الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في بيان سبب شرك الجاهلية
…
فصل
قال العراقي: (والأمر الذي حمل الجاهلية على شركها هذا هو تسويل الشيطان لها: أن عبادة غير الله تعالى على ما هي عليه من غاية الضعف والعجز، وتركها التقرب إليه بعبادة من هو أعلى منها عنده وأشرف وأقوى، كنحو الملائكة إنما هو سوء أدب، ولكن لما رأت غيبة من عبدته عنها دائماً أو بعض الأوقات صنعت الأصنام أمثلة لما غاب عنها من معبوداتها فعبدتها) .اهـ.
والجواب أن نقول: ليس الأمر كما زعمت، ولا ما إليه ذهبت، وإنما الأمر الذي حمل الجاهلية على شركها هو الغلو في الصالحين، كما قال تعالى:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171] الآية. والغلو هو الإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد، أي لا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزله الله، فتنزلوه المنزلة التي لا تنبغي إلا لله.
والخطاب وإن كان لأهل الكتاب، فإنه عام يتناول
جميع الأمة، تحذيراً لهم أن يفعلوا بنبيهم صلى الله عليه وسلم فعل النصارى في عيسى، واليهود في العزير، كما قال تعالى:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:16] .
وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} [نوح:23]- صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد، أما "ود" فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما "سواع" فكانت لهذيل. وأما "يغوث" فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبا. وأما "يعوق" فكانت لهمدان. وأما "نسر" فكانت لحمير لآل ذي الكلاع:
هذه أسماء رجال صالحين في قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عُبدت.
قال ابن جرير رحمه الله: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن موسى بن محمد بن قيس، أن يغوث ويعوق ونسراً كانوا قوماً صالحين من بني آدم،
وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورنا صورهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فصوروهم فلما ماتوا، وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم. انتهى.
فالشيطان هو الذين زين لهم عبادة الأصنام، وأمرهم بها، فصار هو معبودهم في الحقيقة، كما قال تعالى:{أَلَم أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ. وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} [يس:60-61-62] . وهذا يفيد الحذر من الغلو، ووسائل الشرك، وإن كان القصد بها حسناً، فإن الشيطان أدخل أولئك في الشرك من باب الغلو في الصالحين، والإفراط في محبتهم –كما قد وقع مثل ذلك في هذه الأمة- أظهر لهم الغلو والبدع في قالب تعظيم الصالحين ومحبتهم، ليوقعهم فيما هو أعظم من ذلك من عبادتهم لهم من دون الله.
وفي رواية أنهم قالوا: ما عظم أولونا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله. أي يرجون شفاعة أولئك الصالحين الذي صوروا تلك الأصنام على صورهم، وسموها بأسمائهم، ومن هنا يعلم أن اتخاذ الشفعاء ورجاء شفاعتهم بطلبها منهم شرك بالله.
قال ابن القيم رحمه الله: وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور، ويلقي أن البناء والعكوف عليها من محبة أهل القبور، من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها، والإقسام على الله بها، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه.
فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعائه، وعبادته، وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثناً تعلق عليه القناديل والستور، ويطاف به، ويستلم ويقبل، ويحج إليه ويذبح عنده.
فإذا تقرر هذا عندهم، نقلهم إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيداً ومنسكاً ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم، وكل هذا مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من تجريد التوحيد، وأن لا يعبد إلا الله.
فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية، وحطهم عن منزلتهم، وزعم أنه لا حرمة لهم، ولا قدر، وغضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45] وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله، وأنصار دينه ورسلون، ويأبى الله ذلك:{وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} [الأنفال: 34] . انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.
ثم قال العراقي: (إذا تحققت هذا؛ اتضح لك أن حال مشركي الجاهلية لا ينطبق بوجه من الوجوه على المسلمين المتوسلين إلى الله بالأنبياء والصالحين) .
فأقول: قد تقدم جواب هذا.
وقوله: (فأولئك اتخذوا الأصنام آلهة. والإله معناه: المستحق للعبادة، فهم اعتقدوا استحقاق الأصنام للعبادة، واعتقدوا أولاً أنها تضر وتنفع، فعبدوها) .
فأقول: إن أولئك اتخذوا الأصنام والملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين آلهة يعبدونها من دون الله، والإله
معناه: الذي تألهه القلوب بالمحبة والخضوع والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من الرغبة والرهبة والتوكل والاستغاثة، والدعاء والذبح والنذر والسجود، وجميع أنواع العبادة الباطنة والظاهرة، فهو إله بمعنى: مألوه. أي: معبود، وأجمع أهل اللغة أن هذا معنى الإله.
قال الجوهري: أله بالفتح، إلاهة، أي: عبد عبادة، قال: ومنه قولنا: الله. وأصله: إلاه، على فعال، بمعنى: مفعول، لأنه مألوه، بمعنى: معبود، كقولنا إمام: فعال، بمعنى: مفعول، لأنه مؤتم به. قال: والتأليه: التعبيد، والتأله: التنسك والتعبد. قال رؤبة:
سبحن واسترجعن من تأله
انتهى.
وقال في القاموس: أله إلهة، وألوهة: عبد عبادة، ومنه لفظ "الجلالة"، واختلف فيه على عشرين قولاً –يعني في لفظ الجلالة- قال: وأصله: إله بمعنى: مألوه، وكل ما تخذ معبوداً إله عند متخذه. قال: والتأله: التنسك والتعبد. انتهى.
وجميع العلماء من المفسرين، وشراح الحديث والفقه وغيرهم، يفسرون "الإله" بأنه المعبود.
فإذا كان هذا هو معنى "الإله" في اللغة، والشرع، فهو
المستحق للعبادة –المتقدم ذكرها- دون من سواه، فمن صرف منها شيئاً لغير الله فقد أشرك ذلك الغير في عبادة الله.
وأما كون المشركين اعتقدوا أن آلهتهم تنفع وتضر، فغير مسلم، فإنهم قد اعترفوا أن الله هو النافع الضار، وأنه المستحق للعبادة، ولكنهم ما أرادوا ممن عبدوه إلا الجاه والشفاعة، وليقربوهم إلى الله زلفى، كما هو قول المشركين في هذه الأزمان سواء بسواء.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو كان فيهم من أتى أمه علانية لكان في هذه الأمة من يفعله". وفي لفظ: " حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه". قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن".
وقوله: (فاعتقادهم هذا، وعبادتهم إياها، أوقعهم في الشرك، فلما أقيمت عليهم الحجة بأنها لا تملك نفعاً ولا ضراً، قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) .
فأقول: لما أقام الله عليهم الحجة بإقرارهم أن الله هو المحيي المميت، الدبر لجميع الأمور، وأن الله هو النافع الضار، وأن آلهتهم لا تملك لهم نفعاً ولا ضراً، ولا
حياة ولا نشوراً، واعترفوا بذلك، قال الله تعالى:{أَفَلا تَتَّقُونَ} أي: تتقون الشرك في العبادة، فإن الفاعل لهذه الأشياء هو الذي يستحق العبادة دون من سواه، فقول الكفار:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، كقول مشركي هذه الأزمان: لسنا نعبد إلا الله، ولكن ما قصدنا بزيارة قبورهم إلا التوسل بهم إلى الله تعالى، والتبرك بهم، لكونهم أحباء الله المقربين، الذين اصطفاهم واجتباهم.
وقوله: (فكيف يجوز للوهابية أن تجعل المؤمنين الموحدين مثل أولئك المشركين) .
فأقول: ما جعلت الوهابية المؤمنين الموحدين مثل المشركين، وإنما جعلت من فعل فعل المشركين مشركاً، لكونه حذا حذو أولئك في صرف خالص حق الله تعالى، ويزعم أنه ما أراد إلا الجاه والشفاعة منهم، لأنهم مقربون عند الله.
وقوله: (إذ لا شك أن المشركين إنما كفروا بسبب عبادتهم تماثيل الأنبياء والملائكة والأولياء، التي صوروها
على صورهم، وسجدوا لها، وذبحوا، وبسبب1 اعتقادهم في الملائكة والأنبياء2 والأولياء أنهم آلهة مع الله يضرون وينفعون3 بذواتهم) .
فأقول: وهؤلاء المشركون في هذه الأزمان إنما كفروا بسبب غلوهم في الأنبياء والأولياء والصالحين، والعكوف على قبورهم، واستغاثتهم4 بهم، والالتجاء إليهم، ودعائهم والذبح لهم، والنذر لهم، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي كانوا يفعلونها في هذه الأزمان عند ضرائح الأولياء والصالحين.
فإن من صرف من هذه العبادة شيئاً لغير الله كان مشركاً، وإن اعتقد أن من يدعوه ويستغيث به، ويرجوه ويذبح له ويلجأ إليه، ويعلق آماله به، لا يضر ولا ينفع، وأنه ليس إلها، ولا يستحق العبادة.
وقوله: (ولذلك احتج الله تعالى على إبطال قولهم، وضرب الأمثال للرد على معتقدهم في كثير من الآيات،
1 في ط الرياض "وسبب".
2 في الأصل "في الأنبياء والملائكة".
3 في الأصل "وينفون".
4 في الأصل "واستعانتهم".
بأن الإله المستحق للعبادة يجب أن يكون قادراً على كشف الضر، وإيصال النفع لمن عبده، وبأن ما عبدوه من جملة المحدثات المنافية للربوبية) .
فأقول: وهذا هو الحق، ولكنه مع كونه منافياً للربوبية، فهو مناف للألوهية، فكيف إذا عرفت أن هذا مناف للربوبية لأي شيء صرفك عن كونه منافياً لتوحيد الإلهية، لأن توحيد الربوبية هو الإقرار والاعتراف، بأن الله هو الخالق الرازق، المحيي المميت، المدبر لجميع الأمور، وأنه النافع الضار، وأنه رب كل شيء ومليكه، وأنه المتفرد بالإيجاد والإعدام، إلى غير ذلك من أفعال الرب.
وأما توحيد الإلهية فهو أن يوحد العبد ربه بأفعاله الصادرة منه، كالدعاء والخوف والرجاء والحب، والتعظيم والاستغاثة والاستعاذة والاستعانة، والتوكل والذبح والنذر والرغبة والرهبة، والخضوع والخشوع، والالتجاء، وغير ذلك من أنواع العبادة التي صرفها المشركون الأولون والآخرون لغير الله.
وأما قوله: (وأما المستغيث والمتوسل فهو1 براء من هذه العبادة وهذا الاعتقاد) .
1 في الأصل "منهم".
فأقول: المستغيث والمتوسل –على لغة هؤلاء المشركين- ليس هو برئياً من هذه العبادة وهذا الاعتقاد، لأن الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو1 إزالة الشدة كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية.
ومن المعلوم بالضرورة أن الله تعالى هو الذي يزيل الشدات، ويغيث اللهفات، ويفرج الكربات، فمن زعم أن الاستغاثة ليست من العبادات فهو مكابر للحسيات، مباهت في الضروريات. وفي الدعاء المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في دعائه:"اللهم أنت المستعان، وبك المستغاث، وإليك المشتكى" الحديث. ودعاء المسلمين: يا غياث المستغيثين، وقد قال تعالى:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: 9] . فعدم إدخالها في جملة العبادة هو التحكم والمكابرة، من غير دليل عقلي، ولا نص شرعي.
وقوله: (إذ الآيات التي استدلت بها الوهابية إنما نزلت جميعاً في الكفار الذين عبدوا غير الله، وإن قصدوا بعبادتهم ذلك الغير التقرب إليه تعالى، وفي الذين اعتقدوا
1 سقطت "هو" من الأصل.
أن مع الله إلهاً آخر، وأن له ولداً وزوجة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً) .
فأقول: قد تقدم الجواب عن هذا، وأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقوله: (وليس في الآيات النازلة في الكفار دلالة على كون الاستغاثة بنبي أو ولي مع الإيمان بالله تعالى هي عبادة لغير الله) .
فأقول: بل فيها الدلالة الواضحة على أن من صرف لغير الله شيئاً من العبادة التي لا يستحقها إلا الله فهو مشرك، فإن صرفها لغير الله مناف للإيمان بالله تعالى.