الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في تأليه الملحد للعقل، وزعمه أن النقل يؤدي إلى الضلال
…
فصل
قال العراقي: (الوهابية ونبذها للعقل: لما كان صريح العقل، وصحيح النظر، مصادماً كل المصادمة لما اعتقدته الوهابية، اضطروا إلى نبذهم العقل جانباً، وأخذهم بظواهر النقل فقط، وإن نتج منه المحال، ونجم عنه الغي والضلال، فاعتقدوا متمسكين بظواهر الآيات أن الله تعالى ثبت على عرشه وعلاه علواً حقيقياً، وأن له تعالى وجهاً ويدين، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، ويصعد نزولاً وصعوداً حقيقيين، وأنه يشار إليه في السماء إشارة حسية بالأصبع، إلى غير ذلك مما يؤول1 إلى التجسيم البحت تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. فالوهابية التي تسمي زائري القبور عباد الأوثان، إنما هي قد عبدت الوثن، حيث إنها جعلت معبودها جسماً كالحيوان، جالساً على عرشه، ينزل ويصعد، نزولاً وصعوداً حقيقيين، وله وجه ويد ورجل وأصابع حقيقة، مما يتنزه عنه المعبود الحق، وإذا رد عليهم بالبراهين العقلية، وأثبت لهم أن
1 في النسخ الثلاث: "يؤل".
ذلك مناف للألوهية عند العقل، قالوا في الجواب: لا مجال للعقل الحقير البشري في مثل هذه الأمور التي طورها فوق طور العقل. فأشبهوا في ذلك النصارى في دعوى التثليث، فإنك إذا سألتهم قائلاً: كيف يكون الثلاثة واحداً والواحد ثلاثة؟ قالوا: إن معرفة هذا فوق طور العقل، ولا يجوز إعمال الفكر في ذلك) .
والجواب أن يقال: نعم، لما كان صريح العقل من هؤلاء الملاحدة وصحيح النظر منهم على ما زعموه مصادماً كل المصادمة لما اعتقدته الوهابية من التمسك بصريح الكتاب، وصحيح السنة وصريحها، والسلوك على طريقة سلف الأمة وأئمتها، نبذوا ما جاءت به عقول هؤلاء الملاحدة من نحاتة الأفكار، وزبالة الأذهان، وريح المقاعد، وراء ظهورهم، ولم يلتفتوا إلى ما موهوا به من هذه الشبهات التي زعموا أنها عقليات ويقينيات، فاعتقدوا متمسكين بنصوص الكتاب والسنة: أن الله تعالى على عرشه، وعلا عليه علواً حقيقياً، وأن الله تعالى له وجه ويدان، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، ويصعد نزولاً وصعوداً حقيقيين على ما يليق بعظمته وجلاله وعظيم سلطانه، كما يشاء أن ينزل وكما يشاء أن يصعد، وأنه يشار إليه في السماء إشارة حسية بالأصبع، كما أشار إليه أعرف الخلق به، بأصبعه رافعاً إلى السماء، بمشهد الجمع الأعظم،
مستشهداً له لا للقبلة، إلى غير ذلك مما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، لأن ذلك ليس بمستحيل في العقول الصحيحة، الموافقة لصريح المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم، [ونحن نعلم بضرورة العقل أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول، بل بمحارات العقول، فلا يخبرون بما يعلم العقل انتقاده، بل يخبرون بمعجز العقل عن معرفته]1.
وأما قوله: (مما يؤول إلى التجسيم البحت) .
فنقول: {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: 27] ، وأما من أثبت لله ما أثبته لنفسه فذلك لا يؤول2 إلى التجسيم، فإن القرآن قد دل على أنه ليس بجسم لأنه أحد، والأحد الذي لا ينقسم، وهو واحد والواحد لا ينقسم، وهو صمد والصمد الذي لا جوف له فلا يتخلله غيره، وإنما يؤول3 إلى التجسيم. من قال إن له وجهاً كوجهي، ويدين كيدي، مما يماثل صفات المخلوقين، أو يشبهها بصفاتهم.
بل نحن على مذهب السلف أهل السنة المحضة،
1 ما بين المعقوفين سقط من الأصل، ولعل الصواب:(بما يعجز) .
2 في النسخ الثلاث: "يؤل".
3 في النسخ الثلاث: "يؤل".
ونقول: إن الله تعالى فوق عرشه حقيقة، مع نفي اللوازم التي يلزم بها أعداء الله ورسوله أهل الحق، وهي لا تلزم لا بعقل ولا بنقل، وقد تقدم الكلام على ذلك.
وأما قوله: (فأما الوهابية التي تسمي زائري القبور عباد الأوثان، إنما هي عبدت الوثن، حيث إنها جعلت معبودها جسماً كالحيوان، جالساً على عرشه، ينزل ويصعد، نزولاً وصعوداً حقيقيين، وله وجه ويد ورجل وأصابع حقيقية، مما ينزه عنه المعبود الحق) .
فنقول: ما جعلت الوهابية زائري القبور مطلقاً عباد الأوثان -ومعاذ الله من ذلك- وإنما جعلت الوهابية من أشرك بالله في عبادته غيره عابداً للوثن سواء زار القبور أو قعد في بيت أمه. وذلك بأن يدعوه مع الله، أو يرجوه، أو يخافه، أو يحبه كمحبة الله، أو يستغيث به، أو يلتجئ إليه في رفع كربة أو كشف ملمة، أو يطلب منه جلب منفعة، أو يذبح له، أو ينذر له، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي هي مختصة بالله، فمن أشرك بالله فيها أحداً من خلقه نبياً أو ملكاً أو ولياً أو صالحاً أو شجراً أو حجراً فهو مشرك بالله في عبادته غيره.
وقوله: (إنما هي قد عبدت الوثن، حيث إنها جعلت معبودها جسماً) .. إلى آخره.
فأقول: قد تقدم نفي الجسمية عن الله تعالى، والوهابية ما عبدت إلا إلهاً واحداً، أحداً صمداً لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. ولا تعقل إلهاً أحداً صمداً ليس على السماء فوق العرش، بائناً من خلقه، ولا وجه له ولا يدين، ولا ينزل إلى سماء الدنيا، ولا يصعد، ولا يشار إليه في السماء، وإنما تعقل إلهاً موجوداً واحداً فوق سماواته بجميع أسمائه وصفاته ونعوت جلاله. وأنتم إنما معبودكم العدم المحض، ولا تثبتون إلا إلها مقدراً في الأذهان لا حقيقة في الخارج، فتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وأما كونه جالساً على عرشه، فقد جاء الخبر بذلك.
قال الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" في الرد على الجهمية، قال: حدثني أبي، وعبد الأعلى بن حماد النرسي1، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة،
1 انظر التعليق ص 177.
عن عمر رضي الله عنه قال: "إذا جلس ربنا تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد".
وقد تقدم بيان ذلك، فنصدق بما قاله الله ورسوله، وبما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان، وأهل السنة والجماعة من أهل الحديث وغيرهم من الأئمة المقتدين، والسادة المعظمين، قد وصفوا الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، فهم عند هذا الملحد الضال قد عبدوا وثناً بهذه اللوازم التي ابتدعها قدماء الفلاسفة، وورثتهم من المتكلمين الخارجين عن سبيل المؤمنين، فلعنة الله على الظالمين.
ثم قال الملحد: (وإذا رد عليهم بالبراهين العقلية، وأثبت لهم أن ذلك مناف للألوهية عند العقل، قالوا في الجواب: لا مجال للعقل الحقير البشري في مثل هذه الأمور التي طورها فوق طور العقل، فأشبهوا في ذلك النصارى في دعوى التثليث..) إلى آخره.
والجواب أن يقال: إن هذه البراهين التي تزعمون أنها عقلية إنما هي شبه خيالية مبناها على معان متشابهة وألفاظ مجملة، فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أنها شبه
سوفسطائية لا براهين يقينية عقلية، ودعواه أن من نفاها قد شابه في ذلك النصارى. والنصارى عليهم لعنة الله، إنما نزعوا إلى ما نزعوا إليه من أمر التثليث إنما هو بمجرد عقولهم ونتائج قياساتهم وتركهم ما أنزله الله في كتبه على ألسنة رسله وبغلوهم في أنبيائهم كما غلوتم أنتم في الأنبياء والأولياء والصالحين، فأنتم الذين أشبهتم النصارى في دعوى التثليث، فإنهم إنما أثبتوا ذلك بمجرد معقولاتهم ونتائج قياساتهم وقدموا حكم العقل على النقل الذي أنزله الله في كتبه وعلى ألسنة رسله، وأنتم نفيتم ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله من إثبات صفات كماله ونعوت جلاله بمجرد معقولاتكم ونتائج قياساتهم ونبذتم كتاب الله وسنة رسوله وراء ظهوركم، وزعمتم أن نصوص الكتاب والسنة ظواهر لا تفيد اليقين وإنما يقيد اليقين نتائج عقول الملاحدة التي هي نحانة الأفكار وزبالة الأذهان وريح المقاعد، فمن أشباه النصارى حينئذ إن كنتم تعلمون؟!.