الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث التَّاسع عشر
عن أبي العَبَّاس عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فقالَ: "يا غُلامُ! إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ باللهِ، واعْلَمْ أنَّ الأمّةَ لَوِ اجتَمَعَتْ عَلى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلَّا بِشَيءٍ قَدْ كتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا على أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلَّا بِشَيءٍ قدْ كَتَبَهُ اللهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ". رواهُ التَّرْمِذِيُّ وقال: "حَسَنٌ صَحيحٌ".
وفي رِوايَةِ غيرِ التِّرْمِذِيِّ: "احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفكَ في الشِّدَّةِ، واعْلَمْ أنَّ مَا أخطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبرِ، وأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا"(1).
(1) رواه أحمد (5/ 18 رقم 2803)، والترمذي (4/ 284 رقم 2516)، وابن وهب في "القدر"(56 رقم 28)، وعبد بن حميد (1/ 546 رقم 635)، وأبو يعلى (4/ 430 رقم 2556)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(113 رقم 425)، والطبراني في "الكبير"(12/ 184 رقم 12988، 12989)، و"الدعاء"(2/ 803 رقم 41 - 43)، والفريابي في "القدر"(116 رقم 153 - 158)، وابن منده في "التوحيد"(2/ 107 رقم 251)، والآجري في "الشريعة"(2/ 829 رقم 412 - 414)، والبيهقيّ في "القدر"(234 رقم 306، 307)، و"الشعب"(1/ 374 رقم 192)، و"الأسماء والصفات"(1/ 188 رقم 126)، و"الاعتقاد"(156) من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما بألفاظ متقاربة.
والحديث صححه الترمذي، وابن منده، وابن رجب في "الجامع"(1/ 461)، وأحمد شاكر في "المسند"(4/ 286)، والألباني في "ظلال الجنة"(1/ 138).
الكلام عليه مِن وجوه:
وهو حديثٌ عَظِيمُ المَوْقع، وهو أصلٌ في رِعايَةِ حقوقِ الله، والتفويض لأمرهِ.
أحدها: في التَّعريفِ بِراوِيهِ:
وهو حَبْر الأمَّةِ وبَحرها رضي الله عنه، دَعَا له رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بأن يُفَقَّه في الدِّين، ويُعَلَّم التَّأويل، ودَعَا له بالحِكمةِ، ومناقِبهُ سائرة.
وقد ذَكَرْتُ في "رِجالِ العُمْدَةِ" فيها ورَقات؛ فراجِعها منهُ.
ماتَ سنةَ ثمانٍ وستين -وقيل: سنة سبعين-، وَوُلدَ قبلَ الهِجرة بأربع سنين، ودُفنَ بالطائف، ورأى جبريل مرتين رضي الله عنه! (1).
الثاني: لا زالَ ابنُ عبَّاس مُوَفَّقًا مِنْ صِغَرِهِ، وقد استأذَنَهُ -وهوَ على يَمِينهِ حينَ شَرِبَ- في إعطائهِ الأشياخ، فأجابَ بعدمِ الإيثار (2)، فَلَمَّا رأى أهلِيّتَهُ أوْصَاه بما ذكر.
الثالث: فيه جوازُ الإردَاف على الدَّابة، وقَد أفردَهُ ابن مندَه رحمه الله بالتأليف، ومِنْ جُمْلَتِهِم: معاذ والحسن والحسين (3).
(1) انظر ترجمته في: "الإعلام" للمؤلف (1/ 504 - 509)، و"السير"(3/ 331).
أمَّا رؤيته لجبريل فقد رواه الطّبرانيّ في "الكبير"(10/ 264) لكن في إسناده ليث بن أبي سليم، ضعيف. ينظر:"التقريب"(817 رقم 5721).
(2)
رواه البُخاريّ (3/ 112 رقم 2366)، ومسلم (3/ 1604 رقم 2030) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
(3)
رسالة ابن منده بعنوان: "معرفة أسامي أرداف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم " وقد طبعت بتحقيق يَحْيَى غزاوي، وقد ذكر (37) من الصّحابة رضي الله عنهم.
وجاء في بعض الروايات أنهُ كان خلفَهُ على دابَّةٍ: فرس أو بعير أو غيره (1).
الرابع: في ألفاظِهِ:
"يا غلامُ" -بضمِّ الميم- لأنّه نكرة مقصودة، وكان عُمْرُ ابن عباس إذ ذاكَ عشر سنين -على أحد الأقوال-.
و"الغلام": الصَّبي حين يُفطم إلى سبع سنين، وتصغيره: غُليم، والجمع: غِلمَةّ.
و"تُجَاهَكَ" -بضَمِّ التاء وفتح الهاء-، و"أَمَامك" -بفتح الهمزة-: ما يلي وجهك، وأصل "تجاه": وجاه -بكسر الواو وضَمِّها- قُلِبت واوها تاء.
و"جَفَّت": بالجيم، أي: فُرِغَ مِن الأمر وجفَّت كِتابتهُ (2)؛ لأنَّ الصحيفة حال كِتابتها لا بُد وأن تكون رَطْبة المِداد أو بعضه بخلافِ مَا إِذا فُرغ مِنها.
و"لَمَّا خَلَقَ الله سبحانه وتعالى القَلَمَ ثُمَّ النُّون -وهي: الدواة- قال: اكتُب. قال: ومَا أكتُبُ؟ قال: ما كان ومَا هو كائنٌ إلى يومِ القِيامَةِ: مِن عمَلٍ، أو رزقٍ، [أو أَثَرٍ أو أَجَلٍ] (3)، فَجَرىَ القَلَمُ بذلِكَ، ثمَّ خُتِمَ العَمَلُ"(4).
(1) كما جاء مصرحًا به في رواية الفريابي في "القدر"، والبيهقيّ في "الشعب"(2/ 350 رقم 1043)، و"الاعتقاد" وغيرها.
(2)
تحرَّفت في الأصل إلى "كائنة"، وصوبناه من "التعيين"(161).
(3)
في الأصل: "والكلّ أوامر"! ولعل ما أثبتناه أنسب؛ لأنَّه موافق للفظ الحديث الذي ذكره المؤلف. انظر: "الكامل" لابن عدي (6/ 269)، وتفسير ابن كثير (8/ 185).
(4)
رواه مرفوعًا بهذا اللفظ: ابن عَدِيٍّ في "الكامل"(6/ 269) وقال: "وهذا بهذا الإسناد باطِل مُنكَرٌ". قال الذهبي في "الميزان"(4/ 61): "صَدَقَ ابن عدي في أنَّ هذا الحديث باطلٌ".
قلتُ: ويغني عنه قوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَ أوَّلَ مَا خلقَ الله القَلَمَ، فقالَ: اكْتُب. فقال: مَا أكْتبُ؟ قال: اكتبِ القَدَرَ مَا كانَ ومَا هوَ كائنٌ إلى الأَبَدِ". =
و"تَعَرَّف" -بتشديد الراء- أي: تحبب إليه بالطاعة واجتناب المخالفة حتى يعرفك في الرخاء مُطيعًا؛ فإذا وَقَعْتَ في شِدَّةٍ عَرَفَكَ بالطَّاعةِ فجعلكَ ناجيًا.
ويقال: إنَّ العبدَ إذا تَعرَّفَ إلى الله في الرَّخاء ثم دعا في الشِّدة، قال:"هذا صوت أعرِفُهُ". وفي غيرهِ: "لا أعرفهُ دَعُوهُ" أو كما قيل (1).
وذكر العُزيزي رحمه الله (2) أن "الأمة" تنطلق على ثمانية أوجهٍ (3):
والمُرادُ هنا: الخَلق (4).
الخامس: في فوائِدِه:
الأولى: قوله: "إِنِّي أعلمك كلمات" هو مقدِّمة يستدعي بها سمعه، ليفهم ما يسمع ويقع منه بِمَوقع، وذَكَرَها بِصيغةِ القِلَّة ليهوِّنها، وهي وإنْ كانت قليلة
= رواه أحمد (37/ 378 رقم 22705، 22707)، وأبو داود (5/ 52 رقم 4700)، والترمذي (4/ 29 رقم 3319، 2155)، وابن وهب في "القدر"(121 رقم 26، 27)، والطيالسي (1/ 471 رقم 578)، وابن أبي عاصم في "السنة"(1/ 101 رقم 106 - 109، 111)، و"الأوائل"(39 رقم 1، 2)، والفريابي في "القدر"(76 رقم 72، 73، 74)، والطبراني في "مسند الشاميين"(1/ 57 رقم 58، 59)، (3/ 138 رقم 1949).
وهو حديث صحيح، صححه الترمذي، والطبري في "تاريخه" (1/ 32: 33)، وابن الأثير في "تاريخه"(1/ 12)، والألباني؛ وقال الحافظ ابن حجر في "النكت الظراف" (4/ 261) بعد ذكره لإسناد البزار:"وجاء عن ابن المديني أنه قال: إسناد حسن". وللتوسع في معرفة من رواه انظر: "الرسالة الوافية"(142 - 143).
(1)
جاء بنحوه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه رواه البيهقي في "الشعب"(2/ 383 رقم 1100).
(2)
هو أبو بكر محمد عزيز السجستاني، يعرف بالعزيزي، له "غريب القرآن"، (ت: 330 هـ). انظر: "السير"(15/ 216).
(3)
في الهامش: "منها: الحين، ومنها: الجامع للخير نحو {كَانَ أُمَّةً} ".
(4)
انظر هذه الأوجه في: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (445 - 446)، و"نزهة الأعين النواظر" لابن الجوزي (142 - 144)، و"المفردات" للراغب (86).
فمعانيها جَمَّةٌ جليلةٌ.
وفي روايةٍ لمُسلِم في كتاب "الفصل للوصل"(1) بعدَ "كلمات": "ينفعُكَ اللهُ بهنَّ" أي: بعلمِهِنَّ، أو بالعَمَل بمقتضاهُنَّ، أو بمجموع ذلك، فهو على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه.
الثانية: معنى "احفظ الله يحفظكَ": احفظهُ بالطَّاعة يحفظكَ بالرِّعاية؛ فإذا أطعته بامتِثالِ أوامِرِه واجتنابِ نَواهيه أحاطَكَ بمُعَقِّباتٍ لهُ: {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11].
ومعنى: "احفظ الله تجده تجاهك" و"أمامك" أي: يراعيك في أحوالك، ولا تكن مخالفًا له فإنَّك تجدهُ تُجاهك في الشَّدَائدِ وفي كُلِّ الأحوال، كما جَرَى للثلاثةِ أصحاب الصَّخرة الثابت في "الصحيح"(2).
وهذا في معنى الذي قبلهُ وتأكيدٌ لهُ، وهو يُشْبِهُ قوله تعالى:{وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40]، {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] أي: اذكروني بالطَّاعة، أذكركُم بالمَغْفِرَةِ والرِّعاية، وهو مِن أبلغ المجاز وأحسنه، إذ الجِهَةُ مُسْتَحيلةٌ في حقِّهِ!! (3) وهذا نحو قوله تعالى:{أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194]، {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)} [البقرة: 153] فالمَعِيَّةُ معنوية لا ظرفية.
(1) هو كتاب "الفصل للوصل" للخطيب البغدادي. انظر: (2/ 858) منه.
(2)
رواه البخاري (2215)، ومسلم (2743) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(3)
الجهة من الألفاظ المُجْمَلة الحادِثة التي لم تَرِدْ في الكتاب أو السنة
…
، وعقيدة أهل السنة: أنَّ الله فوق السموات السبع، عالٍ على عرشه، بائنٌ مِن خلقه كما أخبر بذلكَ عن نفسه فقال:{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، وقال:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، وقال:{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16)} [الملك: 16]، وقال:{يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، وقال:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] وغيرها كثير، تختَلِفُ دلالاتها في إثباتِ عُلُوِّ الله على خلقه،=
فإن قُلتَ: لِمَ خَصَّ الإمام دونَ باقي الجِهات السِّتة؟
جوابه: أنَّ الإنسان سائر ومُسافر إلى الآخرة، والمسافر إنما يطلب أمامه لا غير؛ فالمعنى: تجده حيثما توجّهتَ ويمّمتَ وقصدتَ دينًا ودُنْيا.
السادس: قوله: "إذا سألتَ فاسأل اللهَ" هو كقوله تعالى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32] أي: وحِّدِ الله في السؤال، فإن خزائن الوجود بيده وأَزمَّتها إليه، لا معطي ولا مانع سواه.
وكذا قوله: "وإذا استعنتَ فاستَعن بالله" أي: وحِّدْهُ في الاستعانة، إذْ لا مُعينَ غيرهُ، {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} [الفاتحة: 5] قدَّمَ المفعول ليفيد الاختصاص، وهذا إرشادٌ إلى التَّوكُّل على المولى، وألَّا يتَّخذ ربًّا سِواهُ، وألَّا يتعلق بغيره في جميع أموره ما قَلَّ منها وما جَل؛ فَإِنَّهُ حَسْبُ مَن تَوَكَّلَ عليه، ويا خيبةَ مَن ركَنَ بقلبهِ أو أمله إلى غيرهِ لا إليه؛ فبهِ يَحْصُل الإعراض، {وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} [الفرقان: 3]، وكذا مَن خافَ مِن غيرهِ ولم يُعَوِّل عليه، فقِف على الباب والزَمهُ وأَكْثِر مِنَ السؤال، فلا يبرم من السؤال.
وقد قال تعالى لموسى الكليم -صلوات الله وسلامه عليه-: "يا موسى! سلني في دُعائكَ -وجاء: في صلواتك- حتى في ملح عجينك"(1).
= وتَتَبَّع بعضُ أئمة أهل السنة أدلة العلو فوجدها أكثر من ألف دليل، كما في "الصواعق المرسلة"(4/ 1279)، و"إعلام الموقعين" (2/ 303) لابن القيم. وقد ألّفت رسائل في هذا الباب منها:"العلو" لابن قدامة، والذهبي، و"اجتماع الجيوش الإسلامية" لابن القيم وكلها مطبوعة.
وانظر في لفظ الجهة: "التدمرية" لشيخ الإسلام الحَبر الهُمام ابن تيمية (66 - 67).
(1)
ذكره الحافظ ابن رجب في "الجامع"(2/ 39)، وابن حجر الهيتمي في "الفتح المبين"(372) ولم أقف عليه مُسندًا.
والله يغضَبُ إنْ تَرَكْتَ سُؤالَهُ
…
وبُني آدمَ حينَ يُسْأل يَغْضَبُ (1)
فقد ذاق طعمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ بمولاه وأعرضَ عمن سِواه، وما أحسن قول الخليل لجبريل عليه السلام في تلكَ الحالة -لمَّا قال له: ألكَ حاجةٌ؟ -: "أَمَّا إليكَ فلا"(2).
سَلِّم الأمرَ إلى مالكه
…
فلهُ العِلمُ المُحيطُ الواسِعُ
واطْلب المَعْرُوفَ منهُ دائمًا
…
فهوَ مُعْطِي ذاكَ وهوَ المانِعُ
وإذا كان الرِّزقُ قدْ قُسِم، والعَطاءُ قد حُتِم، فحقيقٌ على العَبْدِ الضَّعيف الاعتماد والسُّكون، والإجمال في الطلب مما كان وسيكون، وقلوبُ الخَلْق بيَدِه، ومَفاتيحُ الخزائن تحتَ قُدْرَتهِ، وبِقَدْر ما يميل العبدُ إلى المخلوق بَعُدَ عن المولى، فكيفَ بتركِ عين اليقين إلى مَن لا يقدِرُ على فتيلٍ ولا قِطْمِير؟!
السابع: ثُمَّ أَكَّدَ ذلك فقال: "واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعت .. " إلى آخره، في النّفع والضر، فالكُلُّ بيَدهِ:{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)} [الأنعام: 17] أي: وحِّد الله في لحوق الضر
(1) انظر البيت في "شعب الإيمان" للبيهقي (2/ 361 رقم 1065) وهو في شروح "الأربعين".
(2)
رواه البيهقي في "الشعب"(2/ 352 رقم 1045) عن بشر بن الحارث الحافي موقوفًا! ولم يَرِدْ فيه شيءٌ مرفوعٌ صحيح حسب علمي، والأثر ظاهره مخالِفٌ للسُّنة مِن حيث الاستعانة بمن يقدر على إعانتك، فجبريل عليه السلام يستطيع إعانة إبراهيم عليه السلام؛ لانهُ داخِلٌ تحتَ قُدرةِ جبرِيل وطاقته فلماذا لا يستعين به إبراهيم؟! وقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من استَطَاعَ مِنكُم أنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فليفعَل". رواه مسلم (4/ 1726 رقم 2199). [وانظر: "شُعَب الإيمان" (2/ 423 وما بعدها)].
والثابت في البخاري (6/ 39 رقم 4563) أن إبراهيم عليه السلام لَمَّا أُلقِيَ في النار قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل" فقط وليس فيه ذِكر لجبريل عليه السلام وبالله التوفيق.
والنفع، فهو يوجِدُهُما وحدَهُ، وصارف ضر المخلوقين عنكَ؛ لأنَّ زِمام الوجود بيده منْعًا وإطلاقًا، فإذا أرادكَ أَحَدٌ بسوءٍ وأرادَ اللهُ رفْعَهُ عنكَ مَنَعَهُ بِعارِضِ مرَضٍ، أو شُغلٍ، أو نِسيانٍ، أو صرفِ قلبٍ.
وإذا أردتَ أنْ تَعْرِفَ تصاريف الأقدار في الوجود فانظر إلى رقعة الشِّطْرَنْج كيفَ يقْلِبُها مجيء بعض، ويقتل بعضها بعضًا، ولا يُستَغربُ ذلك؛ فَحَقِّقْهُ بعينِ اليقين تَجِد أسباب المقادير في الوجود يمنعُ بعضها وصول الشر إلى بعض:"مَصَائِبُ قومٍ عندَ قومٍ فوائِدُ".
الثامن: قوله: "كتبه الله لك" و "كتب عليكَ" قد سلَفَ فيما مضى: كَتْبَ الرِّزق والأجل والعمل والشَّقاء والسَّعادة (1).
التاسع: قوله: "رُفِعت الأقلام وجَفَّت الصُّحف" أي: فلا يكون خلافَ ما ذَكَرت بنسخ ولا تبديل، فالكتابة تركت بها لرفع الأمر وإبرامه، كما سلف في:"وجفَّت الصحف".
العاشر: قوله: "أنَّ ما أخطأكَ لم يكُن ليصيبك
…
" إلى آخرهِ، هوَ رَاجعٌ إلى قوله تعالى:{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: 22] أي: قدْ فُرغَ مِمَّا أصابكَ أو أخطَأَكَ مِن خيرٍ أو شَرٍّ، فَما أَصَابَكَ كانت الإِصَابة متَحَتِّمة فلا يمكن الخطأ، ومَا أخطأَكَ فالسَّلامَةُ منهُ محتومة فما يمكن الإصابة، لأنَّ ذلِكَ كالسِّهام الصائبة وجهت مِن الأزل فلا بُدَّ أنْ تقع مَوَاقعها (2)، فتخصيص الإرادة وتعلّق العِلم الأزلي به يتحتم الوقوع، وإذا تعلَّقَ علمُ اللهِ بوقوع ممكِنٍ أو عدم وقوعه فهل يبقى خلاف ما تَعَلَّقَ بهِ
(1) يعني في حديث ابن مسعود رضي الله عنه وهو الحديث الرابع من هذه الأربعين.
(2)
في الأصل: "سوائقها" وهو تحريف من الناسخ، وانظر:"التَّعيين"(164).
العِلم مقدورًا؟ فيه قولان (1) حكاهما الإمام في "نهاية العقول"(2).
الحادي عشر (3): قوله: "واعْلَم أن النَّصرَ مع الصَّبر، وأنَّ الفرجَ مع الكرب" فيه حثٌّ على الصَّبر عندَ نزول الكرب، والطمأنينة بالنَّصْر والفَرَج، فالفَرَجُ سببُ النَّصر:{وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126)} [النحل: 126].
ومن جُمْلَةِ الخير: النَّصر، فمَن صَبَرَ انْتَصَرَ، ومَن انتصر حازَ الظَّفر، والكَرْبُ غيرُ دائِمٍ، وعُقْبَاهُ الفَرَجُ، فيُحْسِن العبدُ ظَنَّه بمولاه فيصلحُ عاقبتهُ ودُنْياه، فالإنسان مُعَرَّضٌ للمصائب -لا سِيَّما أهلُ الخير- قال تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ} (4)[البقرة: 155] الآية. فمَن صَبَرَ واحْتَسَب ورضي بالقضاء، وانتظَر ما وُعِدَ من جزيل العطاء بقوله:{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157] الآية، فَنِعْمَةُ الفِعْلَةُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ ضدِّها؛ فالصَّادِقُ وُعِدَ بالنَّصر والفرَج وباليُسْر معَ الرِّضا والصبر والاحتساب، فـ {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)} [الزمر: 10].
واعلَم أنَّ المَعِيَّةَ في هذه الأمور إنْ أُخِذَت بالنَّظَر إلى العلم الأزلي فلائحٌ، لأنهما مُقْتَرِنَان في تَعَلُّق الحكم الأزلي بهِما، أي: لم يكن نفسُ تعلُّقه بأحِدهما بعدَ الآخر، وإنْ تَعلَّقَ بأنَّ أحَدَهُما سيقعُ بعدَ الآخر (5)، وإنْ أُخِذَت بالنَّظَر إلى
(1) والصحيح أن الله قادر على خلاف المعلوم والمراد. انظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "الفتاوى"(8/ 374).
(2)
الإمام يعني به: محمد بن عمر البكري، فخر الدين الرازي، ابن خطيب الري (ت: 606 هـ). وكتابه هو "نهاية العقول في دراية الأصول". انظر: "طبقات الشافعية" للسبكي (8/ 18).
(3)
في الأصل: "العاشر" والصواب ما أثبتناه.
(4)
في الأصل كُتِبَ عليها: "أي: خوفُ العَدُوِّ".
(5)
أي أنهما مقترنان: النصر مع الصبر، إذا وُجِدَ الصبر وُجد معه النصر.
الوجود الخارجي كانت بمعنى "بعد" أي: أَنَّ النَّصر بعد الصَّبر، والفرج بعد الكرب، ويجوز بقاؤها على بابِها، والمعنى: حصوله آخر أوقات الصبر (1).
الثاني عَشَر (2): قوله: "وأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" هو نَصُّ القرآن العظيم، والكلام في المعيَّة كما سلف.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: "لن يَغْلِب عُسرٌ يُسْرَيْن"(3).
ورُوي مرفوعًا في رسالتهِ إلى أبي عُبيدةَ رضي الله عنه، وهو في "الموطأ" عن عمر (4).
يُشيرُ إلى تنكير اليُسْر وتعريف العُسْر، والمُنكَّر مُتَعَدِّد، والمُعَرَّف مُتَّحِدٌ بناءً على أنَّ اللام فيه للعَهْدِ السَّالف، نحو قوله تعالى:{إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 15، 16]. وأبعَدَ مَن قال: الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة.
وقوله تعالى: {وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] المراد في الأحكام، فلا تضاد مع الآية المذكورة، إذِ المُرادُ فيها العسرُ في الأرزاق والمكاسب، قال تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ بالحَنيفيَّةِ السَّمحة"(5).
(1) بمعنى: أنَّ آخِر أوقات الصبر هو أوَّلُ أوقات النَّصر. انظر: "التَّعيين"(164 - 165).
(2)
في الأصل: "الحادي عشر"!
(3)
رواه الفراء في "معاني القرآن"(3/ 275)، وذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"(22/ 358).
ومعناه: أن العُسر معرَّف في الحالَيْن، فهو مفرد، واليُسْر منكَّر فتعدد.
(4)
رواه مالك في "الموطأ"(1/ 574 رقم 1288)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(18/ 317 رقم 34532)، والطبري في تفسيره (7/ 503 رقم 8393)، والحاكم (2/ 300 - 301).
(5)
تقدَّم تخريجه ص (48).
وصَدْرُ الآيةِ دالٌّ على ذلك، وهو قوله تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184].
واعلم أنه لا خفاءَ إذا تعدد اللفظُ واتَّحَدَ المعنى، وكانا مَعْرِفتَيْن أنه راجعٌ إلى معهودٍ سابق، فإنْ كان الثاني نَكِرةً تعدد، وإن كانَ الأول معرفةً والثاني نكرةً أو عكسه فلا، وذلك مع التَّجرُّد عن القرائن.
وما أحسن حكاية العتبي رحمه الله قال: "كنتُ ذاتَ يوم في بادِيَةٍ وأنا بحالة مِن الغَمِّ، فأُلقِيَ في رُوعِي بيتٌ مِنَ الشِّعر، فقلتُ:
أرىَ الموتَ لمن أصبحَ مغمومًا لهُ أروح
فلَمَّا جنَّ الليلُ سَمِعتُ هاتفًا يهتفُ مِنَ الهواء:
ألا أيها المرءُ الذي الهمُّ به بَرح
وقد أنشد بيتًا لم يزل في فكره سنح
إذا اشتدت العُسْرَى ففَكِّر في أَلمْ نَشْرَح
فَعُسْرٌ بينَ يُسْرَين إذا ذكرتَهُ تفرح
فإنَّ العُسْرَ مَقْرُونٌ بيُسْرَيْنِ فلا تَتْرَحْ
فحَفِظْتُهُما، فَفَرَّجَ الله عنِّي" (1).
* * *
(1) ذكرها الفاكهاني في "المنهج المبين"(370).