الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديثُ الثالِثُ والثَّلاثُونَ
عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، لَكنِ البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، واليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ".
حديثٌ حَسَنٌ، رواهُ البَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ هَكَذَا (1)، وَبَعضُهُ في "الصَّحِيحَيْنِ".
وقال في "شَرح مُسْلِمٍ": "رواه البيهقي بإسنَادٍ جَيِّدٍ حَسَنٍ أو صَحِيحٍ"(2).
* * *
الكلامُ عليه مِن وُجُوهٍ:
والتعريفُ برَاوِيهِ سَلَفَ.
و"البيهقي" هو الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين صاحب التصانيف، وُلِدَ سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وماتَ سنةَ ثمانٍ وخمسين وأربَعِمائةٍ (3).
أحدها: لفظ "الصحيح" أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ،
(1)"السنن الكبرى"(10/ 252)، و"الصغرى"(4/ 188 رقم 4328، 4329).
قال ابن حجر في "فتح الباري"(5/ 334): "إسناده حسن".
وصححه الألباني في "الإرواء"(8/ 264 - 267 رقم 2641). وانظر: "البدر المنير" للمصنف (9/ 680 - 681).
(2)
"شرح صحيح مسلم" للنووي (12/ 244).
(3)
ترجمته في: "سير أعلام النبلاء"(18/ 163)، و"طبقات الشافعية" للسبكي (4/ 8).
لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهمْ، ولكنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عليه" (1).
وفي رواية: "أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى باليَمِينِ عَلَى المدَّعَى عليه". وكذا رواه مع "الصحيحين": أصحاب "السنن"(2) وغيرهم من رواية ابن عباس مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وغلط الأصيلي حيث قال: "لا يصح مرفوعًا؛ إنما هو قول ابن عباس، كذا رواه أيوب ونافع الجمحي، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس"(3).
وقد رواه البخاري (4) من طريق ابن جريج مرفوعًا.
وأبو داود والترمذي من طريق نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس مرفوعًا (5).
قال الترمذي: "حديث صحيح".
فقد صَحَّ رفعُهُ بشهادةِ هذه الأَئِمَّةِ: البخاري ومسلم والترمذي؛ فلا يَضُرهُ مَن وَقَفَهُ، ولا يُعَدُّ ذلك اضطرابًا ولا تعارضًا؛ فإن الرَّاوي قد يَعرض له ما يُوجِبُ السُّكوتَ عن الرَّفع من نسيانٍ أو اكتفاءٍ بعِلم السَّامع أو غير ذلك، والرافع عدل ثبت؛ فلا يلتفت إلى الوقف إلَّا في الترجيح عند التعارض كما هو مبين في الأصول.
(1) رواه البخاري (6/ 35 رقم 4552)، ومسلم (3/ 1336 رقم 1711).
(2)
رواه أبو داود (4/ 24 رقم 3608)، والترمذي (3/ 19 رقم 1342)، والنسائي في "السنن الكبرى"(5/ 435 رقم 5967)، و "الصغرى"(8/ 248 رقم 5425)، وابن ماجه (2/ 778 رقم 2321).
(3)
انظر: "التوضيح لشرح الجامع الصحيح"(16/ 616)، و"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام"(10/ 52)، و "البدر المنير"(9/ 681) كلها للمصنِّف.
(4)
(6/ 35 رقم 4552).
(5)
رواه أبو داود (4/ 28 رقم 3619)، والترمذي (3/ 19 رقم 1342).
وجاء في رواية: "أن امرأتين كانتا تخرُزَان في بيت -أو في حجرة- فَجُرِحَتْ إِحْدَاهُمَا، وقد أنفذ بالإشفي في كفِّها؛ فادَّعَتْ على الأُخرَى، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى ابن عباس، فَذَكَرَ الحديثَ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بدَعْوَاهُمْ لَذَهَبَتْ دِمَاؤُهمْ وَأَمْوَالُهمْ، ذَكِّرُوها بالله فاقرَؤُوا عليها: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: 77] فذَكَّرُوها فاعتَرَفَتْ". فقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عليهِ"(1).
ثانيها: هذا الحديثُ قاعدٌ كبيرٌ مِن قواعد الشَّريعةِ، وأَصلٌ من أُصولِ الأحكام، وأعظم مرجع عند التَّنَازع والخِصَام، وقد قيل: إنه فصل الخِطَاب الذي أُوتيه داود، كما سلف في الخطبة أنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه؛ بل لا بد من استناد إلى ما يقوي دعواه من البينة أو تصديق المدعى عليه ولو كان المدعى فاضلًا شريفًا أو حقًّا خفيفًا، وإلَّا فالدَّعَاوى مُتَكافِئة، والأصل: براءَةُ الذِّمَم من الحقوق، فلابُدَّ مِمَّا يدل على تعلق الحق بالذِّمة وتتَرَجَّح به الدَّعْوَى؛ فإن طَلَبَ يَمِين المُدَّعى عليه فله ذلك.
وقد بيَّن الشَّارعُ الحكمة في كونه لا يعطي بمجرد دعواه؛ لأنه لو أعطى بمجردها لادعيت الدِّماءُ والأموالُ واستُبيحت، ولا يمكن المدعى عليه أن يصون ماله ودمه، وأما المدعي فيمكن صيانتهما بالبَيِّنة أيضًا، وجانب المُدَّعِي ضعيف؛ لدعواه خلاف الأصل، وجانب المُنْكِر قوي؛ لموافقةِ الأصل في البراءة، والبينة حجة قوية لبعدها عن التُّهمة، واليمين حُجَّة ضعيفة لقربها منها، فجعل القوي في جانب الضَّعيف، والضعيف في جانب القوي، وهو جانب المنكر تعديلًا، وهو توجيهٌ حَسَنٌ.
(1) هي رواية البخاري ومسلم، وقد تقدَّم تخريجها.
ثالثها: هذا الحديث يُسْتَدَلُّ به بمسائل:
الأولى: أنَّ اليمينَ مُتَوَجِّهةٌ على كلِّ مَن ادُّعِي عليه حقٌّ، سواءٌ كان بينه وبين المُدَّعي اختلاط أم لا.
وقالت طائفة من العلماء: لا بد من خلطة لئلَّا يبتذل السُّفهاء أهل الفضل بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد، وهو مذهب الفقهاء السبعة، وبه قضى عليٌّ، وهو قول مالك وجل أصحابه، وأكثر الفقهاء على خلافه، ووافقهم ابن نافع، وابن لبابة -من أصحاب مالك رحمه الله.
واختُلِفَ في تفسير الخلطة؛ هل هي معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو بشاهدين، أو يكفي الشبهة، أو أن تليق به الدَّعوى بمثلها على مِثْلهِ، أو يليق به أن يعامل بمثلها؟ أقوال؛ ودليل الجمهور الحديث، ولا أصل لاشتراط الخلطة من كتاب ولا سنة ولا إجماع (1).
الثانية: إبطال التَدْمية -في قول مالك-، ووجه تسوية الشارع بين الدماء والأموال في أن المدعي لا يسمع قوله فيها؛ فإذا لم يسمع في مرضه: لي عند فلان في دينار أو درهم، كان أَحْرَى وأَوْلى ألا يسمع قوله: دمي عند فلان؛ لحرمة الدماء.
وقد يقال: إن مالكًا لم يسند ذلك لقول المدَّعِي ذلك؛ بل للقسامة على القتل والتدمية لَوْثٌ يُقَوِّي جانب المُدَّعِي حين يبدأ بالأيمان كسائر أنواع اللَّوْث (2).
(1) المسألة بتوسع في "الإعلام" للمؤلف (10/ 54 - 55)، و "المنهج المبين" للفاكهاني (489 - 491).
(2)
انظر: "التوضيح"(16/ 129 - 130)، و"الإعلام"(10/ 55 - 56) كلاهما للمؤلف.
و"اللَّوْث": هو قرينة تُقوِّي جانب المُدَّعي، وتُغلِّب على الظنِّ صِدْقَهُ. انظر:"تحرير ألفاظ التنبيه" للنووي (339)، و"الموسوعة الفقهية"(35/ 342).
ثالثها: "المُدَّعى عليه": هو المطلوب منه، و"المُدَّعِي": هو الطَّالب، ووجه كون اليمين على المدَّعى عليه أن الأصل براءة ذمته عما طلب منه، وهو متمسك به، والاحتمال مندفع باليمين، وقام الإجماع على استحلاف المدَّعَى عليه في الأموال، واختلفوا في غير ذلك؛ فمذهب الشافعي وأحمد وأبى ثور: وجوبها على كل مدعى عليه في حد أو طلاق أو نكاح أو عتق، أخذًا بعموم ظاهر الحديث؛ فإن نَكَلَ حَلَف المُدَّعِي وثبت دعواه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله: يحلف على النكاح والطلاق والعتق؛ وإن نكل لزمه ذلك كله.
وقال الثوري والشَّعبي وأبو حنيفة رحمهم الله: لا يستحلف في الحدود والسرقة. وقال نحوه مالك رحمه الله (1).
رابعها: "لو" حرف امتناعٍ لامتِنَاعٍ؛ أي: امتناع الشيء لامتناع غيره، أو حرف لِمَا سيقع لوقوع غيره، كما قاله سيبويه (2)، والمعنى على هذه: أن دعوى رجال مال قوم كان سيقع؛ لوقوع إعطاء الناس بدعاويهم، والمراد عليها، وعلى الأولى أن بدعوى الرجال أموال قوم أعطاهم إياها فوضع الدعوى موضع الأخذ؛ لأنها سببه، ولا شك أن أخذ مال المدعى عليه ممتنع؛ لامتناع إعطاء المدعي بمجرد دعواه، وكذلك أخذ مال المدعى عليه كان سيقع لوقوع إعطاء المدعي بدعواه، ولا يقع بدون ذلك.
و"الرجال" هم الذكور قطعًا.
(1) انظر المسألتين الثانية والثالثة بتوسع في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح " للمؤلف (16/ 619 - 623).
(2)
انظر: "الكتاب" لسيبويه (4/ 271 - 272).
ورواية: "ناس" تعم الرجل والمرأة، وأما "القوم" فهل تختص بالرجال أو تعم النساء؟ قولان:
حجة الأول: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} [الحجرات: 11] وقول زهير:
وَمَا أَدْري أَقَوْمٌ آلُ حِصْن أَمْ نِسَاءُ (1)
وأجيب عنه بأن ذلك من قرب التقسيم فقط (2).
وحجة الثاني: قوله تعالى: {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ} [غافر: 31] ونحوه، وتقول العرب: ليس هذا بأرض قومي ولا من نسائهم.
وأُجيب عنه بأنَّ النساءَ إنَّما دخلت لقرينةِ التَّكليف ونحوهِ.
وغايَرَ بين قوله: "لادَّعى رجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ" ولم يقل: "أموال رجال" ولا: "قوم أموال قوم" دفعًا لتِكْرَار أحدهما بغير فائدةٍ، وإنه على القول بأن النساء يدخُلن في لفظ القوم؛ لأن الدَّعوى في الرجال أغلب بخلاف المدعى عليه.
وقدَّمَ الأموال في رواية المُصَنِّف على الدماء، ورواية "الصحيح" عكسه لغلبة الخصومات فيها؛ لأن أخذها أيسر، وامتداد اليد إليها أسهل، وإن كان الاهتمام بالدماء أعظم؛ لأنه أول ما يقضى بين الناس فيها، فهي من ذا الوجه أعظم خطرًا من المال، على أن العطف بالواو لا يفيد ترتيبًا.
وموضوع "لكن" الاستدلال، وهي وإن كانت إنما تكون بين نفي وإثبات،
(1) كذا بالأصل، والصواب من البيت:"وَمَا أَدْرِي وسوف إِخَالُ أَدْرِي* أَقَوْمٌ آلُ حِصْنِ أَمْ نِسَاءُ". انظر: "ديوان زهير"(17)، و"المعين"(283)، و"الفتح المبين"(529).
(2)
معناه: إنه إنما دل على أن القوم هم الرجال خاصة بقرينة التقسيم، إذ قابل بين القوم والنساء، كما يقابل بين الرجال والنساء. انظر:"المعين"(283).
نحو: "ما قام زيد، لكن عمرو" وهي هنا بعد إثبات، ولا نفي قبلها؛ لأنها كذلك في المعنى، إذ معنى "لو يعطى": لا يعطى بدعواهم المجردة، لكن بالبينة، وهي على المدعي.
وقوله: "لكن البَيِّنة عَلَى المُدَّعي، واليَمِينُ على مَنْ أَنْكَرَ" أتى بالمدعي معرفًا؛ لأن فيه ضربًا من التعريف المعنوي لظهوره وإقدامه على الدعوى، فأتى فيه بلام التعريف المناسبة له و"المنكر" فيه ضرب من الإيهام والتنكير لاستخفائه وتنكيره؛ فأتى فيه بـ "مَنْ" إذ فيها إبهام وتنكير شبيه بحاله.
وقوله: "واليَمِينُ عَلى مَنْ أَنْكَر" عامٌّ خص منه صور:
القسامة؛ فإنها في جانب المدعي.
واليمين مع الشاهد الواحد في جانب المدعي.
ويمين المدعي إذا ردها عليه المنكر عندنا وعند أحمد في رواية.
وأيمان الأمناء حين يتهمون في دعاويهم، كالوكيل والمرتهن ونحوهما.
* * *