الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديثُ الحادي والثلاثون
عنْ أَبي العبَّاسِ سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِديِّ رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يَا رسولَ اللهِ! دُلَّنِي على عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ؟ قال: "ازهَدْ في الدُّنيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وازهَدْ فِيمَا في أَيْدِي النَّاس يُحِبَّكَ النَّاسُ".
حديثٌ حَسَنٌ، رواهُ ابن ماجه وغيْرُهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ (1).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف براويه:
وهو أبو العباس -كما ذكره المصنف-، أو أبو يحيى سهل بن سعد بن
(1) رواه ابن ماجه (2/ 1373 رقم 4102)، والطبراني في "الكبير"(6/ 193 رقم 5972)، وابن حبان في "روضة العقلاء"(141)، وابن سمعون في "أماليه"(267 رقم 289)، والقضاعي (1/ 373 رقم 643)، والعقيلي في "الضعفاء"(2/ 357)، وابن عدي في "الكامل"(3/ 31)، والحاكم (4/ 313)، وأبو نعيم في "الحلية"(3/ 253)، (7/ 136)، و"أخبار أصبهان"(2/ 244 - 245)، والبيهقي في "الشعب"(13/ 115 رقم 10043 - 10045). والحديث في إسناده خالد بن عمرو القرشي ضعيف.
لكن الحديث صححه الحاكم، وحسنه ابن حجر كما في "الجواهر والدرر"(2/ 944)، وصححه الألباني، وقال في "الصحيحة" (2/ 664 رقم 944):"وجملةُ القولِ أنَّ الحديثَ صحيحٌ بهذا الشَّاهد المُرْسَل، والطُّرق الموصولة المشار إليها".
فائدة: تعقَّب الحافظ ابن حجر النووي في قوله "أسانيده حسنة" انظر: "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" للسخاوي (2/ 943 - 945).
مالك بن خالد السَّاعِدي المدني -وقيل: سعد بن سعد بن مالك، والأول أصح-، لهُ ولأَبيهِ صُحْبَةٌ، مات سنة ثمان وثمانين -أو إحدى وتسعين- عن مائة ونحوها، وهو آخر مَن ماتَ مِن الصَّحابةِ بالمدينة -على أحد الأقوال- وكان اسمه: حزنًا؛ فسمَّاهُ الشَّارع: سَهْلًا (1).
وابن ماجه اسمه: أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني صاحب "السنن"، و"التفسير"، و"التاريخ"، وُلِدَ سنةَ تِسعٍ ومِائتين، ومات سنة ثلاث وسبعين (2).
ثانيها: هذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام -كما سلف- وقد جُمِعَتْ في قوله شِعرًا:
عُمْدَةُ الدِّينِ عِندَنَا كَلِمَاتٌ
…
أَرْبَعٌ مِنْ كَلام خَيْرِ البَرِيَّهْ
اتَّقِ الشُّبُهاتِ، وازْهَدْ، وَدَعْ مَا
…
لَيسَ يَعْنِيكَ، واعْمَلَنَّ بِنِيَّهْ (3)
ثالثها: قوله: "يُحِبَّك الله" هو بفتح الباء المشددة، والأصل:"يحبِبْك" بكَسرِ الأُولى وسكون الثانية، مجزوم على جواب الأمر الذي هو "ازهد في الدنيا" فأُسْكِنت الباء الأولى عند إرادةِ الإدغَامِ بنقل حركتها إلى الساكن قبلها -وهو الحاء- فاجتَمَعَ ساكِنَان، فحُرِّك الآخر لالتقاء الساكنين بالفتح تخفيفًا.
(1) انظر ترجمته في: "السير"(3/ 422)، و"الإصابة"(2/ 87).
(2)
انظر ترجمته في: "طبقات علماء الحديث"(2/ 341)، و"السير"(13/ 277).
(3)
انظر: "الصلة" لابن بشكوال (1/ 241)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 284)، و"المفهم" للقرطبي (4/ 499)، و"الإعلام" للمؤلف (1/ 154)، و"الجامع" لابن رجب (1/ 63)، و"بذل المجهود في ختم سنن أبي داود" للسخاوي (104)، و"منتهى الآمال" للسيوطي (58).
وقائلها هو أبو الحسن طاهر بن مُفوِّز المُعافري (ت: 484 هـ).
قال المازري: "الباري تعالى لا يُوصَفُ بالصِّفةِ المَعْهُودَةِ فينا، لأَنَّهُ مُقَدَّسٌ عن أنْ يميل أو يمال إليه، وليس بذي جنس وطبع فيوصف بالشَّوْقِ الذي تَقْتَضِيهِ الطَّبيعةُ البشريَّةُ، وإنما محبته تعالى للخلق: إرادته لثوابهم ونعيمهم، على رأي بعض أهل العلم، وعلى رأي بعضهم: أنَّ المحبَّةَ راجِعَةٌ إلى نَفْسِ الإثابة والتنعيم لا الإرادة"(1).
أي: فَعَلَى هذا يكونُ صفة فِعْلٍ، وعلى الأول صفة ذات. وبه قال ابن فورك (2).
ومعنى محبة المخلوقين له: إرادَتُهُمْ أنْ يُنَعِّمَهُمْ ويُحْسِنُ إليهم، أو لِمَا ابتدأهم به من نِعَمِهِ ودَفَعَ من نقمهِ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام:"أَحِبُّوا الله؛ لِمَا يَغْذُوكمْ بهِ مِنْ نِعَمِهِ"(3)، {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34]، "جُبِلَت القلوبُ على حُبِّ مَن أحسَنَ إليها"، ولا إحسانَ في الحقيقةِ إلَّا لله، لأنَّهُ خالقها وخالقهم، ومن محبته: محبته رسله وأنبيائه وأوليائه وملائكته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، واتِّباع سُنَّةِ رَسُولِهِ.
تَعْصِي الإلهَ وأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ
…
هذا مُحَالٌ في القِيَاسِ بَدِيعُ
لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ
…
إنَّ المُحِبَّ لمن يُحِبُّ مُطِيعُ (4)
(1)"المعلم" تأليفه (1/ 308 رقم 315).
(2)
ما ذكره المازري وابن فورك خطأ ظاهر، فإن المحبة صفة من صفات الباري عز وجل، وهي من الصفات الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، وهي لا تشبه صفات المخلوقين، ومن ثمار ولوَازم محبة الله لعبده إثابته ورضاه عنه.
واللوازم التي ذكرها المازري باطلة، والقوم ليس لديهم مستند فيما ذهبوا إليه لا من الأدلة النقلية، ولا من الأدلة العقلية، بل لا تؤيدهم حتى الفطرة السليمة.
(3)
رواه الترمذي (6/ 126 رقم 3789)، وعبد الله في زوائده على "فضائل الصحابة"(2/ 1250 رقم 1952)، والطبراني في "الكبير"(3/ 46 رقم 2639)، والحاكم (3/ 149)، وأبو نعيم في "الحلية"(3/ 211) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(4)
روى هذه الأبيات ابن الجنيد في "المحبة"(40 رقم 58)، والبيهقي في "الشعب"(2/ 44 - 45).
وللقوم فيها عبارات:
التُّسْتَرِي: "هي معانَقةُ الطَّاعة، ومبايَنَةُ المُخَالفة".
الروذباري: "المُوَافَقَة".
يحيى بن معاذ: "ليس الصادِقُ مَن ادَّعَى محبَّتَهُ ولم يَحْفَظْ حُدُودَهُ"(1).
وقد أوضحها القُشَيْري، وصاحِبُ "المُفْهِم"(2).
رابعها: حَثُّ الشَّارع على التقَلُّلِ مِن الدُّنيا وما فيها، وقال:"كُنْ في الدُّنيَا كَأَنَّكَ غَريبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ"(3)، "حُبُّ الدُّنيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ"(4).
وفي "الودعانيات المَوْضُوعة"(5) من حديث أبي هريرة، عن أبي سعيد الخدري -رفعه-: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول -يعظه-: "ارغبْ فيما عِندَ الله؛ يحبك الله، وازهد فيما في أَيْدِي الناس يُحِبَّكَ النَّاسُ، إِنَّ الزَّاهِدَ في الدُّنيا يُرِيحُ قَلْبَهُ وَبَدَنَهُ في الدُّنيا والآخِرَةِ، والرَّاغِبُ في الدُّنيا يُتْعِبُ قَلْبَهُ وَبَدَنَهُ في الدُّنيا والآخِرَة، لَيَجِيئَنَّ أَقوامٌ يَوْمَ القِيامَةِ لهم حَسَنَاتٌ كَأَمْثَالِ الجبالِ، فَيُؤْمَرُ بهم إلى النَّارِ". فقيلَ: يا نَبِيَّ اللهِ! أَوَ يُصَلُّونَ؟ قال: "كانوا يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ وَيَأْخُذُونَ وهنًا مِن اللَّيلِ؛ لكِنَّهمْ كانوا إذَا لاحَ لهم بِشيءٍ مِنَ الدُّنيا وَثَبُوا عليه".
(1) ذكر هذه الآثار القشيري في "رسالته" وهي على الترتيب (521، 522، 523).
(2)
انظر: "الرسالة القشيرية"(518 - 530)، و"المفهم" للقرطبي (1/ 212 - 213).
هذا وعموم المسألة "الثالثة" استفادها المؤلف من "المنهج المبين"(471 - 473).
(3)
هو الحديث الأربعون من هذه "الأربعين".
(4)
رواه البيهقي في "الشعب"(13/ 102 رقم 10019) عن الحسن مرسلًا،
وضعَّفه شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى"(2/ 196)، وحكم عليه بالوضع العلامة الألباني في "سلسلته الضعيفة"(3/ 370 رقم 1226).
(5)
"الأربعون الودعانية"(48 رقم 34).
وقد قال عليه الصلاة والسلام في حديث: "أيها الناس! اتقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، واسعَوْا في مَرْضَاتِهِ، وَأَيْقِنُوا مِنَ الدُّنيا بالفَنَاءِ، ومنَ الآخِرَةِ بالبَقَاءِ، واعمْلُوا لِمَا بعدَ الموت، فَكَأَنَّكَ بالدُّنيا وَلَمْ تَكُنْ، وبالآخِرَةِ وَلَمْ تَزَلْ، إِنَّ مَن في الدُّنيا ضَيْفٌ، وَمَا في يَدِهِ عَاريَّةٌ، وإنَّ الضَّيْفَ مُرْتَحِلٌ، والعَارِيةُ مَرْدُودَةٌ، والدُّنيا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْها البَرُّ والفَاجِرُ، والدُّنيا مُبغَّضَةٌ لأَوْلِياءِ الله، مُحَبَّبةٌ لأَهْلِها فَمَنْ شَارَكَهم في مَحْبُوبهم أَبْغَضُوهُ"(1).
فأرشدَ الشَّارعُ السَّائِلَ إلى تَرْكِها بالزُّهدِ فيها، ووعده على ذلك بِحُبِّ الله له -وهو رضاه عنه- فإنَّ محبتَهُ لهم رِضَاهُ عنهم، وأرشده إلى الزُّهد فيما في أَيْدِي الناس إن أرادَ مَحَبَّة الناس له، والكل حب الدنيا؛ فليس في أيدي الناس شيء يتباغضون ويتنافسون [عليه](2) إلَّا الدنيا، وقد قال عليه الصلاة والسلام:"مَنْ كانتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ: جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ في قَلْبهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنيا وهي رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كانَت الدُّنيا هَمَّهُ: شَتَّتَ اللهُ شَمْلهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بينَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتهِ مِن الدُّنيا إلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ"(3)، والسَّعيد من اختارَ باقِيةً يَدُومُ نَعِيمُها، على بالِيَةٍ لا يَنْفَدُ عَذَابها.
قال بعضهم: "ووجه كون الزهد في الدنيا سببًا لمحبة الله؛ أنه تعالى يُحِبُّ مَن أطاعه، ويبغِضُ مَن عصاهُ، والطَّاعةُ مع المحبة للدنيا مِمَّا لا يجتمع، وقد
(1) ذكر قطعة منه العجلوني في "كشف الخفاء"(2/ 128 رقم 2004) ونقل قول السيوطي بعده حيث قال: "لم أقف عليه مرفوعًا".
(2)
زيادة مني يقتضيها السياق.
(3)
رواه هناد في "الزهد"(2/ 355 رقم 669)، ووكيع في "الزهد"(2/ 638 رقم 359)، والترمذي (4/ 252 رقم 2465)، والطبراني في "الأوسط"(6/ 123 رقم 5990)، (8/ 364 رقم 8882)، والحارث في مسنده "بغية الباحث"(2/ 982 رقم 1092) عن أنس بن مالك رضي الله عنه. وقد صححه الألباني في "سلسلته"(2/ 670 رقم 949).
سلف أن حبها خطيئة، والله لا يحب الخطايا ولا أهلها، ولأن الدنيا لعب ولهو وزينة، والله لا يُحِبُّ ذلك؛ ولأنَّ القلبَ بيت الرَّب، والله وحده لا شريكَ له، ولا يُحِبُّ أن يُشرك به في بيتهِ حب الدنيا ولا غيرها.
وبالجملة: فمُحِبُّ الدنيا مبغوضٌ عِندَ الله؛ فالزَّاهد فيها الرَّاغِبُ عنها محبوبٌ له، ومحبة الدنيا المكروهة هي إيثارها لقضاء شهوات النفس وأوطارها؛ لأن ذلك شغل عن الله، أما محبتها لفعل الخير وتقديم الأجر بها عند الله ونحو ذلك فهو عبادة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:"نِعْمَ المَالُ الصَّالِحُ مع الرَّجل الصَّالِح، يَصِلُ بهِ رَحِمًا، وَيَصْنعُ بهِ مَعْرُوفًا"(1) أو كما قال.
وفي الأثر: "إذا كان يوم القِيامَة جمع الله الذَّهَب والفِضَّة كالجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْن، ثم يقولُ: هذا مَالنا عَادَ إلَيْنَا؛ سَعِدَ بهِ قَوْم وشَقِي به آخرون"(2).
ووجه كون الزهد فيما عَند الناس سببًا لمحبَّةِ الناس؛ فلأنَّ الناس يتهافَتُونَ على الدُّنيا بطِبَاعهم "إذ الدُّنيا مِيتَةٌ، والناس كِلابها؛ فمن زاحمهم عليها أَبْغَضُوهُ، ومَنْ زَهدَ فيها وَوَفَّرَها عليهم أَحَبُّوهُ، وقد سلف طرفٌ من ذلك.
وللشَّافعي رضي الله عنه (3):
ومَن يَذُقِ الدُّنيا فإني طَعِمْتُهَا
…
وسِيقَ إِلَيْنَا عَذْبُها وعَذَابُها
(1) رواه أحمد (29/ 298 رقم 17763، 17764)، والبخاري في "الأدب المفرد"(107 رقم 299)، وابن حبان (8/ 6 رقم 3210)، وابن قانع في "معجم الصحابة"(2/ 213 رقم 716)، والطبراني في "الأوسط"(9/ 22 رقم 9012)، والحاكم (2/ 2، 236)، والقضاعي (2/ 259 رقم 1315)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة"(4/ 1989 رقم 4995)، والبيهقي في "الشعب"(2/ 446 رقم 1190) من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه. والحديث صححه الحاكم والألباني.
(2)
لم أقف عليه.
(3)
ينظر: "ديوان الشافعي"(21 - 22).
فما هي إلَّا جِيفةٌ مُسْتَحِيلةٌ
…
عليها كِلابٌ هَمُّهُنَّ اجتِذَابُها
فإن تَجْتَنِبْها كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِهَا
…
وإن تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلَابُها (1)
ولا تبعدُ محبة الجن أيضًا له، إذ لفظ الناس يشمله.
خامسها: "الزهد" -لغة-: الإعراض عن الشيء لاستقلاله واحتقارهِ وارتفاع الهِمَّة عنه، مأخوذٌ مِن قولهم: شيء زهيد؛ أي: قليل. وفي الحديث: "إنك لزهيد"(2).
والمختار في حده أنه استصغار الدنيا واحتقارها: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} [النساء: 77]، {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: 24] الآية، ويكفيه منها زاد الراكب، والإقبال على المراقب، فشخصه في الأشباح، وروحه مع الآخرة في الأرواح.
وحكى الحارث المحاسبي رحمه الله فيما يزهد فيه ثلاثة أقوال: الحياة أو النقد أو متعلقات البدن، كالأكل واللبس، والظاهر أن دنيا كلِّ إنسانٍ على حَسب حاله، وقد قال حارِثةُ للشارع: "أَصْبَحْتُ مؤمنًا حقًّا! فقال له: إِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حقيقةً؛ فما حقيقة إيمانك؟ قال: عَزَفَتْ نفسي عن الدنيا؛ فاستوى عندي حَجَرها ومَدَرها، وكأني أنظرُ إلى عَرْشِ رَبِّي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنةِ في
(1) من قوله: "قال بعضهم" إلى هنا من كلام الطوفي في "التعيين"(231 - 232).
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(17/ 133 رقم 32789)، والترمذي (5/ 329 رقم 3300)، والنسائي في "الكبرى"(7/ 464 رقم 8484)، والبزار (2/ 258 رقم 668)، وابن حبان (15/ 390 رقم 6941، 6942)، وعبد بن حميد (1/ 141 رقم 90)، وأبو يعلى (1/ 322 رقم 400). ومن حديث على رضي الله عنه. قال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب؛ إنما نعرفه من هذا الوجه". والحديث في إسناده على بن علقمة الأنماري، منكر الحديث، وقد ضعفه الألباني في "ضعيف الترمذي"(652).
الجنةِ يَتَنَعَّمُون، وإلى أهل النارِ في النارِ ينقمون. قال:"يا حارثة، عرفت فالزم"(1) هذا أو قريبًا منه.
خليليَّ لا واللهِ مَا أَنَا مِنكُما
…
إذا علمٌ مِن آل ليلى بَدَا لِيَا
فمثل هذا تكون الدنيا له سجنًا، ومقامه فيها هَمًّا وغمًّا "كما قال عليه الصلاة والسلام:"الدُّنْيَا سِجْنُ المؤمنِ وجَنَّةُ الكافِرِ"(2).
* * *
فصلٌ
والزهد في الحرام واجب، وهو زهد العوام، وفيما عدا الضروريات من أداء المباحات -وهو المراد من هذا الحديث ظاهرًا- وهو زهد الخواص العارفين بالله، والزهد في الشبهات الظاهر وجوبه؛ لأنه قد يوقع في الحرام كما سلف، واجتناب الحرام واجب، والزهد فيما سوى الله من دنيا وجنة وغير ذلك، وقصد صاحب هذا الوصول إلى الرب تعالى والتقرب منه.
(1) رواه عبد الرزاق (11/ 129 رقم 20114)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(15/ 622 رقم 31064)، و"الإيمان"(43 رقم 115)، وعبد بن حميد (1/ 406 رقم 444)، والطبراني في "الكبير"(3/ 266 رقم 3367)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة"(2/ 777 رقم 2069)، والبيهقي في "الشعب"(13/ 158 رقم 10106)، و"الزهد الكبير"(370 رقم 971)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (6/ 232 رقم 1420) عن الحارث بن مالك الأنصاري رضي الله عنه. وهو ضعيفٌ جدًّا. انظر:"الإصابة" لابن حجر (1/ 289)، و"مجمع الزوائد" للهيثمي (1/ 57).
(2)
رواه مسلم (4/ 2272 رقم 2956) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
فصلٌ
والمزهود من أجله الباعث على الزهد، والذي يكون عنه الزهد خمسة أشياء:
الدنيا؛ لأنها فانية شاغلة عن التفكر النافع.
ولأنها تنقص عند الله درجات مَن رَكَنَ إليها.
ولأن تركها قُربةٌ مِن الله، وعلو مَرْتبةٍ عنده منه في درجات الجنة.
وطول الحبس والوقوف للحساب، والسؤال عن شكر النعمة.
ورضوان الله، والأمن من سخطه -وهو أكبرها- {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72]، وهو الغاية (1).
وقيل: من سمي باسم "الزاهد" فقد سمي بالقاسم ممدوح بهذا مع تعجله الراحة دنيا وأخرى؛ فَهُمُ الملوك حقيقة:
إن الزهاد في روح وراحةٍ
…
قلوبُهم عن الدنيا مُرَاحَه
إذا أبصرتهم أبصرت قومًا
…
ملوك الأرض شِيمَتُهُم سماحه
وهم العقلاء؛ لإيثارهم الباقي على الفاني.
قال الشافعي رحمه الله: "لو أَوْصَى لأَعقلِ الناسِ صُرِفَ لهم"(2).
(1) انظر: "الجامع من المقدمات" لابن رشد (186 - 187) لأنه من كلامه كما في "المنهج المبين" للفاكهاني (468).
(2)
رواه البيهقي في "مناقب الشافعي"(2/ 183)، وذكره الذهبي في "السير"(10/ 98)، وابن جماعة في "تذكرة السامع والمتكلم"(46)، والغزي العامري (ت: 984 هـ) في "الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد"(135).
وشتَّان مَن شغَلَتهُ الدُّنيا أو اشتَغَلَ بالله:
تَشَاغَلَ قومٌ بدنياهمُ
…
وقوم تخلوا لمولاهمُ
فأَلزَمَهُم بابَ مرضاته
…
وعن سائر الناس أغناهمُ
* * *