الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في أنواع الشرك، وجهل الملحد بها
…
فصل
قال الملحد: (ويجدر بنا أن نبين هنا أنواع الشرك، فنقول: منها ما يقال له: شرك الاستقلال، وهو إثبات إلهين مستقلين، كشرك المجوس. ومنها: شرك التبعيض، وهو تركيب الإله من عدة آلهة، كشرك النصارى. ومنها: شرك التقريب، وهو عبادة غير الله تعالى ليقرب إلى الله زلفى، كشرك الجاهلية. والشرك الذي جعلته الوهابية أصلاً لشرك المستغيث والمتوسل، وبنت عليه قاعدتها، هو شرك التقريب الذي دانت به الجاهلية) .
والجواب أن نقول: هذا التقسيم بهذا اللفظ لم أجده في شيء من كتب أهل الإسلام، الذين هم الأسوة، وبهم القدوة، ولم ينسبه إلى عالم من علماء الإسلام، وإنما هو تنويع عراقي، وفيه من التقصير والقصور ما لا يخفى.
وإذا كان هذا مبلغ علمه، ومحصول ما لديه، تعين أن نذكر من أقوال أهل العلم ما يبين تخليط هذا العراقي
وتخبيطه، حيث اعتقد أن ما يفعله المشركون في هذه الأزمان ليس من الشرك، فنقول: اعلم أن ضد التوحيد الشرك، وهو ثلاثة أنواع: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي.
والدليل على الشرك الأكبر قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً} [النساء:116] . {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] .
وهو أربعة أنواع: شرك الدعوة. والدليل على ذلك قوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت:65] .
النوع الثاني: شرك النية والإرادة والقصد. والدليل قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود:15-16] .
النوع الثالث: شرك الطاعة. والدليل قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ
مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31] ، وتفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم، كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم لما سأله قال: لسنا نعبدهم. فذكر أن عبادتهم طاعتهم في المعصية1.
1 أخرجه الترمذي في سننه كتاب التفسير 5/278، وابن جرير الطبري في تفسيره 10/114، والطبراني في الكبير 17/92، والبيهقي في سننه كتاب آداب القاضي 10/116، كلهم من طريق عبد السلام بن حرب عن غطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال:"يا عدي اطرح عنك هذا الوثن" وسمعته يقرأ في سورة براءة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} قال: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه. هذا لفظ الترمذي. وهذا إسناد ضعيف علته غطيف بن أعين وقيل غضيف ضعفه الدارقطني وغيره -وبه أعل الترمذي هذا الحديث فقال عقبه:(هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث) اهـ. وعبد السلام بن حرب ثقة إمام حافظ إلا أن له مناكير.
والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/174 لابن سعد، وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه. وعزاه ابن كثير في تفسيره 2/348 للإمام أحمد ولم أجده في مسند عدي. والله أعلم.
وللحديث شاهد من حديث حذيفة موقوفاً أخرجه -كما في الدر المنثور 4/174- عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه كلهم من طريق أبي البختري سعيد بن فيروز قال: سأل رجل حذيفة رضي الله عنه فقال: أرأيت قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ
…
} الآية. أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شئياً حرموه.
وأخرجه من هذا الطريق ابن جرير في تفسيره 10/114-115 وإسناده ضعيف للانقطاع بين أبي البختري وحذيفة. فإن أبا البختري لم يسمع من حذيفة إنما أرسل عنه، كما في تهذيب الكمال للمزي، وجامع التحصيل.
ثم عزا السيوطي في الدر أثر حذيفة هذا إلى أبي الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان، والذي يظهر من صنيع السيوطي أنه من طريق آخر غير طريق أبي البختري فلينظر.
وقد حسن شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية هذا الحديث كما في كتابه الإيمان ص 64 وعلى معنى هذا الحديث جمهور المفسرين. والله أعلم.
النوع الرابع: شرك المحبة. والدليل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه} [البقرة: 165] .
وأما النوع الثاني: فهو الشرك الأصغر، وهو الرياء. والدليل قوله تعالى:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف: 110] ، وهو أنواع.
والنوع الثالث: الشرك الخفي. والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء، على صفاة1 سوداء، في ظلمة الليل". وكفارته قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم".
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله. وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
والشرك الأول نوعان: أحدهما شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال وما رب العالمين؟ وقال تعالى مخبراً عنه إنه قال:{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً} [غافر:36-37] .
فالشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقراً بالخالق سبحانه، وصفاته، ولكن عطل حق التوحيد.
1 في ط الهند "صفات".
وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو: التعطيل، وهو ثلاثة أقسام: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه. وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته، وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
ومن هذا الشرك شرك طائفة أهل وحده الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ومخلوق ولا ههنا شيئان بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه.
ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدوماً أصلاً، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها، يسمونها العقول والنفوس.
ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله، من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يثبتوا له اسماً ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه، إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.
فصل1
النوع الثاني: شرك من جعل معه آلهاً آخر، ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته، كشرك النصارىالذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهاً والله إلها، وأمه إلهاً، ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة.
قلت: فانظر إلى كلام شمس الدين ابن القيم، وإلى كلام هذا الملحد، حيث قال:(منها شرك الاستقلال، وهو إثبات إلهين مستقلين، كشرك المجوس، ومنها شرك التبعيض، وهو تركيب الإله من عدة آلهة، كشرك النصارى) ، وبهذا تعرف أنه ما عرف أنواع الشرك ولا أقسامه.
ثم قال ابن القيم: ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وتقديره وإرادته، ولهذا كانوا من أشباه المجوس. ومن هذا شرك الذي حاج إبراهيم في ربه: {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي
1 كذا في النسخ، وحذفها أولى لأن الكلام متصل غير منقطع.
وَأُمِيتُ} [البقرة: 258] فهذا جعل نفسه -مثلاً لله، يحيى ويمين -بزعمه- كما يحيى الله ويميت، فألزمه إبراهيم عليه السلام ورحمة الله وبركاته- أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها، وليس هذا انتقالاً -كما زعمه بعض أهل الجدل- بل إلزاماً على طرد الدليل -إن كان حقاً- ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها أرباباً مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة، وغيرهم. ومن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم، ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه، أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي فوقه، والفوقاني يقربه إلى من فوقه، حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله سبحانه، فتارة تكثر الوسائط، وتارة تقل.
ثم ذكر الشرك في العبادة وأنواعه، وهو الشرك الخفي، وذكر أن منه ما ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس منه شيء مغفور، كالشرك بالله في المحبة.
ثم ذكل الشرك بالله سبحانه في الأقوال والأفعال، والإرادات والنيات، وأن منه ما هو أكبر وأصغر، تركنا
ذكر ذلك طلباً للاختصار، فمن أراد الوقوف عليه فهو في "الجواب الكافي والدواء الشافي" وبما ذكرناه يتبين لكل منصف أن هذا العراقي مزجي البضاعة من العلوم النبوية، والعقائد السلفية، وأنه لا دراية له ولا رواية1.
وحيث أنه ما عرف من الشرك إلا ما ذكره من هذه الأنواع التي خبط فيها خبط عشواء، صار ما عداه عنده ليس من الشرك، وأن ما عداها من الأمور الشركية -المخرجة من الملة التي هي أعظم وأدهى- لا تخرج من الملة، لكونه قد تلبس بها، وتضمخ بوضرها، فلذلك2 كان يسمي أهلها هم المسلمون عنده.
فمن تلك الأمور التي ما ذكرها، ولا عرف أنها من الكفر المخرج من الملة: الشرك الذي يتعلق بذات المعبود، وأسمائه وصفاته وأفعاله كتعطيله سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
ومنها: الشرك بالله في المحبة والتعظيم، بأن يحب مخلوقاً كما يحب الله، فهذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وغير ذلك من الأمور الشركية التي تقدم ذكرها.
1 في ط الرياض "لا درية ولا روية".
2 في ط الرياض "فذلك".
فإذا عرفت ذلك تبين لك ضلال هؤلاء الملاحدة الذين أشربت قلوبهم عداوة أهل التوحيد، ولقبوهم بالألقاب الشنيعة، ورموهم بالعظائم التي لا ترام ولا تطاق، وحسبنا الله ونعم الوكيل.