المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في الإستغاثة بالأنبياء - الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق

[سليمان بن سحمان]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌تمهيد

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌فصل في منشأ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌فصل في طلب الشيخ رحمه الله للعلم ومبدأ دعوته

- ‌فصل في حال الناس في نجد وغيرها قبل دعوة الشيخ

- ‌فصل في حقيقة دعوة الشيخ وأنها سلفية

- ‌فصل في نقض تعيير الملحد بسكنى بلاد مسيلمة

- ‌فصل في فرية الملحد على الشيخ بأنه يطمح للنبوة

- ‌فصل في رد فرية بأنهم خوارج

- ‌فصل في رد فرية الملحد في تنقص الأنبياء والصالحين

- ‌فصل في رد فرية الملحد على كتاب (كشف الشبهات)

- ‌فصل في كيد الدولة التركية المصرية ورد الله له

- ‌فصل في مسألة زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في بيان أن دعوة الشيخ ليس فيها من مقالات الخوارج شيء

- ‌فصل في ذكر بعض مفتريات الملحد

- ‌فصل في الدولة السعودية القائمة الآن

- ‌فصل في كيد الدولة العثمانية

- ‌فصل في فرية الملحد أن الشيخ يريد النبوة

- ‌فصل في بيان جهمية الملحد وسنية الشيخ

- ‌فصل في مدح الملحد للعقل وذمه لأهل السنة

- ‌فصل في مفتريات الملحد، وردها

- ‌فصل في زعم الملحد أن إثبات الصفات تجسيم

- ‌فصل في بيان كلام الملحد في الجسم، وزيغه

- ‌فصل في إثبا الصفات وأنه لا يقتضي التجسيم

- ‌فصل في الإشارة إلى السماء، وإنكار الملحد ذلك

- ‌فصل في إنكار الملحد للنزول

- ‌فصل في تأويل الملحد للإشارة والمعراج

- ‌فصل في تأليه الملحد للعقل، وزعمه أن النقل يؤدي إلى الضلال

- ‌فصل في زعم الملحد تقديم العقل لأنه الأصل

- ‌فصل في فرية الملحد عليهم بنفي الإجماع

- ‌فصل في فرية الملحد عليهم بإنكارهم القياس

- ‌فصل في فرية الملحد بتكفير المقلدين

- ‌فصل في حكم أهل الأهواء

- ‌فصل في تناقض العراقي وكلامه في الجهمية

- ‌فصل في حكم التوسل والإستغاثة والزيارة والشرك

- ‌فصل في بيان جهل الملحد بمعنى العبادة

- ‌فصل في أنواع الشرك، وجهل الملحد بها

- ‌فصل في بيان سبب شرك الجاهلية

- ‌فصل في بيان أن الإستغاثة من الدعاء

- ‌فصل في التوسل

- ‌فصل في الإستغاثة الشركية

- ‌فصل في الإستغاثة بالأنبياء

- ‌فصل في آية: {وأبتغوا إليه الوسيلة}

- ‌فصل في آية: {أيهم أقرب}

- ‌فصل في آية: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك}

- ‌فصل في آية: {فاستغاثه الذي من شيعته}

- ‌فصل في آية: {لا يملكون الشفاعة}

- ‌فصل في حديث: "أسألك بحق السائلين

- ‌فصل في حديث: "أغفر لأمي فاطمة بحق نبيك

- ‌فصل في حديث الضرير

- ‌فصل في المنام والإستسقاء

- ‌فصل في إستسقاء عمر بالعباس

- ‌فصل في الفرق بين الحي والميت في التوسل

- ‌فصل في حقيقة غلو الناس في الصالحين وغيرهم

- ‌فصل في الإستغاثة وقصة هاجر

- ‌فصل الإستغاثة وشفاعة القيامة

- ‌فصل في حديث: "يا عباد الله احبسوا

- ‌فصل في بيان شرك من يدعو غائبا في حاجاته

- ‌فصل في دلالة ظاهر نداء المشرك غير الله

- ‌فصل في عقيدة أهل السنة في الصفات

- ‌فصل في زيارة القبور الشركية، والشفاعة

- ‌فصل في عبادة القبور

- ‌فصل في شد الرحال إلى القبور

- ‌فصل في مزاعم للملحد، وردها

- ‌فصل في النذر لغير الله

- ‌فصل في بيان الركوب إلى النصارى واتخاذهم أولياء

الفصل: ‌فصل في الإستغاثة بالأنبياء

‌فصل في الإستغاثة بالأنبياء

فصل

قال العراقي: (وقد جوز أجلة العلماء الاستغاثة، والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يعارض جوازها بخبر أبي بكر رضي الله عنه: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله" لأن من رواته ابن لهيعة، والكلام فيه مشهور، ولو فرضنا أن الحديث صحيح فهو من قبيل قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] وقوله عليه الصلاة والسلام: "ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم"، فيكون معنى الحديث السابق: أني وإن يستغاث بي فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، وبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة على من يحصل منه غوث أو تسبباً وكسباً، أمر نطقت به اللغة، وجوزه الشرع، فتعين تأويل الحديث المذكور، ويؤيد ما بيناه في تأويله حديث البخاري في الشفاعة يوم القيامة: "فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم") .

والجواب أن نقول: قد تقدم في كلام شيخ الإسلام

ص: 474

ابن تيمية ما يبين كذبه على أجلة العلماء، وأنه لم يجزه إلا أناس ليسوا من العلماء العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي بل عادة جروا عليها.

وقال أيضاً في أثناء كلام له: ونحن نعلم بالضرورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته أن يدعوا أحداً من الأموات، لا الأنبياء ولا الصحالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت، ونحو ذلك. بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، ولكن لغلبة الجعل، وقله العلم بآثار الرسالة في كثر من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يبين لهم ما جاء به الرسول، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن لها، وقال: هذا أصل دين الإسلام. انتهى.

وأما قوله: (ولا يعارض جوازها بخبر أبي بكر رضي الله عنه قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره.

فالجواب أن يقال: الكلام على هذا من جوه:

ص: 475

أحدها: أن ابن لهيعة خرج له البخاري ومسلم فجاوز القنطرة، ولا يقدح فيما رواه ابن لهيعة إلا جاهل بالصناعة والاصطلاح، وهو قاضي مصر وعالمها ومسندها، روى عن عطاء بن أبي رباح، والأعرج، وعكرمة، وخلف، وعنه شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وابن وهب، وخلق.

ومن طعن في ابن لهيعة بقول بعض الناس لزمه الطعن في كثير من الأكابر المحدثين كسعيد المقبري، وسعيد بن إياس الجريري، وسعيد بن [أبي] عروبة، وإسماعيل بن أبان، وأزهر بن سعد السمان البصري، وأحمد بن صالح المصري، وأبي اليمان، وأمثالهم ممن خرج لهم البخاري وغيره من الأئمة.

وعلى كل حال فهو خير من هؤلاء الذين أجازوا الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلم بكتاب الله، وسنة رسوله منهم، وبأقوال أهل العلم1.

1 هذا ما جنح إليه الشيخ المؤلف رحمه الله تعالى هنا في حديث ابن لهيعة، وقد ذكر مستنده على ذلك. أما قوله:(إنه جاوز القنطرة لرواية الشيخين عنه) فغير مسلم، لأن مسلماً إنما أخرج له مقروناً بغيره، وهو "عمرو بن الحارث". وقد تقرر أن المخرج لهم في الشواهد والمتابعات –دون الأصول- لا يكون ذلك توثيقاً لهم، بل لنكتة خفية أو ظاهرةً أخرج لهم في الصحيح. هذا فيما يتعلق بإخراج مسلم لابن لهيعة في "الصحيح" أما البخاري فقد أخرج في كتاب الفتن من صحيحه: عن المقري عن حيوة و"غيره" عن أبي الأسود قال: "قطع على أهل المدينة بعث

" الحديث، عن عكرمة عن ابن عباس. وروى هذا الحديث بصورة هذا السند في "الاعتصام" و"تفسير سورة النساء" وفي آخر "الطلاق" ولا يسمى قرين حيوة. قال ابن حجر: وهو ابن لهيعة لا شك فيه اهـ. ومثل هذا لا يعتبر تقوية للرجل، بل توثيقع ومجاوزته القنطرة، ولعل البخاري وقع في سماعه هذا السند بهذه الصورة، فأثبتها، ولم يجرأ على تسميته تنزيهاً لصحيحه، فقال: عن حيوة وغيره. والعلم عند الله.

وأما قول الشيخ المؤلف رحمه الله: "ولا يقدح فيما رواه ابن لهيعة إلا جاهل بالصناعة والاصطلاح" لا يعني به القدح في العلماء المتقدمين -كما توهمه بعضهم! - بدليل أنه أشار إلى اختلاف الناس فيه، كما في آخر هذا الوجه، وفي أول الوجه الثالث. وإنما يعني به -في نظره- من لم يحسن تنزيل قواعد الجرح والتعديل على أقوال العلماء المتقدمين، ولا شك أن كلام الشيخ هنا خلاف الصواب في هذه المسألة، بيد أنه ليس أول قائل بتوثيق ابن لهيعة مطلقاً، فقد سبقه من المتقدمين والمتأخرين جماعة، وكلام الشيخ المؤلف على حديث ابن لهيعة في "الوجه الثالث" أقرب للصواب، من رأيه هنا.

والذي يترجح في حال حديث ابن لهيعة أنه حسن في الشواهد والمتابعات.

ص: 476

الثاني: أنهم معارضون بأجل منهم وأفضل، وأعلم بحدود ما أنزل الله على رسوله، كما سنذكره عنهم إن شاء الله تعالى.

ص: 477

الثالث: أن ابن لهيعة كان إماماً محدثاً، من أفاضل العلماء، ولم ينقمه أحد بالغلو في الأنبياء ولا الصالحين، ولا بشيء من العقائد المبتدعة المحدثة في الإسلام، ولكنه كان يدلس على الضعفاء، ثم احترقت كتبه، وليس هذا الحديث من الأحاديث التي دلس فيها، فمن هنا قال فيه من قال.

قال عمرو بن علي: من كتب عنه قبل احتراق كتبه مثل ابن المبارك وابن المقري أصح ممن كتبه عنه بعد احتراقها1.

وقال ابن وهب: كان ابن لهيعة صادقاً، وقال ابن وهب أيضاً: حدثني الصادق البار -والله- عبد الله بن لهيعة.

1 في حاشية "النفح الشذي" 2/831 –عندما نقل ابن سيد الناس عبارة عمرو بن علي الفلاس المتقدمة في ابن لهيعة:

كذا جاءت تلك الرواية عن الفلاس في الميزان 2/477، وشرح العلل لابن رجب 1/37، ولكن جاء في رواية ابن أبي حاتم /الجرح والتعديل 5/147، وابن عدي (الكامل) 4/463، وكذا في السير 8/21 قول الفلاس في آخر تلك الرواية ما نصه:"وهو ضعيف الحديث"، فهذا تضعيف مطلق لابن لهيعة، ومتصل السياق بالتفصيل السابق، فيشمل ما قبل الاحتراق، وما بعده، وإن تفاوتا في درجة الضعف، وبذلك لا يكون مقصود الفلاس بقوله:"أصح" هو الصحة الاصطلاحية

اهـ.

ص: 478

وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة1.

وقال أحمد بن صالح الحافظ: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب، طالباً للعلم.

الوجه الرابع: أنه قد ثبت أن الاستغاثة من أقسام العبادة، فصرفها لغير الله شرك، فإن لم يكن حديث أبي بكر شاهداً لهذا لم يكن مخالفاً له.

الوجه الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الاستغاثة عن نفسه حماية للتوحيد، وصيانة لجانبه، وأدباً مع ربه، لا لأن الإغاثة لا تنسب إلى المغيث بالسبب العادي حقيقة،

1 جاء عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: "ما حدث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيراً مما أكتب أعتبر به، وهو يقوي بعضه ببعض" ذكر ذلك عنه ابن رجب في "شرح العلل" 1/138. وأشار إليه شيخ الإسلام في "الرد على البكري" ص 153 –ص154.

[ويلاحظ أن قول أحمد هذا في ابن لهيعة، قد بناه على نحو ما تقدم عن ابن حبان، من السبر والاعتبار لمرويات ابن لهيعة، حيث كتب الكثير منها، ثم قارنه بروايات من شاركه من الثقات، فتبين له أنه لا يحتج بما انفرد به، ولكنه يتقوى بغيره، وعليه يكون هذا هو القول المعتبر للإمام أحمد بشأن ابن لهيعة

[و] يرد به على من يأخذ بتوثيقه السابق لابن لهيعة

] اهـ. من التعليق على "النفح الشذي" 2/851-852.

ص: 479

وأنها تنسب مجازاً -كما توهمه الغبي الأكبر- ولم يرد تعليم أمته أن الاستغاثة إنما تنسب للمخلوق مجازاً، فإن ما جاء به الكتاب والسنة دال على إضافة الفعل لمكتسبه، ومن قام به، ولذلك رتب الثواب والعقاب والجزاء والحساب.

ولم يقل قول هذا العراقي إلا القدرية المجبرة، ومن نحا نحوهم من الجهمية، ورد عليهم أهل السنة -بما يطول ذكره- نقلاً وعقلاً.

وقالوا: لو كان مجازاً لصح نفي أفعال المكلفين عنهم، وكانوا بمنزلة الجمادات التي يحركها الغير، ويفعل بها من غير قصد لها ولا اخيار، ويكون التعذيب والعقاب يرجع إلى مجرد المشيئة والإرادة، من غير فعل للعبد يستحق به الثواب والعقاب.

ويقال أيضاً: الأفعال العادية القائمة بفاعلها تنسب إليه، وتضاف إليه حقيقة من إضافة الفعل إلى فاعله، فيقال: أكل وشرب، وقام وقعد، وحكى ودعا واستغاث، حقيقة لا مجازاً، بإجماع العقلاء، ولم يخالف في إضافة الأفعال إلى فاعلها حقيقة إلا من هو من أجهل الناس، وأضلهم على سواء السبيل.

ص: 480

وأما قوله: ولو فرضنا أن الحديث صحيح فهو من قبيل قوله تعال: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} .

فأقول: ليس هذا من هذا الباب، وهذا من نوادر جهل هؤلاء الضلال، فإن لفظ الاستغاثة طلب الغوث ممن هو بيده، لمن أصابته شدة، ووقع في كرب، وإلا الأنجح والأولى لمن أصابه ذلك أن يستغيث بمن يجيب المضطر إذا دعاه، الموصوف بأنه غياث المستغيثين، مجيب المضطرين، أرحم الراحمين، فلفظ الاستغاثة يستعمل في مخ العبادة، وما لا يقدر عليه إلا الله عالم الغيب والشهادة، فكره صلى الله عليه وسلم إطلاقه عليه فيما يستطيعه، ويقدر عليه، حماية لجناب التوحيد، وسداً لذريعة الشرك، وإن كان يجوز إطلاقه فيما يقدر عليه المخلوق، فحماية جناب التوحيد من مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن قواعد هذه الشريعة المطهرة، فأين هذا من قوله:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] ، فإن الرمي المنفي عن الرسول صلى الله عليه وسلم إيصال التراب إلى أعينهم كلهم، لأن هذا لا يقدر عليه إلا الله، وأما نفس الرمي المثبت من رميه صلى الله عليه وسلم فقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب والحصا، ورمى به قِبلهم حقيقة لا مجازاً.

وهذا من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكون لأحد بعده،

ص: 481

ولو كان هذا لأحد بعده لم يكن فيه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يبق أحد منهم إلا وقع في عينيه من ذلك التراب شيء وهم نحو أربعة آلاف رجل، فهزمهم الله بسبب هذه الرمية حقيقة، لا عندها، ولا معها، بل بها.

وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم" 1، على حقيقته، فإن الله هو الذي حملهم بأن يسر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك حمولة، فحملهم بأمر الله، لأنه صلى الله عليه وسلم عبد مأمور منهي لا يفعل شيئاً إلا بأمر الله له، فنسبة الحمل إلى الله حقيقة قضاء وقدراً، وإلى من حملهم بإذن الله السببي الشرعي حقيقة لا مجازاً، وحمله إياهم أمر مقدرو عليه غير ممتنع، فكان من المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متصرفاً بأمر الله، منفذاً له، فالله سبحانه أمره بحملهم، فنفذ أوامره، فكان الله هو الذي حملهم. وهذا معنى قوله:"إني لا أعطي أحداً شيئاً ولا أمنعه"2.

1 قاله النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأشعريين. أخرجه البخاري في صحيحه كفارات الأيمان –باب الاستثناء في الأيمان. ومسلم في صحيحه كتاب الأيمان- 3/1269.

2 أخرج البخاري في صحيحه –كتاب الخمس- باب قول الله تعالى {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أعطيكم ولا أمنعكم، أنا قاسم أضع حيث أمرت".

ص: 482

ولهذا قال: "وإنما أنا قاسم" 1 فالله سبحانه هو المعطي على لسانه، وهو يقسم ما قسمه بأمره.

قوله: (فيكون معنى الحديث السابق: إني وإن يستغاث بي، فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى) .

أقول: هذا التأويل مخالف للفظ الحديث، ولمعناه، وقد تقدم الكلام عليه، فلا معنى لصرفه عما يقتضيه إلى ما لا يدل عليه لغة ولا شرعاً.

وقوله: (وبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة على من يحصل منه غوث ولو تسبباً وكسباً أمر نطقت به اللغة، وجوزه الشرع) .

1 أخرج البخاري في صحيحه –كتاب فرض الخمس- باب قول الله تعالى: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} يعني للرسول قسم ذلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا قاسم وخازن والله يعطي". ثم ساق بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعاً: "فإني إنما جعلت قاسماً أقسم بينكم" وفي لفظ له "فإنما أنا قاسم".

ص: 483

فأقول: هذا كذب على اللغة، وعلى الشرع.

أما اللغة فإن الأفعال العادية القائمة بفاعلها تنسب إليه، وتضاف إليه حقيقة، من إضافة الفعل إلى فاعله، فيقال: أكل وشرب، وقام وقعد، وحكى ودعا، واستغاث حقيقة لا مجازاً بإجماع العقلاء.

وأما شرعاً فإن الله قد رتب حصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وحصول الشرور في الدنيا والآخرة، والعقاب والثواب في كتابه على الإعمال ترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب، وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع، كما تقدم بيانه في كلام ابن القيم –رحمه الله تعالى-.

وأما قوله: (ويؤيد ما بيناه في تأويل حديث البخاري في الشفاعة يوم القيامة "فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم") .

فالجواب أن نقول: هذا ليس مما نحن فيه، فإن الاستغاثة بالمخلوق على نوعين:

أحدهما: أن يستغيث بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه، مثل أن يستغيث المخلوق بالمخلوق ليعينه على حمل حجر، ويحول بينه وبين عدوه الكافر،

ص: 484

ويدفع عنه سبعاً صائلاً، أو لصاً، أو نحو ذلك، ومن ذلك طلب الدعاء لله من بعض عباده لبعض، وهذا لا خلاف في جوازه، والاستغاثة الواردة في حديث المحشر من هذا القبيل، فإن الأنبياء الذين يستغيث العباد بهم يوم القيامة يكونون أحياء، وهذه الاستغاثة إنما تكون بأن يأتي أهل المحشر هؤلاء الأنبياء، يطلبون منهم أن يشفعوا لهم إلى الله سبحانه، ويدعوا لهم بفصل الحساب، والإراحة من ذلك الموقف، ولا ريب أن الأنبياء قادرون على الدعاء، فهذه الاستغاثة تكون بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه.

والثاني: أن يستغاث بمخلوق ميت أو حي فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وهذا هو الذي يقول فيه أهل التحقيق: إنه غير جائز.

فإن قلت: هؤلاء المستغيثون بالأموات أو الغائبين –أيضاً- يطلبون منهم أن يشفعوا لهم إلى الله تعالى، ويدعوا لهم بقضاء حاجاتهم، وهم قادرون على ذلك فتكون استغاثتهم هذه من قبيل النوع الأول.

قيل: هذا فيه خلل من وجوه:

الأول: أن فيه ذهوا عن قيد الحي، والمراد بالحياة الدنيوية لا البرزخية.

والثاني: أن ظاهر ألفاظهم مثل قولهم: يا رسول الله

ص: 485

اشف مريضي، واكشف عني، وهب لي ولداً ورزقاً واسعاً، ونحو ذلك، دال على أنهم لا يطلبون منهم الشفاعة، بل يطلبون شفاء المريض، وكشف الكربة، وإعطاء الولد، والرزق، وهم غير قادرين على تلك الأمور.

الثالث: أن هؤلاء المستغيثين بالأموات والغائبين يدعونهم، ويستغيثون بهم، من أماكن مختلفة، ومواضع بعيدة، معتقدين أن الأموات والغائبين يعلمون استغاثتهم، ويسمعون دعاءهم، من كل مكان، وفي كل زمان، ولا ريب أن هذا إثبات لعلم الغيب لهم، الذي هو من الصفات المختصة بالله تعالى، فيكون شركاً، وبهذا وبما تقدم يندفع تأويل الحديث على تأوله عليه من المحال الباطل، والله أعلم.

ص: 486