الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَر
حديثُ أبي حَمْزَةَ أنسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه، خادِمِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أنِّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ:"لا يُؤْمنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ".
رواه البخاريُّ ومُسْلِمٌ (1).
* * *
الكلامُ عليهِ مِنْ وجُوهٍ:
أحَدُها: لفظُ مُسْلِمٍ: "والَّذي نَفْسِي بيَدِهِ لا يُؤْمنُ عَبْدٌ حتى يُحِبَّ لأَخِيهِ -وقال: لِجَارِهِ- ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ"(2).
وأخرجه النَّسائي في "الإيمان" بلفظ: "حتى يُحِبَّ لأَخِيهِ مِنَ الخَيْر"(3).
وابن أبي شيبةَ في "مُسْنَدِهِ" وقال: "ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الخَيْر"(4).
(1) رواه أحمد (20/ 193 رقم 12801، 13146، 13629، 13875، 13963، 14082)، والبخاري (1/ 12 رقم 13)، ومسلم (1/ 67 رقم 45)، والترمذي (4/ 284 رقم 2515)، والنسائي (8/ 125 رقم 5016، 5039)، وابن ماجه (1/ 26 رقم 66).
(2)
(1/ 68 رقم 45/ 72).
(3)
النسائي روى اللفظ الذي بعده، أمَّا هذا اللفظ فقد رواه: المروزي في "تعظيم قدر الصلاة"(2/ 588 رقم 621)، وابن منده في "الإيمان"(1/ 442 رقم 297) وهو صحيح.
(4)
"مسند" ابن أبي شيبة المطبوع منه ناقص، وليس فيه مسند أنس بن مالك رضي الله عنه، وهذه اللفظة رواها: النسائي (8/ 115 رقم 5017)، وأحمد (20/ 394 رقم 13146)، وابن منده (1/ 441 رقم 294)، وأبو يعلى (5/ 407 رقم 3081، 3151)، وأبو عوانه في "صحيحه"(1/ 41 رقم 92)، والقضاعي في "الشهاب"(2/ 63 رقم 888) وهي زيادةٌ صحيحة. انظر "السلسلة الصحيحة"(1/ 113 رقم 73).
ثانيها: في التَّعريف براوِيهِ: كُنِّيَ بحمزة؛ لِبَقْلَةٍ كان يَجْتَنِيهَا (1)، وهو أنصاريٌّ نجَّاريٌّ مصري (2)، خادِمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، خَدَمَهُ عَشْرَ سِنين.
أمُّه: أم سُليم بنت ملحان، روى زيادةً على ألفَيْ حديث، دعا له الشَّارُع: بكثرةِ المالِ، والولدِ، وطول العُمُر والجنَّة (3).
ماتَ سنة ثلاث -أو خمسٍ- وتسعين بالبصرةَ، ودُفِنَ بقصره بقُربها وقد جاوَزَ المائة (4).
ثالِثُها: "أَحَدٌ" هنا بمعنى: واحدٌ، فهي -أي: واحد- تُسْتَعْمَلُ في الإثباتِ والنَّفْي، وأمَّا "أحد" التي هي للعموم فلا تُسْتَعمل إلَّا في النَّفي كـ "مَا في الدَّارِ مِنْ أَحَدٍ".
و"النفس": تُذَكَّر وتُؤَنَّث، قال تعالى:{أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56].
رابعُهَا: معنى الحديث: لا يُؤمِنُ الإيمان التام؛ وإلَّا فَأَصْلُ الإيمان حاصِلٌ، وإنْ لَمْ يَكُن بهذه الصِّفةِ، والمرادُ: يُحِبُّ لأخيهِ من الخيرِ -كما سلف-، وليسَ ذلِكَ صَعْبًا، فإنَّ المرادَ حُصُولُ مثل ذلك من غير مزاحمةٍ فيها له.
(1) قال الأزهري في "تهذيب اللغة"(4/ 379): "وقال أنس بن مالك: كَنَّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقلةِ كنتُ أجتنيها .. قلتُ: والحَمْزَةُ في الطَّعام: شِبْهُ اللَّذْعةِ والحَرارَةِ كطعم الخردل
…
والبقلة التي جَنَاها أنس كان في طعمها لَذْعٌ للِّسان فَسُمِّيَتْ "حمزة" لِفِعْلِها
…
ورمانة حامِزة؛ أي: فيها حموضة" اهـ. وانظر: "الإعلام" للمؤلف (1/ 422).
(2)
كذا بالأصل! ولم أقف في ترجمة أنس رضي الله عنه أنه دخل مصر فضلًا عن إقامته بها، وقد تكون "مضري" وهذه بعيدة أيضًا؛ لأن الخزرج ليسوا من مضر، ولم يذكر المؤلف هذه النسبة في "الإعلام"(1/ 421 - 426) والله أعلم.
(3)
رواه مسلم (4/ 1928 رقم 2480، 2481).
(4)
انظر: "الإعلام" للمؤلف (1/ 421 - 426)، "الاستيعاب"(1/ 44)، والسير (3/ 395).
ففيه أنَّ المؤمنَ مع المؤمنِ كالنَّفسِ الواحدةِ، فعلَيْهِ كَفُّ الأذَى والمكروه، والمواساة، ويحصل منه الائتلاف والانتظام، وهو قاعِدَةُ الإسلام المُوصى بها في قوله سبحانه وتعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، ولا شكَّ أنَّ النَّفسَ الشَّريفَةَ تُحِب الإحسانَ وتجتنبُ الأذى؛ فإذا فعل ذلك حصلت الألفَة وانتَظَمَ حَالُ المَعَاش والمعاد، ومشت أحوال العباد.
وفي الحديث: "انظُرْ أَحَبَّ مَأ تُحِبُّ أَنْ يَأتِيهِ النَّاسُ إِلَيكَ، فَأْتِهِ إليهم"(1).
وفي كلام بعضهم: ارضَ للناس ما لنفسِكَ ترضى.
ثم لا بُدَّ أنْ يكونَ المعنى فيما يُباح، وإلَّا فقد يكون غيره ممنوعًا منهُ وهو مباح له.
قال أبو الزناد: "ظاهر الحديث التَّساوي، وحقيقته التَّفضِيل؛ لأَنَّ الإنسان يحِبُّ أنْ يكُونَ أفضَلَ الناس، وإذا أَحَبَّ لأَخيهِ مِثلَهُ فقد دَخَلَ في جُمْلَةِ المَفْضولِين"(2).
* * *
(1) رواه أحمد (25/ 220 رقم 15885)، (38/ 232 رقم 23164)، (45/ 131 رقم 27153)، والطبراني في "الكبير"(19/ 209 رقم 473 - 476) عن أبي المُنْتَفِق رضي الله عنه.
والحديث صحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(3/ 464 رقم 1477).
(2)
ذكره ابن بطال في "شرحه للبخاري"(1/ 65)، والقاضي في "إكمال المعلم"(1/ 282).