الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الحادي والعشرون
عن أبي عمرو -وقيل: أبي عَمْرَةَ- سفْيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يا رَسولَ الله! قُلْ لي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أَسْأل عنهُ أَحَدًا غَيْرَكَ.
قال: "قُلْ آمنْتُ باللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ".
رواه مُسْلِمٌ (1).
* * *
الكلام عليه مِن وُجوهٍ:
أحدهما: في التَّعريفِ بِرَاويهِ:
وفي كُنيَتهِ قولان -كَمَا ذَكَرَ- أبو عمرو: بالواو، وأبو عَمْرَةَ: با لهاء، وهو ثَقَفي طائفي، وليَ الطَّائِفَ لِعُمَر، روى له:"م"، ["س"، "ق"](2) هذا الحديث، وليسَ لهُ عِندَهم غيره، وحديثٌ آخر عند "س" في "اللقطة"(3)، وسفيان سِينُهُ مُثَلَّثَةٌ (4).
ثانيها: وهو مِن جوامِعِ كَلِمِه، كما قال القاضي (5).
(1)(1/ 65 رقم 62).
(2)
في الأصل: "سر، في ". والصواب ما أثبتناه، ويعني: النسائي وابن ماجه، ولا أعلم أن المؤلف كان يرمز لهما بما أثبته الناسخ.
(3)
انظر: "السنن الكبرى" للنَّسائي (5/ 348 رقم 5787، 5788).
(4)
انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال"(11/ 169)، و"الإصابة"(2/ 53).
(5)
"إكمال المعلم"(1/ 275).
أي: "استَقِمْ كَمَا أُمِرتَ" مُمْتَثِلًا أَمْرَهُ، ومُجْتَنِبًا نَهْيَهُ، وهو مُطَابق لقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30] أي: لم يَحِيدُوا عن توحيدهِ، والتَزَموا طاعتهُ إلى أنْ تُوُفُّوا عليه، كما قال عُمَر:"اسْتَقَاموا لله على طاعَتهِ، ولَمْ يَرُوغوا رَوَغَانَ الثعلب"(1).
فقوله: "آمنْتُ بالله" هو بمعنى: {قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [فصلت: 30] إذْ لا يعتقد ربوبيته إلَّا مَن آمَنَ به، وهو على اختصاره مِن أجمَعِ الأحاديث لأصول الإسلام، إذِ الإسلامُ توحيدٌ وطاعةٌ، فالتوحيد حاصِل بـ "آمنتُ بالله"(2).
والطاعة حاصِلةٌ بالاستقامة، إذ هي: امْتِثالُ كلّ مأمُور، واجتناب كُلِّ محظور، ويدخلُ فيه أعمال القلوب والأبدان مِن الإيمان والإسلام والإحسان (3).
وفي التنزيل: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت: 6]. وفي الحديث: "شَيَّبَتْنِي هودٌ وأَخَوَاتها"(4). وشَيَّبَهُ أَنَّ فيها: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 112] وهي: كلِمَةٌ جامِعَةٌ لجميع أنواع التكاليف.
قال ابن عباس: "مَا نَزَلَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آيةٌ كانت أشَدَّ
(1) رواه ابن المبارك في "الزُّهد"(1/ 110 رقم 325)، وأحمد في "الزهد"(115)، والطبري في "تفسيره"(24/ 73).
(2)
وجاء في تفسيرها عن الصِّديق الأكبر أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: "لم يُشْرِكوا باللهِ شيئًا". رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 110 رقم 326)، وأبو داود في "الزهد"(59 رقم 39)، وابن سعد في "الطبقات"(6/ 84)، والطبري في "تفسيره"(24/ 73).
(3)
قال الحافظ ابن رجب في "جامع العلوم"(1/ 510): "الاستقامة: هي سلوك الطِّراط المستقيم، من غير تعريج عنهُ يَمْنةً ولا يَسْرَةً، ويَشْمَلُ ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وتَرْكِ المَنْهِيَّات كلها. فصارَت هذه الوَصِيَّة جامِعةً لِخِصال الدِّين كُلِّها".
(4)
رواه الترمذي في "الشمائل"(54 رقم 42)، وأبو يعلى (2/ 184 رقم 880)، والطبراني في "الكبير"(17/ 286 رقم 790)، وأبو نعيم في "الحلية"(4/ 350) عن أبي جُحيفة رضي الله عنه.
والحديث صححه الألباني بشواهده. انظر: "الصحيحة"(2/ 76 رقم 955).
ولا أشقَّ عليه من هذه الآية" (1). فلذلكَ قال مَا قال.
قال القُشيري رحمه الله: "الاستقامة: درجة بها (2) كمال الأمور وتمامها، وبوجودِها (3) حصول الخيرات ونظامها، ومَن لمْ يكن مُسْتَقيمًا في حالته ضاعَ سَعْيُهُ وخابَ جدُّه (4).
وقيل: الاستقامة لا يُطيقُها إلَّا الأكابر؛ لأنَّها خروج عن المَعْهُودات، ومفارقةُ الرُّسوم والعادات، والقِيامُ بينَ يدي الله تعالى بالصِّدق (5)، ولذلِكَ قال عليه الصلاة والسلام:"اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا"(6).
وقال الواسطي: "هي الخصلة التي بها كَمُلت المَحَاسِن"(7).
ثالثها: معنى قوله: "قُل لي في الإسلام" أي: في دِينِهِ وشَريعَتِهِ.
وقوله: "لا أَسْألُ عنهُ أحَدًا غيرَكَ" أي: جامِعًا لِمَعاني الإسلام، واضِحًا في نفسهِ بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيركَ، كافيًا لا أحتاج إلى سؤال غيرك، وهو
(1) ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"(11/ 224)، والنووي في "شرح مسلم"(2/ 368).
(2)
في الأصل: "أوجهها" وهو تحريف من الناسخ، والتصويب من "الرسالة" للقشيري.
(3)
في الأصل: "وجودها" وزيادة حرف الباء من "الرسالة".
(4)
في الرسالة: "جهده".
(5)
في الرسالة: "تعالى على حقيقة الصدق".
(6)
رواه أحمد (37/ 60 رقم 22378)، والطيالسي (2/ 336 رقم 1089)، والدارمي (1/ 519 رقم 681)، والروياني (1/ 404 رقم 614 - 616) كلهم في مسانيدهم، ورواه الطبراني في "الكبير"(2/ 101 رقم 1444)، و"الأوسط"(7/ 116 رقم 7019)، و"الصغير"(1/ 27 رقم 8، 1011)، و"مسند الشاميين"(2/ 277 رقم 1335)، والحاكم (1/ 130)، والبيهقي في "الكبرى"(1/ 82، 457) من حديث ثوبان رضي الله عنه.
وصححه الحاكم، والألباني في "صحيح الترغيب"(1/ 198 رقم 197).
(7)
"الرسالة" للقشيري (356 - 357) باختصار.
نحوٌ مِمَّا سبقَ في قوله: "لا تغضَب"(1).
رابعها: هذا الجواب دالٌّ على أنه عليه الصلاة والسلام أوتيَ جوامِعَ الكَلِم، واختُصِرَ له الكلامُ اختصارًا، كما يُمْدَحُ به عليه الصلاة والسلام، فإنَّهُ جَمَعَ لهذا السائل في هاتَيْن الكلمتَيْن معاني الإسلام والإيمان كلها، كما أسلفناه.
خامِسُها: زاد التِّرمذيُّ في هذا الحديث زيادةً مُهِمَّة: "قلتُ: يا رسولَ الله! ما أَخْوَفُ ما تَخَافُ عليَّ؟ فأَخَذَ بِلِسانِ نفْسِهِ ثم قال: هذا". "حديثٌ حسنٌ صحيح"(2).
* * *
(1) تقدَّم تخريجه، وهو "الحديث السادس عشر" من "الأربعين".
(2)
(4/ 210 رقم 2410).