الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في المنام والإستسقاء
…
فصل
قال العراقي: (ومنها ما رواه البيهقي وابن أبي شيبة بإسناد صحيح: أن الناس أصابهم قحط في خلافة عمر رضي الله عنه فجاء بلال بن الحارث رضي الله عنه إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله استسق لأمتك، فإنهم هلكوا. فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وأخبره أنهم يسقون. واستدلالنا هذا ليس بالرؤيا للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن رؤياه -وإن كانت حقاً- لا تثبت بها الأحكام، لإمكان اشتباه الكلام على الرائي، وإنما استدلال بفعل أحد أصحابه صلى الله عليه وسلم في اليقظة، وهو بلال بن الحارث، فإنه أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وناداه، وطلب منه أن يستسقي لأمته) .
والجواب أن نقول: قد كفانا مؤنة إيضاح عدم الاعتبار بالمنامات وأنه لا يثبت بها حكم شرعي، لكن نقول هذا الحديث فيه مقال مشهور.
قال الحافظ في "الفتح": وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان، عن مالك الدار -
وكان خازن عمر رضي الله عنه قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر رضي الله عنه فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقيل له: ائت عمر
…
الحديث.
وقد روى سيف في "الفتوح" أن الذي رأى في المنام المذكور هو: بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة1.
فعلم أن ما روي بإسناد صحيح ليس فيه أن الجائي أحد الصحابة، وما فيه أن الجائي أحد الصحابة ضعيف غاية الضعف2.
قال الذهبي في "الميزان": سيف بن عمر الضبعي الأسدي، ويقال التميمي البرجمي، ويقال السعدي الكوفي، مصنف "الفتوح والردة" وغير ذلك، هو كالواقدي، يروي عن: هشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وجابر الجعفي، وخلق كثير من المجهولين. كان إخبارياً عارفاً. روى عنه
1 انتهى كلام ابن حجر في الفتح 2/496.
2 وذلك لأنه من رواية سيف بن عمر، وسيسوق المؤلف كلام الأئمة في حاله.
وهذا العراقي -المردود عليه- نسب حديث بلال بن الحارث إلى البيهقي وابن أبي شيبة: فهذا خطأ، فإن رواية البيهقي -كما في البداية والنهاية لابن كثير 7/101، وابن أبي شيبة في المصنف 12/31-32- ليس فيها ذكر بلال بن الحارث. فتنبه.
جبارة1 بن المغلس، وأبو معمر القطيعي، والنضر بن حماد العتكي وجماعة.
قال عباس عن يحيى: ضعيف، وروى مطين، عن يحيى: فليس خير منه. وقال أبو داود ليس بشيء، وقال أبو حاتم: متروك. وقال ابن حبان: اتهم بالزندقة. وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر
…
مكحول البيروتي، سمعت جعفر بن أبان، سمعت ابن نمير يقول: سيف الضبي: تميمي، كان جميع يقول: حدثني رجل من بني تميم. وكان سيف يضع الحديث. وقد اتهم بالزندقة، انتهى ملخصاً2.
قال الحافظ في "التقريب": سيف بن عمر التميمي صاحب "الردة" ويقال له: الضبي. ويقال غير ذلك، الكوفي، ضعيف في الحديث، عمدة في الأخبار. أفحش ابن حبان القول فيه. انتهى.
وقال الذهبي في "الكشاف": قال ابن معين وغيره: ضعيف. وقال في "الخلاصة": سيف بن تميم الأسدي الكوفي صاحب "الردة" عن جابر الجعفي، وأبي الزبير. وعنه محمد بن عيسى الطباع، وأبو معمر الهذلي: ضعفوه. انتهى.
1 في النسخ: (عبادة) .
2 2/255.
فهذا ما قيل في حديث بلال بن الحارث الذي رواه البيهقي وابن أبي شيبة1. وإن كان غير حديث بلال فغاية ما فيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو يأمره أن يأتي عمر، فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس، وهذا ليس من هذا الباب الذي نحن بصدد الكلام فيه، فإن هذا قد يقع كثيراً من هو دون النبي صلى الله عليه وسلم.
قال شيخ الإسلام: وأيضاً ما يروى أن رجلاً جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فشكى إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر، فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس، فإن هذا ليس من هذا الباب. ومثل هذا يقع كثيراً لمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم، وأعرف من هذا وقائع. وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره من أمته حاجة فتقضى له، فإن هذا قد وقع كثيراً، وليس مما نحن فيه.
وعليك أن تعلم أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لهؤلاء السائلين ليس هو مما يدل على استحباب السؤال، فإنه هو القائل صلى الله عليه وسلم:"إن أحدهم ليسألني المسألة فأعطيه إياها، فيخرج يتأبطها ناراً" فقالوا: يا رسول الله فلم تعطيهم؟
1 تقدم أن حديث بلال إنما أخرجه "سيف بن عمر" وأن رواية ابن أبي شيبة والبيهقي ليس فيها تسمية الرجل.
وانظر ما كتبته تخريجاً لهذا الحديث في حاشية: "الصواعق المرسلة الشهابية" ص 170-171-173-174.
قال: "يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل". وأكثر هؤلاء السائلين الملحين -لما هم فيه من ضيق الحال- لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين في الحياة كانوا كذلك، وفيهم من أجيب وأمر بالخروج من المدينة، فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أنه يدل على حسن حال السائل فلا، وفرق بين هذا وهذا. انتهى.
فتبين من كلام العلماء أن الجائي، إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ليس هو بلال بن الحارث، كما زعمه المعترض، لأنه اعتمد على أن هذا فعل صحابي، وحاشا لله من ذلك، فإنهم كانوا أعلم بالله وبدينه ورسوله، وهم أبعد الناس عن سلوك ما يتوهمه الغلاة، فبطلت الشبهة العراقية، ولله الحمد والمنة.