن الله هو الخالق الرازق، المحي المميت، المدبر النافع الضار، إلى غير ذلك مما ذكره الله عنهم، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام، وإنما كان شركهم في الألوهية، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً وتعظيماً، ومن أنواع ذلك: الدعاء والخوف والرجاء، والحب والتعظيم والاستغاثة، والاستعاذة، والذبح والنذر والتوكل، والالتجاء، والرغبة والرهبة، والخضوع والخشوع، والإنابة، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، وهذه حال عباد القبور في هذه الأزمان.
وأما كون الكفار في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشركون
دائماً، بل تارة يشركون، وتارة يوحدون، ويتركون دعاء الأنبياء والصالحين، وذلك أنهم إذا كانوا في السراء دعوهم، واعتقدوا بهم، وإذا أصابهم الضر والشدائد تركوهم وأخلصوا لله الدين، وعرفوا أن الأنبياء والصالحين لا يملكون ضراً ولا نفعاً: فهذا ليس هو قول الوهابية، بل هو نص كتاب الله تعالى، قال تعالى:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ. لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:65-66] إلى غير ذلك من الآيات.
وأما مشركوا أهل هذه الأزمان فإنه لا يشتد شركهم إلا إذا وقعت بهم الشدائد، فإنهم ينسون الله، ولا يدعون إلا معبودهم، فشركهم دائم في الرخاء والشدة، وهذا أمر معلوم مشاهد، لا ينكره إلا مكابر في الحسيات، مباهت في الضروريات.
قال العراقي: (حملت الوهابية جميع الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على الموحدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وتمسكت بها في تكفيرهم، منها قوله تعالى:{فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [الجن: 18]، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ
غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف:5-6]، وقوله تعالى:{وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس:106]، وقوله تعالى:{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 13-14]، وقوله تعالى:{فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} [الشعراء:213]، وقوله تعالى:{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَاّ فِي ضَلالٍ} [الرعد:14]، وقوله تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} [الإسراء: 56-57] إلى غير ذلك من الآيات النازلة في المشركين.
فزعم ابن عبد الوهاب أن كل من استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتوسل به أو بغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين، أو ناداهم أو سأله الشفاعة، أو زار قبره: يكون في عداد هؤلاء المشركين، داخلاً في عموم هذه الآيات. وشبهته في ذلك: أن هذه الآيات -وإن كانت نازلة في المشركين- إلا أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب) انتهى.
فكل ما ذكره عن الوهابية حق، وبه نقول، إلا ما
كان من لفظ التوسل، أو زيارة القبور، فقد تقدم في الفصل الأول الجواب عن ذلك، وأنا لا نكفر بهما.
ثم انظر ماذا يجيب به من المخرقة السامجة المارجة الساذجة:
قال: (والجواب: أننا لا ننكر أن العبرة هي لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولكن نقول: إن هذه الآيات لا تشمل من زعمت الوهابية أنها شاملة لهم، لما أنه ليس من أحوال الكفار الذين نزلت هذه الآية فيهم شيء عند المتوسلين والمستغيثين، فإن الدعاء يأتي لمعان شتى -كما سنذكره قريباً- وهو في هذه الآيات كلها بمعنى العبادة1، والمسلمون لا يعبدون إلا الله تعالى، وليس فيهم من اتخذ الأنبياء والأولياء آلهة، وجعلهم شركاء لله تعالى حتى تعمهم هذه الآيات، ولا اتقدوا أنهم يستحقون العبادة، ولا أنهم يخلقون شيئاً، ولا أنهم يملكون ضراً ولا نفعاً، بل إنما اعتقدوا أنهم عبيد الله مخلوقون له، وما قصدوا
1 في هذا الموضع وقع تقديم وتأخير لبعض الصفحات في "الأصل" الطبعة الهندية وكان ترتيبها هكذا: ص 553، 558، 559، 556، 557، 554، 555، 560، 561.
وهذا موجود في كل نسخة هندية وقفت عليها.
بزيارة قبورهم والتوسل بهم إلى الله تعالى إلا التبرك بهم، لكونهم أحباء الله المقربين، الذين اصطفاهم واجتباهم فببركتهم يرحم عباده.
قالت الوهابية: إن اعتذاركم هو عين اعتذار المشركين عن عبادة الأصنام، فقد قال تعالى حكاية عن المشركين في اعتذارهم عن عبادة الأصنام {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] . فالمشركون ما اعتقدوا في الأصنام أنها تخلق شيئاً، بل اعتقدوا أن الخالق هو الله تعالى، بدليل قوله تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف:87] . وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان:25]، فإنما حكم الله تعالى عليهم بالكفر لقولهم:{لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ} [الزمر: 3] . قالت: وهكذا المتوسلون بالأنبياء والصالحين يقولون ما هو بمعنى قول المشركين: ليقربونا إلى الله زلفى.
قال العراقي: (والجواب من وجوه: الأول أن المشركين جعلوا الأصنام آلهة، والمسلمون ما اعتقدوا إلا إلها واحداً، فعندهم أن الأنبياء أنبياء، والأولياء أولياء، ليس إلا، فلم يتخذوهم آلة مثل المشركين) .
والجواب عن أجوبة هذا الملحد أن نقول:
ما ذكره العراقي ليس هو حاصل ما تجيب به الوهابية من أشرك بالله غيره، واتخذ معه آلهة من دونه، فإن عندهم من الأدلة والأجوبة ما لم تحط به علماً، ولا تقدر على نقضه وإبطاله، كما قال تعالى:{وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [الفرقان:33] .
فإنهم هم أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحقيقة لا على الدعوى والانتساب، ولكنا في هذا المقام إنما نجيب على أجوبته بما يبين بطلانها، ويهدم أركانها، ويهد بنيانها، وإن كان ما أجابهم به أوهن من خيط العنكبوت، فنقول:
قد كان من المعلوم عند من له معرفة بالعلوم الشرعية أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: منهم من يعبد الأصنام المصورة على صور الصالحين: ود وسواع، ويغوث ويعوق ونسر. ومنهم من يعبد الملائكة، والأنبياء والصالحين، ويجعلونهم وسائط بينهم وبين الله، ويقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم. ومنهم من يعتقد في الأشجار والأحجار، يرجون بركتها، وغير ذلك، ومع ذلك كانوا يعلمون أن الأنبياء أنبياء، وأن الأولياء أولياء، وأن الأشجار -كالعزى- شجرة، وأن مناة أكمة يذبحون لآلهتهم عندها يرجون بركتها، وكذلك اللات
يعلمون أنها صخرة كان يلت عليها السويق للحاج. فبعث الله1 محمداً صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله، ولا يصلح2 منه شيء لا لملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلاً عن غيرهما.
وهؤلاء المشركون لم يعتقدوا في آلهتهم التي يدعونها من دون الله من الأصنام، والملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين، أنهم يستحقون العبادة، ولا أنهم يخلقون شيئاً، ولا أنهم يملكون ضراً ولا نفعاً، ويعلمون أن الله هو الخالق الرازق، المحيي المميت، المدبر لجميع الأمور، ولكن لم يدخلهم ذلك في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وأن يكون الدين كله لله، والنذر كله لله3، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها بالله، والالتجاء إليه وحده، والتوكل عليه، والخوف والرجاء منه، والدعاء كله لله، وجميع أنواع العبادة كلها لله.
فإذا عرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم
1 سقطت: "الله" من ط الرياض.
2 في ط الرياض: "لا يصلح".
3 سقطت "والنذر كله لله" من ط الهند.
في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بهم، ويتبركون بهم، لكونهم أحباء الله المقربين الذين اصطفاهم1 واجتباهم: هو الذي أحل دماءهم وأموالهم. عرفت حينئذ التوحيد التي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب، ويقصد لأجل هذه الأمور، سواء كان ملكاً أو نبياً أو ولياً، أو شجرة أو قبراً أو جنياً. لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر.
فمن صرف من هذه العبادة -المتقدم ذكرها- شيئاً لغير الله فقد اتخذه إلهاً، لأنه صرف خالص حق الله لغيره، وأشركه معه في عبادته، ومن أشرك بالله أحداً في عبادته كان مشركاً، سواء كان المدعو المستغاث به ملكاً أو نبياً أو ولياً أو صنماً.
فقول هذا العراقي: (إن المشركين جعلوا الأصنام آلهة، والمسلمون ما اعتقدوا إلا إلهاً واحداً) . جهل عظيم، وغباوة مفرطة، فإن المشركين عبدوا الملائكة، وعيسى واللات -وهو قبر رجل صالح- مع الأصنام المصورة، وصرفوا لهم خالص حق الله، كما تقدم ذكره.
1 في ط الرياض: "اصطفاهم الله واجتباهم".
وأيضاً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لهم: "قولوا لا إله إلا الله"، قالوا:{أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص:5] ، فالكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق، والكفر بما يعبد من دون الله، والبراءة منه، وأن يكون الدين كله لله، فإذا صرف المشركون لمن يعتقدون فيه شيئاً من هذه العبادة كانوا بذلك مشركين، فكذلك من يزعم أنه مسلم، ويتلفظ بالشهادتين، ويقر بسائر الأركان إذا صرف من هذه العبادة شيئاً لغير الله كان مشركاً، ولا ينفعه اعتقاده أن الله إله واحد، وهو يعبد معه غيره، ولا تنفعه معرفته أن الأنبياء أنبياء، والأولياء أولياء وهو يشركهم في عبادة الله.