المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في بيان جهل الملحد بمعنى العبادة - الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق

[سليمان بن سحمان]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌تمهيد

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌فصل في منشأ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌فصل في طلب الشيخ رحمه الله للعلم ومبدأ دعوته

- ‌فصل في حال الناس في نجد وغيرها قبل دعوة الشيخ

- ‌فصل في حقيقة دعوة الشيخ وأنها سلفية

- ‌فصل في نقض تعيير الملحد بسكنى بلاد مسيلمة

- ‌فصل في فرية الملحد على الشيخ بأنه يطمح للنبوة

- ‌فصل في رد فرية بأنهم خوارج

- ‌فصل في رد فرية الملحد في تنقص الأنبياء والصالحين

- ‌فصل في رد فرية الملحد على كتاب (كشف الشبهات)

- ‌فصل في كيد الدولة التركية المصرية ورد الله له

- ‌فصل في مسألة زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في بيان أن دعوة الشيخ ليس فيها من مقالات الخوارج شيء

- ‌فصل في ذكر بعض مفتريات الملحد

- ‌فصل في الدولة السعودية القائمة الآن

- ‌فصل في كيد الدولة العثمانية

- ‌فصل في فرية الملحد أن الشيخ يريد النبوة

- ‌فصل في بيان جهمية الملحد وسنية الشيخ

- ‌فصل في مدح الملحد للعقل وذمه لأهل السنة

- ‌فصل في مفتريات الملحد، وردها

- ‌فصل في زعم الملحد أن إثبات الصفات تجسيم

- ‌فصل في بيان كلام الملحد في الجسم، وزيغه

- ‌فصل في إثبا الصفات وأنه لا يقتضي التجسيم

- ‌فصل في الإشارة إلى السماء، وإنكار الملحد ذلك

- ‌فصل في إنكار الملحد للنزول

- ‌فصل في تأويل الملحد للإشارة والمعراج

- ‌فصل في تأليه الملحد للعقل، وزعمه أن النقل يؤدي إلى الضلال

- ‌فصل في زعم الملحد تقديم العقل لأنه الأصل

- ‌فصل في فرية الملحد عليهم بنفي الإجماع

- ‌فصل في فرية الملحد عليهم بإنكارهم القياس

- ‌فصل في فرية الملحد بتكفير المقلدين

- ‌فصل في حكم أهل الأهواء

- ‌فصل في تناقض العراقي وكلامه في الجهمية

- ‌فصل في حكم التوسل والإستغاثة والزيارة والشرك

- ‌فصل في بيان جهل الملحد بمعنى العبادة

- ‌فصل في أنواع الشرك، وجهل الملحد بها

- ‌فصل في بيان سبب شرك الجاهلية

- ‌فصل في بيان أن الإستغاثة من الدعاء

- ‌فصل في التوسل

- ‌فصل في الإستغاثة الشركية

- ‌فصل في الإستغاثة بالأنبياء

- ‌فصل في آية: {وأبتغوا إليه الوسيلة}

- ‌فصل في آية: {أيهم أقرب}

- ‌فصل في آية: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك}

- ‌فصل في آية: {فاستغاثه الذي من شيعته}

- ‌فصل في آية: {لا يملكون الشفاعة}

- ‌فصل في حديث: "أسألك بحق السائلين

- ‌فصل في حديث: "أغفر لأمي فاطمة بحق نبيك

- ‌فصل في حديث الضرير

- ‌فصل في المنام والإستسقاء

- ‌فصل في إستسقاء عمر بالعباس

- ‌فصل في الفرق بين الحي والميت في التوسل

- ‌فصل في حقيقة غلو الناس في الصالحين وغيرهم

- ‌فصل في الإستغاثة وقصة هاجر

- ‌فصل الإستغاثة وشفاعة القيامة

- ‌فصل في حديث: "يا عباد الله احبسوا

- ‌فصل في بيان شرك من يدعو غائبا في حاجاته

- ‌فصل في دلالة ظاهر نداء المشرك غير الله

- ‌فصل في عقيدة أهل السنة في الصفات

- ‌فصل في زيارة القبور الشركية، والشفاعة

- ‌فصل في عبادة القبور

- ‌فصل في شد الرحال إلى القبور

- ‌فصل في مزاعم للملحد، وردها

- ‌فصل في النذر لغير الله

- ‌فصل في بيان الركوب إلى النصارى واتخاذهم أولياء

الفصل: ‌فصل في بيان جهل الملحد بمعنى العبادة

‌فصل في بيان جهل الملحد بمعنى العبادة

فصل

قال العراقي: (الثاني: أن المشركين اعتقدوا أن تلك الآلهة تستحق العبادة، بخلاف المسلمين فإنهم لم يعتقدوا أن أحداً من المتوسلين بهم مستحق لأقل عبادة، وليس عندهم المستحق للعبادة إلا الله وحده) .

والجواب أن نقول: هذه العبادة التي صرفها المشركون الأولون لآلهتهم هي ما يفعله المشركون من عباد القبور في هذه الأزمان سواء بسواء، وإن زعموا أن هذا توسل، فالعبرة بالحقائق لا بالأسماء.

فإن المشركين الأولين ما زعموا أن آلهتهم التي عبدوها من دون الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة، شاركوا الله في خلق السموات والأرض، أو استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات، ولا أنهم مستحقون للعبادة، وإنما كانوا يدعونهم ويلتجئون إليهم، ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم، ليقربوهم إلى الله زلفى.

ص: 406

ويقال لهذا الملحد أيضاً:

لايخلو معتقد هذه الأفعال عن أحد ثلاثة أمور: إما أن يعتقد أنهم مستحقون للعبادة من دون الله، أو مع الله. وإما أن لا يعتقد ذلك، لكن ليقربوهم إلى الله زلفى. وإما أن لا تكون هذه الأفعال عبادة.

فإن كان أراد أن هذه الأفعال1 ليست بعبادة؛ فقد كابر العقل والشرع، وباهت في الضروريات.

وإن كان أراد بها ليقربوهم إلى الله زلفى، مع اعتقادهم أن الله هو النافع الضار، المدبر لجميع الأمور، وأنه لا خالق إلا الله، فهذا هو شرك الجاهلية.

وإن أراد أنهم مستحقون للعبادة من دون الله، أو مع الله، كان هذا أعظم من شرك الجاهلية، فإن هذا شرك في الربوبية والألوهية معاً.

فإذا عرفت أن هذا الشرك الذي يسميه هؤلاء توسلاً وتشفعاً بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو بحقه، وغير ذلك من الألفاظ، أو بجاه غير النبي صلى الله عليه وسلم كالملائكة والأولياء والصالحين، وهو أن يعتقد أحدهم في غير الله أنه بذاته يقدر على جلب منفعة لمن دعاه، أو استغاث به، أو دفع مضرة، أو أن

1 سقطت "الأفعال" من ط الرياض.

ص: 407

هذا1 يحصل ببركته وشفاعته كان هذا هو العبادة التي لا يستحقها إلا الله، فإن العبادة التي لا يستحقها إلا الله مع الإقرار بتوحيد الربوبية هي أفعال العبد الصادرة منه، كالدعاء والحب والخوف والرجاء والخضوع، والخشوع والإنابة والتوكل والمحبة، والتعظيم والاستغاثة والدعاء والالتجاء والاستعانة، والاستعاذة والذبح والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي اختص الله2 بها دون من سواه، وهو المستحق لها دون من عداه، فمن صرف منها شيئاً لغير الله كان مشركاً، سواء اعتقد التأثير فيمن3 يدعوه ويستغيث به، أو أنه مستحق لذلك، أو غير مستحق، أو لم يعتقد ذلك، وإن فر من تسمية فعله ذلك4 شركاً، وتألهاً وعبادة، فإنه من المعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فلا تزول هذه المفاسد بتغير أسمائها، كتسمية عبادة غير الله توسلاً وتشفعاً أو تبركاً، وتعظيماً للصالحين، وتوقيراً، فإن الاعتبار بحقائق الأمور لا بالأسماء

1 سقطت "هذا" من ط الرياض.

2 سقطت "الله" من ط الرياض.

3 في ط الرياض: "فيما".

4 سقطت "ذلك" من ط الرياض.

ص: 408

والاصطلاحات، والحكم يدور مع الحقيقة وجوداً وعدماً، لا مع الأسماء.

فقوله عن مشركي هذا الزمان: (إنهم لا يعتقدون أن أحداً منهم بتوسله يزعم أنهم مستحقون لأقل عبادة) تمويه وسفسطة من هذا العراقي، لأن المستحق للعبادة هو الذي تألهه القلوب محبة، وإجلالاً وتعظيماً فمن تأله غير الله فقد اعتقد أنه مستحق للعبادة بتألهه إياه بأنواع هذه العبادة، شاء أم أبى، ولا ينفعه إقراره أن المستحق للعبادة هو الله وحده، وهو يشرك به غيره.

وأما قوله: (الثالث أن المشركين عبدوا تلك الآلهة بالفعل، كما قال تعالى حكاية عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ، والمسلمون ما عبدوا الأنبياء والصالحين في توسلهم إلى الله تعالى) .

فالجواب أن يقال: إن المشركين عبدوا تلك الآلهة بالفعل الصادر منهم، كالدعاء والحب والخوف والتعظيم والرجاء والاستغاثة، والاستعاذة والذبح لهم، والنذر والالتجاء إليه، فصرفوا لهم هذه العبادة، ليشفعوا لهم عند الله، وليقربوهم إلى الله زلفى، وهكذا حال

ص: 409

مشركي هذه الأزمان، إنما عبدوهم بالفعل والاعتقاد فيهم، وتوسلوا بهم، وقصدوهم لأجل التبرك بهم، والاستشفاع بجاههم، لا لأجل أنهم مستحقون للعبادة، ولا أنهم مستقلون بالخلق والإيجاد، والنفع والضر -وأيضاً- فإن مجرد ارتكاب فعل أو قول، أو اعتقاد لغير الله، مما يعد من العبادة من الدعاء والذبح -وما تقدم ذكره- موقع في الإشراك، سواء وجد معه اعتقاد ألوهية غير الله أم لا.

وأما قوله: (الرابع: إن المشركين قصدوا بعبادة أصنامهم التقرب إلى الله تعالى، كما حكى الله، وأما المسلمون فلم يقصدوا بتوسلهم بالأنبياء وغيرهم التقرب إلى الله تعالى لما أن التقرب إليه لا يكون إلا بالعبادة، ولذلك قال الله حكاية عن المشركين: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ، بل المسلمون قصدوا التبرك والاستشفاع بهم، والتبرك بالشيء غير التقرب به، كما لا يخفى) .

فالجواب أن نقول: وهكذا حال مشركي العرب مع أوثانهم، إنما كانوا يعتقدون حصول البركة منها، بتعظيمها ودعائها والاستغاثة بها، والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها، ويؤملونه ببركتها وشفاعتها، وغير ذلك،

ص: 410

فالتبرك بالصالحين أو بقبورهم، كالتبرك باللات، وبالأشجار والأحجار، كالعزى ومناة، من جملة فعل أولئك المشركين، مع تلك الأوثان، فمن فعل مثل ذلك، واعتقد في قبر أو صاحبه، أو حجر أو شجر، فقد ضاهى عباد هذه الأوثان فيما كانوا يفعلونه معها من هذا الشرك، على أن الواقع من هؤلاء المشركين في هذه الأزمان مع معبوديهم أعظم مما وقع من أولئك، فمن دعا غير الله، واستغاث به ولجأ إليه، وصرف له شيئاً من خالص حق الله، كان هذا الفعل منه بهذا القصد شركاً، بدليل ما رواه الترمذي، وصححه عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] ، لتتبعن سنن من كان قبلكم"1.

1 اخرجه أحمد في المسند 5/218، والترمذي في كتاب الفتن من جامعه 4/475، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف 11/112، والاقتضاء لشيخ الإسلام 1/146، والشافعي كما في بدائع المنن 23، والطيالسي في مسنده ص 191، وعبد الرزاق في المصنف 11/369، وابن أبي شيبة في المصنف 15/101، والحميدي في المسند 2/375، وابن أبي عاصم في السنة 1/37، والمروزي في السنة ص 11-12، والطبراني في الكبير 3/275-276، وابن حبان في صحيحه -الإحسان- 8/248، والبيهقي في دلائل النبوة 5/124-125، وفي المعرفة 1/108، وابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام- 4/70-71، والبغوي في تفسيره 3/544 –حاشية ابن كثير- جميعهم عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي

به.

ص: 411

فقوله: "وينوطون بها أسلحتهم" أي يعلقونها للبركة، ففي هذا بيان أن عبادتهم لها بالتعظيم والعكوف والتبرك، وبهذه الأمور الثلاثة عبدت الأشجار ونحوها، فظنوا أن هذا الأمر محبوب عند الله، فقصدوا التقرب به، فأقسم صلى الله عليه وسلم أن طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، بجامع أن كلا طلبه أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله، وإن اختلف اللفظان، فالمعنى واحد، فتغيير الاسم لا يغير الحقيقة.

ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن طلبتهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط، يتبركون بها، كطلبة بني إسرائيل من موسى أن يجعل لهم إلهاً، فأقسم صلى الله عليه وسلم أن مقالة هؤلاء كمقالة أولئك سواء بسواء، وإذا كان القصد من الشرك بالشيء -كالتبرك مثلاً- هو القصد من التأله به، كان الكل عبادة يتقرب بها إلى الله، فالفرق بين العبادتين

ص: 412

لاختلاف اللفظين تحكم بغير دليل، فقد اتضح عدم الفرق في هذه القضية، فانجلت الشبهة العراقية.

وأما قوله: (الخامس: أن المشركين لما كانوا يقصدون أن الله تعالى جسم في السماء، أرادوا بقولهم: ليقربونا إلى الله زلفى. التقرب الحقيقي، ويدل عليه تأكيده بقولهم: (زلفى) إذ تأكيد الشيء بما ظاهره معناه يدل في الأكثر على أن المقصود به هو المعنى الحقيقي دون المجازي، فإذا قلنا: قلته قتلاً، تبادر القتل الحقيقي إلى الفهم، لا الضرب الشديد، بخلاف ما لو قلنا: قلته فقط. فإنه قد يراد به الضرب الشديد، وأما المسلمون فحيث لم يقصدوا أن الله جسم في السماء، بعد منهم أن يطلبوا التقرب الحقيقي إليه بالتوسل، فلا ينطبق عليهم حكم الآية) .

نعم. إن الوهابية لما اعتقدت أن الله تعالى جسم استوى على عرشه في السماء، لم تجد للتبرك الذي قصده المسلمون بتوسلهم معنى غير التقرب الذي يكون إلى الأجسام، ولذلك جعلت هذه الآية منطبقة عليهم) .

فالجواب أن يقال: قد كان من المعلوم أن مشركي

ص: 413

الجاهلية لا يعرفون من لفظ الجسم ما أحدثه هؤلاء المتأخرون من أنه مركب إما من المادة والصورة، أو من الجواهر المنفردة، أو ما تركب من أجزاء متفرقة، ولا كانوا يعرفون ما أحدثه هؤلاء من لفظ "الأعراض" و"الأغراض" و"الأبعاض" و"الحيز" و"الجهة". وإنما يعرف هذا عن1 ورثة المجوس، والمشركين وضلال اليهود، والنصارى والصابئين، وأفراخ المتفلسفة، وأتباع الهند، واليونان، وأما العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، فإن الجسم معناه في لغتهم البدن الكثيف، الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه، فلا يقال للهواء جسم لغة، ولا للنار ولا للماء.

وإذا كان ذلك كذلك، كان هذا المعنى منفياً عن الله تعالى عقلاً وسمعاً.

وكذلك ما يعني هؤلاء الملاحدة بالجسم أنه مركب إما2 من المادة والصورة والهيولي، أو من الجواهر المنفردة3، أو من الأجزاء المتفرقة: منفي عن الله تعالى باتفاق من أثبته ومن نفاه من العقلاء، حتى في الممكنات.

فإذا تمهد هذا فالكفار الجهال كانوا أصح عقولاً،

1 في ط الهند "من".

2 سقطت "إما" من ط الرياض.

3 في النسختين: (الفردة) .

ص: 414

وأسلم فطراً من ورثة المتفلسفة، والصابئين، وأنباط فارس، والروم، فإنهم كانوا يعلمون بفطرهم التي فطروا عليها أن الله الذي خلقهم وأوجدهم: فوق السماء، كما قال صلى الله عليه وسلم لحصين الخزاعي:"كم كنت تعبد؟ " قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء. قال:"من كنت تعد لرغبتك ورهبتك؟ " قال: الذي في السماء1.

وكانوا إذا لجئوا إلى الله ودعوه رفعوا أبصارهم وأيديهم إلى السماء. ومن أشعارهم قول أمية بن أبي الصلت الثقفي، الذي أنشد للنبي صلى الله عليه وسلم فاستحسنه، وقال:"آمن شعره وكفر2 قلبه" قال3:

1 أخرجه الترمذي في سننه كتاب الدعوات 5/519 من طريق أبي معاوية عن شبيب بن شيبة عن الحسن البصري عن عمران بن حصين

الحديث.

وقال عقبه: هذا حديث غريب.

وقد روى هذا الحديث عن عمران بن حصين من غير هذا الوجه. اهـ.

وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير من هذا الطريق أيضاً، واختصر المتن 3/3.

وأخرجه أحمد في المسند 4/444 من طريق منصور عن ربعي بن حراش عن عمران بن حصين أو غيره

الحديث، وليس فيه سؤال النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه زيادة في الدعاء الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم له.

وأخرجه الحاكم من هذا الطريق أيضاً، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي. المستدرك 1/510.

2 في ط الرياض "وكفن".

3 ذكره الذهبي في العلو ص: 42-43 وقال: إسناده منقطع. ورواه ابن عبد البر في التمهيد 4/7، وابن عساكر الكنز 1/1524، وتهذيب تاريخ دمشق 3/124.

وروى البخاري ومسلم: "كاد أمية أن يسلم".

ص: 415

مجدوا الله فهو للمجد أهل

ربنا في السماء أمسى كبيراً

بالبناء الأعلى الذي سبق النا

س وسوى فوق السماء سريرا

شرجعاً ما يناله بصر العـ

ـين ترى دونه الملائك صورا

وقول عبد الله بن رواحة رضي الله عنه حين قال:

شهدت بأن وعد الله حق

وأن النار مثوى الكافرينا

وأن العرش فوق الماء طاف

وفوق العرش رب العالمينا1

وإذا كان العرب يعرفون بفطرهم أن الله فوق السماء، ولا كانوا يعرفون ما أحدثه هؤلاء من لفظ الجسم على اصطلاحهم الحادث الملعون، واختلافهم في ذلك، كان تفريعاً باطلاً على تأصيل باطل مخترع، فكان2 من المعلوم

1 ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب 3/900-902 ط البجاوي، وقال:(قصته مشهورة رويناها من وجوه صحاح)، وأسنده الذهبي في السير 1/237-238 وقال في العلو ص: 42 وجوهه مرسلة.

2 في ط الرياض: "وكان".

ص: 416

أن المشركين إنما اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم إنما هو بطلب القربة والمنزلة عند الله، بشفاعة من يعبدونه، والقربى هي المنزلة، فكان من المعلوم أنهم ما طلبوا منزلة مجازية لا حقيقة لها في الخارج.

قال البغوي رحمه الله في تفسير هذه الآية: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء} [الزمر: 3]، يعني: الأصنام {مَا نَعْبُدُهُمْ} [الزمر: 3]، أي قالوا ما نعبدهم:{إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]،وكذلك قرأ ابن مسعود وابن عباس. قال قتادة: وذلك أنهم كانوا إذا قيل لهم: من ربكم ومن خلقكم، ومن خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأوثان؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى. أي قربى، وهو اسم أقيم مقام المصدر، كأنه قال: إلا ليقربونا إلى الله تقريباً ويشفعوا لنا عند الله.

وبهذا يندفع توهم هذا العراقي أن التقرب بالمعنى المجازي، لا على المعنى الحقيقي، لأنه لا يعتقد أن الله على عرشه، بائن من خلقه، فلذلك ظن أن1 المشركين كانوا يعتقدون أن الله في السماء على عرشه فوق خلقه، وإذا كان على عرشه فوق خلقه كان جسماً، وقد بينا فيما

1 سقطت "أن" من ط الرياض.

ص: 417

تقدم بطلان ما توهمه من اللوازم التي أحدثوها، ما أنزل الله بها من سلطان {إِنْ هِيَ إِلَاّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم: 23] .

وإذا تبين لك ما قدمناه، كان حكم الآية منطبقاً1 على هؤلاء المشركين، الذين يزعم هذا الملحد أنهم مسلمون.

وأيضاً فإن هذا الملحد، ومن نحا نحوه من المشركين، حيث أنكروا التقرب الحقيقي، فمرادهم أنه ليس فوق السموات رب، ولا على العرش إله، ولا يشار إليه بالأصابع إلى فوق إشارة حسية، كما أشار إليه أعلم الخلق به، ولا ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم إليه حقيقة، ولا يتقرب إليه بشيء، ولا يقرب منه أحد، لأنه يلزم على هذا عندهم أن يكون جسماً، وقد علم بالاضطرار أن الله لا سمي له، ولا كفو له، ولا مثل له، فإنه أحد صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فلا ننفي عن الله ما أثبته لنفسه لتسمية الملاحدة أعداء الله ورسوله للموصوف بها جسماً، وهؤلاء الضلال قد جمعوا بين الشرك في الإلهية، وبين تعطيل الرب عن صفات كماله، ونعوت جلاله، فكان المشركون

1 في ط الهند "منطبق".

ص: 418

الأولون أخف شركاً منهم، لأنهم ما أنكروا علو الله على عرشه، ولا عطلوه من صفات كماله.

ص: 419